موقع الكتابة الثقافي uncategorized 74
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

البشير الأزمي

وسمتُ هذه الورقة ” القصة العصية جداً.. مغامرة وتجريب”.

بدءً يجب أن أشير إلى أن التنظير للقصة القصيرة جداً مازال في بدايته، والقول حوله فيه كثير من التحفظات والمحاذير.

لذلك سأسمح لنفسي أن أنطلق، وأنا أقرأ الكثيرَ لكتاب القصة القصيرة جداً، ورقياً وبمواقع الكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، وأحياناً أكتبها، أسمح لنفسي أن أقول إن الكثيرين يستسهلونها، لكن لا يجب مصادرةُ مشروعية وأحقية أي قاص عندما يكتب القصة القصيرة جداً. ليكتب كل من شاء ذلك، فالكتابة ليست قصراً على أحد، ولا يحق لأي كان أن يُحجر على آخر. فالنصوص المنتَجَة، في النهاية، هي الوحيدة الكفيلة بجعل هذا الشكل أن يصبح أولاً نصاً وثانياً أدبياً، وثالثاً تمثيلاً لهذا الجنس أو ذاك. لكن على القاص أن يكون واعياً ومدركاً لأبجديات كتابة هذا الجنس التعبيري الجميل والمشاكس في آن، ولآليات وعناصر السرد التي تُوَظَّفُ فيه؛ كالتكثيف، والمفارقة، والتجريب وغيرها كثيرٌ، وأن لا تقتصر، كما يذهب البعض، على الاختزال والدقة والوضوح والمفارقة والحجم. فالحجم، مثلاً، ليس وحده الذي يعطي القيمة للقصة القصيرة جداً كما يرى البعض، بل هو عتبة من عتباتها، بل هو عتبة أولى.

فنص ” الديناصور” للغواتيمالي Augusto Monterroso(1921-2003) ” عندما استيقظ كان الديناصور ما يزال هناك” يعدُّ من بين أقصر النصوص القصصية التي كُتِبتْ. لكن ليس قِصرُه هو ما جعل منه قصة قصيرة جداً. بل هناك اعتباراتٌ أخرى وقف عندها النقاد وهم يقاربون هذا النص.

قلتُ ليس ” الديناصور” وحده النصَّ القصيرَ في ريبرتوار القصة القصيرة جداً، نجد على سبيل المثال نص”Veritas odium parit” ” الحقيقة” للأرجنتيني ماركو دينيبي:

“Traedme el caballo más veloz, pidió el hombre honrado. Acabo de decirle la verdad al rey”

 ” قال الرجل الشريف اعطوني أسرع حصان..  لقد قلتُ الحقيقة للملك“. أو نص”Passion esdrújula”، ” عشق الخفشاء” للأرجنتينية  Luisa Valenzuela:

.” Penélope nictálope, de noche teje redes para atrapar un ciclope”

بينلوب خفشاء، بالليل تنسج شباكاً لتصطاد سيكْلوبا“.

وفي المدونة المغربية نجد بعض الأمثلة على قِصَرِ حجم النص عند بعض المبدعين، أذكر منهم على سبيل المثال المصطفى كليتي في نص” ذوبان” من مجموعته ” فقط: ”  أحضر قسوته، استنفرت ليونتها، فانصهرت ملوحته في لججها“. ومصطفى لغتيري في نص  ” السكوت من ذهب” من مجموعته” تسونامي”:  ” لكي يصبح الرجل ثرياً، قرر أن يصمت إلى الأبد“. وعبد السلام بوزمور في نص” انكسار”، من مجموعته  ” جراب الخيبات” ” جَبُنَ عن مواجهة أعدائه.. جَرَّدَ من ذاته قريناً.. ناصبه العداء.. انتصر القرين.”، وحسن اليملاحي في نص” أذن فان خوخ”، من مجموعة” مرايا صغيرة“،:” ذات مرة.. سمعت أحدهم يناديني باسمي الأول.. بعد مدة أدركت ما الذي يعنيه“.

لكن قد نجد بعض الكتاب من أمريكا اللاتينية، التي تعد بحق مهد الكتابة القصصية القصيرة جداً، كتبوا نصوصاً اعتبرها النقاد من جنس القصة القصيرة جداً، حتى وإنْ شغلت مساحة ورقية أكبرَ وصلت في بعض الأحيان إلى صفحةٍ أو أكثرَ من ذلك بقليل، كنص “Libros”، ” كُتُبٌ“، للفينزويلي ” Luis Britto Garcia”، أو ” El escriba feliz “، ” الكاتب السعيد” للأرجنتيني Marco Denevi، أو ” Defecto de fabrica”، ” خلل في الصنع” للفينزويلي Leon Fabres Cordero، و “Album familiar”، ” صورة عائلية” للفينزويلي Endodio Quintero ، أو نص”Manco”،  ” أقطع” للأرجنتيني Favian Vique.

وقد نجد نصوصاً أخرى مخالفة للمثالين الشهيرين؛ أقصد القصيرة جداً والطويلة نسبياً، وهي نصوص عبارة عن جملٍ مستقلةٍ كلُّ جملة تشغل سطراً مستقلاً مسبوقاً بعلامة ترقيم 1.. 2.. 3… كنص “Los diez Mandamientos del escritor”، ” عشر وصايا للكاتب” للأروغوايي  Fernando Ainsa، أو حروف الأبجدية    أ – ب- ج.. كنص ” فرانز كافكا” للمكسيكي René Aviles Fabila .

وإلى جانب الحجم إن القصة القصيرة جداً تحتاج إلى قيم جمالية وإنشائية أخرى، كأن تكون لغتُها لغة ًمكثفة مشحونة بالرؤى والدلالات، شريطة أن لا تتحول إلى قصيدة النثر التي لها شروطها وجمالياتها هي الأخرى. ومن بين هذه القيم الجمالية والإنشائية، مثلاً، القصصية- الحكائية، السردية، الإيجاز التركيز، التكثيف، الإضمار، الحذف، الإخفاء، المفارقة، الرمزية، الإيماء، الإيحاء، الإيهام، انزياح المعنى، الغموض، التسريع، التتابعية الداخلية، الثنائيات الضدية، التناصية، الرؤية والرؤيا، التجسيد، الأنسنة، المكاشفة، العلاقة بين العنوان والحبكة والنهاية، النهاية المتوهجة، المساحة النصية، الطبوغرافية ( القصر، الترقيم، التنوع الفضائي، التقطيع)…

في كل عمل إبداعي يعد العنوان دلالة سيميائية محورية؛ وهو أحد المفاتيح المفضية لاكتشاف النص وتفسير حمولاته الفنية والدلالية. ولذلك، من المحبذ أن يكون العنوان في القصة القصيرة جداً ومضة دلالية.، وأن لا يكون كاشفاً لنهايته، لأن في ذلك قتلاً لمتعة الاستكشاف لدى المتلقي.

في الغالب ما يكون العنوان بؤرةَ المتن، فهو خلاصة النص، أو الحامل للإيحاءات التي يفضي إليها المستوى الدلالي لدى المتلقي من خلال استحضار العلاقة القائمة بينه (أي النص) والثقافة والوعي المتشكلين لدى المتلقي، وقد يكون مفارقاً، ومخيباً لأفق انتظار المتلقي. ومضحياً بالمفارقة القائمة على تنافر المعنى المباشر والمعنى التأويلي المقصود..

إن بعض كتاب القصة القصيرة جداً يركزون في أعمالهم على الإخبار، يركزون على المضامين كرهان أساسي، وينسون أن القصة القصيرة جداً تحتفي بالمضمون في إيحاءٍ واختزالٍ وعلاقاتٍ نفسيةٍ وانفعاليةٍ وليس كإخبار و إسهاب وتفصيل. على القصة القصيرة جداً أن يكون مضمونُها أكبرَ بكثير من حجم الكلمات الموظفة، لأنَّ لغة القصة القصيرة جداً لا تحتمل التفصيلات والشروح، بل هي لغة إيجاز وترميز وإيحاء، وحذف إبداعي ( التعويض بالصفر) الذي أشار إليه مقعدو لسانيات النص، وخاصة المنظور اللساني الوصفي، (  لسانيات النص= المنظور اللساني الوصفي/ منظور  لسانيات الخطاب/ منظور تحليل الخطاب/ ومنظور الذكاء الاصطناعي)؛  أقول حيث تغدو اللغة في مجملها استعارةً أو مجازاً في الغالب، شريطة ألا يُخِلَّ هذا الإيجازُ ببنية القصة القصيرة جداً، وأن تكون مشبعةً بالتخييل وبعيدةً عن أن تعكس الواقع، لأن التخييل عالمٌ جمالي موازٍ للواقع وليس انعكاساً له.. وقد نرصد في هذه اللغة تناصاً بينها وبين نصوصِ الحكمةِ والأمثالِ، والنزعةِ البلاغيةِ المُحَصَّنَةِ ضدَّ أَيِّ فوضى لغوية، والابتعاد عن اللغة التقريرية والسطحية والإنشائية؛ فاللغة المكثفة تُوَلِّدُ الدهشة والانفعال.

لغة القصة القصيرة جداً لغة إبداعية، هي لغة فوق اللغة؛ لغة تتكئ على الصورِ الفنيةِ والرمزِ والغموضِ الشَّفافَيْن، وتبتعد ما أمكن عن المترادفاتِ والوصفِ المبالغِ فيه، والحشوِ الذي يلزم أن نبتعد عنه لأنه لا يخدم القصة القصيرة جداً، بل يقتُلُها. وتحتفي بالعادي والمألوفِ دون أن تختنق بهما وتسيجهما بالمنظور التقريري المباشر.

إن القصة القصيرة جداً تحتفي بالمفارقةِ القائمة على تنافر المعنى المباشر والمعنى التأويلي المقصود. وهي منظومةٌ سردية مُتَشَكِّلَةٌ من خلال التقابل والثنائيات الدلالية وغيرها، وهذا أمر يفتح الباب للحديث عن مستوياتٍ لتعدد القراءات، والأصواتِ والإيحاءات. هذه المفارقاتُ لا تظهر جلها من منظور المبدع، بل يُنْتَظَر أن يصل المتلقي/ القارئ الواعي إليها وهو يقرأ النص.

إن الدهشة/ الإدهاش عنصر جد مهم في القصة القصيرة جداً، فعلى القاص أن يكون حريصاً في اختيار عناوين نصوصه بدقة وذكاء، وأن تكون بؤرةُ النص فاعلةً في توليد الدهشة/ الصدمة، وأن تكون النهايةُ مفارقةً أو مفتوحةً توحي بنهاياتٍ متعددة، وأن تكون مولدات الصدمة ناتجة عن غرائبية الفاعل أو الحدث أو الفكرة. كنص ” فرانز كافكا” للمكسيكي  René Aviles Fabila:

” لما استيقظ فرانز كافكا ذات صباح، بعد نوم مضطرب، اتجه صوب المرآة واستطاع ان يتحقق مذعوراً من أنه:

ا- مازال هو كافكا.

ب- لمْ يُمْسَخْ حشرةً مُشوهةَ الخِلْقة.

ج- شكله مازال آدمياً.

اختر النهاية التي تعجبك أكثر، وضع عليها علامة.

قبل الختم، إن القصة القصيرة جداً/ العصيةَ جداً مغامرةٌ وتجريب، وبناءٌ جمالي يكسر ما تم التعارف عليه في الحكاية التقليدية أو النص السردي التقليدي، إلاَّ أن مفهومي المغامرة والتجريب لا يعنيان فوضى الكتابة، بل أن يكون المبدع واعياً بطريقة كتابة القصة، ودارياً، في الوقت نفسه، بمعرفة كتابة نصوص قصصية إشكالية لا تستند في بنائها على بنية النص التقليدي.

وأختم بقولة لمحمود درويش: “النصُّ ليس فضاء تعبيرياً وإنما فضاءُ افتنانٍ يَكُفُّ فيه القارئ عن أن يكون متلقياً ليشارك الكاتبَ في عملية الإنتاج، ويصبحَ منتجاً ثانياً للنص إن لم يكن مبدعاً من نوع خاص”.

شكراً لكم، ودمتُمْ ودامت لكم متعةُ السرد العصي جداً.

…………………..

*تطوان 20 أبريل 2019، عيد الكتاب 2019