موقع الكتابة الثقافي
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

محمد عبد النبي

"كم مرة نحكي قصة حياتنا؟ كم مرّة نتكيف، نجمّل، نقوم بتنازلات حكيمة؟ كلما طالت الحياة، قلّ عدد هؤلاء من حولنا الذين يفنّدون روايتنا، يذكّرون أن حياتنا ليست فعلاً حياتنا، بل مجرد القصة التي حكيناها عن حياتنا. حكيناها لآخرين، لكن، بشكل رئيسي، لأنفسنا."

الفقرة السابقة من رواية صغيرة، (نوفيلا)، عنوانها الإحساس بالنهاية، كما ظهرت في ترجمتها العربية عن سلسلة إبداعات عالمية (الكويت) في عام 2012، بترجمة د. خالد مسعود شقير، ومراجعة د. حسين علي الديحاني. مؤلفها هو جوليان بارنز، كاتب إنجليزي يمكننا أن نطلق عليه صفة “مخضرم”، مطمئنين، فروايته هذه التي صدرت طبعتها الأولى في الإنجليزية عام 2011 تأتي بعد عدد من الروايات الأخرى، سواءً تلك التي كتبها جوليان بارنز تحت اسمه الحقيقي هذا، أو تلك الروايات البوليسية والتشويقية الأخرى التي كتبها باسم مستعار هو دان كافاناه.

وبصرف النظر عن حصول روايتنا الصغيرة هذه على جائزة المان بوكر في أكتوبر 2011، وعن استقبالها الطيب بين القرّاء والنقّاد، وبصرف النظر كذلك عن بعض ارتباكات غير مريحة قد يستشعرها القارئ في ترجمتها إلى نسختها العربية، تظلّ هذه الجوهرة الصغيرة جديرة بالقراءة، أو على الأقل هذا ما أشعر به الآن بعد الانتهاء من قراءتها مباشرةً.

في كتاب سابق له، بعنوان، لا شيء تخشى منه، وهو مزيج من ذكريات عائلية وتأملات في الفناء، يقر جوليان بارنز بأنه لم يستطع الاتفاق مع شقيقه، الفيلسوف، حول بعض التفاصيل الخاصة بطفولتهما. أصرّ شقيقه أنه غالباً ما تكون الذكريات زائفة وأننا لا نستطيع الوثوق بها والاعتماد عليها بدون “توثيق” مستقل. يكتب بارنز: “أمّا أنا فأكثر ثقةً أو أكثر تضليلاً لذاتي، وعلى هذا فسوف أواصل كما لو كانت جميع ذكرياتي صحيحة.”

وهذا بالضبط الموقف المبدئي الذي ينطلق منه راويه توني وبستر في رواية الإحساس بالنهاية، أو بنهاية، كما في العنوان الإنجليزي. هذا الموقف الذي يهتز ويتلجلج إلى أن يتبدد ويتضاءل تدريجياً مع توالي صفحات الرواية، واشتغال الرواي على حياته، على قصة حياته، كما يتذكرها، كما يحكيها لآخرين ولنفسه، ثم كما تتكشف له من زوايا مختلفة عبر منعطفات سردية بسيطة لا تعويل كبير فيها على دراما زاعقة أو مفاجآت مثيرة. إلى أن يصل إلى حالة من التلسيم النهائي بأنه – كما أخبرته صديقته السابقة فيرونيكا أكثر من مرة – لم يفهم، ولن يفهم أبداً. وعلى عكس ما قاله بارنز نفسه عن ذكرياته، يصل راوي هذا العمل الصغير إلى أننا نتحدث عمّا نتذكره، ولكن ربما ينبغي علينا أن نتحدث أكثر عمّا نسيناه، حتى ولو كانت تلك مهمة أشدّ صعوبة، أو مستحيلة منطقياً.

على مبعدة خطوات معدودة من نهاية حياته، يكتشف توني ويبستر، بقدرٍ غير قليل من الرثاء للذات المبطن بالسخرية وعدم الاكتراث، أنه اكتفى بأن يعيش حياة متوسطة القيمة، استسلم لأن تحدث له الحياة لا أن يصنعها، بحيث تبقى كلمات مثل الشغف واليأس مجرد أشياء قرأ عنها ذات مرة في الروايات. أيام شبابه، تلك الأيام التي يستدعيها مرة بعد أخرى طوال الرواية، حينما قرّر صديق ذكي من بين مجموعتهم وطالب واعد في كامبريدج أن يرفض هذه الهبة الممنوحة له بلا طلب منه، أي أن ينهي حياته ببساطة. تعود حادثة الانتحار تلك بكل تداعياتها، وتفاصيلها، إلى رواينا المتقاعد والمطلق والمنعزل في دنياه البسيطة، لتطارده من خلال وصية غريبة. وهنا تبدأ الحكاية القديمة ذاتها من أوّل وجديد، حكاية بسيطة في حد ذاتها، ولا جدوى من إعادة سردها أو تلخيصها هنا، غير أن تأملات الراوي (المؤلف) حول ثيمات مثل الذاكرة والنسيان، والزمن والتقابل بين أوهام الشباب وأوهام الشيخوخة، وبالطبع، أولاً وأخيراً، كيف نصنع حكايتنا الشخصية ونرسم أيقونة لذواتنا، دون أن يكون في هذا طلباً للحقيقة، ولو كان مطلباً يائساً قد يؤدي إلى الانتحار، بل اعتماداً على أضعف نقاط حكايتنا وشخصيتنا.

كان هؤلاء الشباب (شلة الراوي)، طلاباً في ستينيات القرن العشرين، يستمتعون بالتشكيك في إمكانية التحقق من أي تاريخ على الإطلاق، أو بنص الرواية: “التاريخ هو ذلك اليقين الذي يحدث عند النقطة التي تلتقي فيها عيوب الذاكرة مع عدم كفاية التوثيق…”، ليكتشف راوينا الشيخ أن تلك المقولة تصدق بالقدر نفسه على التاريخ الشخصي له، وربما لكل إنسان. إننا بحاجة لاختراع حكاية عن أنفسنا لمجرد أن نستمر في عيش (الحياة-الحكاية-الكذبة)، بصرف النظر عن مدى اقتراب تلك الحياة-الحكاية-الكذبة من الحقيقة، ذلك المطلب المستحيل، والذي يظل يراوغنا في مرايا الآخري، ووجهات نظرهم وشهاداتهم الخاصة عمّا حدث وما كان فعلاً وحقاً. المياه العميقة لتلك الحكاية البسيطة محتشدة بالتيارات الخطرة والنشطة والتي لا أظنها تكشف عن نفسها ببساطة.

على عكس ما تعلمنا إياه العديد من كتب ونصائح (كيف نكتب القصص والروايات) فقد أطلق جوليان بارنز يده، في تلك التأملات الفلسفية والإنسانية العامة، دون أن تنفصل تلك التأملات عن حكايته وعن هموم شخصيته الراوية، ودون أن يسقط في آبار الملل أو التفسلف أو الغموض، وكلها فخاخ مختبئة تحت السطح الناعم والسكن لأرض التعليق والتأمل بعيداً عن حيوية السرد وحركة الحدث.

هذه دعوة لتناول كتاب آخر (جديد-قديم) من على رف الكتب، والتعرّف على كاتب إنجليزي له صوته الخاص وهواجسه المتكررة من عملٍ إلى آخر، التي يعرف كيف ينسجها في خيوط حكاية لا تخلو بالمرة من متعة أنيقة وذكاء خاص.