البيت ـ ريتشارد ولبور
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

ولد الشاعر الأمريكي ريتشارد ولبور في الأول من مارس سنة 1921 في مدينة نيويورك. درس في كلية أمهرست وخدم في الجيش الأمريكي أثناء الحرب العالمية الثانية. وبعد ذلك درس في جامعة هارفرد.

صدر ديوانه الشعري الأول بعنوان "تغيرات جميلة وقصائد أخرى" سنة 1947، وتلته دواوين عديدة من بينها "غرف الانتظار: قصائد وترجمات" سنة 2010، والأعمال الشعرية الكاملة سنة 2004 ضامة كل قصائده المكتوبة في الفترة من 1943 وحتى 2004، قبل ذلك كان قد أصدر سنة 1988 مختارات من أشعاره فازت بجازة بولتزر في الشعر، ومن قبل ذلك أصدر "قارئ الأفكار" سنة 1976، و"المشي إلى الفراش: قصائد وترجمات" سنة 1969، و"نصيحة إلى نبي" سنة 1961، و"اشياء من هذا العالم" سنة 1956 وحصل عنه على بولتزر في الشعر والجائزة الوطنية للكتاب.

ترجم ولبور الكثير من المسرح الفرسي، لا سيما مسرحيات القرن السابع عشر، وترجم إلى الإنجليزية أشعارا من فاليري وبودلير وأخماتوفا وبرودسكي وغيرهم. وألف الكثير من الكتب للأطفال

***

البيت

تصحو أحيانا

فتغمض عينيها

لتلقي نظرة أخيرة

على البيت الأبيض الذي

لا تعرفه إلا في المنام،

البيت الذي لا تعرف له عنوانا

والذي، برغم كل تنهداتها،

لم تدلف إليه.

ما الذي حكته لي عن بيتها ذلك؟

عمودان أبيضان على جانبي البوابة

شرفة  واسعة

باب دوار

سطح ذو سياج مطل على الساحل الصخري

رياح مالحة تعصف بالصفصاف المحيط.

……….

أهي هناك الآن

حيثما هو البيت؟

أحمق هو الذي

يتمنى العثور على ذلك الملاذ السماوي

الذي أقامه عقلها الحالم.

غير أنني،

ليلةً بعد ليلةٍ، يا حبيبتي،

آوي إلى البحر.

***

ربما كان عفريت صغير اسمه سمسم هو المسئول عن فتح باب المغارة، ولذلك كان لزاما على “علي بابا” أن يقول “افتح يا سمسم” وأن يحفظ هذه العبارة ولا ينساها. ربما الخبراء بـ “ألف ليلة وليلة” أقدر على تأكيد هذا أو التشكيك فيه. كاتب هذه السطور على أية حال ليس خبيرا بالليالي، ولا هو حتى يعرفها معرفة كافية.

لذلك يمكنه أن يبقى على تصوره أن السحر كامن في كلمات العبارة.  في هذه القطعة من اللغة. في هذه الأصوات التي ينطقها كل من يقول “افتح يا سمسم”. له أن يبقى متشبثا في تصوره بأن اللغة قادرة فعلا أن تكون تعويذة تزيح صخرة هي التي تغلق المغارة على كنوز أقلها قيمة لآلئ والذهب والمرجان التي سال لها لعاب علي بابا، ومن قبله اللصوص.

وهنا سحر آخر. هنا باب بيت لا تفتحه غير التنهدات. قدر من التنهدات. قدر من الإعراب الصامت اللالغوي عن الشوق. يقول ريتشارد ولبور إنه بيت لم تدلف إليه برغم كل التنهدات التي أطلقتها. أكان عليها إذن أن تطلق المزيد من التنهدات، أي أن تزداد شوقا، وتزداد عجزا عن احتمال شوقها فتطلقه زفرات أو تنهدات، وحينئذ ينفتح لها الباب، وتدلف إلى حيث لا نعلم ما الذي سوف تصادفه؟

***

يا لها من إدانة للعالم تلك التي تنطوي عليها هذه القصيدة. إننا، ومن قبلنا مئات الأجيال من البشر، وبلايين ممن دبوا على قدمين، كلنا مسئولون عن إقامة عالم ترفضه امرأة إلى حد ألا يكون لها من بيت إلا الذي تراه في منامها.

هل نرفع أصواتنا أكثر؟ هل نقول إنها تريد بيتا أبيض على البحر؟ هل نقول إن الذين استولوا على السواحل، في كل مكان بالعالم تقريبا، مسئولون عن الإحباط الذي أدى بهذه المرأة إلى أن لا تجد لها من ملاذ إلا في عالم الحلم؟

أم ترانا نعدل عن قول هذا الحق ونقول حقا سواه. نقول مثلا إن امرأة فرعون، حاكم مصر، حاضرة العالم في ذلك الزمان وربما أثرى دوله وأرغدها عيشا، وجدت من الأسباب ما جعلها تخاطب الله قائلة “رب ابن لي بيتا عندك في الجنة“.

***

لا بد أن يكون البعض منزعجا من نعومة هذه القصيدة. امرأة مستسلمة لأحلامها، إلى حد أن تختفي فيها. أو هكذا يتوهم العاشق، الذي راح يبحث عن حبيبته كل ليلة على البحر. حيث البيت الذي حلمت به.

غير أن هذه النعومة التي قد تزعج بعضنا، هي بالضبط ما ينقص هذا العالم. هي تحديدا المكون الناقص الذي لو توفر في عالمنا لما كتبت فيه ربما قصائد من هذا النوع.