صفاء النجار 2
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

صفاء النجار

فى صباحات الجمعة الرائقة، حيث الشوارع ناعسة، تركب الآنسة سيارتها، وتسير بها بجوار قصر «محمد على»، تعبر الكوبرى الصغير، تكمل باستقامة وتتجه يسارًا مع شارع قصر العينى متجهة لوسط البلد، تحاصرها الكلاكسات أينما سارت، من سائقين يعتقدون أنهم يملكون الحارات والأرصفة. لا تلتفت الآنسة، لأن العالم يتسع للجميع، لكن السائقين الآخرين يرمقون سيارتها السوداء «النيسان» بغضب أعمى، تستفز رؤيتها خلاياهم المجهدة والمضغوطة.
تستدعى ذكرياتهم أيام الغربة وضغوط العمل، وربما الحاجة إلى الاستيقاظ يوم الجمعة، يوم الراحة الأبدية، يلعنونها فى سرهم تلك التى تقود سيارة دون غربة أو ألم، ينفسون عن ضغطهم بالضغط على الكلاكس، حذرها سائقها الذى تغافله وتستيقظ مبكرة لتتاح لها فرصة أن تقود السيارة بدلًا من قيادة العالم، أن العمل يوم الجمعة حرام.. ومن ثم فقيادة السيارة حرام.. بدا لها أن بالأمر تشويشًا، فلم يكن «على» يهوديًا ولا كان مثقفًا ليقرأ عن الأساطير التوراتية، هل توغلت الإسرائيليات إلى هذا الحد؟ تتحصن «الآنسة» بثقافتها وتسدد فى وجه «على» قذيفة «وإذا قُضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله..» أصاب السائق الصمم، تبخرت حروفها رغم زجاج السيارة المغلق وظلت ترفرف ببهاء نورانى فوق شجرة خضراء على جانب الطريق، ورد «على» حجتها بعبارته اليقينية الملغزة: بس العمل يا آنسة حرام يوم الجمعة.
حين ينهار جسر المنطق، تلجأ الآنسة لكهوف الريبة: فهل تمت عملية غسيل مخ لـ«على» السائق وهو فى طريقه للتأسلم وسيشد رحاله قريبًا إلى داعش بعد موت الإخوان فى مصر؟ كانت تنسى الموضوع برمته وتنسى «على» نفسه طوال أيام الأسبوع، حتى يأتى صباح الجمعة فتعيد التفكير فى الموضوع وتقلب كل وجوهه وبينما «وردة» تشرح حكايتها مع الزمن «رسم لى ع السما، جنة فيها الهنا وقال هنعيش سوا، قلت احلوت سنينى..)، استبعدت الفكرة وبرق فى خاطرها أن «على» يمارس تدريبات الفهلوة المصرية فى هوائها المكيف، وأن الأمر لا يزيد على رغبة فى أوفر تايم، كانت مستغرقة فى التفكير فلم تنتبه إلى أنها لم تأخذ أيًا من الحارة اليمنى أو اليسرى فى شارع قصر العينى، ووجدت نفسها أمام الجزيرة الوسطى للشارع، توقفت وكان عليها أن تتراجع للخلف قليلًا ثم تأخذ اتجاه الحارة اليمنى فتكسر «يمين»، فعلت هذا على عجل، فلم تلمح السيارة الميكروباص القادمة من الخلف، ثقل الميكروباص دفعها فارتدت إثر الصدمة لرصيف الجزيرة الوسطى، كادت تصعد عليه، لولا سرعة إدارتها للدركسيون، اعتدلت السيارة فأسرعت وخرجت من المدخل الضيق للحارة اليمنى، كانت تدوس بنزين بقوة، والسيارات من حولها تزعق بأعلى صوتها، لكنها لم تكن تسمع غير نبضها وأنفاسها المتسارعة، حين تصدم أحدهم ويرتطم جسد حى بكبوت سيارتك، تدوس على البنزين بأقصى سرعة، ليست اللامبالاة أو اللا مسئولية، فقط أنت لا تستطيع أن تتحكم فى سيارتك أو نفسك، والأدرينالين يدفعك للهروب، حتى تستوعب ما حدث، وتحاصرك سيارة ميكروباص فتضغط على الفرامل وتقف على بعد مائتى متر من جسد حى ينزف روحه على الرصيف، وأنت لا تستطيع أن تستعيد ما حدث.. وليس لديك سوى الخوف والرغبة فى الهرب، وبعض من الندم ستريقه، ليس الآن، فيما بعد، حين تمضى الحياة دومًا كما اتفق وتتأكد فقط أن كل المقدمات كانت ستؤدى للنتيجة نفسها. كان السائقون المحاذون لها يشيرون لها أن تقف، أن تركن «يمين»، لم تفعل، تدفعها المزيد من الكلاكسات إلى المزيد من السرعة، حتى حاذاها سائق الميكروباص الذى أصابها، وأشار لها فلمست ساقها الفرامل وبدأت تستوعب ما يحدث، لا ليس ما يحدث تمامًا، ولكن ما هو مطلوب منها أن تفعله. فوقفت بالسيارة خلف الميكروباص، عندها نزل السائق وهو يلوح بيديه، أنزلت الزجاج، فى المسافة الفاصلة بين إنزالها الزجاج وحديثها استعادت رباطة جأشها:
– أوكيه أنا غلطانة، حضرتك عايز إيه؟ 
صرخ سائق الميكروباص: دى عربية أكل عيش.. 
لم تعد هذه العبارات تمس جلدها، ما كلنا بنأكل عيش، وإصابة سيارتها أكبر، الفانوس تحطم والإكسدام انهار، بينما ظهر انبعاج فى الناحية اليسرى لجسم الميكروياص، يسهل رده عند أى سمكرى.
– والمطلوب؟ أى إصلاحات سأدفع ثمنها، عندى امتحان فى السنتر، وبعدها نرى الحل.
– امتحان يوم الجمعة؟ يا ست متنفعش العطلة دى. 
– هتيجى ورايا ولا هتفضل واقف؟
سار نحو سيارته وخرجت منه ودخلت فى الشارع الجانبى فى طريقها للسنتر الفرنسى، أعطت السايس مفتاح السيارة كى يركن لها، سجلت اسمها وأخذت رقمًا ودورًا «لامتحان الدلف»، وعادت كى تبدأ المماطلة والمساومة والابتزاز بحسبى الله ونعم الوكيل، أوضح له السايس أن المسألة بسيطة، أعطته مائتى جنيه. 
– إذا احتاجت حاجة اتصل.
لم يأخذ نمرتها، طلب السايس منه رقمه، قال سأتصل بك بعدين.
نظر لها السائق بغضب: حضرتك بتسوقى على قدك، يبقى متسوقيش.
أجابته بغطرسة: بفلوسى. 
كان صلف المال أمام صلف الخبرة، وقد كسبت لأنها كانت هادئة، بينما هو منفعل، مفتعل.
اتصلت بجدّها وأخبرته بالأمر، اطمأن عليها وأرسل لها «على» السائق الخاص