موقع الكتابة الثقافي writers 28
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

البشير الأزمي

أستحضر لحظات الوادع الممزوج بالحشرجة والدموع..

كلما فكرتُ في إبعاد تلك الصور الأليمة أُغمض عيني، لكن الصور لا تبتعد.. تزداد نبشاً في ذاكرتي التي لم تعد تستطيع تحمل أكثر مما تحملته. رائحة الخبز المطبوخ تفوح وتنتشر في البيت، تمتزج برائحة روث البقر وباقي الدواب الرابضة في إسطبل صغير خلف الدار. أبي يُذَرِّي القمح وحبَّاتُ عرق تَنزُّ من جبينه، يمسحها بساعده ويتابع الذري. جدتي بِمُشْطٍ رفيعة الأسنان تمشط شعرها، وتجمع الشعيرات التي تسقط على المنديل الذي وضعته أمامها، تغمس أناملها في إناء فيه زيت زيتون وحرمل وتمررها بين شعرها.

أمي منشغلة بتحضير الطعام. البيت يغرق في بحر الصمت، صمتٌ يكسره بين فينة وأخرى خوار الأبقار وشحيج البغل، وصراخ أَخَوَيَّ الصغيرين وهما يتعاركان حول من له حق الأسبقية في ركوب الأرجوحة التي هيأها لهما أبي بالشجرة.

ساد الصمتُ في بيتنا أياماً بعد عودتي إلى القرية وأَنْخِلينِس تصاحبني. يومَ أشرفتُ على قريتنا أقبل أخي الأصغر نحوي يركض حافي القدمين، قَبَّلَ يدي واقترب من أَنْخِلينِس وَهَمَّ بتقبيل يدها هي أيضاً، هي ذي عادة الصغار في قريتنا، الأصغر يقبل يد من يكبره سِنّاً. ضحكت أَنْخِلينِس وسحبت يدها وانحنت عليه وقبلته على خديه، تعالى ضحكُ وصياحُ وصفير أصدقائه. خجل أخي، احمرَّ خدَّاه، رجع إلى الخلف وأسرع في اتجاه البيت. لمّا وصلنا كان خبر قدومي سبقنا.

عند باب البيت وقفت أمي وإخوتي وزَهْرَة بنت خالتي وبعض الجارات ينتظرون وصولي. الكل يبتسم إلَّا أمي وزهرة، لاحظتُ أَنَّ عودتي هَيَّجَتْ دموع أُمِّي، وضعتْ يديها على عينيها مُحاوِلة إخفاءهما. أصابعها لم تكن قادرة على ذلك. غابت الابتسامة عن محيا زهرة كذلك. وقفتْ مسمرةً، تجيلُ عينيها بيني وبين أَنْخِلينِس وتضع صفحة يدها على فمها خشية أن تنفلت منها صرخة.

الأيام التي قضتها أَنْخِلينِس معنا، لاكتْ ألسنةُ أهل القرية كلاماً أغضب أفراد عائلي. تحدثوا عن العار الذي جلبتُهُ للقرية. لم يسبق لهم أن رأوا امرأة تتجول عبر أزقة القرية بملابس مثيرة وتدخن، تحاشت فتياتُ القرية ونساؤها الاقتراب منها رغم محاولتها التحدث إليهن، ضحكن من كلامها غير المفهوم، شَبَّهُوهُ بزقزقة الطيور.

ساءتْ علاقة أمِّي بخالتي؛ خالتي التي كانت تُمَنِّي نفسها أن تطرق أمي وأبي، يوماَ، باب دارها ليطلبان منها يد زهرة لي. لم تعد خالتي تزورنا في بيتنا. وقفتْ جدتي إلى جانبها، قائلة إنَّ دمنا عليه أن يظل يجري في عروق عائلتنا، أن يحافظ على نقائه، وأن لا يلوثه دم الكفار.

كلما حاولت أَنْخِلينِس الاقتراب من جدتي والجلوس إلى جانبها، تنهض جدتي وتترك المكان معللة أنها قائمة إلى الوضوء والصلاة، أو أن بها وجعاً وفي حاجة للنوم.

أمس، كنا قاعدين ببسطة الدار.. ظللنا جميعاً صامتين. أبي الذي كان من عادته أن يضحك إلى أن ترتج كرشه غابت الابتسامة عن وجهه، مَدَّ يده صوب إبريق الشاي، صَبَّ كوباً وأخذ علبة السجائر، انتقى منها سيجارة، وَلَّعها، عَبَّ منها نفساً عميقاً، نفثه إلى الأعلى كأنه يتخلص من ثقل يجثم على صدره، وقال:

” عاب علينا أهل القرية حضور هذه الفتاة معك.. يجب أن ترحل..”

باغتني كلام أبي، غارت عيناي وانعقد لساني. وددتُ أن أجيبه، أن أخبره أن حضورها يدغدغني فتسري في عروقي جذلاً ونشوة.. خجلتُ من نفسي.. أخبرتُ أَنْخِلينِس أن عليها أن تغادر.. تقبلتِ الأمر بشكل طبيعي.

تَفَتَّقَ الصبحُ عن شمس متوهجة وحمل الهواء لهيب نيران أجبرت الناس على الاحتماء منها بعدم مغادرة منازلهم، رغم كونها أضحت أحمى من الأفران. رتبتْ أَنْخِلينِس حقيبتها، وغادرنا القرية. لم تشأ أمي أن تودعنا، جدتي ظلت صامتة تُحَرِّكُ سُبْحَتَها بعصبية. في الخارج سكان القرية متجمعون في الساحة المجاورة لبيتنا غير عابئين بلهيب نيران الشمس، كانوا واثقين أن أَنْخِلينِس ستغادر.

عابوا عليَّ مرافقتي أَنْخِلينِس كل لحظة وحين.. لم يعيبوا على شوبان عندما دخل في علاقة مُضّطربة مع جورج ساند ولا عابوا عليه خِطبَته الفاشِلة من ماريا وودزينسكا. وهل يعرف أهل قريتي شوبان وجورج ساند ووٍدزينسكا!  حتى وإن عرفوا فإنَّ ذلك لن يغير من الأمر شيئاً. كان اقتناعي بارتباطي بأَنْخِلينِس يتقوَّى لحظة لحظة، لكن ها هو الآن يهوي إلى قعر الجحيم. لم يقدروا أنَّ وجودها ينثر عَلَيَّ قليلاً من ود..

رافقتُ أَنْخِلينِس إلى المطار، صعدتْ أدراج الطائرة، استدارت، لَوَّحَتْ لي بيدها اليسرى وتركتْ جمرة تشتعلُ في صدري.. قررتُ يومها أن أحكم إغلاق قلبي حتى لا يَتَعَطَّنَ..

عدتُ إلى القرية، ولجتُ البيت، ضحكاتُ أَخَوَيَّ الصغيرين وهما يتعاركان حول من له حق الأسبقية في ركوب الأرجوحة. جدتي تسقط حبات سبحتها واحدة تلو الأخرى، أمي وزهرة صامتتين. حدق أبي في وجهي، ومَدَّ يده إلى إبريق الشاي وعلبة السجائر..