موقع الكتابة الثقافي uncategorized 42
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

حسن عبد الموجود

لا تبدو السخرية ملمحاً أساسياً فى أعمال محمد البساطى، غير أنّه شخص ساخر بامتياز. القريبون منه يعلمون هذا لأنهم فقط من يتعرّضون لـ”مقالبه” التى تأتى مفاجئة لا يمكن تفاديها أو إبطال مفعولها، فهو يقضى وقتاً يفكّر فى كيفية تدبيرها، وقد تعرّضت لهذا عدداً لا بأس به من المرّات، وكان على أن أثبت أحياناً أننى لست بخيلاً أو “حرامي” أو شخصاً “غير نظيف” بعد أن يتحرّك البساطي. كنت أصدق أصدقاءه ممن يحكون مواقف شبيهة لأنه يكرر أفعاله مع الجميع بدون ملل، ويجد متعته فى حالة الدفاع عن النفس التى يضعهم فيها!

قال البساطى لعدد كبير من أصدقائى وربما لغيرهم إننى أرسل ابنتى إلى منزل حماتى ثلاثة أو أربعة أيام فى الأسبوع حتى أوفّر المال، وكان البعض يسألنى بدهشة: هل أفعل هذا فعلاً؟! فيما كان آخرون يبادرون بإسداء النصيحة لى بألا أكون حريصاً لأنّ المال يذهب كما يأتي!

والسابق أمر بسيط مقارنة بما فعله فى مواقف أخرى استطاع فيها حتى خداع زملاء العمل بتغيير طبقة صوته عبر التليفون!

اتصل مرة بالجريدة وردّ يحيى وجدى، وأخبره البساطى أنه خال خطيبتي، وطلب منه أن يكون أميناً معه فيما سيسأله فيه، فهذا هو ما “يحضّ” عليه الدين. قال البساطى إنه يسأل عن نظافتى الشخصية لأنه تناهى إليه أننى لا أستحم، وأنه لن يزوّج ابنة شقيقته لى لو أنّ هذا الكلام صحيح، وكان مدهشاً بالنسبة إلى أن ينخدع يحيى، ولكنه حينما علم بما يفعله البساطى مع بعض الزملاء قال إنه لن ينخدع فى صوته مرة أخرى، ولكن يحيى انخدع أيضاً بعد فترة حينما اتصل البساطى ليخبره أنه ضابط شرطة من قسم المعادى ويريد أن يحل أزمة تسببت فيها مع جيرانى -فى هدوء- لأننى صحفى وهو لا يرغب فى الشوشرة علىّ، والأزمة أننى سرقت “منشر غسيل” الجيران!

لا يكشف البساطى شخصيته فى المكالمة، لأنه يرغب دائماً فى أن تُحدث كلماته أثراً كبيراً، كما أنه لا يكتفى بشخص واحد ليخبره بالقصة، فالقصة ذاتها سيحكيها لمعظم الأصدقاء المشتركين، وإذا كان يحيى كتوماً فهناك من يشيع الكلام باعتباره حقيقة.

ولكننى بعد زمن لم أكن أصغى إلى الأصدقاء الذين كانوا يبدؤون بقصة أن هناك شخصاً اتصل وقال كذا. كنت أقاطعهم ناطقاً باسمه فوراً، وكنت أتصل به لأخبره بأننى أعرف أنه المتصل فيضحك طويلاً، وأحياناً كان يواصل إكمال القصة التى أخبرها للشخص عبر التليفون!

أشاع البساطى أننى أعمل “صبى مكوجى” بعد الظهر لأوفّر مبلغاً من المال إلى جوار راتبى الضعيف من “أخبار اليوم”، كما قال إننى بعت “نحاس زوجتى” بسبب ضائقة مالية، وأهدانى عدداً من الكتب، وكانت إهداءاته تبدأ فى الأغلب بـ”سى حسن” وهى دائماً تحمل نوعاً من التوبيخ والسخرية، فمرة: “ربنا يكفينا شرّ الصعايدة أمثالك” ومرّة: “ربنا يهدّ حيلك” ومرة: “إلى القط منفوش الذيل” ومرة: “القط الأسود شكلاً وموضوعاً وكتابة”.

إنه لا يعرف المقدمات العادية فحينما يتصل بالتليفون يبدأ الموضوع مباشرة، وكثيراً من الوقت كان يتّصل يوم الجمعة ليقول لى: “الموضوع اللى انت كاتبه زبالة، بقى حد ياخد رأى فلان فى موضوع؟! جاتكم وكسة”، وكنت أقول له إنّك لو أصبحت رئيساً لتحرير “أخبار الأدب” فلن تنشر إلا لخمسة على أقصى تقدير!

كما أنه يخاف الحسد، إنه يتكتم تفاصيل أى عمل يكتبه، يقول دائماً إنه لا يجد كلمة ليكتبها وإن دماغه خالٍ، وحينما يقول ذلك تعرف فوراً أنّ عمله الجديد فى الطريق!

اختفى صوت البساطى، وعلمت بالصدفة أنه مريض وخضع لعملية جراحية. كل شىء مرّ بدون أن يقول لأحد، اتصلت به قلقاً، ولكنّ صوته الساخر، وتفاؤله، ونبرته القوية أزالت كل أسباب القلق لدىّ، ودفعنتى لأكتب وأقول له: أهلاً بعودتك أيها الساخر الكبير.

………………….

أخبار الأدب 25 – 06 – 2011

 

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:207. Generation time:3.023 sec. Memory consumption:44.39 mb