إبراهيم فرغلي: القضايا الكبرى لا تضيق عن استيعاب التفاصيل الصغيرة

حاورته: مليحة مسلماني

بخجل المبدع، ولكن العارف لذاته والحائر في نفس الوقت في ممرات اللغة ولولبية الأفكار، سيفرّ ابراهيم فرغلي من حوار مركب ليخبر من بين السطور عن متعة الكتابة، وعن براءة البداية من القصدية. متأملا في التناقضات حتى الهذيان وحازما فيما يعتقد حتى الدفاع، ملتزما تراه بقضايا اختلاف الثفافات والأديان، فيسبرها عبر التفاصيل الصغيرة بالحب والحلم والحرية. وما بين جنون الغرائبية وولع في الجمال والجمالية وممارسة شفافية مع اللغة يسرد ابراهيم القصة فالرواية، معلنا البداية بمجموعتين قصصيتين “باتجاه المآقي” في العام 1997و”أشباح الحواس” في العام 2001. ربما لم ترو القصة عطش الفن في مخيلته، وربما شقت عوالم قصصه الصغيرة ممراتها في جوانية المبدع فيه، وهذا ما حدث بالفعل، ليحول قصته “فراشات إلى رواية “كهف الفراشات” ليعيد إنتاجها عالما روائيا غرائبيا لكن واقعيا، وقاسيا لكن شاعريا. وفي روايته التالية ابتسامات القديسين، سيذهب ابراهيم إلى ما هو أبعد من الجوانية الذاتية، فيكتب ألم شخوص لم تملك مصائرها، مستمدا من الواقع المصري والعربي خيوطا يحبكها الطفل المبدع فيه، فيلعب اللغة مع النص والقارئ وبالأساس مع ذاته

* بين الثنائيات بتضاداتها تتلمس دربك الملغوم بالمعرفة نحو الكتابة، سواء كان ذلك في قصة أو رواية، ويحار القارئ فيهما بين أزمنة تتعدى مفهوم الزمن وأمكنة تلتقطها كاميرا كاتب يطلّ من بين السطور ليعرّف نفسه كمصور أيضا، وبين الحب والجنس والتقاؤهما وتضادهما، وغرائبية تعج بالجمالية لكنها تولد من رحم واقع مركب، من بين كل تلك الثنائيات يأتي التزاوج ومن ثم المخاض، فماذا عن لحظة الولادة؟

** هذا السؤال صعب للغاية لأنني لم أكتشف سعيي لهذه المتناقضات إلا في فترة متأخرة، ربما بعد نشر باتجاه المآقي –كتابي الأول- حيث تكشفت ولعا دفينا ببحث التناقضات بين الواقعي و الغرائبي كما في قصة قمر، و في تناقضات الحب و الجنس بين أكثر من قصة في نفس المجموعة و من هنا التقطت فكرة المزج بين العجائبي الغريب المستند على تراث ألف ليلة مع اليومي المباشر البسيط كما تجلى في كهف الفراشات وإفراطا في التجريب اتكأت في بناء الرواية على قصة فراشات التي جاء ترتيبها الأخير في كتابي الأول فبدا لي الأمر و كأني أربط خبرتي الكتابية ببعضها البعض و أربط النوعين الأدبيين (القصة و الرواية ) معا، لكن بلا جدوى لأن النقاد يغطون في سبات عميق , لا أريد أن أزيد حتى لا أقلق أحدا منهم في غفوته.

* أبدأ ، كما بدأْت، “باتجاه المآقي”، والتي رغم كونها مجموعة قصصية إلا انها تبدو كرواية تتبعثر أحداثها وتتشظى هياكلها لما يعتمل في نفوس شخوصها من مشاعر وافكار وآلام، بيد أن محورا من التشظي الموجع يجمعها ليكوّنها حياة حقيقية، ملموسة وعادية ولكن في صخب من الغرائبية. هل تلك الغرائبية التي بقيت في أعمالك اللاحقة وتجلت أكثر ما يكون في “كهف الفراشات” هي الوتر الذي يعزف عليه إبراهيم ليعيد انتاج الواقع فيحوله عالما إبداعيا؟

** أعتقد أنني أجبت جزئيا على هذا السؤال. و ملاحظتك صحيحة فعوالم قصصي بشكل ما أشعر أنها تشظيات لعالم أكبر حتى أنني أحيانا أفكر في كتابة رواية تلتئم فيها هذه التشظيات، و هي في نفس الوقت تتضمن إشارات إلى غرائبية الواقع الذي نحياه و نعيشه و الذي أصبح أغرب من الخيال و هذا ما فتح باب الخيال أمامي للعجائبي لتوضيح هذه العلاقة من ناحية و لكشف الواقع في مراياه الداخلية العميقة كما هو الجزء الخيالي من كهف الفراشات؛ فسوف يتضح للقارئ بتعاقب الفصول أن ذلك الجزء ليس سوى مرايا الراوي الداخلية التي تعكس هواجسه و مخاوفه و أسئلته الوجودية و الإنسانية العميقة. لكن يقيني أيضا أن العمل الفني لا تكتمل شروطه الفنية إلا بالتخييل و خلق عوالم كبيرة من العدم و هو ما أغواني بالبحث عن الغرائبي و إعادة استخدامه في أشكال جديدة أحيانا تبدو و كأنها تنتمي لعالم الواقع كما في بعض قصص كتابي أشباح الحواس أو في روايتي الأخيرة إبتسامات القديسين التي تولى أحد أجزاء السرد فيها صوت خفي أو شبح نعرف لاحقا أنها روح ميت عاد ليجيب عن أسئلة لم يعرف إجابته في حياته .

*في “أشباح الحواس” هل كتبت الجسد أم هو الذي اجتاح الأديب الباحث فيك ليقوده نحو المعرفة؟ وماذا يُسمى هذا اللون المتوهج في كل أعمالك، كتابة أجساد تتوق إلى التوحد أم هو الجنس يعتري شخوصا تمارسه ام يمارسها؟ أم نساء عاشقات فاتنات أجسادهن من أطياف هُزمن في الواقع فنصرتهن في الإبداع؟ أم هي ممارسة المكبوت في الواقع ليصير الإبداع مسرح المحرمات؟

** هذا السؤال بالغ التركيب في الحقيقة، لكن على أي حال يمكنني القول أنني أردت أن أعبر عن الجنس بوصفه شيئا عاديا و طبيعيا و مبذولا في اليومي و المعاش بعيدا عن هالات التقديس التي تقدس جسد المرأة بعقلية ذكورية شرقية تسفه كثيرا من عقلها في المقابل و بعيدا عن شبهة اقتحام التابوه باعتبار الجنس من ممنوعات التعاطي في الكتابة. ربما أردت كشف ازدواجية الطبقة الوسطى في عقيدتها البورجوازية الصارمة التي تمارس الجنس و لا تتحدث عنه، أو تفضل النكات المبتذلة بما فيها من تلميحات ترضي نزعات التناقض في أعماق هذه الشخصيات. لكن ما اهتممت به حقا هو إيجاد نبرة إنسانية (ليست ذكورية أو أنثوية) في تناول الجنس بوصفه حقيقة وجد الإنسان على الأرض باكتشافها، ولكونه مختبرا للانفعالات و الثقافة الشعبية المكتسبة، وكمساحة مسرحية للجسد في تعبيره عن الجزء الحميم من الذات في أصدق طرق تعبيرها عن نفسها. و لعلني أيضا أجد في الجسد الإنساني الأنثوي مساحة بديعة لفهم مفهوم الأنوثة ومحاولة فك اللغز الأنثوي، و اختلاف رؤية الرجل لما تراه الأنثى و هو ما تجلى في بعض قصص أشباح الحواس التي تناولت المواقف الحميمة من وجهة نظر الرجل، ثم استخدام نفس الكادر من وجهة نظر الأنثى في قصة أخرى. لكن ذلك ليس كما يقول مايكل أنجلو من قبيل الرغبة الحارقة في رسم الجسد العاري لأن الجسد العاري الأنثوي رغم جماله يبدو خاملا و باردا إذا لم يكن محملا بشعور داخلي عميق هو الذي يبث فيه الحياة و الجمال بالتالي. أي أنني أهتم بالشعور الداخلي العميق كما يعكسه الجسد .

* عن روايتك “ابتسامات القديسين” يقول عبد العزيز موافي في مقالته “ألعاب المصادفة والزمن”: “نظرا لقانون الموت/ الفقد الذي يسيطر علي شخصيات الرواية، فأننا نكتشف أن الرواية ليست رواية مكان، رغم الحضور المكاني لمدينة المنصورة، لكنها رواية زمان، علي أن الزمان داخل الرواية لا ينتمي الي الزمن الموضوعي، بقدر ما ينتمي ­ نتيجة النهايات الكارثية ­ الي مفهوم الدهر”. وفي كهف الفراشات أيضا نرى ما يمكن ان نسميه “ألعاب الزمان والمكان” في لعبة يلعبها الراوي بين مكانين وزمانين، يسابق الأحداث والأقدار، فيقلق القارئ بهذين البعدين، هل الزمان والمكان هما الوترين الآخرين، إلى جانب الغرائبية حيث يمارس ابراهيم إغواءه كمبدع؟

** الزمان هو الآخر لغز مثير بإمكانه أن يكون زمنا مضى نستحضره بكل تفاصيله أو أن يكون لحظة مكثفة في عقل شخصية من الشخصيات و قد يصبح عدما لمن لا يعرفه. و حضور عماد الشبح القادم من زمن آخر في ابتسامات القديسين كان اختبارا روائيا لمفهوم الزمن و معناه. تستهويني كثيرا فكرة أنني ربما عشت زمنا آخر وأتابع قوة الروح في فهمها الخاص للأشياء و الأشخاص و ائتلافها أو اختلافها وفقا لقوانينها الخاصة جدا. بعيدا عن منطق العقل القاصر الذي لا يستطيع إدراك حقيقة فكرة الزمن، تثيرني فكرة أن مكانين متباعدين تماما يضمان جسدين من جغرافيا و ثقافة مختلفة تماما و لكنهما يأتلفان في ذلك المكان أو تنافر جسدان أو روحان اخريتان رغم انتمائهما لنفس المكان فما هو معنى المكان و هل محاولات التعبير عنه بالقوة كما فعلت أنا مع مدينة المنصورة (التي ولدت بها) في ابتسامات القديسين هو مقاومة لا واعية لفكرة هشاشة المكان؟ لا أعرف ..هذه الأسئلة وهذه الفكرة هي التي أحاول اختبارها داخل النص فيما أسميه أو تسمينه أنت ألعاب الزمن و المكان.

* وفي حوار معك عن ابتسامات القديسين ” التي أطلق عليها محمد بركة “دراما الحب والدين عبر الثقافات” حيث يتعدد الرواة وهم شخوص الرواية، مسلمين وأقباط، الذين يحكون آلام علاقاتهم التي يتوجها الموت أو السفر بسبب اختلاف الدين، قلت في هذا الحوار “لكنني في ابتسامات القديسين كنت مشغولا بشيء آخر حيث أرى أن الجيل الموجود حاليا يجب ان ينقل نفسه نقلة فيها اهتمام أكثر بالقضايا الإنسانية الكبرى والاهتمام بالتخييل. لا يجوز أن نظل غارقين في نسخ تجاربنا الشخصية.” هل يعود أدب ما بعد الحداثة إلى القضايا الكبرى مرة أخرى ؟ وهل التجارب الشخصية تخرج عن تلك القضايا وتضيق الكبرى عن استيعاب التفاصيل الصغيرة في حيواتنا؟

** هذا سؤال إشكالي تماما قد يتصدى له بعض المخلصين لمذهب الفن من أجل الفن بالنفي و السخرية من أي نص روائي يتكئ على منطق آخر غير الفن سواء كان قضية اجتماعية أو سياسية، لكني بشكل شخصي أرى أن الأدب العظيم كله حل هذه الإشكالية بتأكيد الطابع الإنساني لفن الرواية ووازن بين الهم الإنساني العام و شروط الفن مثل دوستيفسكي و تشيخوف و سارتر في رائعته القصصية ” الجدار” و يوسا وغيرهم. مشكلة بعض من ينظرون للأدب ما بعد الحداثي أنهم يريدونه ذهنيا بلا حياة ، يخلق من العدم متناسين أن الخلق يهب الروح أي الحياة و يسيطر عليها بالعقل و ليس العكس.

التجارب الذاتية ليست بالضرورة قاصرة عن التعبير عن تلك القضايا الكبرى، لكن نقلها بلا فن و بلا خيال أو خلق فني موازي هو ما يجعلها فقيرة، كما أن القضايا الكبرى لا تضيق عن استيعاب التفاصيل الصغيرة إطلاقا، لكن هناك فرق بين قضايا كبرى يتم تناولها وفق إطار إيديولوجي سياسي ضيق بتحيزاته و قناعاته وبين تناول نفس القضايا بشروط فنية خالصة.

كما أن الارتكان إلى التفاصيل الصغيرة لا يعني التكاسل عن إثارة الخيال و استسهال المادة الذاتية اليومية التي لا تخلق أبدا فنا كبيرا و لا تفتح آفاق العمل على العالم و تجارب البشر التي تثري النص و تتحدى في الروائي قدرته على التقمص و الاستكشاف.

* أنتهي بما انتهت به كهف الفراشات “نداءاتك يزركشها رنين الخلخال – قلبي يرقص على إيقاع خلخالك – عيناك يا مليكتي تضيئان – ارفقي بقلبي الطفل فأن لا أحتمل آهاتك – خمرية أنت لا سمراء إذن … اغرقتني بخمر عينيك فلا تبالي بهذياني … دثريني بعريك لنطير” متى يدرك ابراهيم الحد الفاصل فيما يكتبه بين السرد والغنائية، وهو المميز بشفافية اللغة وشاعريتها؟ لحتى تمر على القارئ لحظات تضيّعه فيها، فتختلط الأحداث وتصبح ضبابية ملامحها، وتصل اللغة في خضمها ذروتها، وتلك جمالية أخرى ربما أجدت العزف عليها. هل هي الموسيقى التي لا بد منها في كتابة واقع مركب ومرير، ام هو الحدث وشخوصه يفرضان هذا النسق من اللغة؟ وإلى أين ستأخذك اللغة في معركتك القادمة معها؟

**صحيح أن لغتي تميل إلى الشعرية لكنها ليست غنائية. و النص بشكل عام هو الذي يفرض لغته مع قصديتي المتعمدة في إيجاد ذلك الإيقاع الذي يحقق ما تسمينه أنت شفافية اللغة .لكن المزج بين الواقعي اليومي والغرائبي يحتاج أيضا إلى لغة خاصة ..لغة تعرف الفرق بين لغة النص الحداثي ذات الجمل القصيرة المتقشفة و المترفعة عن الجماليات و الزخرفة والشعرية و بين ولغة السرد الغرائبي ذات الجمل الطويلة نسبيا المحملة بروح الشعر و طاقة الخيال. و هذا هو همي الكبير. و النص الذي أعكف عليه الآن يحاول أن تبدو اللغة و إشكالياتها جزء من البناء السردي نفسه استكمل فيها ألعابي مع النص و القارئ و بالأساس مع ذاتي.

عودة إلى الملف