الفيل الأبيض

حسني حسن

لسببٍ غامضٍ، لن يُباحَ به أبدًا، أُعلن في البلاد أن البوذا قد قرر توديع النيرفانا، ومعاودة التجسد. ربما كان قراره، السري الغامض ذاك، مفاجئًا، حتى له هو نفسه. وبالرغم من ذلك، فقد بدا وكأنه ظل يُعَد له لسنوات وقرون، هذا بالنسبة إلى ماراج عن المستنير شخصيًا، أمَا بالنسبة للشعب، الذي واصل العيش كل تلك الحقب الزمنية بأمل رجوع البوذا، فقد كان ذلك أكثر، بكثير، من مجرد تحقيق أمنية غالية؛ الأمنية الأغلى للبسطاء، كان إعلانًا باكتمال وعد الخلاص، وبزوال كل ألم؛ كان الإيمان بأن ثمة إمكانية لتجلي الإيمان، وبقدسية الأرضي.
وهكذا، وبكيفية غير معلومة، أخذ خبر مجئ البوذا يتنزل من الجبال، المقدسة الشاهقة، باتجاه الوديان، العميقة الخضراء، ويزحف نحو القرى، الفقيرة الغافية، وحقول الأرز ومصاطب أشجار الشاي القصيرة، وصولاً للنهر، العظيم الطامي، وقلوب الصيادين وأفئدة الفلاحين، ثم صمت معابد الكهنة.
– فلتتزين المعابد لتكون لائقة باستقبال المعلم.
أمر كبير كهنة البوذا تلاميذه والرهبان، حليقي الرؤوس بالموسي، متوردي الوجوه بالنعمة، والرافلين في أرديتهم الصفراء الجديدة.
– ليكن كل شئ على حالٍ أفضل مما تركنا عليها البوذا ساعة رحليه.
أصرَ الكاهن الأكبر، وقد ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة صغيرة غامضة، ففزع الرهبان الصغار، في كل الاتجاهات، يرتبون بيت الجوتاما؛ يفرشون الأبسطة، يفردون الأرائك، يختارون لمتكئه أرق الحشايا وأنعم الوسائد، ويضعون عند موطئ قدميه طست الغسيل الذهبي، المملوء بماء النبع الساخن، الذي تسبح فيه بتلات الورد والياسمين، وتفوح منه روائح بخور المسك.
راح الكاهن الأعظم يشرف، بنفسه كاملة القداسة، على أصغر وأدق تفاصيل عمل الرهبان الشبان، وقد لاح راضيًا عما آلت إليه الأمور، واثقًا من نيله رضا البوذا أيضًا.
راهب واحد شاب ظهرت على وجهه، الضامر النحيل، أمارات الحزن وعلامات عدم الرضا. وبطبيعة الحال، لم تكن عينا كبير الكهنة لتخطئا قراءة وتفسير هذه الأمارات وتلك العلامات، ولا كانت ذاكرة الحِبر الأعظم لتنسى مواقف وأفعال الكاهن الشاب، المشينة، في مناسبات سابقة أقل أهمية. ابتدره بصوته الحازم، مهددًا:
– إياك والوقوع في المحظور يا أناندا.
– سيدي الكاهن الأعظم، أتوسل إليك، إنها فرصتنا الأخيرة للنجاة، لن يعود إلينا البوذا كل يوم، وها قد جاء لتخليصنا ممَا غلبنا، أرجوك فأرواحنا، ولا شئ سواها، على الميزان اليوم.
راحت التوسلات والابتهالات تتدفق من بين شفتي أناندا، كما الحمم التي طال حبسها بجوف البركان، لتصطدم، بغرابة شديدة، بابتسامة ساخرة، مرتسمة على صفحة وجه جليدية، بملامح تليق بعظيم كهنة معبد المعلم.
– كفى يا صديقي أناندا، أو تظن هذا ممكناً؟ كنتَ، وستبقى، غرًا، كما كان سميُك الأول، تلميذ البوذا الأثير إلى قلبه، لكن فلتعلم أن أزمنة الحقائق النبيلة قد ولت، ولم يعد لدى العالم إلا زمن الرمز والطقس، بالأحرى لا يقدر عالمنا اليوم، وربما عالم كل يوم سابق أو تالٍ، على إدراك المعنى، لذلك يبقى من واجبنا أن نشيد له المبنى، ونؤثثه بالسلطة وبالأبهة، فأبناء هذا العالم لا يعرفان سواهما.
– لكن البوذا لم يبشر إلا بالإدراك، وبالفقر.
اعترض أناندا، مُحاججًا. انتبه الكاهن لمحدثه الآن، قبل أن يسأله متهكمًأ:
– تعتقد؟، لا بأس، إذاً دعنا ننتظر، وليتنا نراه، ونسمع منه، مجددًا، بعيوننا وبآذاننا نحن.
في الساعة الموعودة، احتشد سكان الوادي كله أمام ساحة المعبد الفسيحة، بانتظار تجلي مجد رجوع المستنير. وفيما ظهر الكهنة، جلهم، بكامل الزينة وهم يترنمون بالصلوات الداعية للتقشف، قبعت الحشود، العارية الجائعة، تقتات، بصمتٍ مستكفٍ، تراتيل الخلاص المحفوظة منذ آلاف السنين.
من الصباحِ إلى المساء، استمسك الجميع بالأمل في نزول الأمل، لكن عندما آذنت شمس اليوم بعبور الضفة الأخرى للنهر، والتواري هناك، بعيدًا، فيما وراء الغابة، بدأ الوهن يداهم النفوس، المتشوفة الجزعى، ويتلاعب برجائها، منذرة بكارثة وشيكة، وبنارٍ لا تبقي ولا تذر. عندها فقط، أيقن الحِبر الأكبر أن عليه أن يتدخل ويحسم الأمر، وإلا فقد يحدث ما لا يُحمد عُقباه. كانت السنون تمضي لتلقنه، ساعةً بعد ساعةٍ، درس السيطرة لا الإدراك، السلطة لا الإيمان، الرمز لا المغزى، فإن لم يعِ الدرس ويُتقِن فنونه، فلا يلومن ساعتها إلا نفسه.
– أيها المؤمنون الطيبون، أيها الرجال الصالحون، أيتها المؤمنات!!
هتف بصوت جهوري، من أعلى شرفة المعبد، مخاطبًا الحشد، الذي أخذ بالانتباه والإصغاء رويدًا رويدًأ.
– ها أنتم تشهدون بأم أعينكم، الآن، معجزة هذا الزمان، وها هو معلمكم وهاديكم قد آثر أن يعودكم ليُطبب، مجددًا، آلام أرواحكم بحضوره القدسي، فهلاَ استقبلتموه بما يليق بإيمانكم وهو يدب على أرض واديكم بأقدامه الثقيلة؟!
صمت الكاهن لثوانٍ طويلة، حطَ على العالم، خلالها، صمت مشحون، اندهاش وترقب، وبحث خائب عن تلك المعجزة التي لا يبصرها إلا خليفة المستنير على معبده. عاد إلى الصياح مجددًا:
– انظروا هناك، باتجاه الغابة، ألا ترونه؟
أدار الجميع رؤوسهم نحو الغابة. لا، لم يكن هناك شئ ليروه. بدوا منشدهين.
– دققوا النظر جيداً لذلك الفيل، الأبيض الصغير، الذي ينظر إليكم ويدعوكم إليه، ألم تدركوا المعجزة بعد؟ ألا ترون أنه هناك؟ فلتتقدس جميع صورك أيها المعلم الحاضر فينا!
للحظات، ورويداً رويداً، راحت تتراءى للحشد، في عتمة المساء الذي يلف الغابة، ظلال بيضاء متفلتة، غير بينة المعالم، وساد خرسٌ هش متوتر. بغتة، انطلقت من بين الجموع صرخة ملتاعة، باترة ونشوانة، لقروية عجوز، كانت قد فقدت ولدها الوحيد، قبل أعوام، حين نهشه الذئب، ولم تعرف، من بعدها، العزاء. تبع الصرخة الأولى صرخة وصرخات، حتى انخرط الشعب، كله، في صراخ هيستيري راح يصاعد ككريشندو للوجع وللفرح، للوجع في قلب الفرح، أو لفرح الوجيعة.
تنفس الحِبر الآن بهدوء، محافظاً على صمته، المستريح الواثق، لدقائق طويلة، قبل أن يعاود مخاطبة شعب المعبد، داعياً الراهب الشاب لقراءة ما كان قد قاله البوذا لتلميذه الأثير، ذات مرة، وحفظته الكتب. راح أناندا يقرأ بصوتٍ مرتعش بالرهبة، وبالنفور:
– ذلك لأن الفيل هو أحكم الحيوانات كلها، فهو القادر من دونها، جميعًا، على تذكر حيواته السالفة.