موقع الكتابة الثقافي
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

 

كان لا بد له أن يقضي عليها. لقد خرَّبت حكايته. لن يحتفي أحدٌ بتلك الرواية. هي لا تحمل المواصفات المطلوبة للبطلة. لا يعرف كيف وقع بَطلاه في حبها. لا يجوز أن تكون البطلة بدينة. هذا كفيل بإسقاط الرواية. هكذا كان قد بدأ يقول لنفسه. لا يجوز لامرأةٍ بدينةٍ أن تتمكن من مراقصة بطلين  في وقتٍ واحدٍ، وبكل تلك المهارة التي قامت بها. بل لا يجوز لها أن ترقص من الأصل.

لم يدرك كيف غافلاه ووقعا في محبتها. لقد حاول كثيرًا أن يتابع الكتابة، ولكن خوفه من سخرية القرَّاء كان يُعيقه، فبدأ يفكر في حلٍّ ليخرجه من مأزقه، فخلق للبطلين شخصية جديدة أكثر جمالًا وإثارةً من البطلة. وضعها في طريقهما معًا, لكن الغريب أن علاقتهما بتلك الجديدة لم تدم لأكثر من ثلاث صفحات, عادا بعدها لمطاردة بطلتهما الأولى.

فكر في أن يقتلها، وأن يضع لها بعض السم في الفصل الثاني من الرواية لينتهي منها، ويتفرغ بعدها لصناعة بطلة أخرى تحمل المقاييس المضبوطة للجمال, لكن أحد البطلين كان قد أدرك فكرة الكاتب، فهدده بانسحابه من الرواية، وأخبره أيضًا بقدرته على إقناع البطل الآخر بالانسحاب، فاضطر الكاتب للعدول عن فكرة قتلها, لكنه فكر في أن يتمادى قليلًا في تشويهها حتى يؤثِّر ولو قليلًا في مشاعر البطلين، فيعيدان النظر في قصة حبهما تلك.

لكن الغريب أن صمت البطلة التام واستسلامها لكل هذا التشويه الذي قام الكاتب به لم يزدهما إلا تعاطفًا ومحبة أكثر.

اضطر أخيرًا إلى أن يغافلهما ويزوجها في سطرين صغيرين برجلٍ لاتعرفه, وصنع لكلٍّ منهما فيما بعد امرأة خاصة, لكنَّ البطلين تجنباه تمامًا وقرَّرا مقاطعة الرواية، ولم يتحركا قَطُّ من أمام السطرين اللذَين زَوَّج فيهما البطلة للغريب.

أخذ الكاتب في الاكتئاب بعدما حاول فاشلًا أن يخترع أبطالًا غيرهم.

وفوجئ بعد عدة أيام بنيَّة بطلته الكريهة على كتابة مذكراتها عن الرواية وعن ظلمه لها ككاتب.

كتبت أنها كانت تُقَدِّر ارتباكه أمامها، بل وأنها كانت مستعدة تمامًا لتناول السم الذي كان ينوي قتلها به في الفصل الثاني كي تريحه من حيرته. كانت تعيسة لأنها لم تتمكن قَطُّ من إقناعه بوجودها أمامه كبطلة؛ فعلى الرغم من اعترافه بأنها كانت تؤدي دورها بطريقة أكثر من رائعة إلَّا أنَّ بدانتها تلك كانت كفيلة بإفساد كل شيء.

كانت متأكدة من أنه لا يجوز للبطلة أبدًا أن تكون بدينة, لكنها لم تحاول أن تلوم الكاتب الذي صنعها، ولا حتى لامت الظروف التي أوقعت البطلين في غرامها؛ فهي لم تكن تتمنى أن تصبح البطلة. كل ما كانت تحلم به أن تؤدي مشهدين صامتين فقط في إحدى صفحات الرواية. لم تكن تحلم بملامسة الأبطال ولا حتى القرَّاء. كانت تحلم بالفرجة عليهم فقط من بعيد. ولهذا كانت راضية ومستسلمة تمامًا للكاتب حتى بعدما اختصر قصة زواجها في سطرين فقط, وكأن التعاسة التي ألقاها بها لم تكن لتستحق منه حتى بعض الاهتمام.

شعر الكاتب ببعض ظلمه لها بعدما قرأ ما كانت تنتوي نشره في الفصل السادس والأخير من القصة, فقرَّرَ ألا يكمل الرواية وترك أبطاله معلقين في الفراغ بعدما أدرك عجزه التام عن التحكم في الأحداث .

ــــــــــــــــــــــــــــ

من مجموعة “البطلة لا يجب أن تكون بدينة” صدرت أخيراً بالقاهرة