موقع الكتابة الثقافي uncategorized 27
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

حسين القباحي

على أي درب ستورق الكلمات حين أفتح لها باباً إلى فضاءات تطلون منها على ذات تعلن عن نفسها في كل حرف قالته أو خطته لتفضح بها ما حاولت ستره عني وعنكم.. 
والسؤال الذي أطرحه عليَّ الآن هل أخفيت شيئاً يمكن أن تضيفه هذه الشهادة بعد ربع قرنٍ تقريباً من الكتابة والبوح أنجبت أربع مجموعات شعرية؟، لا أظن.. ولكن فليكن المزيد من الفضفضة المتربصة بما لم أصرح به، وربما جاهدت في إخفائه.
هي مجموعة ليست قليلة للأماكن، والشخوص، والأوقات تداخلت خيوطها أحتار بأيها أبدأ، وقد يجرني بعضها عنوة إلى بعضها الآخر، دون إرادة أو تخطيط.

الأماكن

شجرة زيتون عتيقة

على ساحل رملي ممتد إلى ما لا نهاية ينتشر عليه زبد البحر، حيث تتكسر الأمواج المتتالية بلا هوادة، وأطفال دون الخامسة يبنون بيوتهم الرملية التي سرعان ما تجرفها مياه البحر.. صورة باهتة أتبين بعد سنوات طويلة أنها لشاطئ مدينة العريش، حيث كان يعمل والدي رحمه الله ونعيش معه قبل انتقالنا إلى مدينة الأقصر الموطن الأصلي للعائلة.

نجع القباحي

البيوت الطينية المتلاصقة فوق الرديم الترابي على جانبي ترعة قديمة، هي في حقيقتها مصرف لمياه فيضان النيل المتكرر كل صيف، والذي يتحول بعده النجع إلى جزيرة صغيرة تحيطها اللجة من كل جانب، والصبية الصغار يقضون يومهم بين السباحة عرايا، وتسلق النخيل، وسرقة كيزان الذرة أو ثمار البطيخ من الحقول التي غرقت أو أوشكت، ولعب الحجلة على الجسر الترابي، الذي يكافح الأهل ويحرسونه ليل نهار ليظل متماسكاً ولا ينهار فجأة أمام سطوة الماء فتغرق معه البيوت ويرتفع صراخ النسوة وولولاتهم وينهد حيل الرجال ليكبحوا جموح الماء، بينما الصبية الصغار منصرفون إلى لهوهم ومطاردة الثعابين التي تخرج من شقوقها كلما تسرب إليها واستغلال غفلة الكبار ليظفروا برحلة مائية مجنونة على طوف البراميل الذي يقومون بحل حباله من أمام أحد البيوت.. ليكتشف بعدها أهل الدار أنهم فقدوا وسيلة اتصالهم الوحيدة بعالم النجع وما يحيط به من أطراف المدينة.

المقعد الحجري المكسور

خلف جامع المقشقش المواجه مباشرة لطريق الكباش وواجهة معبد الأقصر وتلميذ الابتدائي الذي قطع الطريق من النجع مشياً على الأقدام، وسار في غير الطريق الذي يسلكه أقرانه ليجلس في هذا المكان، يلتهم كسرة العيش الشمسي المحشوة بالجبن والطماطم أو سمك البساريا المشوي في الفرن البلدي، مستمتعاً بالمقارنة بين أشكال الكباش الحجرية الممتدة على جانبي الطريق الخارج من المعبد ليختفي تحت رديم البربة والبيوت القديمة، أو مطالعة الوجوه الملونة للغرباء الكثيرين الذين يقفون مبهورين أمام الأحجار الكثيرة المرصوصة أو يميلون برءوسهم إلى الخلف ليروا تيجان الأعمدة الشاهقة، بينما رطاناتهم المتشابكة تزيد من إعجاب التلميذ الصغير بالنقوش الغامضة التي يشير إليها الأقصري الوحيد الذي يقف بينهم متباهياً بجلبابه البلدي والخيرزانة الرفيعة التي يلعب بها بين أصابعه، يشعر الصبي الصغير أن الوقت قد فات، واختفى تلاميذ المدارس من الشوارع القريبة؛ فيعدو مسرعاً وهو يعرف أنه سيعود ثانية إلى هذا المكان في صباح اليوم التالي.
نيل أسوان والمرسى الخشبي المتهالك أمام معسكر سلاح التعيينات شمال المدينة والمراكب الشراعية التي تلقي بالوجوه السمراء القادمة من غرب أسوان داخل المدينة، بينما يتسلى فتى الإعدادي بمراقبة الفتيات الناهدات والمراكب الشراعية التي ترفع الأعلام الملونة لدول أجنبية، وتبدو البيوت ذات الواجهات المطرزة برسومات غامضة تأتي من عوالم سحرية بعيدة من خلف الجنادل الجيرانيتية المعترضة على جريان النيل إلى قدره الشمالي المحتوم، موهماً أباه المشغول بزراعة بعض أحواض الجرجير والملوخية والكمون والكسبرة بأنه مشغول أيضاً بالمذاكرة ومتابعة دروسه، بينما شخبطاته الأولى على هوامش الكتب المدرسية تكبر شيئاً فشيئاً لتبرز بعض ما تخفى من جموح وجنوح وراء نبوغه المدرسي الذي يريده الوالد الطموح لولده الوحيد.

سور الأزبكية وكازينو لاباس

وسط الحديقة, عين شمس الشرقية, شارع يوسف عباس، شارع نجيب الريحاني، و26 يوليو، شارع عبد العظيم مسعود، وحارة عبد الباري, خان الخليلي وشارع المعز, حديقة الأندلس وكوبري قصر النيل, وسط البلد ومحطة مصر, الأزهر والحسين ومسجد الرفاعي والسلطان حسن، السيدة زينب والسيدة نفيسة, معرض الكتاب والأوبرا, قصر الغوري والخيامية, العتبة وشارع محمد علي، قصر بشتاك، وحارة اليهود وقلعة صلاح الدين،.. القاهرة الفاطمية بكل تفاصيلها وعوالمها.
فندق سافوي أمام محطة سوهاج بمبناه المتهالك وغرفته الضيقة في الطابق الثالث، وطبق الفول النابت الذي أدمنته على الإفطار واعتاد عم دسوقي أن يصعد به إلي كل صباح ثم يجادلني لماذا أنا لا أذهب إلى الكلية ما دمت جئت إلى سوهاج.. هناك وخلال أربع سنوات غير متصلة قرأت معظم ما أعيش عليه إلى اليوم. كان يكفيني لاجتياز الامتحانات في فروع التاريخ المختلفة أن أتفرغ لمدة أسبوعين قبل الامتحانات وفي غيرهما قضيت معظم السنوات الأربع فى قراءة الفكر الاشتراكي وأمهات الكتب ثم الغث والثمين من إصدارات الشعراء والكتاب والنقاد وأيضاً الفلسفة وعلم الجمال. كنت أحضر في مدرجات الأقسام الأخرى لكلية الآداب أكثر مما أحضر في قسم التاريخ وفيه كانت تستهويني مجالات الإبداع الإنساني في الدين والمعتقدات والمنجز الأدبي والفلسفة والخطابة والرسم والنحت والزراعة والهندسة وغير ذلك. في هذه الغرفة المتهالكة جالست واستمعت بعضا من قيادات الفكر السلفي والجهادي في جامعات جنوب مصر أواخر السبعينيات وقرأت عدداً لا بأس به في تنظيرات هؤلاء وأوراقهم ومعظم نشرات وكتب محمد بن عبد الوهاب وتراث الأئمة الأربعة وفكر ابن تيمية في هذه الغرفة أيضاً طالت لحيتي ومزقت أوراقي التي كتبتها وأشعار البدايات السبعينية، أعادني والدي رحمه الله إلى توازني عندما منعني من دخول البيت بهذا المنظر والفكر فحلقت لحيتي إرضاءً له لكني لم أحلق أفكاري إلا بعد عامين آخرين قضيتهما في تنفيذ ما طلبه مني “اقرأ كمان” خسرت في هذه الغرفة كل الكتابات الأولى لكنني كسبت قدراً كبيراً من الوعي بالكثير من القضايا الشائكة التي غُمَّت عن الكثيرين ممن ساروا في دروب لا نهاية لها.
مطار دبي سبتمبر1995وفور دخولي إلى صالة القادمين حيث يتم ختم جوازات السفر بختم الدخول معنا الشاب الإماراتي الودود والمبتسم منذ اللحظة الأولى والفرح بلقاء مجموعة جديدة من المعلمين المتعاقدين للعمل، أطالع الوجوه الكثيرة لحاملي جنسيات تعودت أن أراها في الأقصر، أقرأ اللافتات خلف موظفي الاستقبال: (مواطنون _ مواطنو دول مجلس التعاون _ أجانب) كان لا بد أن أقف أمام الآنسة الجميلة والمبتسمة أيضا التي تختم جوازات الأجانب جاءت قصيدتي “لحظات قصيرة للموت” بعد ساعات من استقراري في الفندق وأنهيتها بصيحة ظللت أطلقها في وجوه الكثيرين طوال اثني عشر عاماً “أنت مصريٌّ.. ها هنا باب الأجانب” وبعدها صمت عن الكتابة حوالي العامين إلى أن استعدت توازني.

النادي الثقافي العربي

.. بعد أيام قليلة جداً من استقراري في إمارة الشارقة قلت لمدير المدرسة إنني متضايق ولا أستطيع أن أتكيف مع وضعي الجديد، نصحني بالتريث والذهاب إلى شاطئ بحيرة خالد للفسحة والخروج من الملل والوحدة، لم أكذب خبراً وفي المساء سألت عن موقعها فعرفت أنها قريبة جداً من سكني، خرجت متسكعاً أطالع الوجوه وأقرأ اللافتات فجأة قرأت (النادي الثقافي العربي) ما عساه يكون؟ بدا العنوان مغرياً لواحد تغنى في طفولته بأناشيد “الله أكبر فوق كيد المعتدي” و”بلاد العرب أوطاني”، دخلت من الباب الرئيس لم يسألني أحد إلى أين ؟ طاولات كثيرة وسط الحديقة والساحة يتحلق حولها رجال ونساء عرفتهم فيما بعد وصاروا أسرتي الجديدة التي أعادت إليَّ بهجة المساء ودفء العلاقات الإنسانية الراقية: السوري مجد أرسلان واللبناني زاهر أبو حلا واليمني عمر عبد العزيز والجزائريان محمد دحو وحسين طلبي والتونسية ريم العيساوي والعراقيون صالح هويدي وعبد الكريم الجبوري وقاسم سعودي وعشرات من أبناء الجاليات العربية كلها حتى من جزر القُمُر… عندما توغلت في الداخل وجدت في إحدى القاعات عدداً قليلاً من الناس وأحدهم يدير أمسية شعرية يقرأ فيها بعض الحاضرين أرسلت إليه ورقة صغيرة طالباً المشاركة رحب بي وأراد أن أكتب له بعضاً من سيرتي الذاتية ليعرف بي الحاضرين قلت له عندما أقرأ سيعرفونني.. وقرأت. بعد أقل من عام كنت رئيساً للجنة الثقافية أو الأدبية بالنادي _ عندما نفصلهما _ وأصبحت عضواً في مجلس إدارة النادي ممثلاً للجالية المصرية حتى مغادرتي الإمارات، في هذا المكان عشت عروبتي كأنصع ما تكون؛ تظاهرنا من أجل جنين وغزة وحملنا أعلام العراق، ولبسنا الكوفية الفلسطينية ونظمنا الأمسيات الشعرية النشاطات القطرية، وتعرفت أيضاً على الكثيرين من كبار مبدعي الوطن العربي ومثقفيه وبعض سياسييه واستقبلت الكثير من الوجوه الثقافية المصرية، وكتبت بعضاً من قصائدي.. ظل النادي الثقافي العربي بيتي وموطني حتى عودتي النهائية إلى مصر.

مقهى أم كلثوم بشارع بدر في مدينة عجمان

.. الفتى الأسواني الأسمر الذي يشبه أصدقائي القدامى.. طاولة مستديرة على الطرف البعيد أجلس بعيداً عن ضوضاء لاعبي الطاولة وصراخ متابعي مباريات كرة القدم، ظهري إلى الشارع والفتى الأسمر يبدل فناجين القهوة السادة دون أن يسألني، كتب وأوراق هي الشريك الوحيد لوحدتي لا يقطع خلوتي سوى التحايا التي يلقيها بعض الذين يعرفونني، ليس بوسعي أن أقرأ أو أكتب في غير هذا المكان.. هو ملاذي بعد أن ابتعدت عن مقهى ميرغني بشارع المحطة بالأقصر حيث تعودت الجلوس وظهري إلى الشارع ثم يكون فعل القراءة أو الكتابة.

ساحة الشيخ الطيب القديمة

.. على تبة عالية يضع الجالس على دككها المتراصة أقدامه على قمم تيجان أعمدة معبد الرمسيوم وعلى يمينه أطلال مدينة هابو وخلف ظهره معبد الدير البحري وغير بعيد منه مقابر وادي الملوك وتكون الأقصر ببيوتها وفنادقها ومعابدها وبرها الشرقي هي الصورة الماثلة أمامه.. تختلط روائح البخور بنسيم البر الغربي بثرثرات رواد الساحة وأدعية المريدين وصراخ المجاذيب وصياح الدراويش وهم يتلون بأصواتهم وأجسادهم المتمايلة منظومة الشيخ أحمد الدردير “تباركت يا الله ربي لك الثنا: فحمداً لمولانا وشكراً لربنا” والساحة تحمي البيوت الطينية الكثيرة التي تحتضنها يميناً ويساراً ويدرك ساكنوها أنه لولا الساحة وشيوخها وبركتهم لامتدت إليهم أيادي الهدم والتشريد وطردتهم من هذه المساكن التي تقع فوق المقابر الفرعونية وبعضها ترتفع أسقفها على بعض الأعمدة المليئة بالنقوش وتصرف مخلفاتها الصحية في تجاويف الأرض التي ربما تكون واحدة من المقابر التي لا يعرفها أحد (حكى لي الشيخ ذات مرة أن خزان المياه الكبير الذي كان المصدر الوحيد للوضوء في الساحة سقط فجأة ذات يوم واختفى في باطن الأرض ولا يعلم أحد أين ذهب). تزاحم الحاضرون – ومعظمهم من القرى والمراكز المجاورة للأقصر وبعضهم جاء من سفر بعيد – لتقبيل يد الشيخ أو الفوز بدعاء أو مسحة على الرأس والظفر لمن تباسط معه الشيخ في الحديث أو مازحه, النزول إلى حلقات الذكر وقراءة الأوراد والأذكار والاستماع إلى المنشدين والثرثرة مع الدراويش والبسطاء القادمين بيقين الشفاء وتحقيق الغايات ونيل المراد بمجرد الولوج إلى الساحة والأكل من طعامها الذي يشفي المرضى, منذ عرفت الطريق إلى الساحة وصادقت الشيخ محمد الطيب وتزاملنا في العمل الشعبي وتحاببنا وصار الأهل ورواد الساحة يروننا متقاربين مودة وصحبة أدمنت الذهاب إلى هذا المكان الفريد بأهله ورواده وطقوسه ومعطياته التي تسحر العقول وتأخذ بالقلوب القاسية فتلين وتسامح وتنتهي الخصومات والثارات بمجرد كلمة من الشيخ ينزل بها حكمه.. والويل لمن خالف أو أبى الانصياع فسيظل متوجساً طيلة عمره ما سوف يحل به خاصة إن كان قد وضع يده على المصحف وأقسم حانثاً بكتاب الله في بيت الشيخ فاللعنة ستلاحقه وذريته ولن يكسب في حياته أبدا، أعود من الساحة محملاً بتواشيح وأذكار وتراتيل لأشعار حفظتها قديماً وحالات جديدة لبشر ممتلئون بقطوف من وهج الحياة وخربشاتها في تفاصيلهم الخفية والجلية.

الناس

الشيخ مصطفى العيع

.. لا زلت أذكره بزعبوطه الجوخ الذي لا يغيره صيفاً أو شتاءً، وعصاه الجريد الطويلة، وقد تربع وأسند ظهره إلى الجدار المصنوع من جواليس الطين في الناحية الغربية من ديوان عائلة القباحي الكبير واضعاً إلى جواره وبشكل واضح لجميع الصبية المتحلقين حوله شومتين طويلتين بينهما حبل مفتول من ليف النخيل، والويل لمن يومئ الشيخ إلى كبار الصبية ليختطفوه في سرعة البرق واضعين قدميه في هذه الفلقة المميتة جزاءً لتقصيره في حفظ السور التي كلفه بها الشيخ أو عقاباً له على نسيانه ما سبق حفظه أو مشاغباته وانصرافه عن الترديد وراء الشيخ. كان المشوار اليومي القصير إلى الكتاب والانتظار فيه إلى صلاة الظهر ثم انتظار الشيخ في المنزل بعد صلاة العصر ليقوم بالتسميع علىَّ وتحفيظ أخواتي البنات اللواتي يحرص والدي – رحمه الله – على تحفيظهن القرآن الكريم وتعليمهن في المدرسة وعقوبات الشيخ التي لا ترحم طفولة ولا صبا سبباً في حفظي أكثر من نصف القرآن الكريم الذي تفلَّت مني أغلبه _ للأسف _ فيما بعد وبقيت مخارج الحروف وطريقتي في القراءة ولغتي وموسيقى التلاوات المنغمة التي كانت وسيلتى للحفظ السريع وإلى الآن ألاحظ أحياناً أنني أتمايل مع تلاوتي للقرآن كما كنت أفعل في الكتاب.

خليفة البعيري

.. في بيتنا القديم المبني من الطوب اللبن نافذة غرفتي في الطابق العلوي تطل على منزله الطيني المستور بعض أجزائه ببوص الذرة والمكشوف أغلبه عندما يصحو قبل الفجر بقليل تتعالى أدعيته غير المنظمة والتي يرتجل فيها ما شاء أو تيسر له من بسيط الكلام ملحاً على الله تعالى فى طلب الستر والرزق الحلال وسترة البنات والرحيل من الدنيا على خير, بعد الدعاء الطويل الذي يوقظني من النوم يصلي الفجر وأغتاظ لأنه لا ينطق السور القصيرة التي يحفظها بشكل صحيح، يحمل الرجل فأسه الصغير وجوالاً من الخيش قاطعاً الطريق إلى البندر على قدميه ساعياً على رزقه وأولاده الذين يستقبلونه مبتهجين صاخبين عندما يلمحون الجوال وبه بعض ما يأملون من عشاء عند عودته قبيل الغروب، بعد أن يصلي المغرب ويتعشى مع أطفاله الأربعة يخرج إلى المصطبة الطينية أمام الدار وقد عم الظلام، نجتمع عند قدميه مؤتنسين ببصيص من ضوء مصباح الفتيل وبصوته المبحوح يطلق الموال تلو الموال ونحن نصفق ونهلل ونردد معه ما يقول، ثم يختم وصلته الليلية ببعض الحكايا التي يعيدها أحياناً في ليال تالية وقد غير فيها وبدل ما شاء، أما وقد أصغت آذاننا وخفتت أصواتنا يهب واقفاً ليمثل أجزاء الحكاية وتفاصيلها وأدوار أبطالها المنتصرين أو المنهزمين، ثم يغافلنا ويتخطى العتبة الطينية للبيت إلى داخله عندما يلمح الشيخ عبد الله يرتقي السلم الخشبي للمصلى المجاور ليؤذن لصلاة العشاء غير آبهٍ بصراخنا وتوسلاتنا. كان خليفة البعيري رغم فقره الشديد قادراً على صنع بهجته وبهجة أولاده وجيرانه من داخله الذي لا أعرف الآن شبيهاً له.

يوسف التِلب

.. بعد عصر كل أربعاء نحتشد خلفه رافعين سعف النخل وعيدان البوص هاتفين بملء حناجرنا “يستاهل ضرب السكين” ويمضي يوسف التلب مفرود القامة متباهياً بالعجل الذي يجره ليرى أهل النجع ذبيحة يوم الخميس التي سيشترون لحمها، وكثيراً ما كنا نرى العجل نفسه في الأسبوع التالي وربما لأسابيع عديدة، ويكتشف الناس أن ما أكلوه كان جاموسة فلان العجوزة أو بقرة علان التي سقطت في الساقية, وعندما أفلس ووقف حاله احترف استدعاء الغوازي من بنات مازن وأبو حراجي الزمار، وكانت ليالي الطبل والمزمار البلدي ورقص بنات مازن لا تنتهي من أمام داره كل أسبوع تقريباً، ودائماً هناك مناسبات سعيدة لاصطياد النقوط الذي يضعه أصحاب المزاج ومحترفو لعب العصا والرقص على المزمار فى الصحن الكبير المغطي بالبشكير القطن المزركش، وتزيد كمية النقوط عندما تكون المناسبة ختان أحد أولاده الذين تكرر الاحتفال بهم عدة مرات، وكانت الليالي تلك سهرات صيفية نسعد فيها بالغناء ولعب العصا خلف دكك الكبار ونحفظ الأغاني والمواويل التي تتكرر أو تختلف باختلاف المناسبة، وعندما اكتشف يوسف التلب في إحدى الليالي أن النقوط الموجود في الصحن الكبير أغلبه قطع من شقف القلل القناوي الرقيق وبعض أغطية زجاجات القازوزة والقروش القليلة المتبقية لا تكفي لدفع أجور الزمارين والغوازي، أو لسداد ثمن الجدي الصغير الذي ذبحه لعشاء الضيوف القادمين من أماكن بعيدة أمسك العصا وتوسط الجمع الغفير راقصاً بعنفوان الشباب وهو يقول “اضرب يا ريس دي ديرة راس”..، وبعدها توقف هذا العالم السحري، ولم يعد له وجود إلا في ذاكرتنا.

عبد الحافظ أحمد عبد الرحمن

.. هو جدي لأمي، والرجل الوحيد الذي رأيته في حياتي يركب حماراً وقد وضع له شكيمة على فمه حتي لا يأكل من زرع الجيران عندما يمر به قاصداً القراريط القليلة التي يزرعها بكل احتياجات المنزل من البصل والثوم والفجل والجرجير والكسبرة والكمون والفلفل بأنواعه إضافة إلى الملوخية والبامية والسبانخ وغيرها، عندما أرسلتني إليه جدتي ذات صباح بالفطور المكون من بيضة واحدة مسلوقة وقطعتين من خبز البتاو وبصلتين وبعضاً من دقة الملح والكمون وقلة الماء.. وقف شامخاً واستند إلى فأسه الكبير وتعالى صياحه منادياً جيرانه العاملين في الحقول المجاورة ليجتمع إليه منهم في دقائق أربعة نفر يشاركونه هذا الإفطار وينصرفون شاكرين كرمه حامدين الله على نعمه الوفيرة، كنت أصحبه في عمله لأستمع إليه، وهو يحكي لي عن القباحي والقرى المجاورة وأصول العائلات ولأتقرب من خالي الذي يصحبني معه إلى سينما آمون مساء كل اثنين.. في صباح الخامس من يونيو (حزيران) سنة 1967 وبينما نحن نعمل في الزرع خرقت آذاننا أصوات مرعبة لطائرات مرسوم عليها نجمة غريبة ظلت تتمايل وتلعب في الجو فوق رءوسنا ونحن نشير إلى راكبيها الذين كنا نلمح وجوههم الغريبة وعندما اتجهت صوب المطار وسمعنا دوي الانفجارات ورأينا النيران المشتعلة وقد ارتفعت إلى عنان السماء حمل جدي رحمه الله شومته الملقاة إلى جانبة وظل يطارد الطائرات التي في السماء ويتوعدها حتى اختفت عن الأنظار مخلفة النار والرماد والأنقاض في مطار الأقصر وفي النفوس.. بعد هذه الواقعة بقليل مرض جدي لسنوات ولم يعد يذهب إلى قراريطه القليلة وتوقفت أنا عن الذهاب للعمل في الزرع أو زيارة أرضنا شرق البيوت إلا قليلا.

الحاج سيد أحمد نوبي

.. ألف رحمة ونور عليه، والدي. بعد هزيمة 5 يونيو 1967 بحوالي الشهر أرسلت هيئة شئون الأفراد بالقوات المسلحة المصرية خطاباً يفيد بأنه من مفقودي الحرب وبناءً عليه سافرت والدتي إلى القاهرة لتسلُّم متعلقاته وبعض الأموال. كنت في الحادية عشرة عندما تلقيت العزاء مع رجال العائلة في والدي وكان علي أن أكبر كثيراً وأن أحلم كل مساء باليهود الذين قتلوه، وعندما بدأت وأسرتي اعتياد المسألة جاءنا خبر من أهالي بعض رفاقه في الجيش من أصحاب حالات مماثلة لنا كنا نعرفهم بالاسم بأنهم سمعوا والدي يتحدث في البرنامج الإسرائيلي الذي يذيع على المصريين نداءات الأسرى لذويهم ومن ساعتها أمسينا وأهالي النجع نتحلق كل مساء حول الراديو أمام بيتنا وينقطع أملنا ليلة بعد أخرى حتى مللنا وملَّ معنا الآخرون المسألة.. وفجأة ما بين مصدق ومكذب سمعنا صوته وانقلب ليل النجع نهاراً ولكن الغصة ما زالت في الحلق وتمضي الأيام بطيئة كئيبة إلى ليلة شتائية باردة في ديسمبر 1969، وبينما أنا غارق في النوم يشتد الطرق على الباب الخارجي للمنزل، وأنظر من النافذة لأجد رجلاً لا أعرفه يصيح “افتح يا حسين أنا أبوك” وأوقظ أمي التي تصرخ مبسملة ومحوقلة “سلامتك يا ولدي اسم الله عليك” لم تكن أمي رحمها الله ولا أنا ولا أي أحد يصدق أن سيد أحمد أبو نوبي حي وسيعود. وعاش أبي رحمه الله، بعد هذه الليلة ثمانية وثلاثين عاماً قبل أن أتلقى العزاء فيه للمرة الثانية.. ظل يحكي دائماً فيها عن حياته في الأسر وقتل اليهود لزملائه وتعذيبهم طوال مدة أسرهم التي لم تنته سوى بمساعدة عرب سيناء لمن بقي منهم على الهرب.. التفاصيل الكثيرة التي رواها لي وحفظتها ودونت أغلبها لا مجال لذكرها الآن ولكنه أورثني كراهية لليهود لا تنتهي ومقتاً وازدراءً لمن قايضوا بدماء الشهداء ولم يكترثوا لموت أسرانا غدراً.

صباح

..واحدة من آلاف النسوة في قصر المأمون.. تلك امرأة كانت ذاكرة للنيل وتفاحات للقلب الطفل وبهرجة للعيد .. لم يكن في جيبها سواي.. تحيك ثوبها العناء من فراقنا وتشعل الحرائق الدُمى..غداً ستجيء ترفع فوق كفيها

الأهلة والفراعين.. تزاحمت بثغرها النجوم واحتست دون ضجة فرات وقتها.
بعضاً مما ذكرت وغيره كثير شكّل المخزن الطبيعي الذي خرجت منه وبه تجربتي التي أرجو أن تكون صادقة كصدق هؤلاء.

………………

*ألقيت هذه الشهادة في مؤتمر أدباء مصر الدورة الرابعة والعشرون

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:207. Generation time:2.995 sec. Memory consumption:44.43 mb