الشبح
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

صفاء النجار

فوجئتْ برسالتها على الخاص ‏

‏- صباح الفل يا صافى، إيه القمر ده فكرتينى بأيام زمان.‏

كان اسم الراسلة واضحًا على البروفايل، «ريهام محمد حسن» لكنها لم تتذكر أنها تعرف هذا الاسم. ‏

ردت عليها على أمل أن تتعرف عليها، تتذكرها.‏

‏- ريهام، صباح الفل، شكرًا لذوقك، هى فعلًا الصورة من أيام زمان.‏

ردت: ‏

‏- آه يا ريتها ترجع، وبعدين إيه يا بنتى الرسميات دى.. ذوق إيه!‏

يا بنتى، لا بد أنها كانت صديقة مقربة منها. ‏

تباسطت لأقصى ما تستطيع. ‏

‏- ولا رسميات ولا حاجة يا ستى.. ده بس جر كلام.‏

اختفت من صفحة الدردشة.‏

أسلوبها المتدفق فى الحوار، جعلها تتردد أن تسألها مباشرة من هى؟ وتكشف لها عن عدم معرفتها بها، خافت أن تجرحها، هل هى زميلة أيام الابتدائية، الإعدادية، الثانوية.. ستحاول أن تعرف. ‏

ولم ترغب أن تقطع خيوط ما اعتقدت أنه مصدر جديد للإلهام، لم تكن تجيد لعبة الاختباء والمناورة، ولكنها تعرف من تجارب قليلة أنها إذا دخلت السباق ستكسبه بوعيها الفطرى.‏

اتصلت بشقيقتها الصغرى، فربما كانت دُفعتها فتكون زميلة مدرسة وليست زميلة صف دراسى، تبادلتا حديثًا طويلًا عن رفيقاتهما، تثبتت من بعض المعلومات واستبعدت معلومات أخرى.. سألتها ‏صراحة إن كانت تتذكر «ريهام محمد حسن»، نفت شقيقتها أى معرفة أو ارتباط بهذا الاسم. ‏

كم من الأشخاص تسربوا من ذاكرتها؟ كيف تستعيدهم؟ دائمًا ما كانت تعتمد على ذاكرتها البصرية، تشك كثيرًا فى ذاكرتها السمعية، لم تعد تتفاعل وهى صغيرة إلا مع عدد محدود من أغنيات ‏فيروز.. وكان التكرار كفيلًا بحل شفرة لهجة فيروز الملغزة لها، وعندما اقتربت من الأغنيات الأجنبية، إنجليزية أو فرنسية، كان طريقها عبر قراءة الكلمات. ‏

غابت يومين وعادت للظهور بدون مناسبة، كأنها تكمل حديثًا قطعته للتو، لترى من دق جرس الباب.‏

‏- أنتِ عارفة كنا إزاى، ولسه الحنين لصداقات الطفولة، أنا عن نفسى ملقتش زيها، يا رب تكونى لقيتى الأحسن.‏

ردت بحياد وقد أربكها عدم وجود أى صدى لديها لهذه الحميمية والحنين الذى لا تشعر بأى منهما: ‏

‏- ريهام حبيبتى إزيك وإيه أخبارك؟ أنتِ بتشتغلى فين دلوقتى؟ ‏

ردت: ‏

‏- أنا شغلى فى وسط البلد. ‏

‏- بتشوفى حد من صحابنا القدام؟

‏- صدفة كل كام سنة لما أقابل حد فى الشلة القديمة بعيالهم، بقى شكلهم مختلف خالص، بيصعبوا عليّا. المسئولية باينة عليهم قوى. وأنتِ كيف حالك ولماذا تتحدث من موقع الخالى البال، استجمعت ‏من ذاكرتها صديقات الابتدائية والإعدادية سألتها: ‏

‏- فاكرة، جيهان عسل؟، أسماء نصار؟، دعاء همام؟

‏- فيه أسامى كثيرة واقعة منى، فاكرة اسم البنت بس لكن ناسية اسم عائلتها.‏

‏- إيناس الأهوانى، دعاء عبدالرازق، سميرة اللى كانت معايا فى الإذاعة المدرسية؟

‏- ردت بحنين زاعق فى حروفها:‏

‏- ياه فكرتينى بالذى مضى.‏

‏- وأنت بتشتغلى فين دلوقتى؟

‏- فى جريدة المصرى اليوم.‏

تحصر صديقاتها فى مدرسة حلوان الثانوية بنات: سميرة حسين، نعمة عبدالحميد ذهبتا لكلية الهندسة، دعاء عبدالقادر الصيدلة.. لم تعمل بالإعلام من صديقاتها سواها.. من هذه الريهام التى لا ‏تبعث فى داخلى فرحًا أو حزنًا أو أسى أو ندمًا. ‏

لماذا لم تعتذر لها منذ البداية وتوضح لها أنها لا تذكرها وتتعلل بألزهايمر الشماعة التى نستخدمها جميعًا كعادتنا فى تبرير كل الأشياء، وتسطيح كل المصطلحات وتفريغها من مضمونها؟.. تتصفح ‏صفحتها، لا تجد أصدقاء مشتركين قدامى، كلهم شخصيات تعرفت عليهم بعد دخولها عالم الكتابة.‏

كيف قبلت صداقتها؟ تشعر أن هناك كثيرين لا تعرفهم يتجولون على صفحتها، تدخل صفحتهم لتجدهم أصدقاء، متى قبلتهم؟ لا تتذكر. تبحث عن الاسم على موقع «المصرى اليوم» فلم تظهر ‏سوى متفرقات لا تهديها لشىء. هى لم تقل إنها صحفية؟ ربما كانت مصححة؟ أو سكرتيرة؟ أو فى قسم الإخراج الفنى. ‏

لو أنها رأت صورتها، ربما تذكرتها.‏

‏- ريهام، ابعثى لى صورتك، شكلك اتغير كتير؟

‏- النت بطىء قوى، هنزل ويندوز جديد، وابعتهالك.‏

ما هذه السخافة؟ ما هذا التلاعب؟ ‏

أكملت. ‏

‏- الصورة بشعرى برده، إنتِ نسيتى شكلى ولّا إيه؟، وحشتينى قوى يا ريت نتقابل، هستأذن ماما، وأعدى عليكِ يوم الجمعة فى بيتك.‏

انتظرتْ أن تكتب لها تسألها عن عنوان بيتها، أو تحدد موعدًا للزيارة، لكن شيئًا من هذا لم يحدث، وظلت «ريهام محمد حسن» مجرد وردة فى صورة البروفايل، ومع كل بوست تنشره، تجد علامة ‏اللايك كاملة وتعليقًا على صورة بين حين وآخر وتوقيع «ريهام محمد حسن».‏