العرض

إنجي همام

كنا في الطريق لحضور عرض سنيمائي عن حياة إديث بياف. لم نكن نعلم العنوان على وجه الدقة، وصلنا لشارع القصر العيني وبدأنا في السؤال عن مسرح فيصل ندا، مشينا بضعة أمتار باتجاه “فم الخليج”، كل ما نعرفه عن العنوان أنه يقع في الشارع الصغير المواجه لبرج الأطباء، نسينا اسم الشارع وكذلك رقم البناية، كانت صديقتي السمراء الجميلة، ذات الشعر الطويل والغمازات قاتلة الحلاوة، تتذكر كل الأشياء بشكلها، قالت لي إن المركز الثقافي عبارة عن فيلا صغيرة قديمة، وصلنا للفيلا وولجنا البوابة الحديدية، صعدنا الدرجات القليلة التي أفضت بنا لباب ذو مصرعين صغيرين من الخشب والزجاج والحديد، دقت صديقتي جرس الباب القديم الذي على هيئة دائرة سوداء يتوسطها زر صغير الحجم، لم يظهر أيهم.

 المكان معتم وصامت، في الغالب العرض بدأ وربما لن يقبلوا بدخولنا بعد البداية، سنعود أدراجنا بلا عرض، لا يهم،  سنتسكع بشارع القصر العيني الطويل جدا، حتى نصل لميدان التحرير، إنه أحد أهم شوارعي، في هذا الشارع خطوت خطوات الحب الأولى، وكذلك أولى خطواتي نحو المجد، لا يُعييني المشي فيه مهما مشيت، قبل أن نهم بالتحرك ينفتح الباب عن سيدة، كبيرة في السن ضئيلة الحجم لها وجه نوراني، تتشح بغطاء رأس أبيض كبير يصل لمنتصف جسدها الصغير، قبل أن نتفوه بكلمة تخبرنا إنها البناية التالية لها، نبتسم خجلا ونعتذر بشيء من المبالغة، تزيل حرجنا ببسمتها الكبيرة الودودة، وتخبرنا أنها تمنت لو كان لديها ما طلبنا، نرتبك ولا نعرف بماذا نرد، تسألنا: ماذا هناك الليلة، هل هناك حفل؟، فنرد أنه عرض سينمائي، تسأل عن ماذا، نخبرها “إيديث بياف” مطربة فرنسية، توسع فتحة الباب الذي كانت تقف في منتصفه وتدعونا للدخول، لا أعرف للآن لماذا دعتنا ولا كيف قبلنا الدعوة، ندخل بقوة مغناطيسية، ظننتها سحر السيدة  في البدء، تتبعها قوى ساحرة أخرى في ذلك البيت البديع، بهو صغير مفروش بأثاث فخم يعود للربع الأول من القرن الماضي تقريبا، لوحات زيتية لها طابع واحد لنساء في الأغلب هن نساء العائلة، يقفن جميعا في صورهن بشموخ موحد، شموخ شديد الشبه ببعضه، وكأنه شموخ يخص تلك العائلة وحدها، على الأرض بساط إيراني مزركش يغلب عليه اللون الأحمر، وعلى طاولات صغيرات تتناثر مزهريات من صنوف شتى، لم أتبين بوضوح أين يمكن أن يكون موطن كل منها.

انتظرنا بضع دقائق قبل أن تخرج علينا “إديث بياف” بذاتها، في فستان أسود يصل تحت ركبتيها بقليل، يكشف عن بياض عنقها وجزء صغير من صدرها ، إديث بحاجبيها الرفيعين وأحمر شفاهها القاني، توسطت البهو وأخذت تغني بمنتهى الحماس “non je regrette”.

 مذهولتان نقف أنا وصديقتي ذات الغمازات الفاتنة والشعر الأسود الطويل، لا نفهم ما يحدث، لكن النشوة تأخذنا فلا نلبث أن نشاركها في الغناء، تزداد حالة الحماس في جو المكان، تُنزل إديث بياف إحدى المزهريات وتنتصب مكانها فوق الطاولة، يداها للأعلى وصوتها أعلى وأعلى، أتذكر السيدة صاحبة البيت فجأة، إنها ليست معنا، تُرى أين ذهبت، ما إن تذكرتها حتى حضرت، تحمل ثلاثة كؤس رفيعة طويلة من الكريستال، على صينية صغيرة مستديرة من الفضة اللامعة، شراب لا لون له، تتقدم نحونا بحرص، يداها المجهدة ترتعش قليلا، أحمل كأسي بسرعة وقبل أن أرفعه نحو شفتي أتراجع، أُعطيه لتلك الشادية فوق الطاولة، أدعوها لاستراحة قصيرة، تأخذ كأسها وتنزل، أهم بشراب كأسي بفضول، المشروب له رائحة زهرة أعرفها جيدا، لكني لا أتذكر اسمها، صديقتي تهمس في أذن “إديث” ببعض كلمات تجعلها تضحك بشدة، صاحبة البيت اللطيف لازالت تقف بالصينية، في انتظار انتهائنا من الشراب، كم تبدو امرأة ودود، أشعر بحرارة مباغتة فأستأذنها في فتح الشرفة، يبدو أنهن جميعا شعرن بنفس شعوري، تتبعنني جميعا واحدة تلو الأخرى، شرفة مستطيلة صغيرة، جدرانها مطلية بالأخضر الداكن، تعلوه رسوم لطيور صغيرة مختلف ألوانها، أرضيتها الخشبية تُحدث صريرا كلما تحركت إحدانا فوق تلك الألواح العتيقة، تذهب السيدة صاحبة البيت، وتعود بكؤس أخرى، هذه أكثر برودة وحلاوة، شعر صديقتي السمراء الجميلة، طويل جدا يطير بخفة في الهواء، تتلمسه إديث برفق وتبتسم، تعرضه صديقتي عليها كهدية، لكنها تشكرها وتحمر وجنتاها خجلا، نسمع أصواتا في الداخل وقبل أن نلتفت لنعرف مصدرها تأتيننا الأخريات، نساء العائلة في اللوحات الزيتية، انضممن إلينا في الشرفة الصغيرة، حرارة الغرفة لم يعد يحتملها أحد، لكن تلك الشرفة الصغيرة، لا تحملنا جميعا، تقترح إحداهن الخروج في نزهة صغيرة، تنظر لها صاحبة البيت بغضب لم يكن يبدو مطلقا أنها تملكه، تؤيد أخرى من نساء العائلة الفكرة، نتوحد جميعا، إلا صاحبة البيت، لم أفهم لماذا، تحاول معها صديقتي الجميلة فلا تُفلح، تأخذها إديث جانبا وتحادثها بما لم نسمعه، فتوافق على خروجنا لكنها لن تأتي، حالتها الصحية تُخيفها، نعدها بألا تتعب، مجرد نزهة صغيرة.

بعد محاولات ومحايلات وافقت، خرجنا من ذلك الشارع الصغير الذي لم نعرف اسمه صوب شارع القصر العيني، شارعي الحبيب، ثلاث نساء في أثواب السهرة بهية الشكل غالية الثمن كما يبدو، شعورهن خلف رؤوسهن على هيئة كعكات صغيرات، وإديث  في ثوبها الأسود متوسط الطول بشعرها المجعد القصير، أنا وصديقتي نرتدي الجينز وقمصاناً قطنية خفيفة ذات ألوان فاتحة، والسيدة الودود في جلبابها الأبيض وغطاء رأسها الطويل، سبع نساء مشينا بعرض الشارع، خطواتنا على قدر طاقة السيدة الودود، الهواء يلفحنا بخفة، السيارات تُفسح لنا الطريق، لم يغضب أيهم من بُطء حركتنا، لم نسمع أي زمّور ينهرنا لنبتعد أو نُسرع، هل هو جمال سيدات العائلة الأنيقات؟ أم سحر إديث بياف؟ أم طاقة الود التي يمكن للسيدة الودود أن تغلف بها العالم؟

أنا وصديقتي مذهولتان مجددا، للتو أتينا من نفس الطريق، لم يكن العالم بتلك اللطافة، محال البقالة التي يزيد عمر بعضها عن مائة عام تُرسل روائحها التقليدية، روائح تدل على جودة المذاق والصنف، روز اليوسف لم تُغلق أبوابها بعد، البوابات الزجاجية مشرعة وأحدهم في طريقه للدخول ببذلة أنيقة كاملة، تتوسطنا إيديث وتدندن، نتأبط أذرع بعضنا البعض ونقفز قفزات صغيرة من وحي دندنة إيديث، تضحك السيدة الودود وتطلب منا الترفق بحالها، عرض الليلة على وشك البدء في مسرح السلام، جمهور المسرح المزدان بإضاءة ملفتة يدخل تباعا، لم تكن بأينا رغبة لحضور أية عروض، فقط المشي طويلا في ذلك الطقس البهيج، على خطوة السيدة الودود في ذلك الشارع الطويل شعرنا أن السير أبدا لن ينتهي، عندما أشرفنا على الميدان طالبتنا بالعودة، لم تستطع المشي أكثر، في دقائق معدودة أعادنا التاكسي للبيت، لم نكن لنتركهن يعدن وحدهن رغم تأخر الوقت.

 على باب بيت السيدة الودود ودعنا الجميع، نساء العائلة صعدن للوحاتهن الزيتية مجددا وإيديث ذهبت من حيث أتت، سلمت علينا السيدة صاحبة البيت بحرارة مؤكدة وجوب عودتنا وقتما نحب، تأبطتُ ذراع صديقتي السمراء ذات الغمازات الفاتنة والشعر الطويل، عدنا لشارع القصر العيني، خطوات سريعة لاهثة حتى لا يفوتنا آخر قطار، عندما بدأت محال الأدوات الطبية في الظهور دخلنا أول شارع جانبي واتجهنا صوب مترو الأنفاق.