التضاد والمقابلة في الشعر العربي الحديث

د. جمال فودة

   عادة ما يأتي استخدام التضاد والمقابلة في الشعر العربي الحديث للتعبير عن هذه المتناقضات المؤتلفة والمؤتلفات المختلفة، حيث يكتسب العمل الفني  ديناميكية تثرى الحركة داخل النص، ولا تأتى أهمية التضاد والمقابلة من غرسهما في بنية النص ولكن الأهم هو  توظيفهما على مستوى  المفردات والجمل، لرصد  تلك الحركة التي تموج  بها المعاني داخل النص كله، عندها يصبح التقابل مرتكزاً بنائياً يتكئ عليه النص في دلالاته وعلاقاته.

   ويكمن جمال المقابلة في خلق المفاجأة بالانتقال من نقطة إلى أخرى تضادها، أو تحدث توتراً بينهما، مما يحدث متعة جمالية لدى القارئ من وراء هذه المفارقات التي تتيح له فرصة البحث والكشف عن أسرار هذه الهيئات وسبر أغوارها، وعلاقة ذلك كله بالدلالة النصية، وبذلك يسهم المتلقي في كشف رسالة البث الشعري.

   كما نجد أن التضاد  يحمل موقف الشاعر المعاصر الراثي لتناقضات واقعه، تناقض شديد يعم المجتمع، إذ انقلبت الأمور رأساً على عقب، من ذلك قصيدة أحمد مطر “خطاب تاريخي” التي يقول فيها:رأيت جرذاً
يخطب اليوم عن النظافة
وينذر الأوساخ بالعقاب
وحوله..

يصفق الذباب !

   إن التقابل بهذه الصورة البسيطة يمثل نوعاً من التضافر الأسلوبي الذى يعمل على تماسك النص، ويجعل الدلالة المطروحة متماسكة لا يكاد ينفرط عقدها، مما يجعلها أكثر إيحاءً لدى المتلقي، كما  أنها مثلت ضرباً من الالتفات للواقع الذى ينعش البث الشعري برصد حقيقة ما يجري من حوله.

   وفي لوحة فنية أخرى ترسم خطوطها الشاعرة (سعاد الصباح )  في قصيدة بعنوان ” لا تنتقد خجلي ” نجد الشاعرة تقوم ” بتجميع شظايا الحياة المتناثرة وتركيبها في تشكيل فني متماسك، يحول ما يستقبله العقل والوجدان إلى رموز وصور لغوية متقابلة، وتفاعلات نصية يتشكل من خلالها النص “. (1)

تقول سعاد الصباح :

يا هادئ الأعصاب..أنك ثابت
وأنا..على ذاتي أدور..أدور..
الأرض تحتي دائما محروقة
والأرض تحتك مخمل وحرير..
فرق كبير بيننا ياســـــــيّدي
فأنا محافظـــة.. وأنت جســـور
وأنا مقيّدة.. وأنت تطيـــــر..
وأنا محــجّبة.. وأنت بصيــــر..
وأنا.. أنا.. مجهـــولة جدا..
وأنت شهير..

   لقد استطاعت الشاعر أن توزع المقابلة على مستوى النص، لتجعل منها نواة يتحرك المعنى حولها، فتبعث سكونه، إذ تمثل المقابلة مؤشراً بيانياً للنزعات النفسية التي تموج بها حركية النص، مما يجعل الدلالة قادرة على استيعاب تموجات الشعور ودفقاته، و لأسلوب التناقض دور أساسي في تصوير التجربة والتعبير عنها، و التناقض ـ هنا ـ له صفة الشمول و الكلية في بنية النص، وليس مجرد فكرة تساعد على إبراز المفارقة بين موقفين.

      فالشاعرة تلح على المقابلة لإبراز أبعاد التناقض الموجود في واقعها الاجتماعي / النفسي، فتنتقل من النقيض إلى النقيض لتعكس ثنائية الواقع  حين تجمع بين أنماط متقابلة، تخدم دلالة واحدة تدور في إطار التناقض الذى يعم المجتمع، ويلاحظ أن الشاعرة تعدد مظاهر التناقض  بعطف بعضها على بعض بواسطة ( الواو) التي تفيد الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، فالضد يبرزه الضد حيث نجد ” الهدوء والثبات ” في مواجهة                       ” الاضطراب والقلق “، ونرى ( الالتزام ) في تحد ٍ مع ( التحرر)  “، وكذلك ( الحرية ) وجهاً لوجه أمام ( قيود العادات والتقاليد )، لابد إذن أن نجد أنفسنا في نهاية المطاف واقفين على الأرض نتابع بحسرة أولئك الذين يحلقون في السماء ؛ لنكتشف بعدها أننا مازلنا نكرة في عالم المعرفة.

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

 (1) اعتدال عثمان : إضاءة النص ( قراءات في الشعر العربي الحديث ) – الطبعة الأولى – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة – 1998م – ص 159