“الشتا اللى فات”.. شحنة درامية لم تكتمل

“الشتا اللى فات”.. شحنة درامية لم تكتمل

“الشتا اللى فات”.. شحنة درامية لم تكتمل

“الشتا اللى فات”.. شحنة درامية لم تكتمل

“الشتا اللى فات”.. شحنة درامية لم تكتمل

“الشتا اللى فات”.. شحنة درامية لم تكتمل

"الشتا اللى فات".. شحنة درامية لم تكتمل

“الشتا اللى فات”.. شحنة درامية لم تكتمل

 رامي عبد الرازقما الذى يجعل أى مخرج يُقدم على صناعة فيلم عن الثورة؟ أهو الانفعال بالحدث، أم محاولة تأريخه، أم طرح وجهة نظر عنه؟! فى الحقيقة فإن النوايا لا تعنينا. ما يهمنا هو وجود شحنة انفعالية بالتجربة تمس المتلقى على أى مستوى، سواء النفسى أو العقلى، وفيلم «الشتا اللى فات» يحتوى على بعض هذه الشحنة، وإن كانت لم تكتمل.

المشهد الأول يبدأ يوم 25 يناير، حيث ينهض «عمرو» من النوم ليفتح الإنترنت، ونسمع على شريط الصوت شخصاً يتحدث عن تسجيل شهادة لأحد المتظاهرين حول تجربته فى أمن الدولة، وهو خطأ سردى غريب، فعلى الشاشة مكتوب إن اليوم هو 25 يناير، ومن الواضح أنه الصباح، لكن الفيديو يقول صوتياً إن لقاء الشاب بالشخص الذى سجل له شهادته كان يوم 25 يناير فى المظاهرات! معنى هذا أن الرسالة لم تكن قد سجلت بعد صباح 25 يناير، وقت استيقاظ «عمرو».

نسمع، ونرى الرسالة كاملة بشهادة من عاشها، وهو مراسل صحفى عاد من البوسنة، واعتقل فى أمن الدولة، وتم تعذيبه، أخو المخرج إبراهيم البطوط، تنقلنا تلك الشهادة إلى شتاء 2009 لنتعرف على ذكريات «عمرو» عن اعتقاله فى أمن الدولة.

يكثف لنا الفيلم بصريا حالة «عمرو» من خلال لقطة مكررة لشرفته التى تقع أمام حائط صد كأنه سد منيع يمنع عنها الرؤية ويجعلها دوما جانبية، وهى دلالة شكلية جيدة، فبعد الفلاش باك الذى يتقاطع داخل سرد الحاضر طوال الفيلم ندرك سبب كون «عمرو» هادئاً كسولاً لدرجة الموت، وكأنه تحول إلى شخص «لا منتمى» بسبب تجربته القاسية فى أمن الدولة، وبالتالى هو أمام جدار يعزله عن الحياة والبلد، خاصة بعد أن نكتشف أن أمه ماتت أثناء فترة اعتقاله التى دامت أكثر من ثلاثة شهور، بحسب التواريخ المكتوبة على الشاشة خلال الفلاش باك.

هل مشكلة الفيلم فى نمطية الحدث الدرامى؟ ففكرة اعتقال شخص فى أمن الدولة وتحوله من ناشط إلى «لا منتمى»، ثم استيقاظه ذات صباح على الثورة – فكرة تقليدية ومكررة، وحتى لو تعاملنا معها بصريا بشكل جيد، فستظل فى دائرة الشكلانية، لأن الحدث هو ما يعطى للصورة قوتها، خاصة فى الأفلام السياسية، لكن لا يمكن إغفال عنصر الشهادة، أى شهادة المخرج عن أحداث فيلمه، ربما لهذا بدأ الفيلم من خلال شهادة مطولة لشخص حقيقى عذب فى أمن الدولة، وكأنه يسوق لنا مفتاح قراءة الفكرة النمطية من زاوية جديدة.

لا يتوقف الفيلم أمام أسباب اعتقال «عمرو»، نسمع جملة لها علاقة بغزة، لكن تجريد السبب لدرجة ما يجعلنا نشعر بجحم الخوف الذى كان يتكثف فى صدور الشعب من فكرة الاعتقال حتى دون مبرر لمجرد الاشتباه او التأديب.

 

ثانى شخصيات الفيلم هى «فرح» المذيعة فى برنامج «قلب البلد»، الذى حاول المخرج تحويله شكلاً ومضموناً إلى إعادة تقديم حلقة برنامج «البيت بيتك» الشهيرة مساء 25 يناير، تدخلنا «فرح» فى أزمة درامية، وهى المباشرة الفجة والحديث المكرر عن دور الإعلام وحال البلد والكذب على الناس، فى مقابل صمت «عمرو» ونظراته المليئة بصراخ مكبوت وعذاب داخلى، تأتينا «فرح» بثرثرتها السياسية السطحية وموقفها الدعائى وشخصيتها غير الناضجة درامياً.

يحاول السيناريو أن يوازى ما بين تحول «فرح» من كونها خائنة إلى ناشطة سياسية، وبين تحول «عمرو» من شخص «لا منتمى» إلى شخص مؤمن بالثورة، ندرك خيانة «فرح» من خلال مشهد فلاش باك حوارى بين «عمرو» والضابط السادى «عادل»، يقول له إن «فرح» هى التى أبلغت عنه، فى حين يفلح سينمائياً مع «عمرو»، وتعوقه المباشرة الشديدة فيما يخص «فرح».

ثالث الشخصيات هى ضابط أمن الدولة «عادل» بكل نمطيتها، فهو سادى بلا قلب، جامد الوجه، يعيش فى مستوى اجتماعى خرافى يظهر من خلال سيارته الفارهة ومنزله الفضائى، وخادمة المنزل الأجنبية، وفيلا العين السخنة، وهى محاولة لإضافة عنصر طبقى إلى جانب العناصر «الشريرة» الأخرى فى الشخصية، وهو عنصر أفقد الشخصية جزءاً من مصداقيتها، وجعلها أشبه بالتشهير منها للنموذج الدرامى الجيد والمتوازن، فلم تكن الطبقية المادية جزءاً من مشكلة الشعب مع الجهاز، لكن الطبقية السياسية والديكتاتورية والتسلط والقهر، لم يشكل مستوى الشخصية المادى فرقاً فى المغزى السياسى سوى من باب النميمة الطبقية فى غير محلها.

أزمة الشخصية أيضاً لم تتوقف عند حدود أبعادها الدرامية، وتجاوزت ذلك لأداء الممثل نفسه صلاح الحنفى الذى بدا فجاً وشعبياً بصورة متناقضة مع مستواه المادى والاجتماعى والمهنى، وحتى لو كان هذا التناقض مقصوداً، فقد أفقد الشخصية الدرامية قوتها، وجعلها محوراً للتهكم والسخرية، خاصة فى مشهد حديثه مع الضباط الأقل منه رتبة، رغم أن قوة الممثل والشخصية، على حد سواء، تجلت فى مشاهد الصمت ونظرات العيون الجامدة التى لو كان المخرج اكتفى بها لتجاوز بالشخصية حدود الافتعال فى الأداء المتوازن.

اعتمد «البطوط» على حركة كاميرا جانبية نحو اليمين أو اليسار تنتقل بنا بين الغرف المغلقة التى تدور معظم الأحداث فى داخلها: غرف التحقيق، شقة عمرو، الاستديو، شقة جيران عمرو، غرفة البواب، أشعرتنا تلك الحركة البصرية بأن الشخصيات معزولة بشكل أو بآخر، أو خائفة، أو فى انتظار حدوث شىء ما، وهى مشاعر حقيقية وقت الثورة بالفعل.

السيرة الذاتية

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:230. Generation time:3.839 sec. Memory consumption:46.9 mb