الخطاب النقدي المعاصر

الخطاب النقدي المعاصر

الخطاب النقدي المعاصر

الخطاب النقدي المعاصر

الخطاب النقدي المعاصر

الخطاب النقدي المعاصر

الخطاب النقدي المعاصر

الخطاب النقدي المعاصر

د.مصطفى عطية جمعة

     بالنظر إلى الساحة النقدية ، فإننا نجدها معبرة عن المخاضات الثقافية العربية بشكل عام ، وتطور الحركة النقدية العربية بشكل خاص ، ويمكن أن نرصد ثلاث مراحل للنقد الأدبي في عالمنا العربي والتي يمكن النقاش حول وجودها في أقطار العالم العربي مع تفاوت بينها . 

المرحلة الأولى ، وبدأت مع حركة الإحياء الشعري الجديد في أواخر القرن التاسع إلى بداية القرن العشرين ، وفيها نجد النقد على غرار كتب نقد العربي القديم بل اجترار لهذا الموروث الكبير ، مثل أعمال ابن سلام الجمحي ، وعبد القاهر الجرجاني ، والقاضي الجرجاني ، والسكاكي ، وغيرهم . وكان النقد شذرات وملامح في مجمله ، متسقا مع مدرسة الإحياء (الكلاسيكية الجديدة ) ، ونرصد بوضوح غلبة النزعة التذوقية والانطباعية ، التي تتخذ من الشعر العربي في عصوره الذهبية نموذجا لها .

   المرحلة الثانية ، وتبدأ مع مطلع القرن العشرين إلى ستينيات القرن العشرين ، مع مدرسة الديوان ( العقاد ، شكري ، المازني ) ، وما أخذته من اطلاع شعرائها المباشر في الأدب الإنجليزي ، خصوصا شعراء الرومانسية ، وقد كانت طروحاتهم النقدية كالأحجار التي حرّكت الراكد في الساحة الأدبية ، خصوصا أنها توجهت بالهجوم إلى الشاعرين الكلاسيكيين شوقي وحافظ ومن سار على دربهما مطالبين بإعلاء الوجدان وتحديث الرؤية الشعرية ، وهو ما أكملته جماعة أبوللو وشعراء المهجر والمدرسة الرومانسية بشكل عام . كان الخطاب النقدي في هذه المرحلة يتجه إلى الموضوع والطرح الفكري والشعوري في الأساس وعُرفَ باسم الدراسة المضمونية وقضايا الموضوعات، وكانت رؤيته الفنية تقليدية تقف عند الصورة الفنية وبلاغة المحسنات ، فيما يعرف باسم الدراسة الفنية . وفي نهاية هذه المرحلة رأينا إرهاصات النقد النفسي في كتابات العقاد والنويهي ، وكذلك مدرسة النقد الجديد للشاعر إليوت .

   المرحلة الثالثة ، وتبدأ منذ أوائل السبعينيات ، وإلى يومنا الحالي ، ويمكن أن نسميها مرحلة الانفجار في المناهج النقدية ، حيث توفّر عدد من النقاد العرب من مصر والشام والمغرب العربي والعراق وتسابقوا لنقل الجديد من المناهج النقدية الغربية ، على تنوّعها بدءا من الشكلانية الروسية والبنيوية والأسلوبية والتناص والسرد ، مرورا بالتأويل والنقد الاجتماعي والنقد النفسي وانتهاء بالتفكيكية . وبالطبع فإن هذه المناهج أحدثت ثورة في عالم النقد ، وفي دراسات النصوص والغوص في أعماقها ، وإعادة اكتشاف جماليات النصوص قديمها وحديثها ، وقراءة التراث النقدي والبلاغي في ضوئها ، بهدف التأصيل أو استكشاف الجديد فيه .

   ولكن المشكلة كمنت في ظواهر عديدة ، ارتبطت بالمرحلة الثالثة تحديدا ، وتتمثل في تعصب بعض النقاد لما نقلوه أو ترجموه من الغرب ، والاحتفاء به بأنه غاية الدرس النقدي ، وصاحب ذلك استلاب حضاري ، أعلى من الآخر / الغرب ، وقلل من الذات . بجانب أن كثيرا من المترجمين والنقاد كانت لغتهم النقدية مبهمة وعالية المستوى ، وفيها تعال على القارئ العادي ، وفي بعض الأحيان القارئ المتخصص  كما وبالغوا في التنظير على حساب التطبيق ، والأهم – من وجهة نظري – أنهم انعزلوا في أكاديميتهم ومعاهدهم عن الحياة الثقافية ؛ في الوقت الذي واصل النقاد القدامى أو المجتهدون أو المدّعون اتباع النهج القديم ، فبات المشهد فريدا، نقاد أكاديميون يستخدمون مصطلحات أجنبية أو معربة ، ونقاد متكلمون يستندون إلى الذائقة والدربة ، الفئة الأولى خطابها نخبوي ، والثانية خطابها مجاني .

النقد الأدبي والسرد العربي ( نموذج مصر ) :

    لو تناولنا السرد في مصر كأمثلة ونماذج إبداعية ومتابعات نقدية ، فيمكننا الجزم من المنظور النقدي أن السرد في مصر يعبر عن تطور السرد العربي المعاصر ، مع تفاوت في الخريطة الإبداعية العربية هنا أو هناك ، ما بين بدايات مبكرة أو متأخرة، وما بين مستويي الوعي والإبداع والبناء الجمالي ، فالثقافة العربية لها مراكزها المعبرة عن تطوراتها ، وعندما نذكر أحد المراكز فلا يعني الأمر إعلاء لهذا المركز أو ذاك ، ولا الانحدار للقطرية المفرقة ، ولا أيضا التعصب للقومية المتحجرة؛ التي تغمط حقوق الثقافات المتعايشة معها جنبا إلى جنب مثل ثقافة الأمازيغ والأكراد والنوبة وغيرها ، وهي ربما تختلف عنا لغويا ، ولكنها متوحدة شعوريا وفكريا ودينيا وفي العادات والتقاليد والتوجهات المستقبلية والتاريخ المشترك.

   بدأ السرد في مصر مع مقامات المويلحي ، وفيها عودة على بدء مع سرديات تراثنا العربي الرائعة ومنها فن المقامات ، فلا عجب أن تكون البدايات الأدبية في عصر الإحياء الحديث بالاستناد إلى موروثنا الزاهي ، في الشعر والنثر والسرد .

    ثم جاءت أول رواية عربية وهي رواية ” زينب ” لمحمد حسين هيكل ، وفيها ظهر البناء الروائي الحديث نسبيا ، الذي يحمل خصوصية الواقع في الريف المصري والذي لا يفترق كثيرا عن مثيلاته في الريف العربي ، إذن يكون التميز هنا بأمرين : تبني الشكل الغربي في السرد ( الرواية ) ، والغوص في مشكلات الواقع وقضاياه ( الطرح ) .

     وقد استوى عود القص على أيدي أجيال متتابعة من المبدعين ، في حلقات متصلة ، يمكن عند دراستها أن نلاحظ كيف أن السرد كان نهما في التطور والنهل من المنجز السردي العالمي ، حتى وصل إلى آفاق جمعت ما بين التميز في الطرح والأسلوب والشكل ، ولعلني أؤكد أن التطور الإبداعي في الثقافة العربية المعاصرة كان من السرعة والجودة ، بحيث أنه استطاع أن يختصر تطورات الإبداع العالمي، والأهم أنه حفل بخصوصية ثقافية .

   هذا ، ويمكن أن نقيم السرد في مصر باستطاعته التعبير عن المجتمع المصري بتنوعه ( ريف ومدن ) ، وشرائحه الاجتماعية ، وهويته الثقافية ، وجذوره التاريخية ، وقضاياه السياسية وصراعاته الفكرية . وبعبارة أخرى، فإن السرد المصري مرآة عاكسة لمصر التاريخ والثقافة والهوية والسياسة والوجدان الجمعي والتطور الاجتماعي والمشكلات الإنسانية .

    هذا منظور موضوعاتي ، أما على المستوى الفني ونعني به أبنية السرد وأساليبه، فيكفي أن نقول أنها متعددة بتعدد الساردين ، متنوعة في مسيرة كل سارد، غزيرة مواكبة للسرد العالمي في مختلف أشكاله وأنماطه واتجاهاته .

ولكن المشكلة التي أراها ملحة من منظور الأديب والناقد ؛ هي غياب المتابعة النقدية الحثيثة والجادة للأجيال الجديدة في السرد ، وأعني بهم الأجيال التي ظهرت في العقود الثلاثة الأخيرة ، وهي على كثرة مبدعيها ، على قلة نقادها ، فلا توجد ما يسمى خريطة للسرد الجديد في مصر ، وبالتبعة للسرد في العالم العربي، وتلك إشكالية كبرى ، دالة على غياب النقد والنقاد ، واكتفائهم بالتعليق والدراسات المتفرقة عن كتاب أو سارد ، دون وجود أطر وملامح مشتركة .

    وفي هذا المضمار ، يتبقى أن نقول إن الإبداع العربي يحتاج إلى حملة منظمة للترجمة والتعريف به ووضعه على خريطة الإبداع العالمية، بدلا من التعريف المتشظي لأفراد أو اتجاهات ، منتقاة بدون معايير أحيانا.

البحث عن خطاب نقدي جديد :

     قبل أن نصف الخطاب النقدي المأمول ، علينا أن نضع قواعد للناقد في خطابه ، بمعنى : البحث في إنتاج الخطاب النقدي على مستوى : النص الإبداعي، المبدع ، المتلقي ، ظروف إنتاج النص ونشره . فالحديث مع المبدع المبتدئ يختلف عن المخضرم ، فهناك من مخضرمون يعيدون ما أبدعوا ، نتيجة تجمدهم ، وهناك من يبدعون بإضافات جديدة ، ولا شك أن الخطاب النقدي يختلف في كل حالة ، مثلما يختلف عند توجيهه لمتلق عام ، يبحث عما يحببه في الأدب ، ويقرّبه للنصوص ، عن المتلقي النخبوي ، ذي الذائقة العالية . ونفس الأمر ، فإن هناك نصوصا نحتاج إلى نقاشها ، واستحضارها ، لأنها نصوص خالدة ، كلما قرأناها ، وتناقشنا حولها ، كشفنا الجديد فيها .

    في ضوء ذلك ، فإن الناقد قبل أن يتوجه بخطابه النقدي ، سواء كان شفاهيا أو مكتوبا، عليه أن ينظر في النص ، ويتعرف تجربة مبدعه ، والمتلقي المفترض له، ومن ثم يصوغ رسالته النقدية ، التي هي رسالة بما تعنيه في الجانب الإبلاغي ، وليست توعرا لفظيا ، ولا مصطلحات غامضة ، يظل يرددها في قراءته دون تفسير.

    فالخطاب النقدي الجديد أساسه رسالة ، ومحوره قضية ، يرنو إلى المتلقي ليفهمه، وإلى المبدع ليفيده ، وإلى النص ليجلو جمالياته ومضامينه .

السيرة الذاتية

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:236. Generation time:3.360 sec. Memory consumption:46.43 mb