البنت التي لها كل الفرح
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn

نهى محمود

لا أصدق أبدا أن الفرح لون أصيل في جغرافيا العالم، هو هش مثل ألوان الماء التي تلون لوحة لازلت مبللة ويكفي قطنة غير جادة في محو كل آثاره.

الفرح الذي يسكن قلبي زائراً محبباً لي، يشبه دوامات العواصف التي تلملم في طريقها البيوت والبشر والحيوانات الصغيرة وأكشاك السجائر التي تغير البلدية مكانها دون أن تعرف أن فتيات مثلي يعرفن  الشوارع  بها، وبالسحابات التي على شكل سلحفاة بيضاء غيرت سارة اسمها من "مارس" لـ "راضية" بعدما إنتقلت للإقامة عندها .

سلحفاتي الصغيرة التي أهداها لي محمد في طقوس مهيبة من الفرح، حزمت الخس والخيار والصندوق الكرتوني وغادرت لبيت سارة ، لأن الجميع أرد بعض التغيير.

انا التي أحب التغيير، تماما كما كنت في الماضي أقدس الثبات والاستقرار، تحولت لدرجة أني احتفظ بمفك في جيب روحي، أستخدمه طوال الوقت لخلع أشيائي الثابتة والضاربة في الأرض، مزاولة العالم لي، وقلقي الدائم بين البقاء والرحيل.

ورغبتي غير الواضحة في الطيران أو مد  أطرافي في جذور الأرض.

كل رغباتي المتنازعة تربطني  وتجذبني نحوها، وعليّ في كل مرة ان أنحاز لمخطط وما أن أمضي داخله بحماس وسعادة، حتى يبدو لي أن كل المشاكل انتهت وأن هذا تحديداً ما أردته من البداية، يتسرب لروحي الشك اللعين، الكبير القابض على أطراف أصابعي وصدري كـ"جاثوم" زارني منذ سنوات في بيتنا القديم وشل حركتي وهمس في أذني باسمي ورحل .

الفرح الذي يتجسد عند رجل أحبه بكوب كبير من شربات الورد  يتذوقه في المناسبات الخاصة، ويدور في قلبي أنا  بمئات الذكريات التي صنعها معي أصدقاء وأحبه بقوا  أو غادروا أو غيرت صالات الوصول والرحيل في المطارات ساعاتنا البيولوجية. الفرح الذي هو ضحكات من القلب مع الأصدقاء ، وحميمة أن أعرف كلما شاهدت شيئا يخص العالم أنه سيعجب صديق معين، كما يعرف أصدقائي مزاجي في الألوان والكتب والسينما والحب.

المعرفة التي تجيء مني وتروح ناحيتهم ، وتمر عبرهم خلالي تشعرني أن العالم اقل وحشة ، وأن الأشواك التي تنخر في الروح بفعل الفراق والرحيل المتكرر للأحبة قد صار طقسا  جنائزيا يشبه روح اللعبة التي نتورط فيها كلنا .

أنا التي تحب الفرح ، وتصادق الحزن ، ويبقى الشغف إحساسها الأعم الذي تحب أن تقفل قلبها عليه وتواجه الحياة .

أنا بالشك الذي يغزو روحي كثيرا ، ويفسد إختياراتي .. ويجعلني أتحسس طوال الوقت مقبض المفك الوهمي ، وأنساق وراء الصدى المحبب الذي تتركه وقع الكلمات في داخلي عندما يتردد في بهو فرعوني قديم ، فأتشبث بكل الشعوذة التي تملئ جوانب روحي ، وأدور حول جعران الحظ بالكرنك سبع دورات سريعة بحماس طفلة تسعى للكثير من الفرح .

أتمنى أمنية جديدة ، وألهث خلفها بمرح .. يجعل محمد يتساءل بدهشة  من اين جاءني كل هذا النشاط والحماسة .

أردد في همس دون أن أجيبه " انا المؤمنة بالخرافات " التي طلبت منها العرافة ان ترش الجدران بالملح ، وأن تمارس طقوسا بدائية جدا تساعدها أن تصمد ضد تقلبات مزاجها ، وأن تحمي قلبها من الفتور والحزن الذي يبطش بكل ما يطبق عليه ويستدعي وحدته ووحشته الأثيرة التي يعرفها  عندما كان مجرد صخرة من القمر يطل على الأرض ،وتجيئه صورتها صماء بلا ضجيج ولا فوضى .

أنا التي كنت في حياة اخرى " ربة السماء " وقلبي الذي كان قطعة من حجر على ارض القمر .. وروحي التي تتوارثها ساحرات يسكن جوار النهر في الأكواخ ، او فوق الجبل والصحاري ، جاءت لهذه الحياة في صورة بنت تحب الفرح والكتابة  ، ولديها مطبخ تحبه جدا  في بيتها الجديد وتشتاقه كلما لملمت أشيائها وغادرت .

وتؤمن بالحب وإن كانت لا تعرف وصفة مؤكدة للحفاظ عليه او إحتمال أوجاعه ، فيبدو الأمر مثل قابض على جمر من  بركان يعجبه لونه الأحمر الزاهي ولا يقدر على الإحتفاظ به حتى ينقله من فوهة البركان لمجرى النهر .

لأن ساحرة النهر طلبت منها جمرة واحدة متقدة لتقرأ لها الطالع ، وتصنع لها تعويذة حماية ، لتؤمن جانب القدر ، وتصنع طفلة مضيئة فيها من القمر والسماء والنور والأحلام ما يكفي لأن تصمد في هذا العالم وتبقى .

 

خاص الكتابة

 

 

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:767. Generation time:16.624 sec. Memory consumption:291.42 mb