موقع الكتابة الثقافي art
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

أحمد نصار

بلدتنا معروفة بين مثيلاتها القريبات بأنها أكثرهن جفافاً وأقلهن إنتاجاً ولذلك أغلب رجالها رعاة غنم لا يرون بيوتهم إلا إذا رجعوا للمبيت.

وعدم الخروج لمرض أو غيره يعني -بطريقة أو بأخرى-الجوع، اليوم أو الغد لا يهم، المهم أنه قادم لا محالة، لذا اعتاد الناس الخروج كل يوم حتى لو كانت أجسادهم عليلة أما أمراض النفس فلا يعترفون بها أو بالأحرى لا تعترف لهم حياتهم الشاقة بها.

وفي بلدة كتلك، يكون الفقر مشروعاً جداً، فترى المساكن، والتي هي عبارة عن عشش من القش، منتشرة بعشوائية كأنها قطرات مطر، لكن واحد منها فقط لم يكن قطرة بحال، بل بحيرة أو بئر ماء متجمع.

قصر عملاق ذو حديقة غنّاء بورود فواحة، أشجار عاليات، ونوافذ وشرفات.

ترجع ملكيته إلى أسرة واحدة، يرث بعضها بعضاً، ممن كُتب لهم الغنى مذ اهتدى جدهم إلى البئر الوحيد، والذي لا يعلم إلا الله من أين امتلأ، من حفره، وكيف وجده مثل هذا المحظوظ الذي –بدون ذلك الحظ-كان راعي غنم شأنه في ذلك شأن جميع رجال القرية اليوم.

لكن الحظ لا ينظر للجميع بنفس العين.

المهم أنه حين وجد البئر، استنتج أن المساحة المحيطة به هي الأخرى تحتها مياه تكفي بلداناً وبلداناً، فحفر بئرين آخرين، وبنى عشه الأكبر جاعلاً الآبار ضمن مساحته، وزرع ليأكل، فكانت تلك هي القطعة الوحيدة من تلك الأرض التي كتب عليها أن تُزرع وأن تَنفض صفارها وجفافها فتبدله بخضار الخير والجمال.

سنوات مرت فيها قوافل تجارية وأخرى مسافرة لقهر أو لجدب، وتوافد الناس أفواجاً، فاستقروا، ومن هنا جاءت قطرات المطر المتناثرة أو العشش الفقيرة.

وفي حركة رآها الجد ذكاءً بينما رآها الآخرون استغلالاً صرفاً أعلن لهم أنهم إذا أرادوا الحياة ها هنا وإذا رغبوا في الماء ليرتووا، فإن من حقه أن يجعلهم يدفعوا ثمنه، وهكذا بُني القصر وهكذا كانت بحيرة الخير مقصورة على صاحب الحظ الأوفر والأسبق.

في أول الأمر قدر قلة على الدفع والزراعة أيضاً، لكنهم ليسوا ذووا ثروات وأراضٍ فكان من المتوقع ومن الطبيعي أن تتوقف تلك العادة الخبيثة وتنحصر تعاملات المعذبين في الأرض مع صاحب القصر على مياه الارتواء فقط.

سنوات طوال مات فيها الجد وورثه أبناءه وأحفاده.

كلَّت الأجساد؟

كلَّتْ.

أُرهقت الأرواح؟

أرهقت.

ماتت الآمال؟

لم تولد يوماً.

كرهنا أصحاب القصر، لكن لم ينطق أحد بكلمة، كانت المشاعر تظهر في العيون، لكن الألسنة تهاب انقطاع الماء، فكرهناهم في صمت.

وكما ضرب القدر منذ سنوات بعيدة ضربته في وجود البئر للجد، ضرب مرة أخرى وكُتب للأرض الجافة أن ترى الماء.

فغابت الشمس وراء السحب الزاخرة والأمطار الهائلة، ولأول مرة امتنع الناس عن الخروج لعملهم، لكن ليس فرحة بالمطر وإنما خشية منه.

نعم، كان المطر قاسياً وكانت الفرحة قصيرة للغاية لتعقبها فيضانات الرعب والحزن.

لم تأخذ المساكن ساعاتٍ قليلة إلا وانجرفت.

غرق العديدون، من الرضع وحتى أقوى الشباب وأكبر العجائز.

كان الماء يتخير منهم أسماءً مكتوبة.

هرعنا إلى القصر، على الربوة العالية الوحيدة في المكان كله، قضينا ساعاتٍ طوال، ننقذ بعضنا بعضاً، نمد الأيادي، ونلقي بأخشابٍ تلقيها بعض مياه الفيضان المشفقة على حالنا، نلقيها إلى من بالماء ليتمسك بها فنسحبه نحونا، حتى غابت الشمس غيابها الشرعي هذه المرة.

لا المطر يتوقف ولا نحن نتوقف عن الارتجاف.

كان علينا إذا أن نسأل.

انهال من بقيت فيهم طاقة أو من استمدوا من الخوف قوتهم –وكنتُ منهم-على بوابة القصر بأيديهم منادين على ملَّاكه، صارخين، ومستنجدين حتى فقدنا الأمل في أن يفتح أحدهم لنا.

انطلقنا -نحن الرجال-نحو الأسوار نبحث فيها عن ثغرة.

كانت عالية للغاية ولا سبيل إلى تخطيها وإن وقفنا فوق رؤوس بعضنا.

المياه خلفنا وليس إلا القصر أمامنا، كنا نلتصق بالأسوار التصاقاً، فالماء وصل إلى أقدامنا بالفعل، وبدأنا نشعر بالتيار، ولا ثغرة.

حتى وإن أردنا الحفر أسفل منها، فكيف والفيضان ينتظرنا بفمٍ لا يعرف الشبع؟!

عدنا إلى البوابة الضخمة نصرخ جميعاً بنفس الوقت، حتى الأطفال شاركونا، وحتى الرضع إلا أنهم يصرخون فزعاً بالطبع.

تبودلت النظرات، قُرِأَت الرغبات، وتوحدت النيات.

ابتعد الضعفاء ووقفت إلى جانبنا النساء القويات وبدأنا نلقي أجسادنا بتوقيت ونظام واحدٍ ثابت، كل ثانيتين تقريباً، نلقي أنفسنا على البوابة التي بدأت ترتج بالفعل، كما بدأت قلوبنا تهتز، صخور اليأس تتفتت، ودموع الأمل وجدت طريقها إلى العيون.

بدأت تنخلع، ورأينا سلاسلها الحديدية التي كانت داخل الأسوار الإسمنتية.

حين بدأنا نعد الضربات الأخيرة بينما الفيضان قد وصل إلى قصبات أرجلنا، صرخت وقد غامت رؤيتي منذ زمن، لكن لم يغم عقلي أو يغب، صرخت أنبههم وأشير بيدي إلى الماء، وأن مثله سيندفع نحونا من الداخل، فانقسمنا نصفين: بعضنا إلى أقصى الجانب الأيسر والآخرين إلى أقصى الجانب الأيمن.

خلعنا قمصاننا وملابسنا، حتى سراويلنا، وربط كل فِرق ملابسهم لتشكل حبالاً تمسكوا بها جيداً.

كنت على الجانب الأيسر وقابلني صديق شاب مثلي، لأننا أشد الواقفين بنياناً، وبدأنا نلقي نفسينا بنفس الطريقة السابقة ولكن أسرع.

انفتحت البوابة واندفعت المياه عظيمة كما توقعت، درجة أن سقط صديقي لكن بدلاً من أن ينقذه مرافقوه، أوقعهم معه، وخطفهم التيار نحونا فجعلت صديقي يمر، ثم بدأت أحاول الإمساك بالثاني، الذي أفلت هو أيضاً، لكن أمسكت بالثالث ومن معي أمسكوا بالأوليين، فأنقذنا كل من تمسك بالرباط وغرق من أفلته.

عندما تساوى منسوب الماء وبعد الإنقاذ، جاء دورنا نحن لنندفع.

وجدنا بشراً؟

وجدنا.

وقع شر؟

دون إرادة وقع.

لا أعلم السبب الذي جعلنا نقتلهم، كان كل شيء يمضي كأنه محسوب ومنظم، كأننا تروس في ماكينة عملاقة، لنا وظائف محددة.

كانوا أكثر منا، لكن أضعف، رغم أنهم المتدفئون، الأصحاء، والشبعانون.

والعجيب أنه مع آخر صرخة لآخر واحدٍ منهم، توقف المطر، وابتعد الطوفان.