الحديقة

سمية عبد المنعم
لم يكن يمنعنى خوفٌ ـ أنا الشيطانة الصغيرة ـ عن حماقات كنت أراها حينها مجرد حق للحياة والانطلاق.
طفلة في السادسة من العمر يجرها عشقها للورد جرًّا نحو حديقة الجيران، تلك الحديقة التي يحوطها سور من السلك الشائك يزرع التردد في قلب كل شغوف ومتطفل من عاشقى الورود مثلي.
لكن هيهات أن يفعل؛ فقد كانت رائحة الورد البلدي وألوانه الأخاذة تستدعي ذكائي وحيلي الطفولية للتغلب على الأمر.
وأقنعتها؛ صديقة في ذات العمر، اصطحبتها ذات مساء، بينما نام أهل الشارع الصاخب، وأطفئت أنوار المنزل صاحب الحديقة، وعندما اطمأنت قلوب السارقين الصغار، أسرعت أصابعنا الدقيقة تعمل بمساعدة تلك الأداة التي أحضرتها صديقتي من بين أدوات أبيها، في فتح فجوة بين الأسلاك الشائكة كانت كافية لتمرير جسدينا الضئيلين.
وبنظرة انتصار فرحة عبرنا نحو الجنة، ووقفنا بين الزهور نستنشق عبيرا ينفذ إلى القلب ولا أظنني نسيته حتى الآن.
وبالفرحة ذاتها رحنا نقطف ما يعن لنا من ورود،غير عابئتين بتلك الأشواك ولا شاعرتين بخيوط الدم التي انسابت من بين أصابعنا.
وعندما أنهكنا الشغف، ضممنا ثروتنا إلى قلوبنا وأسرعنا كلٌ نحو بيتها.
ولأن المتعة لا ينتهي أثرها إلا بالتقادم، فقد تكررت زياراتنا لجنّة الجيران.
وفي ذلك اليوم، ذهبنا نستبق نحو الحديقة، نؤمل القلب بالحصاد المعهود، الشارع مازال هادئا، والأنوار مطفأة،والفتحة إياها مازالت تنتظر عبورنا.
ودلفنا إلى الحديقة، وما إن فعلنا حتى انطلق نباح كلب لا ندري كيف كان ينتظرنا بالداخل، ومعه انطلقت صُراخاتنا الفزعة، نتخبط في الأشجار الصغيرة ونسقط فوق الطين، وقد أنسانا خوفنا مكان الفتحة التي دلفنا منها.
وفجأة سطعت أضواء البيت وانفتحت نوافذه، وطلت عبرها وجوه متربصة تصرخ متوعدة، وعلى إثر الضوء الساطع أبصرنا الفتحة، فأسرعنا نعدو ويعدو خلفنا نباح الكلب المقيد في الحديقة، وتلاحقنا شتائم لا قبل لنا بمثلها.
نجونا….ولم ننس المغامرة، وبقى سرنا الصغير يتخفى بيننا، خاصة أن أحدا لم يتعرف علينا.
ومرت السنون واختفت الحديقة، وتحول البيت الصغير إلى عمارة شاهقة، لكن مازالت الأسلاك تحوطها..تحوط كتلا أسمنتية صماء، ما عادت تحرك فينا أي شغف.