الأصلي
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

مؤمن المحمدي

الحب يعطل الكتابة

أجرب هذا الشعور كلما أردت أن أكتب عمن أحبهم وأشعر ببصمتهم في حياتي. وها أنا أعاود التجربة مع حسن عبد الموجود، فقد استغرق مني الأمر أسبوعين حتى استطعت أخيرا أن أجلس لأكتب.

نحن في حضرة الإنسان المبادر، والمبادر ياعزيزي هو الشخص الذي لا ينتظر عربون المحبة ولا مقدم الود حتى يقدم ما لديه، وإنما يمتلك فائضا من المشاعر الإنسانية يبحث عمن يقدمه إليه.

حسن يكتب الرواية، وروايته مبهجة، ولايتعامل مع رواياته باعتبارها من عوامل “النجاح” أو صناعة الاسم، وأشك أنه سأل نفسه يوما: لماذا أكتب؟ فقط هو يكتب لأن لديه ما يُقرأ.

قبل سنوات قال لي كاتب معروف: الحمد لله، أشعر بأن حياتي استقرت، لدي شقة وسيارة وديوانان! كلما تذكرت هذا الكاتب، أتذكر نقيضه، حسن عبد الموجود، أحد القلائل الذين لم يسعوا لسباق “البيست سيلر”، والكاتب الأعلى مبيعا، وفي الوقت نفسه لم يدخل نفسه في خصومة مع الظاهرة.

يحب حسن أصدقاءه، وهم كثيرون وقابلون دائما للزيادة، ويتعامل مع كل منهم كما يتعامل مع نفسه، حتى إنه ينسى نفسه، قلت له مرة: لماذا لا تعامل نفسك كما تعامل أصدقاءك؟

كان من الممكن له أن يستغل وجوده ومكانته في أخبار الأدب فيكتب رواية وديوانين وكتابا كل عام، وكان من الطبيعي أن يتم تسويقهم على النحو الذي يريده ، وأن يكون ضيفا دائما في كل الأماكن التي يستضيفون فيها الأدباء بغض النظرعن “القيمة”، لكن بهجة حسن لم تكن هناك، بهجة حسن كانت دائما في بهجةالأصحاب.

لم أتعرف عليه منذ وقت طويل، رغم أنني أعرفه منذ زمن بعيد كصحفي له تجارب عديدة، وعندما عرفته أدركت أنه فاتني الكثير، كنت أتابع كتاباته عن الوجوه التي عرفها، وأدرك أنه كاتب من ذلك النوع الذي يلتقط التفاصيل، وعندما علمت أنه بصدد جمعها في كتاب فرحت، ربما كان في الكتاب فرصة، ونجاة لهذه الكتابة من الاندثار مع صفحات الجرائد.

عندما جلست إلى حسن، عرفت أنه صعيدي بعد ثلاث دقائق، لا، ليست اللهجة هي السبب، فلهجته قاهرية لا يشوبها شائبة، وإنما عرفت ذلك لسبب غير معروف، ربما شعرت بأنه قريبي، أو بأنه مثل أبناء عمومتي في القرية.

قبل حسن شاهدت أدباء “صعايدة” يحرصون على نطق لهجاتهم الأصلية، يتركون “جيم” هنا، أو “قاف” هناك تنطلق، ليقولوا: “نحن جنوبيون”.

عرفت صعايدة آخرين يبالغون في الاحتفاء بأدباء الجنوب، وآخرين يؤسسون جمعيات أو ما أشبه ليقولوا بأنهم من هناك.

ورغم أن “صعيدي” لاتعني لي شيئا إيجابيا أو سلبيا، إلا أنني أظل منشغلاً بالسؤال: كيف يتعامل البشر مع جذورهم.

لم أكن أصدق كل هؤلاء، لا أقول إنهم يتاجرون بجنوبيتهم، فكثير منهم أشخاص أحترمهم، وأصدقهم بشكل عام، لكنني لا أصدقهم في هذا، وأصدق أكثر أنهم يحاولون التشبث بشيء ضاع منهم، ضاع بالفعل في زحام المدينة، وهم لايريدون أن يصدقوا أنه ضاع.

أشعر أن الصلة بهذا الجذر لم تضع من حسن عبد الموجود، ولذلك فهو ليس بحاجة لتأكيده، هو يتحرك به، ويتعامل به، ويقدمه لك لتكتشفه بعد ثلاث دقائق.

ــــــــــــــــــــــــ

*شاعر وكاتب مصري

 

عودة إلى الملف