موقع الكتابة الثقافي uncategorized 17

د. نعيمة عبد الجواد

صفقت الباب خلفها بكل عنف، وهي لا تزال تحاول جاهدة أن تزحزح بصعوبة حقيبة سفر كبيرة الحجم ثقيلة، لم يقدم لها أحد يد العون حتى بداخل المنزل، بالرغم من تواجد رجل فتي قوي البنية بالداخل. تركها لتفعل كل شيء بنفسها، وكأنها تحمل خطاياها على ظهرها. وعندما ضغطت زر المصعد، لم يرتسم على وجهها إلا أمارات من اشمئزاز يفوق ما يعتمل بداخلها من غضب وحيرة.

وبانفتاح أبواب المصعد، رأت باب الحرية ينفتح أمامها، واعداً إياها بحياة أفضل، وراحة نفسية حرمت منها على مدار سنة كاملة، مرت عليها وكأنها عقود طويلة. وبالرغم من الصعوبة التي تواجهها عند دفع الحقيبة بداخل المصعد، لكنها كانت تدفعها بعزيمة لاتتوانى، بل شعرت وكأن قوتها قد تضاعفت بسبب لهفتها على الانصراف. تنفست الصعداء فور دخولها المصعد، متناسية ما كانت تقاسيه عند دفع الحقيبة. ورغم عنها، ندت على شفتيها ابتسامة رضا، وسعادة، جعلتها تبدو وكأنها طفلة جذلة.

ماجت برأسها ذكريات جميعها مؤلمة، فأشاحت بوجهها بكل عنف وهي تغمض عيناها وكأنها ترغب بذلك أن تنفض جميع الذكريات والأحداث التي لطالما قطعت روحها إرباً، إلى أن جعلت منها شبح إنسان لا يعرف رفيقا إلا التعاسة والحسرة.

فلم يكن زواجها ممن تحب هو الانتصار ونهاية المطاف؛ بالرغم من أنها قد تزوجت من فتى أحلامها، ذاك الرجل الذي يشع دوماً رجولة وشهامة، ويفيض حباً وطيبة. فهو كان، ولايزال، يغمرها بالحب، والدلال الذي تتلهف عليه أي إمرأة، لكن كل ذلك مرهون بمدى رضا شقيقته؛ فشقيقته الصغرى بالنسبة له هي الأم التي عوضها الله بها بعد موت أمه، ومن أجلها قد يطأ أي شئ بكل ما أوتي من قوة؛ ليحظى برضاها.

تذكرت رضوى أنها حاولت التغاضي عن ذلك الأمر لعل الأيام تعدل من سلوكه للأفضل، لقد فعلت ذلك عن اقتناع تام بعد الأخذ بمشورة من يفوقونها عمراً وخبرة. ولعلها أصرت على إنجاح زواجها لأن زواجه الأول لم يكن موفقاً؛ بسبب زوجته الأولى التي كانت تبتز أمواله، وتهدر مشاعره وشبابه. لكن فيما يبدو أن صبرها قد جعله يستحل ابتزازها، في حين كانت شقيقته تبتز عمره وزيجاته. وبعد مرور عد شهور على زواجها، علمت رضوى أن شقيقة زوجها هي من تسببت في طلاقه من زوجته الأولى، وكذلك طلاقه من أخرى سابقة لتلك الزوجة، لم تكن رضوى تعلم عنها شيئاً، حتى وقت قريب.

لكن اشتعل زواجها عندما طلب زوج رضوى منها – شبه آمر – أن تعطيه مدخراتها على سبيل الدين؛ لأن أخته ترغب في أن ترسل ولدها للدراسة في الخارج، وما لديها من نقود قد لا يكفي، وكون زوج شقيقته ميسور الحال، لا ينفي دوره كخال حنون.

اعترضت رضوى؛ فهي كانت تقرضه فيما سبق مبالغ ليست بالضخمة، ولم تبال أنه كان لا يردها. لكن في هذه المرة فإن المبلغ يفوق طاقتها، فما كان من زوجها إلا أن استل سكيناً حاداً من المطبخ  مشهراً إياه في وجه رضوى، مهدداً بطعنها، ليرث كل ما تكنزه من نقود؛ ويمنحها حينئذ لأخته. “أختي أحسن منك”، هكذا ختم تهديده لها، ولطالما كان يؤكد ذلك قولاً وفعلاً. شلت الدهشة رضوى  بعد أن هدأت ثورة زوجها، خفض سكينه المشهر متأسفاً، واستحلفها ألا تخذله هذه المرة.

لكنه كان هو من خذلها، وفتح عينها على حقيقة  أنه لا مكان لها في قلبه وحياته. فقررت أن تدعه هو وشقيقته ينعمان في سعادتهما؛ هو ينعم بحب شقيقته والتضحية من أجلها، وشقيقته تنعم بأخٍ يضحي بأي شئ من أجلها، وبزواج سعيد تحقق فيه نجاجاً تلو الآخر.

WP_Query Object ( [query] => Array ( [post_type] => Array ( [0] => post ) [paged] => 1 [suppress_filters] => [ignore_sticky_posts] => 1 [posts_per_page] => -1 [post__not_in] => Array ( [0] => 28383 ) [wpv_original_limit] => -1 [wpv_original_offset] => 0 [wpv_original_posts_per_page] => -1 [post_status] => Array ( [0] => publish ) [orderby] => date [order] => DESC ) [query_vars] => Array ( [post_type] => Array ( [0] => post ) [paged] => 1 [suppress_filters] => [ignore_sticky_posts] => 1 [posts_per_page] => -1 [post__not_in] => Array ( [0] => 28383 ) [wpv_original_limit] => -1 [wpv_original_offset] => 0 [wpv_original_posts_per_page] => -1 [post_status] => Array ( [0] => publish ) [orderby] => date [order] => DESC [error] => [m] => [p] => 0 [post_parent] => [subpost] => [subpost_id] => [attachment] => [attachment_id] => 0 [name] => [static] => [pagename] => [page_id] => 0 [second] => [minute] => [hour] => [day] => 0 [monthnum] => 0 [year] => 0 [w] => 0 [category_name] => [tag] => [cat] => [tag_id] => [author] => [author_name] => [feed] => [tb] => [meta_key] => [meta_value] => [preview] => [s] => [sentence] => [title] => [fields] => [menu_order] => [embed] => [category__in] => Array ( ) [category__not_in] => Array ( ) [category__and] => Array ( ) [post__in] => Array ( ) [post_name__in] => Array ( ) [tag__in] => Array ( ) [tag__not_in] => Array ( ) [tag__and] => Array ( ) [tag_slug__in] => Array ( ) [tag_slug__and] => Array ( ) [post_parent__in] => Array ( ) [post_parent__not_in] => Array ( ) [author__in] => Array ( ) [author__not_in] => Array ( ) [cache_results] => 1 [update_post_term_cache] => 1 [lazy_load_term_meta] => 1 [update_post_meta_cache] => 1 [nopaging] => 1 [comments_per_page] => 50 [no_found_rows] => ) [tax_query] => WP_Tax_Query Object ( [queries] => Array ( ) [relation] => AND [table_aliases:protected] => Array ( ) [queried_terms] => Array ( ) [primary_table] => alk_posts [primary_id_column] => ID ) [meta_query] => WP_Meta_Query Object ( [queries] => Array ( ) [relation] => [meta_table] => [meta_id_column] => [primary_table] => [primary_id_column] => [table_aliases:protected] => Array ( ) [clauses:protected] => Array ( ) [has_or_relation:protected] => ) [date_query] => [request] => SELECT alk_posts.* FROM alk_posts WHERE 1=1 AND alk_posts.ID NOT IN (28383) AND alk_posts.post_type = 'post' AND ((alk_posts.post_status = 'publish')) ORDER BY alk_posts.post_date DESC [posts] => Array ( [0] => WP_Post Object ( [ID] => 31214 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-18 20:57:35 [post_date_gmt] => 2019-07-18 20:57:35 [post_content] => المهدي سليمان أعتقد بأنني قابلت مستر اكس البارحة. لست متأكدا. هذا ما أقوله دائما، ولا أحدا يمكنه أن يعترض على ذلك. وإذا كنت أثرت اهتمامك فعلا، فأغلب الظنّ أن ما ترغب في معرفته من أنا حقا، وكيف انتهى الأمر بمستر اكس ميتا قرب النهر، وكلّ هذا اللغو الذي تعودنا عليه في القصص الكلاسيكية. ولكني لا أشعر برغبة في فتح هذه الموضوعات، فأنا لا أنوي رواية سيرتي الذاتية اللعينة، كما أنك ستصاب بنزيف حادّ لو أخبرتك كيف انتهى الأمر ب مستر اكس مهشم الرأس. على أية حال، كل ليلة خميس كنا نلتقي في الزكراوي، والزكراوي هذا ليس أكثر من حانة عفنة تقع قبالة الميناء. في البدء نتحدث عن النساء، ثم عن نتائج دوري الأبطال، وفي النهاية نكشف عن خططنا المستقبلية.  من ناحيتي لا أعلم ما فعله في الماضي أو ما الذي يعتزم فعله في المستقبل، ولا السبب الذي يجعل الجميع يتحاشون الاقتراب منه. كنا أصدقاء، أو على الأقل هذا ما أعتقد. وإذا ارتدّت ذاكرتي إلى مجرى الزمن، أستطيع القول أن مستر اكس لم يكن شخصا متفائلا. وبالمقابل - وهذا ما جعلني أقترب منه- لم يكن متشائما أبدا. ومع ذلك، فقد حاول قتل نفسه مرتين، غير أنه لم يستطع القيام بذلك بالطريقة الصحيحة. إنه يذكرني بنفسي عندما بلغت العشرين: محبطا ومتجهما. بعيدا عن هذا، السياسة لم تكن مادة حواره المفضلة. كان يؤكدا دائما، أن الديمقراطية تنمو داخل المجتمعات الهشة، وأن المجتمع التونسي خليط من الحمقى والمندفعين عاطفيا وزد على ذلك أنّ الأشخاص الغير واقعيين هم الأغلبية، وهذا ما سمح أن يكون رئيس الحكومة عجوزا طيبا تجاوز التسعين. الفوضى هي الحلّ. وهو جادّ عندما يقول أنه مع الفوضى ومع أي حدث يدفع العالم نحو أقصى نقطة للدمار. ولن يخطر ببالك أبدا أنّ رجلا هادئا كهذا يمكنه أن يكون متعصبا إلى هذا الحدّ. قلت "نعم" وأنا أقول نعم كثيرا لأن لغتي ضعيفة للغاية. في الحقيقة، إنه تعبير سخيف إلى حدّ ما، معقد قليلا، لكني أحبه. وأنا أعني "الفوضى" إن التبس عليك الأمر. لم أكن أشعر برغبة في مناقشة هذا الموضوع. سكبت كأسا آخرا. ثم سألت عن رأيه في مسألة أن أصيركاتبا يوما ما. دون أن يفكر مرتين، كأنه مستعد منذ الأزل "لا تتزوج" رمقته بنظرة جانبية. لم أقل شيئا. ساعتها لم أكن متأكدا أنني فهت عن أيّ شيء كان يتحدث. هناك لحظة ذكية في حياة المرء ليقرر مصيره إلى الأبد. هززت رأسي لأنه كان ينظر إلي مباشرة.  لم يقل شيئا لفترة طويلة. من الواضح أنه كان متألما جدا لأنه تسبب في صمتي، ولهذا فقد أخذت أثرثر لبعض الوقت. قلت إنني أبله حقيقي، وأنّ الحياة خراء وما شابه ذلك. وشرحت له كيف أن معظم الناس لا يقدرون صعوبة أن يكون المرء كاتبا. ومضيت لنصف ساعة أخرى، على هذا النحو من الحديث الفارغ.  لكنه لم يكن يصغي لما أقول. من النادر أن يصغي لما تقول. ثم غيّر الموضوع قائلا "أكره قول هذا، الناس يحاولون دائما أن يفسدوا كلّ شيء. يمشون حولك ويتعاملون كأنهم يعرفون معنى الحب. لا أحد يعرف حتى يشعر بالكره اتجاه كلّ شيء" هذا الرجل، كره نفسه وما زال يفعل. أنا أقصد، يكره نفسه حقا. بسبب هذا، صدقته عندما همس: أحبك. لم يكن أمامي خيار، نهضت وتعانقنا. ولك أن تتخيل كم كنت حزينا لموته المفاجئ. بطريقة أو بأخرى يجب أن أشكره، ولكن من يستطيع أن يشكر رجلا ميتا، لا أحد. ثم حدث شيء لا أحبّ حتى أن أتحدّث عنه. حسنا، سأخبركم، ولكن بحذر. سحب مستر اكس المقعد المواجه وتكلم بنبرة غريبة. كانت الدهشة تعتريني دائما بشأن قدرة هذا الرجل صاحب الخمسين عاما على تغيير نبرة صوته بهذه المرونة،  ولكن هذه المرّة كان يتكلم على غير عادته، وكأنه يدفعني إلى رؤيته في صورة جديدة تماما. قال: آه، أودّ سؤالك عن شيء. ليس عليك أن تجيب إن لم ترد ذلك، ولكني أرغب في سؤالك وحسب. لن تغضب، أ ليس كذلك؟ - لا، لن أغضب. - إنه سؤال غريب نوعا ما، ولكني لا أحمل أي دافع خفي من وراء سؤاله. أريدك أن تفهم ذلك. أنا شخص فضولي قليلا. ولكن بعض الناس تثور ثائرتهم لدى سؤالهم عن تلك الأشياء. - لا داعي للقلق، نحن في النهاية أصدقاء. - هل أنت واثق؟ ذلك ما يقوله كل شخص، وبعدئذ يتحولون. - أنا مختلف تماما. - هل تعرضت يوما للتحرّش من رجل؟ - لا، لا أذكر ذلك. ولكن لماذا؟ وكانت الإجابة على شكل أصابع تهرش رأسي ببطء. يد إنسان. وقد أربكني ذلك كثيرا. وكانت تلك اليد هي يد مستر اكس، وهو يداعب رأسي اللعين. قلت "ماذا تفعل بربك؟" - لا شيء.. إنني بكلّ بساطة أبدي إعجابي ب ... " كان يحاول أن يبدو عاديا وهادئ الأعصاب، ولكنه لم يكن كذلك، وأرجو أن تصدقني عندما أقول ذلك. كررت قولي "ماذا تفعل بربك؟" لم أكن أعرف ماذا أقول. كنت شديد الارتباك. " ماذا لو خفضت صوتك؟ إنني بكلّ ... أنا آسف .. آسف" آسف- هذه كلمة بغيضة، لأنها مزيفة. أكاد أتقيأ في كلّ مرة أسمعها. أخذت نفسا عميقا وتناولت الرشفة الأخيرة من الكأس. ظل مستر اكس يراقبني وأنا أغادر، متكئا بذراعيه على الطاولة. قبل أن أتوارى عن أعين رواد الحانة كان قد تأبط ذراعي وكأن شيئا لم يكن. وقد اتفقت الأقاويل الأكثر تداولا أنّنا خرجنا سويا من باب الحانة. وأنا آخر ابن زانية شوهد رفقة مستر اكس مساء 7 جويلية 2012. لا تستطيع أن تمنع الناس من قول ما يرغبون في قوله. إنهم يقولون ما يروقهم دون أن يعوقهم عائق. لا أعتقد أنني سأغفر لهم أبدا. ما كنت لأتكلم عنهم هكذا لو أن أحدهم كان القاتل. حقيقة ما كنت لأفعل ذلك.  الأمر واضح الآن، لقد اتهموني بقتله، وهذا أمر مضحك. أعني أنني لم أكن أنوي قتله. عندما بلغنا منتصف الجسر الخشبي أعلى النهر، أبدى مستر اكس رغبته في مضاجعتي، لا أعني أنه أراد أن يدخل شيئه في مؤخرتي، بل طلب مني، بعفوية تامة، أن أمصّ حيوانه. لا شيء يختلف عمّا تقرأه في الصحف القذرة. لقد اخترت اليوم الخاطئ لأثرثر مع مستر اكس، لكن أيّ يوم سيكون خاطئا لهذا. مهما يكن، حاولت الابتعاد عنه، ولكنه أمسك سترتي وأرغمني على الجلوس. وبالرغم من أن الضوء كان شحيحا في تلك الأنحاء، إلا أنني تمكنت من ملاحظة أنه كان يعاني من تساقط الشعر. خمنت أنه سيغدو أصلعا بعد عامين على الأكثر. لم يكن وسيما، بل كان عجوزا جدّا. أنت لا تعرف الشخص المسمى مستر اكس. أعني أنه متين الجسم وغير ذلك، ولكنك تستطيع أن تستنج أنه لا يملك القدرة على مضاجعة مقبض الباب. كان واضحا أنه ثمل. بمجرّد أن أنزل سرواله حتى الركب، أغمضت عيني، واندفعت نحوه صارخا. على الإنسان أن يصرخ عندما يكون خائفا.  لم أعرف في أي ساعة حدث كل هذا، ولكنهم احتجزوني في مركز الشرطة لأكثر من أربع وعشرين ساعة، ريثما يصلهم تقرير الطبّ الشرعي. في الأثناء، كنت قد فقدت شيئا فشيئا كل ما نعمت به من احترام لذاتي وثقتي بنفسي ودهمني اكتئاب عميق. بتّ أشعر على نحو متزايد بأنني أشبه بحشرة علقت في قعر جرة زيت، وربما لهذا تشبثت بكلمتين لا غير "لقد سقط" وحتى إن بلغ عدد الكدمات من أثر اللكم والركل، عدد ندبات الحرق الناجمة عن إطفاء السجائر في جسدي لم أكن لأنطق بكلام آخر. مع نهاية اليوم الثاني، صحوت بعد الظهر وقد ظهرت على رسغي علامات تشير إلى أنني قد كبّلت تكبيلا شديدا. على كل حال، أخبرني الحارس أنّ مستر اكس نجح أخيرا. في البدء لم أفهم. كان الصوت يتردّد، أتذكر الكلمات جيدا لأنه كان يرددها بشكل تلقائي وبكلّ إصرار "رجوعا إلى تاريخه الشخصي وإستنادا على نتائج تشريح الجثة، يبدو أنّ الرجل قد قفز من أعلى الجسر" ومثلما كان الحال في الكثير من القضايا، لم يستطع رجال الشرطة إدانتي و وضعي تحت طائلة القانون. فلم يشهد أي كائن ضدي والمتضرر المباشر في عداد الموتى. زد على ذلك، أن الرجل سبق وحاول قتل نفسه. وفي نهاية المطاف، لم يكن هناك مناص من اعتبار الوفاة انتحارا. والأرجح أنّ هذه أسوأ خاتمة يمكنك قراءتها، لكنني ضجرت ولم أستطع التفكير في شيء آخر. [post_title] => مستر إكس [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d9%85%d8%b3%d8%aa%d8%b1-%d8%a5%d9%83%d8%b3 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-18 20:57:35 [post_modified_gmt] => 2019-07-18 20:57:35 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31214 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [1] => WP_Post Object ( [ID] => 31212 [post_author] => 837 [post_date] => 2019-07-18 20:45:24 [post_date_gmt] => 2019-07-18 20:45:24 [post_content] => د.مصطفى عطية جمعة      على ناصية شارع "الشيخ سالم"، يجلس على كرسي خشبي، محشو بعفش الأرز، وقد أخفى كرشُه ما يعبث به في حِجر جلبابه المقلم بالأزرق، وأمامه طاولة مصنوعة من جريد النخل، عليها أجولة صغيرة من القمح والذرة الصفراء والشعير، أمّا دكانه الصغير فلا تزيد مساحته عن ستة أمتار، يُطرِق رأسه إلى حِجره، غير عابئ بجلبة الشارع، ولا بنهيق الحمير المتجمعة في موقف عربات الكارو القريب منه،  مما دفعني للتطلع لما بين كفيّه، ثمة قطع صغيرة بنية اللون، يلفّها في ورق سلوفان أحمر، لم ينتبه الرجل لجسدي الصغير الواقف أمامه، فعيناه غارقتان فيما يفعل، وبطنه يعلو ويهبط مع صدره وتنفّسه العالي. إنه " أبو عارف "، تاجر الحشيش القاطن في حارتنا.    يستوقفني أبو عارف في سيره، يمشي الهوينى، دائم السعال والبصق، يحمل كيسا ورقيا أو لفة بورق الجرائد، متخذا طريقه إلى دكانه ، حيث يبسط لفته كلما جاءه أحدهم، بثقة يأخذ منه النقود، ويعدّها ببطء، و الزبون يتلفت خوفا، ثم أأيعطيه أبو عارف المتفق عليه : قطعة كانت أو حبات أو برشاما.     بيته قديم نوعا ما مؤلف من طابقين، نوافذه خشبية طولية، محمية بقضبان حديد، أما بابه فهو الباب الحديدي الوحيد في الحارة وسط أبواب خشبية سميكة، تدور حول مفصّلات يرتفع صريرها مع حركة الأبواب.    أتأمل الصلب الأصم المكون للباب، وزخرفاته القليلة المتناثرة في جوانبه، البيت يكتنفه السكون، وبابه مغلق دائما.                                      *******      لمحته ذاهبا إليه، جارنا "أبو ناصر" الخيّاط، بعوده النحيف وعينيه الجاحظتين والاحمرار يكسو بياضهما، ووجهه ضامر الملامح، لا أراه نهارا إلا يوم الجمعة، حين يغدو إلى جامع الروبي حاملا سجادته، مفضلا الصلاة في الساحة الخارجية، يلتفت نحوي وهو يسبّح مادّا يده دون أن يقول "حرما"، فأصافحه وأقول "جمعًا".     يبدأ أبو ناصر يومه بعد العصر أو قبيل المغرب، ويظل في دكانه إلى ما بعد الفجر، وحين يأتي إلى بيته، أسمع عراكا مكرر الألفاظ مع زوجته، فعليها انتظاره  لتضع له العشاء لا الفطور.     لم أتوقع أن يذهب " أبو ناصر " إلى " أبي عارف "، لولا رؤيتي له يطرق نافذة البيت بطريقة معينة، حيث تفتح ضلفة، ويد بيضاء نسائية تأخذ المال، ثم تناوله المعلوم. هذه كف " سنيّة " زوجة " أبي عارف "، امرأة ملفوفة القوام،  في المرات القليلة التي نراها سائرة في الحارة، نشاهد طرحتها منسدلة بجاذبية على وجهها الجميل، تختلف في مشيتها عن زوجها، حيث تسير بدلع ولا يجرؤ رجل أن يطيل النظر إليها أو يلقي كلمة ؛ لسلاطة لسانها المعروفة لأهل الحارة. تتهامس نسوة الحارة عن كونها الزوجة الثانية لأبي عارف، وقد أجبرته على تطليق زوجته الأولى، وأن أباها "عليّ برشامة " هو الذي جرّ قدمي أبي عارف لدنيا الكيف، فقد كان الأخير مغرما بابنته، وتعلّق بحبال شرفتها يوما محاولا الحديث معها.       بآلية، وضع أبو ناصر المعلوم في جيبه، متخذا طريقا معاكسا، سالكا طريق الصاغة، يبدو أنه يتعاطى في دكانه. يقول أبي : هذه عادة أهل الليل، لا تحلو سهرتهم إلا بنفسينِ أو حبّتين.   *******      اليوم الجمعة، ساعة المغربية، دكانه مغلق، فذهبوا إليه في البيت، عدد من الرجال، عمّال وأسطوات وفاكهانية، طرقوا الباب والشباك دون مجيب، فرموا زلطا وحجارة في شرفة الدور الثاني، فتحت اليد البيضاء ضلفة الشباك، اقتربتُ متسمعا، ثم أُغلِق الشباك وبرز أبو عارف من الباب الحديدي، تناثرت الكلمات معترضة عليه :
  • خربت علينا ليلة البارحة.
  • هذا ما وعدتنا به.
  • أول مرة تعملها معنا يا "بو عارف".
  • حرام عليك، أرجع من السفر، الولية تعيّرني.
سعل أبو عارف، وبصق، وهو يقول :
  • أنا معطيكم برشامة "مية مية"، كل واحد يشوف ماذا أكل، تعرفون بضاعتي منذ سنين، والصنف عندي ممتاز.
هدأوا، فواصل حديثه وكالعادة غير عابئ بأهل الحارة ولا المارة :
  • العشاء الدسم مع شرب العرقي والبيرة يخربان مفعولها.. عموما نعوضها لكم مرة ثانية..، والتجار كثيرون لمن لا يعجبه.
انصرفوا يضربون كفوفهم، وعدّل أبو عارف طاقيته ضاحكا، محرّكا أصابعه، قائلا :    - الرجل منّا حِمله ثقيل. ناداه المعلم " هاشم " الجزار، من شرفة عمارته وهو يقول :
  • يا ضلالي، تخدعهم وتشرّبهم المقلب.
رفع أبو عارف رأسه إليه مستنكرا :  
  • أنا ضلالي يا ناقص، خدعتك من قبل؟
ابتسم " هاشم " وسأله :
  • ما الحكاية؟
 - أبدا، الطلب كثير ليلة الخميس، فكمّلت ببرشام عمولة. *******      في عرس ابن المعلم هاشم، تصاعدت سحب الدخان الأزرق، ورقص الرجال على المسرح الخشبي المقام، وأزعجوا الراقصات وعازف الأكورديون، صعد أبو عارف للسلام على العريس، فوجده منتشيا، ضحك وهمس للمعلم هاشم :
  • ابنك داخ من نَفَسينِ !
ضحك هاشم، وقال : هو جديد في الكيف. تطلع أبو عارف للحاضرين، تبينوا وجهه وهم يزفرون دخانهم، فأمسك مكبر الصوت بجرأة ومزاج عال :
  • ما أخبار الصنف معاكم؟
حيوه برفع أيديهم، وكثيرون وقفوا مهللين، فلا عجب ؛ فكلهم زبائنه. *******      ارتفع صدره ولم يهبط، هكذا قال الناس وهم يصفون مشهد وفاته، تكرر سعاله وبصقه، ولم يكف عن سباب من حوله، ثم جمدت أنفاسه. مشى أهل الحارة في جنازته، وأبَت زوجته أن تتبع النعش في مؤخرة الجنازة، فبقيت في البيت متقبلة العزاء، ومعها ابنتاها، أما عارف ابنه من زوجته الأولى فحار الناس في أمره، وهم يرون ملامحه جامدة، ومآقيه صافية.      ******          بدا قلقا مضطربا، رجل يقترب من الأربعين، أخفى وجهه بكوفيته، وهو متردد في مشيته، ناداه المعلم هاشم، ودون أن يسأله من هو:
  • البقاء لله يا عم.
  • فيمن؟
  • أبو عارف، الله يرحمه إن جازت عليه الرحمة.
  • لا أعرفه..
  • وأنا لا أعرفك، ولكن نصيحتي أن تبعد عن بيته فهو مراقب.
كشف الرجل عن وجهه، فنظر إليه هاشم، وقال :
  • من أنت؟
  • محسوبك " أبو سلطان " تاجر موبيليا بسوق النافع..، وارتحت لك يا معلم، بصراحة أنا جديد في المزاج، ومدحوا لي صنف " أبو عارف "..
  • قلت لك إنه مات..
  • قالوا لي إن أهل بيته مستمرون.
أشار هاشم إلى بيت أبي عارف وقال :
  • انقر الشباك مرة ثم مرتين ثم مرة..
                                 ******    السنون تنقضي سريعا على من كانت حياتهم متشابهة الأيام، وتكون متباطئة  على العشاق وطالبي السعادة، وهذا ما فعلته سنية مع أبو سلطان الرجل " العايق النزهي "، الذي فُتِن بيدها البضة، وقوامها المكتمل، وغنجها، وضحكتها التي سمعها مرات، وهي تخفي وجهها بطرحتها المنسدلة، فهام بها.    وها هم أهل الحارة يتندرون على " أبو سلطان "، الذي بات يمشي الهوينى، حاملا الكيس الورقي، متجها إلى معرض الموبيليا التابع له، يجلس على كرسيه الجلدي، يضحك متذكرا ليلة البارحة، لم يعرف السعال بعد،وإن بدا غشيما في بيعه للصنف، محتميا بصلات زوجته " سنية " مع الضباط والمعلمين الكبار.     [post_title] => برشام وحشيش [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%a8%d8%b1%d8%b4%d8%a7%d9%85-%d9%88%d8%ad%d8%b4%d9%8a%d8%b4 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-18 20:51:26 [post_modified_gmt] => 2019-07-18 20:51:26 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31212 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [2] => WP_Post Object ( [ID] => 31210 [post_author] => 845 [post_date] => 2019-07-18 20:30:50 [post_date_gmt] => 2019-07-18 20:30:50 [post_content] => د. رضا صالح تسألنى مهجة بإلحاح؛ وهى تنظر إلى ثدييها فى المرآة: هل لدى ثدى مهدل عن الآخر؟ ابتلعت  ريقى؛ و أعدت النظر والحساب. كانت حاملا فى الشهور الأخيرة، تخاف من المرض اللعين؛ ارتديت القفاز وتحسست المكان المصاب؛ وجدت كتلة تشى بالصلابة فى المنتصف، حولها إفراز مدمم، وشىء كالمخاط..طبعا هناك فرق واضح.. لم أقل لها ذلك؛ تركت الأمر غائما؛حتى لا تفقد المرأة صوابها.  قلت لها: لابد من السفر لإجراء بعض التحاليل.. *** أنا الآن بعيد بعيد.. جنوبا بالقرب من الساحل، مع بداية الألفية الثالثة؛كنت أعمل فى مركز طبى يطل على البحر، الشمس تغلف المكان ونشوة تسرى تنهض سيقان الزروع وتبعث الورود والرياحين من أكمامها، تفوح بعبقها الحانى، سطح المياه الفيروزية الممتد يبدو من تلك النافذة التى فى مواجهتى..يوميا ينتهى جودة من أعمال النظافة؛يضع شاى الصباح على المكتب،أتطلع إلى عينيه الذابلتين وشاربه السميك المتهدل على جانبى وجهه، كرشه المكور يدفع معطفه الأبيض إلى الأمام. 
  • أى خدمة أقوم بها؟
  • شكرا يا جودة..لا تنسى شراء اللانشون وتجهيز السلاطة للغداء.
جودة لا يجيد الطبخ ولا أنا.. نستطيع فقط أن نسلق البيض أو نقليه؛ ونقلى السمك بالزيت سويا مع الأرز الذى يجهزه جودة ويأكله بصفة شبه يومية. غالبا ما أتناول طعام الغداء مع جودة بعد الانتهاء من العيادة الصباحية التى يأتى إليها عدد لا بأس به من المرضى.كنت أكتب لهم علاجا خارجيا بالإضافة إلى أدوية المركز المحدودة. ***  تعودت أن أرنو إلى البحر؛ أراقب الآن مجموعة من الكلاب السارحة فى تلك المسافة الفاصلة بين البحر والشاطىء.تأكدت أنها عائلة تحيا حياة متكاملة تماما، بهرني منظرها وهى تعاقب أحد أفرادها يوما؛ كما بهرتنى عندما ارتفع نباحها وتجمهرت إثر إصابة أحدها بشوكة من أشواك البحر. عن اليمين والشمال تناثرت  فيللات لعمال البترول، تمتد مساكنهم بحذاء الشاطىء، كل فيللا مستقلة محاطة بحديقة واسعة. بامتداد الأفق أستطيع أن أرى مدرسة ابتدائية ومحل صغير للبقالة كتب على لافتته " سوبر ماركت"؛  يوميا فى المساء يجىء إلى المركز صديقى على ناظر المدرسة، يجلس معى قليلا نحتسى الشاى ثم يغادر. قال لى يوما : الأولاد هنا عمليون لا يريدون الاندماج فى الدراسة، أحدهم  سمين ينام فى مكانه؛ عندما يكون متيقظا  يعبث بهاتف نقال فى يده، يخرج أكوام من السندوتشات والعجائن من حقيبته، عائلته تقطن إحدى الفيللات المجاورة. يجلس الأستاذ الناظر معى حتى أتثاءب؛ فيبتسم فى أدب وينظر فى ساعته ويستأذن خارجا وهو يقول:  الساعة عدت 10..الوقت سرقنا.. *** توجد لافتة على باب المركز " الكشف والعلاج مجانا " منذ أيام استدعيت لفيللا جارى، الذهاب إلى المنازل يمثل لى مشكلة؛ وخصوصا هنا؛ كانت زوجته على وشك الولادة، تقريبا الولادة السابعة - ما شاء الله-  لها أبناء فى المعاهد والكليات الخاصة، طمأنت زوجها بأن الولادة طبيعية ووشيكة. بالأمس شاهدت من نافذتى عجلا سمينا بحديقة فيللا جارى؛ ظللت أسمع  خواره فى أوقات متباينة من الليل والنهار؛ يعلو صوته فى أواخر الليل و مع مطلع الفجر،حاولت أن أقدر ثمنه؛تسليت بالحسبة التى أدرتها فى ذهنى؛ وجدت المبلغ ضخما.. كان جارى يضع له كمية هائلة من البرسيم والعلف الجاف . *** بعد أيام أتت مُهجة بابنها الوليد إلى المركز، ألقت السلام؛ أزالت الوحشة من صدرى؛ رددت عليها السلام بصوت جهورى وابتسامة رسمتها على شفتى؛ تلاشت النَكتة السوداء من صدرى، رحبتُ بها قائلا: مبروك. من أخبرك باسمه؟ اسمه؟ أنا فقط أبارك لك بارك الله فيك وعليك، سميناه مبروك على اسم جده " مبروك رابح مبروك" جئت لأدعوك إلى عقيقة  مبروك.  شكرتها؛ أردفت: ألا يوجد لديكم ميزان؟ ميزان؟ نعم أريد أن أزن المبروك لقد تسلمت المركز قريبا وسوف نطلب ميزانا من الإدارة.. ردت ساخرة:
  • يا عيني!.وحدة صحية وتقولون مجانية؛ ولا يوجد لديكم ميزان؟
حاولت أن أغير الحديث؛ قلت:
  • هل كلكم تفهمون فى الزراعة؟
تبسمت وقالت: - لا أفهم مغزى سؤالك. - أرى حدائق محيطة بالفيللات؛ وكلها تقريبا مزروعة بطريقة ممتازة. - نعم.هناك جناينى مخصص، أكثر من واحد؛ كلهم يشرفون على الحدائق، سوف آخذ الرجل المخصص لى هنا  ليزرع لى حديقة منزلى الذى بنيته فى البلد بالصعيد، لقد رفعنا خمسة أدور – وأشارت بيدها- وحولها مساحة كبيرة للحديقة ! - لهذه الدرجة؟ لابد أنه جناينى فذ! - نعم! إنه يفهم فى جميع أنواع الزراعة  الشتوية والصيفية، يفهم فى زراعة الخضر والفاكهة بأنواعها، يفهم فى الكنتالوب والفراولة والزهور والورود بأنواعها..قال لى جارى إنه يعلم أبناءه فى الكليات الخاصة، خمسون ألفا فى العام، وستون ألفا للآخر، سألته: كل عام؟ أجاب: نعم؛ كل عام *** يوم السبوع ذهبت لألبى الدعوة، نُحر لمبروك العجل السمين. *** الوقت هنا فيه متسع للقراءة والاستجمام؛ انتويت على إجازة موافقة لموسم معرض الكتاب، لم أستطع أن أشترى نصف ما أعجبنى من الكتب، اكتفيت  بمجموعة صغيرة ونفدت أموالى، تعجبت من ارتفاع الأسعار؛ لم أتأكد.. أهو ارتفاع فى الأسعار؛ أم ندرة المال فى جيبى؟ عدت من إجازتي القصيرة بالقاهرة لأجد المركز وقد خرجت أمعاؤه؛ عرفت أن المقاول قد بدأ العمل، "أعمال التجديد والصيانة " هكذا يسمونها،، نزع الأبواب والشبابيك..قام بتكسير السيراميك الأرضي والحائطي.. قلت: وما الداعى؟ قالوا :هكذا المناقصة. بعدها قام بتكسير النوافذ وإزالة الملاط. تساءلت بدهشة ممزوجة بالحزن: وما الداعى؟ النوافذ سليمة و ملاط الحوائط على ما يرام. رد بخشونة : لابد من الالتزام بكل البنود. *** لم يغادر ذهني طيف المرأة، هى لا تدرى ما أفكر فيه واعتقده؛ أخاف أن ينتشر المرض اللعين فى جسدها؛ ترفض أن يكون أحد ثدييها مشوها، هذا حقها، واجبها أيضا أن تخاف وأن يدفعها الخوف إلى البحث عن علاج، وهذا أيضا شعور مطلوب، الإنسان وحدة واحدة..لن تسعد المرأة إلا  بتساوى الثديين، الأيمن والأيسر؛ لو ترك هكذا  سوف تهاجم الخلايا باقى الجسد ستنفى عن ذلك الثدى الآخر روعته ودفئه  وليونته وتدفقه بالحياة ستهاجم العظام والكبد والطحال، ستأتى على الرئتين؛ ستقضى على البناء كله سينهار الجسد رويدا رويدا.. نعم كلنا سنسعد باعتدال الدفة، هل افتقدنا السيمترية و صرنا كالجسد المشوه؟ مجرد أشلاء متجاورة تحتاج إلى جراح ماهر ينفى عنا الخلايا الأكولة المتطفلة؛ التى تنهش الجسد نهشا ! نصحتها بالسفر لعمل الأبحاث اللازمة، حتى لا يميل القارب وينقلب مع عنف أمواج الداء.. *** تناولت رشفة من فنجان القهوة الموضوع أمامى على المكتب، سمعت طرقا خفيفا قلت: ادخل..تبسمت وهى داخلة؛تبدو كأنها لا تكترث ولا تعرف شيئا عما يدور داخلها؛ انتزعت ابتسامة رسمتها على شفتى.. - أمازلت هنا يا مهجة؟ - نعم يا دكتور.. - لن يفيدك البقاء، يجب أن تبحثى عن حل لمشاكلك..لابد أن تذهبى إلى هناك. - لا أحب السفر، أنا فى حيرة، ألا ترى أننى قد تحسنت؟ سكت برهة وقلت: - أريدك أن تأخذى الأمر بجدية - ذهبت إلى ضاربة الودع، وسألت شيخا طاعنا فى السن، وعدنى أعرابى بعلاج سيحضره لى؛ أجلت السفر قليلا!   [post_title] => مبروك يامُهجة [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d9%85%d8%a8%d8%b1%d9%88%d9%83-%d9%8a%d8%a7%d9%85%d9%8f%d9%87%d8%ac%d8%a9 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-18 20:30:50 [post_modified_gmt] => 2019-07-18 20:30:50 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31210 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [3] => WP_Post Object ( [ID] => 31207 [post_author] => 706 [post_date] => 2019-07-18 19:52:49 [post_date_gmt] => 2019-07-18 19:52:49 [post_content] => سامي سعد أنا كائن خفيف الوطء وأظن أيضاً أنني خفيف الوزن ،  و(لاعلاقة لكونديرا بهذا) ... تكفيني كسرة خبز جافة ، رشفة ماء غير زلال أرتدي أسمالا كيفما أتفق نبشت طويلا في ركام اللغات حتي عثرت على قاموسي وحشي وشديد اللطف... لاأومن أبداً بالخلود، ولاعلاقة لي بالأمل.. أنا صنو كل هامشي لصيق بالأرض، الشجر، دواب الطرقات.. سوء الظن طبعي الأصيل... كيف لا وأنا أقطن في غابة الوحش... أخاف من الصواعق والطوفان أظن كثيراٍ في مثالية الذئاب والصقور... سمعت عن الحب كثيراً لكني لم أعرفه... أفسر الأمر على هواي، ولا شأن لي بهرطقات السادة... الإنسان حيوان كاذب ... لا أخون رجلاً أو إمرأة أو حتى كلباً لاحاجة لي بالخيانة قلبي خان مفتوح لمن يأتي ويذهب ذاكرتي لا تعي الأسماء الأشكال الكلمات الأمكنة أنا وليد لحظتي لا غير.... لا ظهر لي، ولا عيون في قفاي للحراسة أجهل أسماء الكواكب والبلاد في داخلي حديد يابس وعلي وجهي تكتب الأيام ذكرياتها... كنت شديد الفطنة قبل أن يتقرح قلبي، فتعلمت البلادة... حاجاتي في مقدور متسول أن ينالها... أضحك في العام سبع مرات ولا أبكي إلا منفرداً... كل طريق عبرته نال من شعري خصلة وكل امرأة عرفتني ذاقت الندم... علومي في طريقها للانقراض... الوشم / الحداء / مزاوجة الشمس بالطين أينما وضعت رأسي ترتجف الأرض... أرى الله في مناسبات خاصة... لو سارت الأمور كما رغبت لانفطرت السماء، وطارت البحار... الأطفال وحدهم يدركون ألغازي، ويؤمنون بحماقتي كان لي أب حاول لي ذراع الوجود، فطواه الوقت الهائج... أورثني صلف الإبل، مناجاة الحجارة فيما كانت أمي صديقة لأفراخ البط، داكنة الخجل، وفيرة الأحزان... انتمائي كامل للمجهول، وولائي المطلق للصدفه... لم أسبق الوقت، والوقت لم يسبقني.. أنا نقطتي الفصل... على مشارف النهايات تومض الجذوة... شاهدت نخيلاً يتوجع، وبلابل تسكن في أفواه البنادق... شغفي يذبل في الماء كانت عمتي تبكي حين تراني فرحا... وزوجة عم لي أثقلتني بالدعوات المجابة... أحزاني زبد ثقيل، لعيوب خلقية تعذر علي الرقص، فأدرت رأسي على نوافذ بلا حصر... تؤرقني الأحلام الزرقاء والرجوع دائما يحملق في خطواتي... أنا العابر كالغبار الثقيل كطاحونة الجدة، الأجش الحضور الصامت كلغم أو خديعة... الخفيف، الخفيف ولاعلاقة لكونديرا بهذا الشأن !!! [post_title] => لا علاقة لكونديرا بهذا [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d9%84%d8%a7-%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a9-%d9%84%d9%83%d9%88%d9%86%d8%af%d9%8a%d8%b1%d8%a7-%d8%a8%d9%87%d8%b0%d8%a7 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-18 19:52:49 [post_modified_gmt] => 2019-07-18 19:52:49 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31207 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [4] => WP_Post Object ( [ID] => 31204 [post_author] => 604 [post_date] => 2019-07-18 19:25:20 [post_date_gmt] => 2019-07-18 19:25:20 [post_content] => مروة أبو ضيف في سباق مع الزمن أحاول مثل الجميع  أن أعيد عقارب الساعة إلي الوراء أصحح أخطاء الماضي كل الذنوب اللذيذة التي منعتني حماقتي من ارتكابها  كل الحب الذي أهدره خجلي الرجال الذين شغلني غبار فرسهم عن وسامتهم ورجولتهم الحقيقية أرسل لك خطابا مؤرخا بعشرين عاما مضت وأحزن لأنك رفضت استلامه ثم أقول هذا هو العدل وردة حمراء مقابل خطاب مغلق ومترب نتساوي في الفرص الضائعة والزمن معادلة سهلة أهديك قبلة لأنك تستحق وأغرق في الصور القديمة لا أبكي علي حالي في الواقع أنا بأفضل حال وحديقتي ممتلئة بكل أنواع الزهور و الروائح ترسم لوحة أكتب قصيدة تزداد وسامتك يصقل الزمن أنوثتي وأتسلى بمراجعة الاحتمالات في رأسي [post_title] => فرص ضائعة [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d9%81%d8%b1%d8%b5-%d8%b6%d8%a7%d8%a6%d8%b9%d8%a9-2 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-18 19:25:20 [post_modified_gmt] => 2019-07-18 19:25:20 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31204 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [5] => WP_Post Object ( [ID] => 31202 [post_author] => 838 [post_date] => 2019-07-18 19:04:15 [post_date_gmt] => 2019-07-18 19:04:15 [post_content] => كريم محسن -1- مؤخرًا أفضل التبول واقفاً. دخلت الحمام مسرعًا، بعد ساعة من حصر البول والسيطرة عليه بنجاح، وقدرتي على تجاهل آلام المثانة، مُخدرًا بالكسل ودفء اللحاف، مُتسمرًا أمام شاشة اللابتوب أشاهد فيلمًا لفرنسوا تروفو. بحثت عن الشبشب فلم أجده، دخلت حافيًا، قافزًا بخفة على أطراف أصابعي، تلسعني برودة السيراميك. في آخر قفزة -التي وضعتني برشاقة راقص باليه محترف أمام المرحاض- تسربت قطرة من البول. اضطربت وبدأت سريعاً في إخراج عضوي قبل أن أبول على نفسي، وجهت البول المتدفق داخل قاعدة المرحاض، لكنه تناثر على حواف القاعدة وطال البلل ملابسي. أخفقت الهدف، وذاب وعيي لحظيًا في سيولة البول، أغمضت عيني تحت تأثير الراحة المفرطة من إفراغ المثانة المتوترة. نظفت بنطالي ورفعته، غسلت يديَّ، سحبت الخرطوم المثبت في الحنفية الأرضية، رششتُ المياة حتى أخفي أثر البول ورائحته. تقمصت دور الجنايني، رويت المرحاض والسيراميك بمياه الخرطوم. وبطرف عيني، لمحت الظل يتحرك على الزجاج المزركش، يقترب ويبتعد. -2- في ميدان رمسيس، تتصاعد رائحة الأمونيا من كل بقعة ظليلة. انتظرت الميكروباص المتجه إلى الحي السابع، بعد قضاء يوم لطيف في رووف توب بحي الزمالك، شربت فيه البيرة مع الأصدقاء وأكلت السوداني والترمس المعصور عليه نصف ليمونة. "رايح فين؟" سألني السائق، دون أن ينظر إلي. "عايز أنزل عند شركة إنبي" "اركب"  حشرت نفسي في ميكروباص نصف ممتلئ بالركاب. رفع السائق صوت المهرجان، بعد أن أشعل جوينت محشور في علبة سجائره. "وقت الفراغ فراغ، نعمل دماغ دماغ"  بدأ السائق يغني كصدى صوت للمهرجان، يتراقص الجوينت على طرف فمه. يتراقص كتفه مع الجوينت. يتراقص جسده مع نبض الموسيقى. انشغلت به طوال الطريق. لاحظ السائق نظراتي، غمزني في ركبتي، فتناولت منه الجوينت بدون اعتراض. "أنتَ مش فاكرني؟ أنا سامبو، سائق الميكروباص الرسمي بتاع معاليك" قالها ثم ضحك. لم أكترث لما يقوله، ضحكت في وجهه حتى يستمر الجوينت في الحركة البندولية بيننا. مع الوقت، شعرت أن الجوينت يتحرك بيننا بإرادته، اكتسب وعيًا وبدأ في القفز بين أصابعنا، وأحيانًا يقف في المنتصف، يتراقص على نغمات المهرجان. "أشغلك مهرجان للفنان حمو بيكا؟" هززت رأسي بحركة لا تعني الرفض أو الموافقة، لكنها تعني ضمنيًا: "كفاية كلام وارحم دين أمي". لم يتبق في الميكروباص غير كهل عجوز غائب في نوم قلق، جسده هزيل يتراقص مع حركة الميكروباص وموسيقى المهرجان. طلبت من سامبو، مستغلًا مزاجه الرائق، أن يتوقف بالميكروباص على أي جانب. "ثواني وجاي " "عيوني يا صاحبي، أنزل أساعدك كمان لو عايز، بس أنا مستغرب أنك قاعد على القاعدة وعايز تنزل تطرطر في الشارع." استغربت كلامه، لكن شعرت وقتها ببرودة تلسع مؤخرتي. وجدت نفسي أجلس على مرحاض أبيض يشبه المرحاض الموجود في حمام البيت. خلعت البنطال، شرعت في التبول جالساً أراقب الشارع، لكن البول انحبس في المثانة، شعرت بحاجز يمنع تدفقه من الداخل، حَزقت حتى تحدث السيولة المطلوبة وترتاح النفس وتهدأ، لكني استيقظت فجأة على صوت المنبه، يعلن بوقاحة أن الساعة السابعة صباحًا، ولمحت الظل واضحًا من تحت عقب الباب، يتحرك ببطء أقرب إلى الزحف. -3- ينقسم باب الحمام إلى جزء خشبي يمثل ثلاثة أرباع الباب، وزجاج مزركش محاط بإطار خشبي يمثل الربع العلوي، يستطيع الواقف خارج الحمام أن يرى بشكل ضبابي ما يحدث داخله. سيراميك الحمام لونه أبيض ناصع تحت ضوء اللمبة النيون، الحوض يقع بالقرب من المرحاض، لدرجة تجعلني أحيانًا أستند عليه بمؤخرتي أثناء التبول واقفًا. على نفس حائط الباب توجد غَسالة، يستقر فوقها سبت غسيل لونه بني داكن، تختلط فيه الملابس المتسخة. وقفت بجوار المرحاض، عيني مثبتة على الزجاج المزركش، أنتظر ما سيفعله الظل. يتدلى الخرطوم من يدي اليمنى ويتسرب الماء على الأرض بلا اتجاه محدد. دائمًا ما يتبع ظهور الظل صوت طرقات على باب الحمام، تحثني على الإسراع، تلك المرة الأولى التي يظهر الظل فيها بدون طرقات. تحرك الظل جهة اليمين، وبعد دقائق سمعت أحد أبواب الغرف الثلاثة يغلق بهدوء. أغلقت الحنفية الأرضية و وضعت الخرطوم مكانه. خرجت من الحمام، وأخبرتني ساعة الحائط أن الساعة الثانية بعد منتصف الليل. من الأفضل أن أنام. ضبط المنبه على الساعة السابعة صباحًا، أغمضت عيني، وتذكرت كلام الظل لي في الطفولة عن مخاطر التبول واقفًا. -4- أعلم أن الظل غاضب مني. لا يمكن إنكار علاقة الحلم بالظل، بل ويمكنني القول أن الظل فضل استخدام طريقته المفضلة للتواصل معي. لم نعد نمتلك لغة مشتركة يمكننا من خلالها فهم بعضنا البعض، ماتت اللغة على لساننا، وامتلكنا أسلوب تواصل خاص يليق بعلاقة مضطربة بين إنسان وظل. عندما استيقظت في السابعة صباحًا، راودتني رغبة في التبول ورغبة أخرى في استكمال النوم والتغاضي عن محاضرات الجامعة. غفوت لمدة نصف ساعة، وراودني حلم آخر، رأيت فيه سامبو والظل يتعاركان في موقف ميكروباصات رمسيس. الظل يتعارك بجدية وعنف، يحاول أن يسدد ضربات سليمة وقوية، تعرف هدفها رغم إخفاقها في الوصول. بينما كل ما يفعله سامبو هو تفادي الضربات بخفة ورشاقة تُظهر أنه يعرف جيدا كيف يلعب مع الظل و يراوغه. لم يتوقف الظل عن الضرب. لم يتوقف سامبو عن اللعب. -5- في السابعة والنصف صباحا، استيقظت مرة أخرى وقررت الذهاب إلى الجامعة. الظل يجلس إلى السفرة ويتناول طعام الإفطار مرتديا بذلته، مستعداً للذهاب إلى عمله بعد ذلك. مررت بجانبه، متجها إلى الحمام. وفي الداخل، تبولت واقفًا كما اعتدت على ذلك مؤخرًا.   [post_title] => الظل [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%a7%d9%84%d8%b8%d9%84 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-18 19:04:15 [post_modified_gmt] => 2019-07-18 19:04:15 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31202 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [6] => WP_Post Object ( [ID] => 31195 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-18 17:37:27 [post_date_gmt] => 2019-07-18 17:37:27 [post_content] => محمود نجيب لأطول وقت ممكن، سوف أحتفظ بالأشياء الجميلة.. أحضن الذكرى وأبكى أمام أول نافذة.. أسخر مرتين..مرة من نفسى ومرة من العالم. تداهمنى رائحة المراحيض العامة عند تذكرى قراراً طائشاً أخذته بالصدفة. أتوتر وأضطرب لأطول وقت ممكن.. أخاف ثم أحب لأطول وقت ممكن. من يومين ظهرت قرح متعددة فى فمى..قرحة مؤلمة بجوار قرحة أكثر ألما..قرحة ضجر وقرحة يأس وقرحة أصدقاء..سألت الطبيب عن السبب أخبرنى أنى باحتمال مائة فى المائة قد عضضت شفتي بعد البنج المخدر ما تسبب فى ظهورها بهذا الشكل..لم أخبره أنى عضضتها فعلا من فرط الندم... سألت صديقى ذات مرة، ماذا لو كانت هذه السنوات إهدار فى مسار خاطئ؟. وأنه ربما قد فاتتنا مسارات أفضل..نظر إلى مطولا ثم قال: "ياللا أنا هلحق المواصلات بقى سلام". نحن بحاجة إلى من نحب لأطول وقت ممكن. مع تقدم السن يقل النوم وتزداد الخيبات. جوزيف ستالين كان قد حظر التقبيل فى أفلام الاتحاد السوفييتى...هههههههههههههههههههههه. مركبات الكلوروفلوروكربون تسببت فى ثقب طبقة الأوزون..الفتاة الجميلة التى رأيتها صدفة تسببت فى ثقب فى الذكريات. أشعر دائما أن هناك مربع مفقود..هناك شيء ما ناقص..لم يتحدث عنه اينشتاين ولا نيلز بور..ولم تذكره نظريات الكم..ولم يظهره رسم القلب..ولم يتناوله مثلث برمودة..هناك شئ ما مفقود. لا توجد عنصرية تجاه الكوميديا السوداء والسوق السوداء والنية السوداء. لأطول قدر ممكن سوف أحتفظ بالرتم.. وألتزم الروتين.. أدركت أنه ليس علينا إلا أن نُبقى أنفسنا فى حدود الدنيا..ليس علينا أن نغير من الأشياء أصلا..نحن لسنا آلات سحرية والتصالح مع هذا الأمر يعطى رؤية أفضل واستقرارا أفضل. إمام الجمعة كان منهكا لدرجة أنه قرأ نصف آية فى ركعة وأكملها فى الركعة الأخرى..لا أعلم صحة ذلك شرعاً، ولكنى أكملت نصف حياة ومتكاسل عن أداء النصف الآخر كذلك. الخفة فى العلاقات أسلم والثقل فيها مرهق..البقاء على مسافات قريبة شيء جيد ومهم..والبقاء على مسافات آمنة أكثر أهمية. البقاء على المسافات الآمنة وإبقاؤها آمنة لأطول وقت ممكن. تقول دنيا ميخائيل "أشكر كل الذين لا أحبهم  إنهم لا يسببون ألماً في قلبي لا يجعلونني أكتب رسائل طويلة لا يزعجونني في أحلامي لا أنتظرهم بقلق، لا أقرأ أبراجهم في المجلات لا أستعمل أرقام هواتفهم،لا أفكر فيهم، أشكرهم جداً إنهم لا يقلبون حياتي رأساً على عقب" أحسد الأجيال القديمة كثيرا على التزامهم بالروتين والخيارات الوضحة والمسارات المرسومة الآمنة..والمراكب التى تسير دون توقف حتى تصل الميناء..دافعهم فى الخوف كان أقل، ومع أن المراكب لم تكن حديثة لكن المياه كانت سارية، أما نحن فمركبنا جميل جدا من الخارج ومياهنا جافة..خوفنا أزيد..توترنا مضاعف..أيامنا حزينة وأن بدت مرفهة. وحين وصلنا إلى اليابسة وجدنا أن الطرق لم تعد مرصوفة ولم تعد ترابا..الطرق متهتكة وشائكة..مكسورة ومليئة بالأحجار من كل جانب..الأحجار موزعة بالتساوى..مهما سرت بحذر سوف تصطدم رأسك بشيء ما فى نهاية المطاف..استمتع بالاصطدام. هل بالإمكان أن نشترى أياماً أقل قسوة ؟ هل للأضرار أن تصبح أخف ؟ هل للعواقب أن تصبح أهدأ؟ هل للزمان نافذة ترينا ما نحن عليه وماسنصير إليه ؟ التحدث بغضب عن ارتفاع الأسعار فى المترو فكرة سيئة للغاية..التحدث عموما فكرة سيئة. يقول عدنان الصائغ "أطرقُ باباً أفتحهُ لا أبصر إلا نفسي باباً أفتحهُ أدخلُ لا شيء سوى بابٍ آخر يا ربي كمْ باباً يفصلني عني كم بابا يفصلنى عنى؟" يوميا أرى وجوها فشلت فى الهروب وفشلت فى الاستمرار..أستطيع ان أميزهم بكل براعة..يفشلون فى الهروب ويفشلون فى الاستمرار..يفشلون فى الاستمرار. فى الأغلب الحياة لم يصلها عنواننا بعد..ونحن بحاجة ماسة لتمرير الوقت..لتمرير الوقت..مرت ثانيتان بعد قراءتك للكلمة..بهذا أصبحت أربع ثوان..آسف ولكنى بحاجة لتمرير الوقت.   [post_title] => لأطول وقت ممكن [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d9%84%d8%a3%d8%b7%d9%88%d9%84-%d9%82%d8%af%d8%b1-%d9%85%d9%85%d9%83%d9%86 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-18 18:30:47 [post_modified_gmt] => 2019-07-18 18:30:47 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31195 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [7] => WP_Post Object ( [ID] => 31193 [post_author] => 632 [post_date] => 2019-07-18 17:18:28 [post_date_gmt] => 2019-07-18 17:18:28 [post_content] => رحاب إبراهيم في الصباح، أنزل من بيتي بروح صياد، والصيادون أنواع، هناك صياد يزهو ببندقيته وآخر يخبئ مسدسه، وهناك صياد يجلس بصبر تحت الشمس مراقباً سنارته بلا حركة. أنا لا أشبه أيّاً من هؤلاء، أنا صياد فقير، فقير وعشوائي ولا أملك أسلحة على الإطلاق، فقط أرمي شبكة كبيرة كثيرة الثقوب، أرميها كل صباح من نافذة الباص أو على الرصيف أو بجوار المكتب، أرميها بهمّة وأراقب ما تأتي به. أحياناً كثيرة لا تأتي بشيء يُذكر، فقط أحذية بالية ضلّت أقدامها الطريق، انفصلت عن أجسادها وباتت تعرج وحيدة، وطحالب خضراء لزجة يصيبني ملمسها بالقرف وهي تصر على الالتصاق بي كأنني المخلص الذي سوف ينتشلها من الغرق، وأحيانا تأتي الشبكة بسمكات شهية، ما أحبه في سمكاتي أنها لا تشبه إحداها الأخرى. أنا فقير أي نعم، ولكن يمكنني الذهاب إلى سوق السمك لأشترى ما شئت، السمك في بلدنا رخيص لأننا كلنا صيادون هنا، لا أحب السمك من السوق فكله يشبه بعضه، السمك أصلا لا يشبه بعضه في الحقيقة، ولكن صيادي بلدتنا يقسمونه لأنواع، يضعونها في أوعية مختلفة فيضطر السمك في الوعاء الواحد أن يشبه بعضه بعضاً. أحب سمكاتي التي تخرج من شبكتي لأنها لا تشبه بعضها لا في الشكل ولا في الحجم، أحياناً لا تخرج الشبكة بشيء على الإطلاق، وكثيرا ما التفّت حول قدمي وأنا أمشي شارداً لأسقط فجاة وترتفع الضحكات، لكن هذا لا يهم، أنا صياد مخلص لشبكتي، مخلص للبحر وللسمكات.   [post_title] => أحذية وطحالب وأسماك شهية [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%a3%d8%ad%d8%b0%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%b7%d8%ad%d8%a7%d9%84%d8%a8-%d9%88%d8%a3%d8%b3%d9%85%d8%a7%d9%83-%d8%b4%d9%87%d9%8a%d8%a9 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-18 17:18:28 [post_modified_gmt] => 2019-07-18 17:18:28 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31193 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [8] => WP_Post Object ( [ID] => 31190 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-18 13:45:16 [post_date_gmt] => 2019-07-18 13:45:16 [post_content] => مازن حلمى نحن ذاهبون فى نزهة تعال معنا أنت أيها الذاهب إلى المذبحة.   سنعود ممتلئين عيوننا بالأزهار صدورنا بالضحك أيدينا بالمحبة.   العربة جاهزة ركبت الأشجار فى المقدمة أختنا الصغيرة، الوردة، فى الخلف أما نحن ففي الوسط من سيتولى القيادة ؟! صحنا: الأحلام.   سنشرب من النبع نأكل غداءنا من الطريق نرتمي على سريرنا الكبير/ العشب لو جاء الذئب سنختبئ فى تفاحة.   تريد مغامرة سنصعد الجبل تريد اكتشاف ممالك مجهولة الرحلة فى أولها سنصعد من قطار إلى قطار حتى نصل إلى أرضنا الموعودة تريد صداقة نعطيك قلوبنا عربونًا صغيرًا على وفائنا.   جاء الشهداء يطالبون بحصتهم فى الحياة الأرامل يغلقن أبواب المدينة والملوك استيقظوا من ندمهم سيُعيِّنون حكام الأقاليم أطفالًا يفتحون السجون مواخير ويعودون إلى مهنهم القديمة سقاة في حانة لا يغضبون زبونًا ويتمنون الخير للجميع.   تعال الأحصنة تصهل المسافرون ضجروا والطريق يفكر؛ كيف يصير بستانًا أو ساحة للرقص.   [post_title] => جندي [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%ac%d9%86%d8%af%d9%8a [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-18 13:45:16 [post_modified_gmt] => 2019-07-18 13:45:16 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31190 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [9] => WP_Post Object ( [ID] => 31188 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-18 07:58:39 [post_date_gmt] => 2019-07-18 07:58:39 [post_content] => أحمد ناجي 1 عَثرت عليهم على حافة حدود الدولة.  رحلة تنقلت خلالها بين عشرات المناطق والمدن. تلقيت تدريبات عسكرية عشوائية، بايعت وخضعت لولاية ثلاث أمراء مُختلفين، تزوجت مرة لكن بعد أسبوعين قصفت فرنسا بيتنا. لم أهتم بجمع أشلائها فالشهيد لا يُغسل ولن يكون هنا ما يمكن دفنه. لكنى انطلقت في رحلةِ خلف هذا الصوت كأنها رؤيا ربَانية، كيف لا وقد كان الصوت يتلو آياته؟ ثم وصلت إلي تلك النقطة الرمادية على مقربة من الشريط الحدودي مع تركيا، وجدت رايتهم السوداء عليها كلمة واحدة "واعتصموا". تلقيت واجب الضيَافة ثلاثة أيام، في اليوم الرابع بعد صلاة العصر مشينا نحو شجرة السَكينة. جلس خمسة شيوخ وشابان يستجوبونى والأمير الذي لا يتعدى عمره العَاشرة وسطهم صَامت عيونه مُسلطة عليّ، وفؤادي وأذناي وكل حواسي مُنتبه لأى همسه تَصدر عنه، في انتظار إشارة أو تأكيد أن الصوت الذي تبعته كل هذه الليالي هو حقاً صوته، لكن لم يخرج من بين شفتيه حرف. أحياناً فقط يهز رأسه الأمرد عند إجابتى لسؤال ما كأنما يستحثنى على قول المزيد. في النهاية رفع كفه الصغير مَضمُوماً إلا أصبع الخنصر مَبسوطاً في الهواء، أشار عجوز بجواره إليّ أن أتقدم. جلست تحت أقدام الأمير الطفل الأسمر، وعن يمينى يلقنى أحد الشباب نص البيعة "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن أميرنا بكار أبو كف رقيق وصغير هو المهدى المنتظر، أبايعه على النصر أو الشهادة، ولا أخون العهد قط حتى وإن ذُقت الموت، وأحميه بدمى ومالي وأبي وأمى حتى يحين الوقت ونتبعه على صراط الذين أنعمت عليهم لا المغضوب عليهم ولا الضالين" مد الأمير بكار أصبع الخنصر، ومددت خنصري كذلك. وحين  تعانق الأصبعين شعرت بخراب العالم  يزال، بألمى  يبري، وبالدموع أخيراً تجف. 2  اعتقلت الحكومة والدى وتحفظت على  أموالنا ومحلاتنا التجارية. كُنت في المرحلةِ الثانوية حينما وقعت الواقعة، من بعدها ولسبعِ سنوات انقسمت حياتى بين التسول من أعمامى، والركض ورَاء الموظفين ورفع الالتماسات ليرفعوا المرتب الذي يصرفوه لنا من أموالنا المتحفظ عليها، وبالطبع زيارة والدي في السجن حيث مات هناك. حصلت على عَملي كطبيبِ مُمَارس في مخيم  المهاجرين غير الشرعيين في العالميين. لم يكن دورى رعَاية المهاجرين بالطبع، بل رعاية أعضائهم البشرية التى يتم تصديرها لأوروبا. فبعدما تم توقيع اتفاقية الخصوصية الثقافية لدول البحر المتوسط، أقيم سياج حديد  كهربائي ناري يفصل الشمال عن الجنوب، وعملت الحكومات الأوروبية على زيَادةِ مُخصصاتها المَالية التى تدفعها للجنرالات العرب والأسلحة التي تُصدرها وتمنحها لهم، مُقَابل الحرص على قيامهم بدور السجَان بكفاءة. اُنشأت مُعسكرات احتجاز المهاجرين غير الشرعيين على طول السَاحل الجنوبي للمتوسط. عملت مؤسسات المجتمع المدنى وأحزاب الخضر واليسار الأوروبي على دعم هؤلاء المهاجرين المساكين من خلال مشاريع تنموية مُختلفة. أحدها كان المشروع الذي أعمل فيه، وهو مشروع استبدال الأعضاء بالفرصِ المحلية. لنفرض أنك شاب بائس ترغب في السفر لأوروبا، تم القبض عليك وإيداعك مُعسكر الاعتقال. يقوم المحللون والاخصائيون الاجتماعيون بدراسة حالتك، ويعيدون تَخطيط مُستقبلك. يقولون  "لديك مواهب جميلة، أنك تحسن الطهو، لذا سنعرض عليك صفقة لا يمكن رفضها. يمكنك التبرع بكليتك أو فص من كبدك لهذا الطفل السويدى الحزين لكي يعيش ويسعد عَائلته، وفي المقابل سنوفر لك عربة تقف عليها لبيع سندوتشات الكبدة والسجق". طبعا بعد شهر من وقوفك على عربة الكبدة سعيداً بكيانك الذي يتحقق عبر عبودية العمل، ستأتى الشرطة لمُصَادرة عربتك لمخالفتك قواعد قلي الزيت في الأماكن العَامة المقررة ضمن ملاحق اتفاقية باريس للتغير المناخى ومُكَافحة الاحتباس الحراري، لتعيد رسم دَائرة بؤسك المكررة. تبدأ من البداية التي تبدو كما النهاية، كمن يعض ذيله أو من ذقنه وافتل له.   صادقت الكثير من الأجانب والفتيات الأوروبيات اللواتي يأتين لمُسَاعدةِ اللاجئين والمهاجرين من خلال تَعليمهم الرسم أو عزف الموسيقي الكلاسيكة وغيرها من الأنشطة الخولاتى التى تشتهر بها الثقافة الأوروبية البيضاء. كنت أستغل كل فرصة تظهر أمامي لحشر قضيبي في هذا اللحم الأبيض المتوسط لعل واحدة منهن تجن بما يكفي لتتزوجنى وتأخذنى معها، لكن تلك الفارسة البيضاء لم تأتِ أبداً، لذلك حاولت الحياة عبر بيعِ الأعضاء التي تفسد في الثلاجات لحسابي الخاص في السوق المحلي لمستشفيات زرَاعة الأعضاء في مصر. فجحا أولي بلحم ثوره أو عضوه أو أياً كان.. 3 لم أسمع صوت رُصَاصة طوال إقامتي في منَاطق ولاية الأمير بكار. فردوس مخفي عن الصواريخ والقطع العسكرية والكتائب التى تتحرك.  حياة هادئة كلها عبادة وذكر لله. لاحظت تهاوناً في التدريبات العسكرية، وتركيز على التربية الروحانية.  طلب منى أمير الشرطة ذات يوم تسليم كل الأسلحة التى في حوزتى، يمكننى الاحتفاظ فقط بمسدس واحد. الجبال خضراء في أرضنا هنا، والمياه العذبة تنساب من شلالات صغيرة مُتفرقة لتكون برك وبحيرات  عدنية، كثيراً ما نسهر حولها نُقيم الليل ونذكر الله حتى صلاة الفجر وشروق الشمس. أثناء عودتنا من البحيرة إلي أرض الولاية فاتحنى الأخ عبد الرحمن بعد مُقدمة  طويلة، أنه يحبنى في الله ويثق في أخلاقي ويريد أن يهَادينى ولا يجد هدية أفضل من أن يخطبني إلي أخته. الأخ عبد الرحمن من سُكَان البلاد وليس مُهَاجرا مثلي، لذلك كان لعرضه قيمة كبيرة وفي عينه رأيت هذا الحب، رابطة الأخوة المجدولة، العروة الوثقي التى لا تنحل، وحبل الله الذي نعتصم به. 4 جاءنى مرة أحد المحبوسين في مُعسكر الهجرة غير الشرعية، سلام في كلام، حباية في جوان. ثم أخبرنى أن لديه وسيط في مستشفي  إيطالي، يمكن أن يهربه إلي أوروبا وذلك بمُسَاعدتى أنا، الطبيب الشاب الذي لم يحصل على الماجستير بعد. "أنا، أخبرنى كيف؟ على الأقل أساعد نفسي لأغادر وأترك صفيحة الزبالة تلك" قلت له. فقال أن وسيطه سيرسل تقريراً لطلب عدد من الأعضاء بمواصفات مُحددة كلها تنطبق عليه وهنا يأتى دورى كطبيب حيث أشرحه وأقسمه، وأضعه في ثلاجات وأوعية الحفظ. وبما أن القاعدة الأولى في اتفاقية الشراكة المتوسطة هي "نعم لحرية نقل البضائع، لا لحرية تنقل البشر" فسيتم نقل جسده بصفته بضاعة على أن يقوم الوسيط في إيطاليا بتجميعه وإعادته للحيَاةِ. "هذا مستحيل، لا يمكن أن يحدث. الروح من أمر ربي، ولا يمكن لوسيطك أن يعيد إحياءك إذا شرحت جسدك، هذه مُخَاطرة لن أفعل هذا" قلت له. غضب وقال إن الأوان قد فات وأنه سينفذ خطته قبلت أو رفضت. وصلنى بعدها بأيام تقرير من المستشفي الإيطالي الذي ذكره، وبدأت في إعداد وتجميع الطلبية وبعضها كان يجب قطفه طازجاً من أجساد حية. بعد أسابيع عرفت أنهم  عثروا على جثته في خيمة بطرف المعسكر. كان مستشفى سرياً يستخدم لإجراء عمليات الإجهاض للمهاجرات اللواتي يغتصبهن جنود حفظ السلام وحماية المتوسط. كانت جثته مشطورة من الوسط مَفقودة الأعضاء. ثم أغلقوا البرنامج. أعلن الاتحاد الأوروبي مقَاييس جديدة. تبين أن الأعضاء الصنَاعية الكَاملة أفضل اقتصادياً من الأعضاء البيولوجيا التى يتم نقلها وزراعتها، بالتالي لم تعد هناك حاجة لاستمرار مشروع "الأعضاء والفرص المحلية". طُردت من المخيمِ، وأغلق بَاب فرصة السفر، عُدت ثانية إلي المستنقعِ، بلا أمل ولا يأس. 5 أنفقت من عمرى عامين وسط المجاهدين هنا. كل يوم قبل النوم  أدعو الله أن يتم نعمته ويكملها بالشهادة، وحينما وصلت لأرض الأمير الصغير وانضممت إلي كتائب الأمير بكار أبو كف رقيق وصغير. دعوت الله إذا رزقنى الجنة في آخرتى أن يجعلنى في صحبة نبيه وأميري. تزوجت أخت عبد الرحمن الذي جعله الله خير سند. أخته زوجة صَالحة مُطيعة مُثمرة نظيفة المنزل والجسد. تناثرت الأخبار والإشاعات، وبعد صلاة الجمعة. ارتقي الأمير ذو الكف الصغير المنبر، حمد الله وبسمل وبصوت جميل بدأ يقرأ من سورة الأنفال. انسابت دموعنا وصوته ينساب لقلوبنا بكلام الله العزيز فيطهرنا. صوت الأمير بكار هو الدليل الناصع البين أنه  المهدى المنتظر. صوت  يقنص القلوب، كلامُ الله المنزل يتجسد حينما يتلوه واضحاً جليا في إعجَازه وقوته. حينما انتهى كانت العيون شَاخصة والأجسَاد مستسلمة لما سينطق به لكنه أشار لشيخ من مستشاريه، صعد المنبر وألقي الخطبة التى أكدت الإشَاعات المُتناثرة. بعد الهزيمة الثانية في الموصل وانسحاب الأخوة من مُقاتلي الدولة الإسلامية والمبايعين للخليفة البغدادي. اشتد الحصار على كل الولايات دَاخل الدولة حتى تلك التى لم تتورط في المستنقع العراقي القبلي. أقر الأوروبيون الهدنةَ مع الولايات التي لا تُقَاتل في الموصل أو العراق، ومنها ولايتنا. أعلن الشيخ أن الأمير التقي بمبعوث عن جيش فرنسا، التى تسعى للعب دور الوساطة بين الولايات التابعة للدولة والروس، لم تصل المفاوضات لنتائج نهائية. ثم قال الشيخ خاتماً حديثه مُستشهداً بسورة الأنفال "وإن جنحوا للسلم". قبل أن تعلو الهمهمات والاعتراضات. ارتفع صوت الأمير الصغير مُكملاً تلاوة القرآن فصمت الجميع، دخلت حمَامة بيضاء للمسجدِ حَلقت عَالياً ثم جلست على كتفه. القلوبُ خَاشعةُ، والعيون تنظر لمعجزةِ الحمامة البيضاء، ثم حلقت الحمامة فجأة وفي خط طيرانها بالت على جميع الجالسين. 6 عُدت مرة آخري لمنزل العائلة مُقيماً مع أمى بعد طردي من العمل في معسكر الهجرة غير الشرعية. كل يوم أمر على المستشفيات الخاصة بحثاً عن عمل مؤقت أو "نبطشية" ليوم واحد. لم يكن لدي مصدر دخل ثابت ولا مال لكى أكمل تعليمى وأحصل على ماجستير أو زمالة لأتحول من طبيب عام لطبيب مُتخصص. جاء خالى لزيارتنا، وفتح الموضوع هناك صديق له يعمل في العراق، يبحثون عن أطباء شباب بمرتبات تتراوح من 3 إلي 5 آلاف دولار في الشهر. "ايدى على ايدك يا خال" قلت له. كان العمل في أرض العراق لكنه لم يكن في دولة العراق. استلفت أمى المال من هنا وهناك. حاولت السفر إلي تركيا لكن تم إيقافي ومنعى من السفر في المطار لأسباب أمنية، على الأرجح بسبب ملف والدى الأمنى والسياسي. قال خالى إن هذا يجعلنا نأخذ الطريق البري وهو أوفر من ناحية التكلفة والفلوس. سافرت بالأتوبيس لجنوب سيناء، ثم تسللاً من نويبع إلي ميناء العقبة في الأردن، ثم مخيمات الأردن ومنها إلي حدود الدولة الإسلامية في العراق والشام. عملت أولاً كطبيب مُجَاهد في كتائب العدنانى. كان لدينا مُستشفي صغير في الخطوطِ الخلفية. والعمل مثل أى عمل في أى مُستشفي في مصر، ثم سمعت لأول مرة عن كتائب الأمير الصبي. أنهم لا يقتلون الشيعة لكن مع هذا تَرهبهم وتحترمهم كل كتائب الدولة، لهم حق إدارة مناطقهم بشكل منفصل. ورغم أنهم يوردون الضرائب للدولة، لكنهم لا يطلبون منها السلاح أو الدعم ويهبون لتقديم المعونة حينما يطلبون. يخضعون كلهم لسلطة الأمير الصبي ذي الصوت الساحر الذي لا يملك أحد أمام طلاوته وحلاوته إلا الابتسام والتلبية. قلت لعل الأمر أسطورة مَحلية، حتى تزوجت أول مرة. وفي  يوم تناكحنا، نمنا بجوار بعضنا البعض أخبرتنى زوجتى أنها تتمنى أن تسافر لولاية الأمير بكار، وهناك فقط هو المكان المناسب لتربية وتنشأة صبي. "لكن هل هذه الكتيبة موجودة فعلا؟ ثم أنى سمعت أنهم في الحدود الشمالية على خط النار يقصفهم الروس والأتراك، كيف يكون هذا المكان؟" قلت أخرجت جهاز الآيباد الذي أعطيته لها كمهرها، ثم وصلته بالسماعات، فانبعث صوت الصبي بكار. رصاصة من النور ثقبت أذنى وفجرت دماغى. العالم لم يعد كما كان، سقط "فلتر" رمادى  يغطى رؤيتى لكل شئ حولى. ورددنا عليك بصرك فبصرك اليوم حديد. وحينما استشهدت زوجتى في القصف الفرنسي غادرت بحثاً عن صوت الأمير الصغير. 7 في اليوم الذي وضعت فيه زوجتى مولودنا وأسميناه قاسم، طُلب من الجميع الاجتماع في ساحة المسجد. صعد الأمير الصغير وتكلم هذه المرة بنفسه ولم يكتف بتلاوة القرآن. قال الأمير إن حرمة الدم المسلم وعصمته مقدمة فوق كل الاعتبارات. وأتبع هذه الجمل بجمل أخرى متشابهة، وفي النهاية كان الأمر كما يلى. بالاتفاق مع روسيا كممثلة للنظام ومع الفرنسيين والأوروبيين كشهود ووسطاء، تم منح جميع من بايع الأمير بكار عفواً شاملاً، ولا يجوز لأى جهاز أمنى في سوريا ملاحقتهم بأى تهمة. في المقابل فعلى العشيرة أن تسلم كل أسلحتها، وهو ما فعلناه بالفعل، والانتقال إلي أقرب مدينة ومُغَادرة الجبال والأحراش. استغرقت النقطة الأخيرة الكثير من المناقشات والاعتبارات، حيث شرح الأمير وعشيرته أن بيعتنا للأمير لم تسقط، وأننا سنواظب على طقوسنا بل سنزيدها لنكثف الترابط بيننا كمذهب قابل للاستمرار والنمو، لا كمرتزقة حرب تجمعوا للنهب والسرقة. 8 حينما أتم قاسم عامه الأول كنت قد عُينت وكيلاً لوزارة الصحة في المدينةِ. أصبحت مواطناً سورياً الآن. خضعنا لسلطة الأسد وفي المقابل منحنا حق إدارة المدينة طبقا للشريعة الاسلامية من خلال الشرطة التى سيطر عليها أخوة لنا في جمَاعةِ الاعتصام. نجونا من الهزيمة والمذبحة، واستبدلنا قري الريف والغابات بالمدن الخربة التى أخذنا سريعاً في بنائها وتعميرها، بأموال الغرب وتابعيه من العرب. كانت صورة الأسد تعلو كل مبنى يتم ترميمه، لكن بجوارها صورة أميرنا الصغير بكار. بعض العامة والدهماء ظنوا أنه ابن الأسد، لكن حتى هؤلاء لا يجهلون سلطان جماعتنا على المدينة التي صارت بأكملها في قبضتنا، كأننا ولاية مُستقلة تابعة لحكومةِ فيدرالية. ذهبت للعمل في ذاك اليوم لأجد وفداً من الاتحاد الأوروبي في مُهمةِ إنسانية كما العادة بمشروع جديد، بيع الأطراف المُستعملة والأعضاء المُصنعة المستخدمة للمواطنين والضحايا وذلك ببرنامج ممول من الاتحاد. تشترى تلك الهيئات الإنسانية "الكلية" الصناعية من أهل الطفل السويدى البائس وتقوم بصيانتها ثم بيعها للمريض السورى. حاولت أن أشرح للأمير كيف أنهم كذابون كفار قادرون على تحويل أى جريمة لفعل إنسانى، وبيعه لنا لكن أهدافهم تظل أبعد. هز رأسه وقال لى ابتسم في وجوههم ولست مُضطر لتنفيذ أى شئ مما يطلبونه، أكد لهم فكرتهم كم نحن همجيون وفاشلون ولا سبيل لإصلاحنا وسوف ييأسون سريعاً ويذهبون ليأتى غيرهم، يبيعون المزيد من السلاح ويقدمون التبرعات الخيرية. كان قاسم نائماً بين ذراعى، وأنا أتفكر في هذه الدوائر التى تتكرر بلا ملل. في مصيرى كيف بدأت بطموح السفر لأوروبا والعمل هناك وكيف أصبحت مجرد موظف في الجهاز الاداري لحكومة الأسد.  إن الخير والشر كلبان يطاردان ذيول بعضهما البعض. وأنا الآن أعض ذيلي، بل أمضغه، وما أطيبه من لحم. قوتنا في أميرنا. في سحر صوته الذي يجعل الجميع يطيعه ويؤمن بكرامته ومُعجزاته. استدعونى لقصره المنيف المقام على الجبل. دخلت الغرفة  بإشارة من يده طُلب من الجميع الانصراف، وحينما خرجوا رحب بي قائلاً: -السلام عليكم أيها الطبيب الطيب. حينها عرفت ما هى المشكلة وأى كارثة  حاقت بينا. انهار التنظيم كله في أسابيع. ضغط عليّ الشيوخ والمستشارون لإيجاد حل لهذه المعضلة، أخبرتهم أن الأوان قد فات. كان من الممكن إخصائه قبل بلوغه للحفاظ على أحباله الصوتيه. أما الآن وقد اكتملت علامات البلوغ عليه بل ومثلما أخبرنى فإنه  احتلم، فلا سبيل لإصلاح الأمر. لقد فقد أميرنا المفدى بكار أبو كف رقيق صوته، وأصبح صوتاً آخر خشناً رجوليا بلا طلاوة ولا حلاوة. أتى ضابط من أمن الأسد إلي مكتبي في المستشفي، كان عرضه صريحاً مُحدداً. الأمير وجماعة "اعتصموا" انتهت وتتكسر سريعا. لم يعد هناك من يحمينى. إما أن أعود إلي مصر وهناك يراجعون ملفي ويتصرفون بمعرفتهم معى. أو أنتقل للعمل كطبيب في الجيش السوري نظراً لخبرتى الميدانية حيث يمكن أن تكون لى أدوار آخري. طلبت مُهلة للتفكير لكنه قال: - فقط حتى الغد يا دكتور، في الصباح أمام المستشفي سوف تأتى سيارة خضراء لتقلك، وأنت من سيخبر السائق هل تريد التوجه للمطار ومنه للقاهرة، أم تسليم نفسك للأمانة العامة للقوات المسلحة للجيش العربي السوري العظيم.   [post_title] => عضضت ذيلي فما أطيبه [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%b9%d8%b6%d8%b6%d8%aa-%d8%b0%d9%8a%d9%84%d9%8a-%d9%81%d9%85%d8%a7-%d8%a3%d8%b7%d9%8a%d8%a8%d9%87 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-18 07:58:39 [post_modified_gmt] => 2019-07-18 07:58:39 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31188 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [10] => WP_Post Object ( [ID] => 31183 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-17 20:04:42 [post_date_gmt] => 2019-07-17 20:04:42 [post_content] => ترجمة: سعيد بوخليط  تقديمماري كريستين ناتا، مؤرخة ومتخصصة في التأنّق، أنجزت عملا بيوغرافيا حول بودلير(منشورات بيران،2017)تناقش في هذا الحوار كيف عمل بودلير على إخفاء تصدعه وراء أناقة مفتعلة. س- انطلاقا من أي مصدر يمكننا اليوم كتابة سيرة عن بودلير ؟ ج- بالاستناد إلى شهادات حول حياته، وهي بالمناسبة عديدة، سير ذاتية كتبت مبكرا جدا بعد موته من طرف صديقه شارل أسيلينو وكذا الناشر أوجين كريبي، لكن خاصة باستحضار كتابات بودلير نفسه: إنتاجه،الذي تغذى من وقائع حياته؛ الإشارات التي تضمنها عمله قلبي عاريا أو شهب نارية، حيث انقاد خلف مشاعره؛وبالتأكيد رسائله،الغنية بوجه خاص.لقد راسل بودلير أفرادا كثيرين،في طليعتهم أمه،رسائل موجعة في الغالب يستسلم لفحواها تماما،لكن أيضا تلك الموجهة إلى أصدقائه ثم الذين نسج معهم علاقات مهنية مثل مدراء الجرائد. س- أي موقع تحديدا شغلته الحقيقة بين فقرات تلك النصوص؟بحيث كان بودلير مخادعا كبيرا ج- صحيح،كان بودلير يكذب باستمرار.إحدى الحكايات الأكثر حضورا والتي ساهم في إشاعتها تلك المتعلقة بسفره إلى الهند،حيث ادعى باستمرار زيارته لذلك البلد.في هذا الإطار وحينما أراد أحد أصدقائه إدراجه ضمن فهرس معجم بيوغرافي،أكد له بودلير:"أسفاره العديدة إلى بحار الهند،حينما كان في ريعان شبابه".بعد مرور تسع سنوات على هذه اللحظة،أعاد تأكيده ثانية إلى ألفريد فيني،بأنه:"رأى الهند الكبيرة وأقام هناك إبان سن السابعة عشر ".لم يكن ذلك صحيحا،بل مجرد اختلاق.أيضا قدم فكرة لا تمت للحقيقة بأي صلة بخصوص طبيعة علاقته مع زوج أمه الجنرال أوبيك Aupick.من الثابت أنه خلال نهاية مراهقته،اصطدم معه بقوة،ثم انتهت علاقتهما.لكن أحبه عندما كان طفلا،وعبر له عن شعوره ذلك،ورسائله توثق هذا الأمر.مع ذلك،فالحياة المتناغمة التي عاشها الشاب شارل تحت كنف زوج أمه تخفي تصدعا عميقا:ففي عمر السادسة،توفي والده،ومضت بالكاد سنة ونصف على ذلك،حينما تزوجت أمه بالجنرال أوبيك.هذا الانفصام،لايتكلم عنه بودلير قط،أو بكيفية تلميحية أو استفزازية. س- لم يكن سعيدا؟ ج-ارتدى بودلير قناعا.والقناع سمة للمتأنِّق.والحال أنه ادعى ذلك.أسلوب حياة من هذا القبيل،مَثّلَ لديه القاعدة الوحيدة المقبولة.كما الشأن مع باربي دوريفيلي،الذي وضع نظرية لفلسفة كهاته،ترتكز على تأطير الشخصية ضمن مرتكزات صورة تجعلها تبدو كما لو تعلق الأمر بعمل فني،من خلال الحاجة إلى التميز وإثارة الانتباه.سنة 1863،أضفى بودلير في كتابه رسام الحياة المعاصرة،على شكل المظهر تبريرا فلسفيا.بالنسبة إليه،ليست الطبيعة:''مصدر كل شيء جيد ".بل على العكس،تعتبر:"مرشدا سيئا فيما يتعلق بالمرجعية الأخلاقية ''،ولا تجعلنا نصغي سوى:"لصوت مصلحتنا".بهذا المعنى،الفضيلة مصطنعة.ويضيف بأنها:"فوق طبيعية،مادام يلزم،عبر مختلف الأزمنة وعند كل الأوطان،وجود آلهة وأنبياء يخرجون البشرية من حيوانيتها،مادام الإنسان وحده،يبقى عاجزا عن إدراك هذا الأفق.يتبلور الشر دون مجهود،بكيفية طبيعية؛ بينما يعتبر الخير نتاجا دائما للفن".هكذا سعى بودلير على امتداد حياته،إلى تفعيل مضمون هذه الرؤية للوجود. س- هل نجح في إخفاء طبيعته الحقة؟ ج-لقد وظف بودلير دوما أقنعة.قصد توضيب انتحال و أحيانا،استنساخ،أو العمل على توقيع مؤلفاته بأسماء مستعارة ،لاسيما اسم صديقه ألكسندر بريفا دونجليمون.بالتأكيد،راهن على مظهره الفيزيائي.يخبرنا صديقه غوستاف لوفافاسور،أن بودلير،يعكس لديه شخصية:"جورج برايان مكتسيا بروميل ".مديح جميل بالنسبة لمتأنِّق. س- هذا يفسر إعجابه المفرط بالملابس؟ ج-كان بودلير متذوقا للجمال.من هنا ارتباطه الخاص جدا بالمال،الذي لم يكن سوى وسيلة للتعبير عن الجميل تبعا لجميع مستويات حياته المادية.هكذا أنفق مبالغ مفرطة لاقتناء آثاث باهضة،ولوحات أعظم الفنانين،ثم طبعا،شراء الثياب والقبعات.لحظة إفلاسه،يحتفظ مع ذلك بنقطة مجد تمثلت في اعتنائه الدائم بمظهره.دأب على لباس قميص أبيض،وحينما يصير رثّا،يلتجئ إلى ارتداء صدرية بأزرار غاية العنق سعيا منه لإخفاء حالة البؤس تلك.كذلك ما يتعلق بأحذيته،فقد كانت مهترئة،لكنه لايتردد في تلميعها،مثلما اعتنى دائما كثيرا بنضارة بشرة يديه. س-تمتع بودلير بذوق عصري جدا ج- نعم،وكل الوقائع أظهرت ذلك،بحيث جسدت شقته داخل فندق بيمودان ذوقا واضحا جدا،وخاصة أصيلا.تمتع بموهبة حقيقية فيما يتعلق بالديكور،وكان بوسعه حسب تصوري،أن يصبح مختصا جيدا في مجال هندسة الديكور.هكذا،اختار بالنسبة لكتبه أغلفة رصينة جدا من جلد الماعز،الأكثر تميزا.لكن حينما ينتقل إلى  داخل غرفته،بسريرها المصنوع من خشب الأكاجو كما الحال مع البيوت البورجوازية،فقد فضل سريرا حديديا بسيط جدا،شبيه بأسِرَّة المستشفيات…. س- لكن هل كان بودلير ''مدعيا" احتاج إلى إثارة الإعجاب،أو أنانيا هائما بذاته؟ ج-لايبدو بأن''عاداته في التأنُّق"وجهت إلى المتفرجين.بل قصد منها بالأحرى"إشباعا شخصيا''،يتجاوز مجرد المتعة النرجيسية.ولم يكن فضلا عن ذلك ''اجتماعيا''،بالرغم من حياته المجتمعية النشيطة. س- أليس إذن الخجل،بدل التأنُّق،ما يفسر نزوعه نحو الاختلاق وكذا إحداث الإثارة؟ ج- صحيح،كان خجولا.يروي صديقه شارل أسيلينو في السيرة الذاتية التي أنجزها حوله كيف يتجه اهتمام بودلير إلى البحث عن القطط عندما يجد نفسه في مكان ما.بحيث يركز اهتمامه على الحيوان أكثر من الأفراد الحاضرين.يشكل ذلك عَرْضا يحاول في إطاره أخذ متسع من الوقت قبل انضمامه إلى الجماعة.بودلير شخص كتوم،منغلق جدا على نفسه،يحجب ما يعيشه داخليا.لكن،خارجيا،يسهل عليه الظهور بمظهر جريء للغاية.فيا يتعلق بميله إلى الاستفزاز،فعلا،تأكد ذلك مع جل وقائع حياته.امتلك موهبة الإزعاج متسيدا على مختلف البراهين المخالفة ويسوق محاوره غاية منتهاه.أحيانا،يستفز بطريقة سيئة.انتقاداته الفنية،لاسيما تلك التي حاول بها إفحام هوراس فيرنيVernet،اتسمت بعنف كبير. س- فظاظة لو جاءت في سياق واقعنا المعاصر لأحدثت له سلسلة محاكمات تهم جرائم القذف !لكن أحقا كان بودلير شريرا؟ ج- بل يمكننا القول،بودلير بمثابة شخص لم يكن يقبل التنازل.وأحبَّ دائما في إطار نزوعه إلى الاستفزاز،القيام بذلك كثيرا،حتى يشعر بمزيد من الانتشاء.هي سمة أيضا للتأنّق.فضلا عن ذلك،إذا أحس أسيلينو بالحاجة كي يبادر سريعا جدا نحو كتابة سيرة بودلير بعد موت الأخير،فلأنه توخى مقاومة تلك الأسطورة السوداء الشيطانية،التي أحاطت ببودلير ونتاجه،لاسيما منذ محاكمة نصوصه الشعرية أزهار الشر سنة 1857.لكن إنصافا للحقيقة،فهذه السمعة الشاذة،التي تكرست غاية لحظتنا الحالية،حول شخصية بودلير،يعتبر الأول من وضع أسسها. س- الطريقة التي تكلم بها عن المدينة،والتصوير الفوتوغرافي،والشعب،ميزها التناقض دائما.حداثي،غير حداثي؟فمن هو بودلير حقا. ج- بودلير حفنة من التناقضات.صحيح،أنه تفوه بكلمات قاسية جدا في حق الشعب،لكن في ذات الوقت،أظهر تعاطفا مع المقهورين والمهمشين،سواء تعلق الأمر بعامل القمامة أو امرأة كهلة.كان يكره باريس جورج أوجين هوسمان،في المقابل،حينما كتب عن الرسام كونسطنطان غيس- الذي رسم لوحة مذهلة عن العاصمة باريس من خلال موضوعاته وكذا أسلوبه الفني– سيبدو بودلير كأحد الأوائل الذين اهتموا حقا بالمدينة الحديثة.أكد امتعاضه من التصوير الفوتوغرافي مع ذلك قضى وقته في التقاط صور فوتوغرافية،لاسيما من طرف صديقه نادار.أيضا،ناشد الانضباط،في حين ظل فوضويا.أكد مناهضته للحداثة،لكنه في كل الأحوال أعطى لكلمة ''حداثة" مختلف تجليات معناها.إذن،حتما،بودلير ليس واضحا.لكن من خلال تناقضاته المؤلمة تلك،في اعتقادي،يكمن سر ثراء شخصيته وإبداعه،إبداع يتحدث بلسان كل واحد منا. .... *مرجع الحوار: Hors-série:Le point ;Grandes biographies ;2017.PP/8-9.                              

[post_title] => شارل بودلير..وجوهر شخصيته: حوار مع كريستين ناتا [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%b4%d8%a7%d8%b1%d9%84-%d8%a8%d9%88%d8%af%d9%84%d9%8a%d8%b1-%d9%88%d8%ac%d9%88%d9%87%d8%b1-%d8%b4%d8%ae%d8%b5%d9%8a%d8%aa%d9%87-%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%b1%d9%8a%d8%b3%d8%aa [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-17 20:04:42 [post_modified_gmt] => 2019-07-17 20:04:42 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31183 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [11] => WP_Post Object ( [ID] => 31181 [post_author] => 784 [post_date] => 2019-07-17 19:53:18 [post_date_gmt] => 2019-07-17 19:53:18 [post_content] => شيرين فتحي يقولون أن أي كائن حي يتطبع على حسب طعامه، فآكلو اللحوم كالأسود والنمور والنسور أكثر الحيوانات وحشية، بينما آكلو الحبوب والعشب الأخضر كالغنم وأغلب الطيور والأرانب كائنات مستأنسة ومسالمة. بعض الناس يرون إنعكاسا لتك النظرية على البشر، فالشعوب التي تأكل الكلاب والثعابين مثلا لها طباع مختلفة عن محبي الدجاج ولحوم الغنم أو الأسماك، كذلك النباتيون الذين يمتنعون تماما عن تناول كل ما هو من أصل حيواني يعتبرون أنفسهمم أقل عدوانية.  اتباع الناس لحمية النباتية له أسباب متعددة، بعضهم يتبعها رغبة في فقد الكيلو جرامات الزائدة أو لاعتقادهم بأنها تحسن الصحة وتطيل العمر، بعضهم يتبعها من باب التقليد, البعض الآخر قد يتبع تلك الحمية لأسباب أخلاقية وربما دينية، يظهر هذا في بعض الدول كالهند التي تبلغ نسبة النباتيين فيها ٤٠٪ . يرجع الأمر لانتشار الديانة الهندوسية هناك والتي تحرم ذبح البقر وتناول لحومها تماما. وفي البوذية أيضا هناك قاعدة لتجنب القتل عموما سواء كان هذا القتل لإنسان أو حيوان. بعض الناس تعتقد أن الإنسان أصله نباتي لأنه لا يملك إلا نابين صغيرين جدا بينما معظم أسنانه صغيرة ومتساوية وكأنها مهيأة لتناول الحبوب والخضروات أكثر من أي شيء آخر، هذا بالإضافة لاعتقاد البعض بأن تناول الأطعمة النباتية أمر يؤثر على أخلاق الإنسان وسلوكه، فيمنعه من العدائية والتوحش الذي تمتاز به آكلات اللحوم لينضم إلى الفئة الأكثر سلاما وهدوءا من آكلي النباتات.  في رواية النباتية للكاتبة الكوريه هاي كانغ تحكي عن زوجة شابة هي يونج هيه والتي تقرر في أحد الأيام أن تصبح نباتية وتمتنع تماما عن أكل اللحوم وكل ما هو من أصل حيواني. تمر حياة يونج هيه بطريقة شبه عادية إلى اليوم الذي تقرر فيه أنها ستمتنع عن تناول اللحوم تماما وتتبع حمية نباتية، كان قرارها صادما بالنسبة للزوج الذي استنجد بأهل زوجته كي يحاولوا إثناءها عن قرارها الذي لا يراه جيدا بأي حال، خاصة وقد امتنعت عن معاملته كزوج لأن رائحة اللحوم تفوح منه على حد قولها. يفشل الجميع في إقناعها بالعدول عن قرارها حتى بعدما يعاملها الأب بوحشية ويطلب منهم تقييدها لحشر قطعة من اللحم عنوة في فمها فتصرخ فيهم وتمسك سكينا تجرح به يديها اعتراضا على قسوتهم. كلما سألها أحد عن سبب ذلك التحول لا ترد سوى بكلمتين فقط : رأيت حلما .... لتدخل بعدها في نوبة شرود وصمت تام. امتناع البطلة عن الكلام طوال الرواية التي تظل فيها صامتة أغلب الوقت إلا من كلمة أو اثنتين على الأكثر كلما تطلب الأمر، كان أحد أنواع التماهي مع الطبيعة النباتية، فالنبات هو الكائن الوحيد الذي لا يصدر صوتا فلا يتحدث كالإنسان، ولا يزمجر أو يموء كحيوان ولا حتى يصدر أزيزا أو طنينا كبعض الحشرات. إنه صامت تماما كأنه غير موجود. رفض البطلة لتناول اللحوم والتحول إلى النباتية كان تعبيرا عن رفض العالم ككل، رفض القسوة التي رمز لها الكاتب بصفعات الأب منذ الطفولة، وتعذيبه لكلب عض أحدهم في الصبا فعذبه حتى قتله ثم أجبرهم على مضغ لحمه بعد تسويته. مرورا بزوج بارد لا يقتنع بأن امرأته أكثر من مجرد زوجة عادية لا يرى فيها أية ميزة تفرقها عن غيرها ... ولم يمنعه أي شيء من التهجم عليها في كل مرة تمنعت عنه فيها..  الرواية مفعمة بالمشاعر والألوان والهدوء وكأنها تتساءل لو كان بإمكاننا أن ننسحب من العالم بكل هذا الهدوء، أن نمد يدينا إلى الأعالي ونفتحهما عن آخرهما باتجاه الضوء وندور كما لو كنا نبتة دوار الشمس أو حتى أن يقف الواحد من بوضع معكوس، يحفر بيديه في الأرض حتى يثبتهما كجذور ويسند رأسه إلى الأرض وينتصب بساقين مستقيمتين تطوحهما الرياح كيفما شاءت. لو كان بإمكاننا أن نصبح جزءا من تلك الطبيعة الصامتة حولنا، نقطة في بحر، أو حفنة من الرمل، أو مجرد نبتة بسيطة تمنح نفسها للآخرين دون رفض أو مقاومة وترحل بعدها تاركة بذورا صغيرة تعيد دورها وتبتدئ دورة حياتها من جديد. كان تماهي البطلة الأخير مع النبات هو آخر حيلة للخروج الآمن.   [post_title] => "النباتية" لـ "هاي كانغ".. أن تقاوم [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d8%a7%d8%aa%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%80-%d9%87%d8%a7%d9%8a-%d9%83%d8%a7%d9%86%d8%ba-%d8%a3%d9%86-%d8%aa%d9%82%d8%a7%d9%88%d9%85 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-17 19:53:18 [post_modified_gmt] => 2019-07-17 19:53:18 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31181 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [12] => WP_Post Object ( [ID] => 31179 [post_author] => 568 [post_date] => 2019-07-17 19:43:49 [post_date_gmt] => 2019-07-17 19:43:49 [post_content] => غادة خليفة جسدي باب جرار يتحرك بصعوبة من أثر أمومة غائبة أريد بابًا من البللور المطعم بالصدف، بابًا يفتح لي ويفتحني. قائمة طويلة من السعادات تنتظر أتجاوزها كل يوم وأنا أهرس رغبات ميتة مع الجبن بالطماطم   لدي امرأة تشبهني، لدي أسطورة من ذهب خالص أكلها الصدأ، وحولها الوقت إلى لعبة بعين واحدة فقط. الشر يرقد أسفل الكلام، يشحن بطاريته من وجع مسنون وصامت، إذا سقط في الحليب حوله إلى تراب. أختي ثقيلة عليّ، إذا تركتها في الدولاب ربما تنقطع ملابسي ولا إبرة لي سواها. ربما تدفعني الريح إلى البحر، اسم أختي يخلق لي الزعانف والخياشيم. أختي ثقيلة عليّ إذا ضيعتها الآن ستضيع نفسي الملتصقة بها. فاكهة حياتي تتعفن، لو أن أختي معي لحولت هذا الجمال التالف إلى مربى. أريد الطيران وحدي وعصا الغلية تقفز من الذاكرة "لا تتركي يد أختك أبدًا".   أخاف أن أكبر النمو يأكل عالمي الذي أعرفه ويضع المفاتيح كلها في حقيبتي لأختار. أنا كبيرة وكلما نظرت داخلي رأيت طفلة ترتجف. أنظر إلى تاريخ ميلادي لأتأكد، أنا كبيرة جدًا وأستطيع أن أكون أمًا لصورتي التي توقفت عن النمو.   حياتي كما أعرفها تموت وأنا أضحك أضحك ويلتهم الألم معدتي أضحك وتتآكل ركبتاي أضحك وتسقط أسناني أضحك وتتلامس فقرات ظهري أضحك ويحترق مهبلي جسدي يدخر ذاته للموت هذه الحياة تغرق على أمل أن تطفو تتبخر على أمل أن تمطر تذوب على أمل أن تبدأ. [post_title] => خوف [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%ae%d9%88%d9%81-2 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-17 19:43:49 [post_modified_gmt] => 2019-07-17 19:43:49 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31179 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [13] => WP_Post Object ( [ID] => 31173 [post_author] => 850 [post_date] => 2019-07-17 16:49:09 [post_date_gmt] => 2019-07-17 16:49:09 [post_content] => كريم عبد السلام سيدى الصَّنَم المعظَّم، الجميلَ الملهَم المعصوم المحنّك  المتفرّد من قال إنك تسد طريقنا إلى الحرية من قال إنك تجثم على صدورنا من قال إنك  الجلطة فى شراييننا والشوكة فى حلوقنا والألم الرهيب فى معداتنا -يقصدون ألم التسمم - لا أحد لا أحد قطعاً   من قال إنك تمنع كل شيء وتطمس كل شيء وتفسد كل شيء لا أحد  لا أحد قطعاً   من قال إنك تطفئ الأنوار فى القلوب و النجوم فى السماء من قال إنك تدنس الأرواح بالضغينة والزيف وتفسد الأجنة فى الأرحام وتلوث الهواء من حولنا لا أحد لا أحد قطعاً من قال إنك  تمسخ طبيعتنا إلى حشرات وغيلان شرهة للدم من قال إنك  تغذى خيالنا بالوحوش والمجرمين من قال إنك  تدمرنا حاسة حاسة وجارحة جارحة لا أحد لا أحد قطعاً سيدى الصَّنَم المعظم الجميل الملهم المعصوم المحنك المتفرد. [post_title] => الصَّنَم [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%91%d9%8e%d9%86%d9%8e%d9%85 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-17 19:00:07 [post_modified_gmt] => 2019-07-17 19:00:07 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31173 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [14] => WP_Post Object ( [ID] => 31166 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-17 15:37:06 [post_date_gmt] => 2019-07-17 15:37:06 [post_content] => حسن بولهويشات أعاني من اكتئاب حادّ منذ ستة شهور، بحيث تناولت عددًا لا يحصى من أقراص الدواء، وعلى اختلاف أحجامها وألوانها من دون أن أشفى ما عدا خروج لعاب أبيض من فمي وحصول شلل فظيع في أعضائي، بل صرتُ أمشي في الطرقات رافعًا ذراعي كما لو أنّني أتأهب للتحليق. وهي كلها أدوية حصلت عليها من صيدليات الحراسة الليلة وبدون مراجعة الطبيب مع الأسف. ولا أدري بما كانت  ستؤول إليه حالتي الصحيّة لولا أنني عملت بنصيحة أحد أصدقائي وزرت الطبيب سين الأخصائي النفسي الوحيد بالمدينة، وذلك بعدما ترددت في البداية بسبب انطباعي السيئ عن هذا الطبيب، وسوء ظني به وبالناس جميعًا.       وللأمانة، فإن العلاج عند الدكتور سين يبدأ من باب العيادة، بالتحديد حيث تصطف أصصٌ الأزهار وأوان فخارية، وهناك قطط تتسلى في الجوار. أمّا العلاج بأكمله فهو عبارة عن جلسات مطولة يتحدث خلالها المريض عن نفسه. وأحيانًا يطلب منك الطبيب أن تواصل السرد وينهض هو ليداعب قطا أو يفتح إحدى الغرف قبل أن يعود ويقف وراء ظهرك ليصغي. ولقد أرعبتني هذه الطريقة في أول الأمر عندما تخيلت نفسي محاصرًا بمحققين أجلاف داخل أحد مكاتب مفوضية الشرطة يدورون حول الطاولة مثل حيوانات مفترسة مستعملين أذني منفضة لسجائرهم، غير أنني سرعان ما تخلصت من هواجسي المرضية، واستلطفت السيّد سين حين أصبح يقصّ لي بعضًا من مغامراته أيام الشباب، ونتفًا من تاريخ أجداده الممتد إلى نهر النيجر.  ومن جهتي اندمجت في جلسات العلاج، وكانت نتائج جلسة هذا المساء ناجحة وفعّالة بشهادة الطبيب نفسه، وذلك بعدما استرخيت فوق الكرسي الدوّار، وقلت :  أنا مواطن مغربي ببياناتٍ شخصية مثبتة في كنّاش الحالة المدنيّة، وبمواصفات دقيقة حيث لون بشرتي مزيج من اللون الأساسي واللون الثانوي والذي يمكن أن تعثروا عليه بكثرة في كراسات التربية التشكيلية بأقسام الابتدائي. وجهي حليق دائمًا ويُشجع على صفعه أربع مرّات في الصباح ومثلها في المساء كي أنتبه، هكذا بخدين حمراوين يغريان بسحب الدم منهما بإبرة طبيّة ووضعه في قوارير صغيرة والذهاب بالقوارير إلى أطفال أفريقيا. وبحاجبين هادئين وأذنين خفيضتين دون أن يشي ذلك باستسلام كامل مني أمام أفكار الآخرين. أبدو ممتلئًا حين أمشي منحنيًا برأسي كما لو أنّني أدفع عربة تسوّق أمامي، ومتآكلاً من الداخل مثل ضرس خلفي عندما ألوذ بوسادةٍ أو أسافر واضعًا باطن كفي على وجهي خلف نافذة قطار. وبرفسة حمار على ذقني وأثر حريق أسفل ساقي اليسرى.        وكما يعرف الجميع، أشتغل موظفًا بمديرية المحافظة على الأملاك العقارية منذ سبعة وثلاثين عامًا، ومع ذلك لا أملك غير دراجة هوائية نحيلة أصل على متنها إلى العمل قبل الجميع، أترجّل عن الدراجة وأشدّ عنقها إلى جذع شجرة بسلسلة حديديّة. أتجاوز الباب الرئيسي وأنحرف إلى اليمين لأهبط عشرة أدراج ضيقة، أفتح المكتب ثمّ أتقدم ثلاث خطوات جهة اليسار لأجلس على كرسيّ متآكل الحواف وأنهمك في نفض الغبار عن الأوراق وترتيب الملفات وفق رقم تسلسلي محّدد. أفعل ذلك إلى حدود الرابعة مساءً بلا زميلة عمل في الجوار تبدّد ساعات الظهيرة بطرطقات العلك. وبلا نافذة في الجدار أهرّب منها غبار الأيام إلى بلاد بعيدة أو على الأقل مزهرية بلاستكية فوق المكتب تذكرني بالحقول الوسيعة وروائح الأجداد في الضاحيّة. ودون أن أرتقي سلم الوظيفة لا صعودًا ولا هبوطًا ولو لمرة واحدة.    ورغم هذا الإجحاف الذي طالني وحدي من دون باقي الموظفين بالمديرية، فإنني استطعت أن أبني منزلاً بطبقين وسط المدينة، وعشّا من الكسل في الرأس حيث أكون في مثل الساعة، الثالثة صباحًا، قد تقلبت فوق السرير أربع مرّات، مرتين جهة الشرق العامر بالحروب وجشع العسكر، وبأكوام الأزبال وضجيج التلفاز في المقاهي. ومرتين جهة الغرب حيث الحياة ملفوفة في ورق الألمنيوم ومتكتمة على نفسها خلف الستائر، وحيث العصافير مطمئنة على صوتها بين أغصان الأشجار.  ويشهد لي أصدقائي أنّ خطواتي كانت دائمًا محسوبة، ومع ذلك استعملتُ جميع أنواع النقل العمومي، ظهْرَ الحمار في طفولتي، وسيارات النقل السري والحافلات في مطلع شبابي، والقطارات مستلهمًا منها المشي على قضبان حديد وسط الأحراش، ودون أن أحلق في السماء على كرسي طائرة أو أتمدّد في البحر على  سطح باخرة.     ولقد أطال الله عمري إلى أن عاصرتُ ملكين ببصرٍ حاد أستطيع بفضله أن ألتقط سرب ناموس على مسافة بعيدة. وعشتُ هذه السنوات ولساني على الشهادة وقلبي على الوطن والملكية. وشاركتُ بحماس في الانتخابات البلدية والبرلمانية، إذ منحتُ صوتي الصافي (من فرط شرب الحليب) لجميع الأحزاب تقريبًا. كما انتسبتُ إلى النقابة باكرًا وتنقلتُ مثل ذبابة بين هذه وتلك دون أن أستقر بجناحي على قشدة واحدة. فيما تابعتُ جميع الاحتجاجات الشعبيّة من خلال التلفاز. وتفرّجتُ على معارك الجيران من ثقب الباب. والتزمت الحياد بخصوص الشجارات بين زملاء العمل. مع العلم أنّني كنت شيوعيّا أيام الجامعة، وسال لعابي وأنا أقرأ تاريخ الثورات في الكتب القديمة، غير أنّني تحوّلت سريعًا إلى رأسمالي فأدرتُ ورشة حياتي بثروة صغيرة محافظًا في ذلك على هدوئي ودون أن تظهر عاصفة صغيرة في الرأس أو في سروالي التحتي، ومتطلعًا على الدوام إلى رؤساء العمل بإعجاب، وإلى لوائح أسعار المواد الغذائية برضى حقيقيّ.      ومن محاسني الصغيرة أنني لا أحبّ القهوة ولا الشاي وأستعيض عنهما بالحليب خالصًا أو ممزوجًا بملعقة شكولاته. لا أدخن وأختنق كلّما مررت أمام مزبلة تحترق. لا أشرب وأجد صعوبة في التمييز بين صراخ عطور اف روشيه في الزحام ورائحة خمرة مسفوحة على قميص أحدهم. بينما أحب زوجتي، وأتعلق بها أكثر في فصل الشتاء حين يتساقط مطر كثير على المدينة، وتهبّ ريح قوية من شقوق النوافذ لتتحرّك الستائر فأرتعب وأتعقب شريكة حياتي إلى المطبخ لأقف وراءها مظلومًا ثمّ أغرس حزام سروالي في خصرها وأقبلها في أسفل رقبتها. أتدفأ قليلا قبل أن تنهرني المرأة التي تحرّك شيئا بملعقة لأستدير وأفتح الثلاجة ثم أغلقها دون أن أفعل شيئا قبل أن أعود إلى الصالون وأجلس جنب الستارة، وأنتظر. إنها زوجتي الجميلة التي ماتت في السنة الذي تقاعدتُ فيها عن العمل واستقدمتُ أخرى بالخيال لتعينني على الأشباح في الليل وأصرفها في الصباح دون أن أضع شيئًا في يدها.    وبقليلٍ من الشاعرية إذا شئتم، أنا مخلوق الله بإيمان غامض حين أصلّي مستعجلا الركعات. بيدين طليقتين في وجه المتسولين. بهزة كتف أمام مبادرات الجيران التضامنيّة. بعرجٍ خفيف أمام طلبات الأصدقاء. بسعادةٍ محيرة ماشيًا في الجنائز. وغمامة سوداء جالسًا حول موائد الأعراس. بهذا الهوس بالنظافة وانحباس في المثانة حين تسقط آنية على الأرض. بخوفٍ خفيف من الموت يساورني في الليل فأبقي على المصابيح جاحظة، وعلى يدي اليمنى رهينة تحت ابط زوجتي.     أنا المريض المتعافى بهذه السيرة العطرة: جئتُ إلى الحياة في فصل الخريف ذات عام بعيد. التحقتُ بالمدرسة في سنّ السابعة، السنة التي دمّرَ فيها زلال قوي المدينة عن آخرها. أنهيتُ دراستي في سن الثالثة والعشرين لأحصل على الوظيفة في السنة الموالية، وهي السنة التي تزوّجتُ فيها وعمّ الجفاف البلاد وانتقل بالتماس إلى سرير الزوجيّة لأواصل حياتي مفردًا مثل مسدّس بلاستكي وبرصاصة باردة معلقة إلى حزام سروالي والتي ليست سوى زوجتي. تقاعدتُ عن الوظيفة في الستين لأتفرّغ بستانيًا متطوعًا في حديقة المسجد طوال عشر سنوات قبل أن أموت في فصل الخريف أيضًا تاركًا حسرة في قلوب كثيرين لمدة ساعة واحدة فقط .   هذه هي حياتي التي دلقتها على مكتب الطبيب سين بمقدار ما تخيلت، وعلى مقاس ما احتشد به أبريل من الأكاذيب. ..................... *كاتب من المغرب [post_title] => سيرة عطرة [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%b3%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d8%b9%d8%b7%d8%b1%d8%a9 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-17 15:42:24 [post_modified_gmt] => 2019-07-17 15:42:24 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31166 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [15] => WP_Post Object ( [ID] => 31164 [post_author] => 847 [post_date] => 2019-07-16 11:56:57 [post_date_gmt] => 2019-07-16 11:56:57 [post_content] => حسني حسن (1) قُبيل المغرب، صعدت بأكياسي الثقيلة إلى عربة الرجال، الأخيرة، بترام الرمل من محطة "سوتر" في الاتجاه العائد للبيت "بكامب شيزار". كنت مُجهَداً، مُحبطاً، قليلاً، لأني لم أجد كتابي، المُنَتظر معروضاً بمعرض الكتاب المُقام بأرض "كوته"، كما وعدوني، وراضياً، قليلا،ً عن الغلة التي اقتنصتها شباك لهفتي، وطمعي، بعد البحث والتنقيب والتطواف الطويل بأروقة المعرض وأجنحته. في الترام، غير المزدحم بذاك الوقت من اليوم، رحت أهدئ خواطري، مردداً على مسامع قلبي أنه لا فرق، بالمرَة، في الحساب الأخير، بين أن يلحق الكتاب بالمعرض، أو لا يلحق به، بل وبين أن يصدر الكتاب، من الأساس، أو لا يصدر، وأنه، وبعد كل شيء أو قبله، من ذا الذي ينتظر صدور كتابي؟ وما حاجة العالم، في الحقيقة، للمزيد من الكتب؟ أو ليس فيه ما يكفي، وزيادة؟. المدهش، أن تلك التساؤلات، وغيرها الكثير على منوالها، لم ترد على بالي بأدنى إحساس بالتألم الذاتي، ولا بالإشفاق على النفس، بل، وعلى النقيض تماماً، بشيء، غير قليل، من الراحة و الشعور بالتخفف، وبقدرٍ من التجرد، وكأني أفكر في أمر شخص آخر غيري، حتى أني خِفتُ من حالتي، فقررت الانصراف عن متابعة التفكير، ومددت بصري، خارجاً من عتمة مغارتي الداخلية، باتجاه العالم، المنير الصاخب المتوتر، من حولي. بالجهة المقابلة لصالون عربة القطار، وقف سرب صغير من بنات الجامعة، يهدلن يضحكن ويتشاحن، عقب خروجهن من محاضراتهن المسائية بمجمع الكليات النظرية. شابات لذيذات متفتحات كزهرات تخرج، لتوها، من أكمامها، لتبعث في النفس بهجة خفية، ومتعة سرية، ووعود منسية، وذلك على الرغم من مظهرهن البسيط، وملابسهن الشائعة الرخيصة، وحجابهن غير الملتزم. دقيقة بعد أخرى، شدني عالم تلك الفتيات إليه، فشرعت أفكر، مستفهماً، في أحلامهن وانشغالاتهن، في أفراحهن وآلامهن، في المبتدأ والواقع والمآل، أو باختصار في كل الأشياء التي بدت، لي، غريبة متنائية عنهن اللاتي لُحن مهمومات، جداً، بالتقاط صور "السيلفي" بكاميرات هواتفهن المحمولة؛ هذه الهواتف التي تراءت لعيني، أغلى ما بحوزتهن، وأغبى ما لديهن. فجأة، وعلى نحو متخارج، كلية، عن المزاج الهادئ، المفعم بوشوشة الصبيات ومعابثاتهن اللاهية، اختض سلام العربة صوت صراخ وحشرجات وعويل غريب. التفت الجميع، بذعرٍ، إلى مصدر الصوت، المتألم المؤلم، ليبصروا صبياً طويلاً نحيلاً، لا يكاد يتجاوز الخامسة عشر من عمره، تقلص عضلات وجهه تشنجات فظيعة، فيما تحاول أمه، في الأغلب، أن تضمه إليها، وتربت على رأسه، وتهمس مناشدة إياه أن يهدأ، بلا طائل. صمتٌ ثقيل حطَ على القطار لثوانٍ، وانطلقت بعده همهمات ومصمصات شفاه واستفهامات واستغفارات واسترحامات، لكن الصوت، ما تحت الآدمي، ظل يتعالى، مهشماً سلام الغروب الهش، ومستعجلاً قدوم الليل، كذئبٍ، وحيدٍ ضال، فقد أثر قطيعه، وأدرك يقين رعبه وضياعه. مستعجلاً محطة نزولي، حملت أكياس الكتب، وتقدمت نحو الباب المغلق، متذكراً ما كتبه "فنسنت فان جوخ" إلى أخيه "ثيو"، ذات يومٍ، من أن الحزن سيبقى للأبد. (2) لطالما أثار استغرابي ذلك الحرص، المبالغ فيه، الذي يبديه غالبية الناس لالتقاط الصور التذكارية. ذلك الحرص الذي استحال لنوعٍ من الهوس، حد الخبال، بعد انتشار الهواتف المحمولة الذكية بأيدي الصغار والكبار، بكاميراتها عالية "البكسلة"، وبإمكانيات تقنية الاتصال، السحرية، على تحميل و"تشيير" الصورة عبر الفضاء الرقمي، اللا محدود ولا المتعين، في اللا زمن. لم أكن يوماً من المفتونين بتخليد عبوري الزمني، العارض والقصير، في مسالك هذا الوجود، بسجنه، أعني الوجود، وراء قضبان من نقاط طول وعرض، سواء رقمية أو ضوئية. أتذكر أن آخر مرة قصدت فيها "ستوديو" لالتقاط صورة فوتوغرافية شخصية لي كانت بالعام 2000 لعمل جواز سفر، ومن يومها وأنا أستريح، تماماً، لفكرة استخراج ما أحتاجه من صور شخصية انطلاقاً من "النيجاتيف" المحفوظ لتلك الصورة بأرشيف المصور الذي، ولله الحمد، لم يغلق "الاستوديو" حتى الآن. حتى خلال مهام عملي التي كانت تفرض علي، أحياناً، أن أقف متسمراً، ومبتسماً ابتسامة صغيرة بلهاء، بوضعية التصوير، فقد كنت لا أحرص على الاحتفاظ بها بعد التقاطها، والهرب منها، كلما أمكن، متعللاً بأن مكاني الصحيح، حسب قواعد العمل والمهنية، أن أكون خلف الكاميرات لا أمام عدساتها. على الأرجح، مجرد حيلة وحجة للتهرب والفرار من الصورة. قال لي أحد الزملاء، متعجباً ومتشككاً: - لولا كتاباتك، الدقيقة، عن البلدان التي خدمت فيها لما صدقت أنك عملت هناك؛ ولا صورة واحدة يا مؤمن؟!. - أنت قلت؛ الصور بالكلمات. أتذكر أيضاً، أن أول كاميرا فوتوغرافيا امتلكتها في حياتي، كانت تلك التي اشتريتها من "أثينا" وعمري نحو ثمانية عشر عاماً، أثناء رحلة لأوروبا مكافأة لي على تفوقي بالثانوية العامة، وكانت من ماركة "زينيت" الروسية العتيقة. قرابة المائة دولار أمريكي دفعتها ثمناً لكاميرا لم ألتقط بها سوى عشرات الصور التي، ربما، ما ظهرتُ في واحدة منها، مكتفياً بتصوير الأماكن والأشياء، الأمر الذي أثار حفيظة أشقائي، حين رجعة أول عضو في العائلة، من أوروبا الحلم الكبير، دون أن يخلد لألبوم العائلة وقائع تجليه في ذاك الحلم، والنتيجة أن سحب شقيقي، المغتاظ، الكاميرا مني جزاءً وفاقاً على فعلتي الخرقاء. وحتى اللحظة، وحين تبادر زوجتي بتفريجي على تلك الصور اليومية، التي تبعث بها ابنتنا، لحفيدتنا الأثيرة، أجدني أنخرط في الفرجة بغير حماس شديد، وعلى الأرجح بقلب موجوع. بطبيعة الحال، ليس حبي لحفيدتي موضع شك ولا تساؤل، ولا كذلك لهفتي على كل ما يتصل بها من قريب أو بعيد، لكن شيئاً ما، يظل متأبياً على التفسير، ألقاه يحول بيني وبين الانفعال بالصور، على نحو ما يحدث لغالبية الناس، إن لم يكن لجميعهم. هل ثمة استثناء لذلك؟ ربما استثناء وحيد، خارق معذب وغير مفهوم، وموغل في القدم. من مقتنيات الأسرة، التي تم توزيعها على الأبناء عقب وفاة الوالدين، احتفظت من أغراض أبي بكوفيته الصوفية الزرقاء، التي دائماً ما ألفها حول عنقي في الأمسيات الشتوية الباردة، فتعيد لي الإحساس الشامل بالدفء، وبالحضور المطلق للرعاية، وللحماية. صحيح أني عشت طويلاً، بما يكفي، عاجزاً عن الوقوع في شرك الافتتان بأبي، أو إدراك حضوره الكلي، شبه الربوبي، بأناي، مستنيماً إلى ملاسة خشونة حقيقة أني لمَا طلبته في طفولتي ما وجدته، وأنه آثر الغياب الذي أورثني الخذلان والعذاب، إلا أن كوفيته، من بعد موته، دامت تعني لي ما هو أكثر، بكثير، من مجرد وسيلة لاتقاء برد الشتاء. أمَا عن أمي، فقد ورثتُ ما هو أغلى بكثير، وأعمق إثارة لحيرتي واستغرابي: صورة زفافها، بالأبيض والأسود، في إطارها الخشبي المتآكل القديم، الذي رممه لي أحد أمهر المتخصصين، وبكرتونها الأبيض المصفر بفعل مرور قدم الزمن الثقيلة عليه. لماذا هذه الصورة بالذات؟ ما الذي تعنيه لي بالضبط؟. لا أعرف، لكن شيئاً ما، سحرياً، يظل يجتذب مشاعري ومخيلتي لتأمل، وإعادة تأمل، تلك العروس الصغيرة، بفستان زفافها الأبيض، غير الثمين، وطرحتها المسدلة فيما وراء ظهرها وخصرها النحيل الممشوق، وبنظرة عينيها، المتلامعتين اللوزيتين، المفتوحة على حلم برئ عريض زاهٍ، حلم لم يتحقق، حلم انقلب لكابوس من هجران وخذلان ومرض وندم، لن يعيد جبر ما انكسر، ولا لحم ما انفسخ.  (3) الاصطفاء المُدبَر، وحبس سيال الزمن. أحسبها ترتكب جريمة نكراء في حق الحقيقة؛ الصور. تنبني الصورة على أبعاد مكانية، بالأساس. لكنها، وبالمقابل، لا تطمح إلا لخلق وابتداع علاقات زمنية، بالضرورة. هل ثمة معنى، في ذاته، لقيامنا بحبس أنفسنا، أو الآخر، أو أي غرضٍ ما، داخل إطار، محدد، من الخشب أو الضوء، أو ما شاءت لك التقنية، وفوق سطح، بعينه، من الحجر أو الورق أو الومضات الإلكترونية أو ما لا نعلم طبيعته بعد؟. لا، ليس هنالك معنى لذلك، في ذاته. ونحن حين نحبس ما نحبس عبر الصورة، فإن استهدافنا ليس المحبوس، بكثافته المادية، بجسدانيته، بأبعاده في المكان، بل لحظته، أعنى زمنيته، حقيقته السيالة الموارة المتدافعة المتقلبة المتغيرة الهادرة. وفي ذاك يتجلى، ما أعتبره، الجرم الأكبر، ما أعتقده، الإنكار الأعظم. إنكار ماذا؟ إنكار عرضية وجودنا، هشاشته، تفاهته المكينة، لا لزوميته، أو بمعنى آخر لا حقيقيته. ثم؟ ثم التأله، السعي الخائب لتجاوز وضعيتنا البشرية، والتشبه بالآلهة، وذلك بعد اغتيال الإله بداخلنا. ربما لهذا السبب، سبقت فنون التصوير والتجسيم الأديان. وربما لهذا السبب كذلك، تناهض الأديان الفنون، كلٌ على طريقتها، وبحسب نظامها العقيدي وأساليبها الخاصة. في كتابه المُلهَم "الإنسان المتمرد"، يتحدث "ألبير كامو" عن شئ قريب من ذلك خلال تأمله في رائعة "بروست" المعنونة "البحث عن الزمن المفقود". يقول "كامو": "لقد أمكن القول إن عالم بروست هو عالم بلا إله. فإذا صح ذلك، فليس لأن الحديث لا يدور فيه أبداً عن الإله، بل لأن هذا العالم يطمح إلى أن يكون كمالاً مغلقا، وأن يُكسِب الخلود سيماء الإنسان. إن الزمن المستعاد، في مطمحه على الأقل، هو الخلود بلا إله. ومن هذه الحيثية، يتراءى إنتاج بروست على أنه المحاولة الأكثر إفراطاً ودلالة، التي يقوم بها الإنسان ضد وضعه الفاني". فهلا تنظرون! أخطر الصور، قاطبة، تلك المرسومة كلاماً.  (4) عاش حياته، جلها، يعمق بداخله صورة الفنان الذي زهد في كل شئ آخر عدا الإخلاص التام، والتفاني الكامل، والتجرد المطلق لفنه. يعمقها بروحه، أولاً، ثم يسعى لبيعها للناس. وفي سبيله لتحقيق ذلك، لم يكن أمامه إلا تجرع كؤوس المرارة، مرات ومرات، وهو يرى أقرانه ورفقاءه يخرجون للعالم، الشرس القبيح المعادي لكل أبناء العالم، بصدورهم العارية، وباستعدادهم الجسور لتأدية الثمن المطلوب لقاء الحياة؛ فإما عيش بكرامة ونجاح، وإما موت بإباء واستعلاء. أمَا هو، وكما قوارض الغابة، فقد آثر، دوماً، الاختباء والاحتماء، معتبراً أن سلاحه الأهم، في تلك المواجهة الدموية الدائبة، هو التدرع والتذرع. وكان لديه من الذرائع ما يكفي لسد حاجته من الانتصار عبر آلية اللعق، النجس المتواصل، لغرور أرباب وربات العطايا من المشوهين والعاطلين والمعميين عن إدراك مواطن الجمال الأصيل. في البدء كانت الصورة؛ الشاب الريفي الفقير الموهوب، العائش في عتمة التجاهل والفاقة والنسيان، التواق إلى التعلم، الراغب في التجويد، والمدرك لآفاق ومديات وحدود ومهاوي ما ينخرط فيه من مغامرة روحية لا ينتج عنها، في الأغلب الأعم، إلا استمرار التجاهل والفاقة والنسيان. وفي الختام، استحالت الصورة للكاتب الكبير الذي نجح، بالكفاح والجهد والمثابرة والإخلاص والموهبة بطبيعة الحال، في تسجيل هدف الفوز الغالي بمرمى الحياة. وما بين البدء والختام، لا يتوقف أحدٌ كي يسأل بصدق: هل تم إحراز هدف الفوز حقاً؟ ووفقاً لأية مقاييس يُعتبر، في أوطاننا السعيدة تلك، وبزماننا الرائع ذاك، الفوز فوزاً والهزيمة هزيمة؟ ثم ماذا عن الحقيقة؟ دع كل كل الآخرين يصدقون، فهل تصدق أنت؟!. ثمة جريمة محققة، فعشق الصورة يغري بارتكاب أبشع الجرائم طراً، فيما يتشح المجرمون بأوشحة البراءة. كتاب كبار يجاهرون بالاعتراف بمشكلتهم الكبيرة مع اللغة التي بها يكتبون، بل ولربما يتباهون بذلك، ويناقشني أحدهم: - يقول "توفيق الحكيم" عندما تحدثني عن أغلاط لغوية وتتجاهل محتوى المضمون الذي أقدمه، فإنك مثل الذي يتوقف عند إصبعي وأنا أشير لك به نحو القمر. - هل قال " الحكيم" هذا الكلام حقاً؟ - نعم قاله. - إذاً كان "الحكيم" مخطئاً. أجيب بغير وجل، ثم أتابع: - وكيف لي أن أصعد للقمر بصاروخ "الحكيم" المعطوب ذاك؟ كيف لي أن أرى وجهه بعيني "الحكيم" المترمدتين في هذه الحالة؟ أجل، أجل، فلتقل لي يا صديقي مثلاً مثلاً: كيف لي أن أقبل ما تكتبه، وأنت الكاتب الكبير الذي شابهت "بورخيس" في عزلته وقيامته، المترهبنة، على الكتب والمكتبات، وشابهت "آيتماتوف" في اضطراره للعمل كسائق أجير، لا لشاحنة روسية عتيقة فوق جبال "قيرغيزستان"، بل لتاكسي "لادا" قديم في شوارع وأزقة مدينة مصرية صغيرة بقلب دلتا النيل، وحتى شابهت "توماس مان" و"نجيب محفوظ" - تقول- فيما أدري ولا أدري....إلى آخر القائمة، أقول كيف لي أن أمرر، بتسليم كلي، كما يفعلون، كتابتك على هذا النحو: - أتجول في أركان السطح. لا أعرف كيف يمكن للمرء أن يتجول في أركان السطح، لا أرجائه، ولا أنحائه! - صوت المطر لا يزال يهطل. حتى أصغر الصبية يعرفون، دوماُ، أن المطر هو ما يهطل، وليس صوته! - كان الكرسي محشواً بالقطيفة. ربما لا تعرفون أنتم أيضاً، ككاتبنا الكبير، أن الكراسي تُكسى بالقطيفة، لا تُحشى بها! وكيف لي أن أقرأ فقرة قصيرة، من سطرين ونصف السطر لا غير، لأجد حرف الجر "في" يتكرر سبع مرات من أصل أربع وعشرين كلمة بالفقرة؟ أو كيف لي أن أجد الجملة الحوارية الواحدة قد صيغ نصفها الأول بالعامية التي لا تخالط الفصحى، ونصفها الثاني مصاغاً بالفصحى التي لا شبهة فيها لأي استخدام عامي؟ ربما هو الاحتجاج بكلمات " الحكيم"، لا أعرف إن كان قالها فعلاً، وربما هو الجهل الذي ساد الموقف؛ الجهل المسربل بالغرور وبالتعامي، الجهل المنتشي بأهداف "شحاته أبو كف"؛ الجهل الذي أباح لأحد نقاد الأدب الكبار، ممن يحملون شهادات الدكتوراه ويشاركون في كل المؤتمرات والمهرجانات واللجان، أن يجيز لنفسه، قبل دقائق معدودات من انطلاق ندوة "بالمقهى الثقافي" بمعرض الكتاب منذ سنوات، وعلى مرأى ومسمع من عيوننا وآذاننا معاً، أن يتصفح رواية، سيعتلي المنصة، فوراً، ليحللها ويقدم لها نقداً عبقريا ما بعد حداثي، نعم، هو الجهل، لكن قبل الجهل وبعده، وبشكل قطعي، هي غواية الصورة، في عالم يتمترس خلف إرادة التفاهة، أو ربما ما هو أنكى وأمر، وما يعف اللسان عن النطق به.  (5) - وأنت، أية صورة ترغب في بيعها لنا عن نفسك، يا عزيزي؟ يسألني الصديق القديم، مبدياً شكوكه وتخوفاته في نزوع، مثالي تطهري، قد يرتدي ثوباً عقلانياً متفلسفاً، أو في ميلٍ، تصفوي مرائي، قد يتشح بمسوحٍ علمي موضوعي. - ربما صورة قاتل، يا عزيزي. - حتى لو! أليست صورة أيضاً، كغيرها من الصور؟ أطأطئ رأسي، وأغرق في الصمت، مبتعثاً صوت "أفلاطون" من الذاكرة. كم كنتَ حكيماً يا فيلسوف كل العصور حين لم تُقصِ من جمهوريتك إلا الشعراء، حين لم تضع موضع السؤال سوى الطبيعة الكاذبة المخاتلة للكلام، ثم حين أنزلت الجمال منزلة فوق العالم بأسره!.   [post_title] => في عشق الصورة [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d9%81%d9%8a-%d8%b9%d8%b4%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a9 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-16 11:57:47 [post_modified_gmt] => 2019-07-16 11:57:47 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31164 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [16] => WP_Post Object ( [ID] => 31161 [post_author] => 848 [post_date] => 2019-07-16 11:20:17 [post_date_gmt] => 2019-07-16 11:20:17 [post_content] => تشارلز بوكوفسكي ترجمة: عبير الفقي بعض الكلاب الذين ينامون في الليل لابد وأنهم يحلمون بالعظام. وأنا أتذكر عظام جسدك بأفضل حال في ذلك الرداء الأخضر الداكن، وذلك الحذاء اللامع ذي الكعب العالي. كنت تلعنين دائما عندما تثملين، ويتهدل شعرك راغبة في الانفجار بسبب كل ما يقيدك: ذكريات فاسدة لماض فاسد، ثم أخيراً هربت بالموت لتتركيني مع حاضر فاسد؛ ميتة أنتِ منذ 28 عاماً ومع ذلك أتذكرك بشكل أفضل من الباقين؛ لقد كنت الوحيدة التي فهمت عقم ترتيبات الحياة؛ الآخرون كانوا مستاءين من الأجزاء التافهة فقط، بشكوى فارغة من هراء؛ جين ، لقد قتلتك معرفتك الزائدة عن الحد، وهاهو شرابي في صحة عظامك التي مازال يحلم بها هذا الكلب. [post_title] => مديح في سيدة رائعة [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d9%85%d8%af%d9%8a%d8%ad-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d8%b9%d8%a9 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-16 11:20:17 [post_modified_gmt] => 2019-07-16 11:20:17 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31161 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [17] => WP_Post Object ( [ID] => 31159 [post_author] => 835 [post_date] => 2019-07-16 10:39:57 [post_date_gmt] => 2019-07-16 10:39:57 [post_content] => د.خالد عاشور ما زلنا بصدد عرض لجدل نقاد نجيب محفوظ حول إشكالية مراحل الإبداع الروائي عند الرجل، وقد عرضنا في الحلقة الثانية من هذه الدراسة للمرحلة الثانية التي اصطُلح على تسميتها "المرحلة الواقعية". أما بالنسبة للمرحلة الثالثة والأخيرة (المرحلة الفكرية) من مراحل الإبداع عن نجيب محفوظ، فتشهد هى الأخرى خلافاً ليس أقل من سابقتها، وإن زادت حدته قليلاً. وأما موطن الخلاف هذه المرة فليس فى عنوان المرحلة، ولا سماتها الفنية بقدر ما هو فى حدودها الزمنية وأعمالها المكونة لها. فابتداءً تتعدد العناوين ـ ظاهرياً ـ كالعادة بتعدد النقاد،  بينما تدل عندهم فى النهاية على معنى متقارب. فنجد مثلاً: "المرحلة الفلسفية"([1])، و"المرحلة الفكرية"([2])، و"المرحلة التشكيلية الدرامية"([3])، و"مرحلة الواقعية الجديدة"([4])، و"مرحلة الاتجاه الإيحائى الرمزى"([5])، و"مرحلة الواقعية الفلسفية"([6])، و"مرحلة ما بعد الواقعية"([7])، و"مرحلة الواقعية الرمزية"([8]). وهى كما نرى عناوين متفرقة لمعانٍ متقاربة، هى ما اتفق عليه النقاد من سمات هذه المرحلة فنياً، والتى تتلخص فى تجاوز نجيب محفوظ تصوير المشكلات الاجتماعية عند أبطاله، وانتقاله إلى تصوير المشكلات النفسية والفكرية لهم.  أى انتقاله من العالم الخارجى بتفاصيله وإسهابه إلى العالم الداخلى بتجريده وإيجازه، وما استتبعه ذلك من أساليب فنية مغايرة لأساليب المرحلة السابقة، فتوسع الكاتب فى استخدام تيار الوعى، وارتفع أسلوب السرد إلى درجة الشعر، وأصبح الرمز حاضراً بقوة فى هذه الأعمال مما شجع على قراءتها فى أكثر من مستوى.  كما تتسم روايات هذه المرحلة بسيطرة "الفكرة" كبطل رئيسى للعمل تتجسد فى شخص واحد تتجمع فى يده خيوط العمل، ولا تُفهم بقية الشخصيات إلا من خلاله؛ فسعيد مهران، وعيسى الدباغ، وعمر الحمزاوى، وصابر الرحيمى، وزهرة، هم أبطال روايات هذه المرحلة، يجسدون أفكاراً مجردة هى المحور الذى يدور عليه العمل من البداية حتى النهاية. لقد كانت قضية البطل فى المرحلة السابقة تكاد تنحصر فى البحث عن وظيفة مثل محجوب عبدالدايم، أو الطموح الطبقى غير الرشيد مثل حسنين. أما قضية البطل فى المرحلة الجديدة فهى البحث عن المطلق، عن اليقين المراوغ، عن الحقيقة الملثمة، مثل صابر والحمزاوى والدباغ، مما أعطى أدب هذه المرحلة وجهاً إنسانياً أكثر منه محلياً. يقول رجاء النقاش: "إن البطل القديم عند نجيب محفوظ فى مآسيه هو بطل شهيد، مقضى عليه من قوة خارجية، أما الآن فأبطال نجيب محفوظ يذهبون إلى المأساة بأقدامهم، ويضعون المشنقة بأنفسهم حول أعناقهم، إنهم فى كلمة واحدة ينتحرون، فالمجتمع القديم بظروفه التعيسة هو قاتل الأبطال فى مرحلة نجيب الأولى، أما الآن فإن جرثومة القلق والاضطراب فى داخل هؤلاء الأبطال هى التى تقتلهم"([9]). ويحتدم الخلاف بين النقاد في المرحلة الجديدة بشأن أعمالها، وحدودها الزمنية. فنجد مثلاً من يضم "أولاد حارتنا" إلى الروايات من "اللص والكلاب" حتى "ميرامار" فى مرحلة إبداعية واحدة([10]). ونجد من يضع "أولاد حارتنا" فى مرحلة مستقلة، فاصلاً إياها عن بقية الأعمال التالية، ومن هؤلاء فاطمة موسى التى رأت أن الرواية نقطة تحول فى تاريخ الرواية عند محفوظ افترق عندها عن الرواية الواقعية إلى المرحلة التى تليها، دون أن تشير إلى صلتها بروايات تلك المرحلة، إلا أنها أشارت إشارة خاطفة إلى البعد الإنسانى الذى توفر فى "أولاد حارتنا" والذى سيعمُق فى الروايات التالية لها، مع إلحاحها على أن الطفرة الإبداعية عند محفوظ تمثلت فى "اللص والكلاب" وما بعدها حتى ميرامار([11]). وهو ما ذهبت إليه أيضاً لطيفة الزيات؛ فهى تشير إلى "أولاد حارتنا" على أنها "الصورة الخام" لرؤية نجيب محفوظ للحقيقة، وهى تشير فى أكثر من مناسبة خلال دراستها إلى الروابط المتعددة بين "أولاد حارتنا" وبقية روايات المرحلة. غير أنها مثل فاطمة موسى تنظر إلى الروايات من "اللص والكلاب" حتى "ميرامار" على أنها حلقة روائية واحدة([12]). ويشترك معها أيضاً فى هذا ـ تطبيقياً ـ محمود الربيعى فى كتابه "قراءة الرواية" دون أن يتحدث عن مسألة المراحل على نحو خاص.   ونجد من يضم "أولاد حارتنا" و"الشحاذ" و"الطريق" فى مرحلة فنية يصفها بالميتافيزيقية ذات اللون الغيبى التى تغرق فى رمزيتها، ويضم "السمان والخريف" و"ثرثرة فوق النيل" و"ميرامار" فى مرحلة فنية أخرى تتخلى فيه قليلاً عن ذلك، لصالح المجتمع، مما يجعلها فى رأيهم تمثل الاتجاه الاجتماعى الجديد([13]). ويقف نبيل راغب من روايات هذه المرحلة موقفاً مرناً يجعله يتحرك بحدودها فى كل طبعة جديدة من كتابه "قضية الشكل الفنى". ففى الطبعة الأولى سنة 1966 يقف بروايات المرحلة التشكيلية الدرامية عند "ثرثرة فوق النيل"، آخر روايات الكاتب فى ذلك الوقت. وفى الطبعة الثانية سنة 1974 أضاف إلى المرحلة نفسها الروايات التى صدرت فى تلك الفترة بين الطبعتين، وهى روايات: "ميرامار"، "المرايا"، "الحب تحت المطر". وواضح ما فى هذا التصنيف من اعتبارات تتعلق بإعادة طبع الكتاب، أكثر مما تتعلق بعلاقة الأعمال الأدبية بمرحلتها الفنية. ومن النقاد من يضم "أولاد حارتنا" إلى روايات المرحلة غير أنه يتوقف بها عند "الشحاذ"، معتبراً أن "ثرثرة فوق النيل" و"ميرامار" تمثلان مرحلة جديدة، وهو ما ذهب إليه محمود أمين العالم؛ حيث يرى أن "أولاد حارتنا" هى المعطف الذى خرجت منه الروايات التالية حتى "الشحاذ" فى متوالية فلسفية شارحة للمركب الفلسفى الذى حملته "أولاد حارتنا" والذى يتلخص فى "توكيد المعنى الإنسانى الصرف للأديان، توكيد أن جوهر الدين هو العدالة، هو الأمن، هو الكرامة، هو الحرية، هو المحبة، هو الخير، هو التقدم للإنسان"([14]). وكل قصة من قصص المرحلة ـ فى رأى العالم ـ تشرح هذا المبدأ الفلسفى بطريقتها الخاصة؛ من "اللص والكلاب" وعدم جدوى التمرد الفردى، إلى "السمان والخريف" والاصطدام بالواقع، إلى "الطريق" والبحث عن الأسئلة الأبدية، إلى "الشحاذ" التى تؤكد المعانى السابقة، والتى تكاملت بها هذه المرحلة فى رأى الناقد. بل ويُقدر الناقد أن نجيب محفوظ يتأهب لمرحلة جديدة ـ ممثلة فى "ثرثرة"، و"ميرامار" ـ هى فى رأيه عودة إلى الحياة الاجتماعية التى بدأت تدب من جديد فى أدب نجيب محفوظ، لا كما عبّر عنها فى المرحلة الوسطى من أدبه، "وإنما نعود إليها مسلحين بخبرة المرحلة الفلسفية كلها، مطلِّين مع نجيب محفوظ على أفق جديد من التعبير الفنى، والرؤية الاجتماعية"([15]). ولكنه يعود فيقول ـ متشككاً ـ "ولست أزعم أن خصائص هذه المرحلة الجديدة قد ولدت مكتملة ولكنى أحس أننا فى مهب رياح فنية جديدة فى أدب نجيب محفوظ"([16]). وقريب من هذا ما ذهب إليه صبرى حافظ، ومحمد حسن عبدالله، وحمدى السكوت. فهم يقفون بروايات المرحلة عند "ثرثرة فوق النيل" معتبرين "ميرامار" بداية مرحلة جديدة. وربما كان أسبقهم زمنياً فى هذه الرؤية دراسة صبرى حافظ عن "ميرامار" التى عدّ فيها الرواية انعطافاً بارزاً فى المرحلة نفسها على نحو يرشحها لأن تكون بداية مرحلة روائية جديدة. أما مقومات هذه الريادة المرحلية التى تُرشح لها الرواية فى نظر الناقد فهى تتعلق: أولاً بالشخصيات، فقد مضى أسلوب رواية البطل الواحد الذى سيطر على رواياته السابقة، وقد بدأت مراسيم دفنه فى "ثرثرة فوق النيل"، ليولد أسلوب روائى جديد يتوائم مع المعالجة الروائية الجديدة التى اتجهت إلى قضية الوجود الاجتماعى بعد أن كانت منصبة من قبلُ على مأساة الوجود الفردى. وتتعلق ثانياً بعنوان الرواية الذى ارتد فيه نجيب محفوظ إلى المرحلة الاجتماعية وعناوينها الدالة على أسماء أماكن بعينها، مما يعمق التوجه الجديد للكاتب الذى ينحو فيه منحىً اجتماعياً جديداً. وتتعلق ثالثاً بأسلوب القص الذى اختاره الكاتب وهو أسلوب الرباعيات فى رواية الأحداث دون أسلوب القص المباشر، والذى لا يحكى الحدث فقط، بل يؤكد انفصال الشخصيات الأربعة عن بعضها ودوران كل منها فى فلكها الخاص، فهى تتماس دون أن تتداخل؛ هذا الأسلوب يراه الناقد جديداً على نجيب محفوظ (سبقه إليه فوكنر وجويس فى الغرب، وفتحى غانم فى الأدب العربى) مما يؤهله لأن يكون بداية مرحلة جديدة([17]).      أما دراسة محمد حسن عبدالله فترى "ميرامار" بداية مرحلة رابعة عند نجيب محفوظ تخلُف مرحلة الرومانس التاريخى، والعرض الواقعى،  ثم مرحلة "المزج بين الواقعى والرمزى" والتى تتجلى أكثر ما تتجلى فى روايات: "اللص والكلاب" و"الشحاذ" و"ثرثرة فوق النيل". ثم تأتى  المرحلة الرابعة ـ ممثلة فى "ميرامار" ـ  بعد هذه التجارب التى جمعت بين المرحلى والطبقى إلى جانب الإنسانى والمصيرى فى رؤية واحدة. ولا يوضح الناقد طبيعة هذه المرحلة الجديدة بأكثر من هذا، فالرواية فى نظره لا تتعدى "أساس" مرحلة جديدة، تحمل معها ملامح من الروايات السابقة عليه([18]). وربما كانت دراسة صبرى حافظ أكثر توضيحاً لطبيعة المرحلة المقترحة فنياً، ولكن توقيت هاتين الدراستين لا يجعلهما يخوضان فى تفاصيل المرحلة وأعمالها الروائية على نحو كافٍ؛ فقد صدرت الدراسة الأولى عام 1967،حيث كانت الرواية صادرة لتوها، والثانية عام 1969، حيث نُشر للكاتب عقبها بعض المجموعات القصصية. فلم تكن هناك إذن أعمال روائية كافية يمكن للناقد أن يتبين من خلالها تفاصيل المرحلة الجديدة التى رأى "ميرامار" مبشرة بها. إلا أن دراسة حمدى السكوت التى كُتبت ـ كما يذكر هو فى هامشها ـ سنة1972 والتى اشترك فيها مع الناقدين: صبرى حافظ ومحمد حسن عبدالله فى النظر إلى ميرامار على أنها بداية مرحلة جديدة؛ لم تذكر أيضاً ملامح هذه المرحلة على الرغم من أن نجيب محفوظ كان قد نشر له حتى هذا التاريخ أربع مجموعات قصصية وكتاب "المرايا".  فهل كانت هذه الأعمال غير كافية لتحديد طبيعة المرحلة المقترحة؟ ربما يكون ذلك، ولعل هذا هو السبب فى أن الناقد لم يزد فى وصف هذه المرحلة على تسميتها "المرحلة الاجتماعية الجديدة"، حيث فاز فيها المجتمع مرة أخرى بنصيب الأسد (متفقاً فى هذا مع حافظ وعبدالله) قائلاً إن إنتاج هذه المرحلة الأخيرة كلها قصص قصيرة وعدد من المسرحيات يقول عنها الكاتب إنها تصوير فوتوغرافى للواقع على الرغم من إيغالها فى الرمز([19]) .................  ([1]عند محمود أمين العالم: تأملات في عالم نجيب محفوظ  ([2]حمدى السكوت: The Egyptian Novel and its main trends، وإبراهيم فتحى: العالم الروائى  ([3]نبيل راغب: قضية الشكل الفنى  ([4]) يوسف نوفل: الفن القصصى، ويوسف الشارونى: الروائيون الثلاثة. وهو العنوان الذى أطلقه نجيب محفوظ نفسه على روايات المرحلة. انظر يوسف نوفل: السابق  ص105  ([5]) محمد زغلول سلام: دراسات فى القصة العربية  ([6]طه وادى: صورة المرأة، أمير الرواية  ([7])  فاطمة موسى: فى الروية العربية المعاصرة ص40، ورشيد العنانى: عالم نجيب محفوظ من خلال رواياته. كتاب الهلال. العدد 455، نوفمبر 1988 ص49  ([8]فاطمة الزهراء محمد سعيد: الرمزية فى أدب نجيب محفوظ. مصدر سابق ص125   ([9])رجاء النقاش: فى حب نجيب محفوظ. الطبعة الأولى. دار الشروق. القاهرة 1995   ص100، وانظر فى بيان السمات الفنية لهذه المرحلة: صبرى حافظ: الاتجاه الروائى الجديد عند نجيب محفوظ. مصدر سابق ص22 حيث يذكر خمس سمات فنية تختلف بهم هذه المرحلة عما سبقها، وهى: البطل الواحد، المونولوج الداخلى، الزمن الروائى، استخدام الضمائر الثلاثة، تقلص الأسلوب السردى.  ([10]) فاطمة الزهراء محمد سعيد: الرمزية ص 131  ([11]) فاطمة موسى: نجيب محفوظ وتطور الرواية العربية. الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة 2001 ص108  ([12]لطيفة الزيات: نجيب محفوظ ـ الصورة والمثال. مقالات نقدية. كتاب الأهالى ـ رقم 22 سبتمبر 1989 ص44  ([13]محمد زغلول سلام: مصدر سابق ص331، 339  ([14])  محمود أمين العالم :تأملات فى عالم نجيب محفوظ: مصدر سابق ص 85  ([15]السابق ص129  ([16]السابق الصفحة نفسها  ([17]) انظر دراسة صبرى حافظ: ميرامار تراجيديا السقوط والضياع. مجلة المجلة عدد 126، يونيو 1967وأعيد نشرها فى كتاب "الرجل والقمة" مصدر سابق ص329.  ([18]محمد حسن عبدالله: ميرامار بداية المرحلة الرابعة. مجلة البيان الكويتية عدد 39 يونيو 1969  ([19]حمدي السكوت : دراسات فى الأدب والنقد: مصدر سابق ص 85 [post_title] => مراحل الإبداع الروائي عند نجيب محفوظ.. قراءة أخرى(3 من9) [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d9%85%d8%b1%d8%a7%d8%ad%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d8%a7%d8%a6%d9%8a-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d9%86%d8%ac%d9%8a%d8%a8-%d9%85%d8%ad%d9%81%d9%88%d8%b8-%d9%82-3 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-16 10:39:57 [post_modified_gmt] => 2019-07-16 10:39:57 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31159 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [18] => WP_Post Object ( [ID] => 31156 [post_author] => 729 [post_date] => 2019-07-16 09:59:50 [post_date_gmt] => 2019-07-16 09:59:50 [post_content] => د. مصطفي الضبع الشاعر في نظرته للأشياء والكون شاعران: شاعر يكتب عن وشاعر يكتب بـ، الأول يكتب عن الأشياء طارحا وصفا تفصيليا يقارب كونها مرئية من مرئيات الواقع، والثاني يجعل من الأشياء مادته التي يجعل اللغة ناطقة بها، فهي لديه تقنية يعتمدها في التعبير وليست موضوعا تسجيليا يقارب صفاته موثقا أحداثه . يعيش النيل داخلنا لا بوصفه مشهدا يوميا أو صورة تقع عليها عيناك بشكل دوري ، وإنما بوصفه "الوجه الحضاري لمصر سواء كانت لديك القدرة على رؤيته عبر التاريخ أو عبر الحضارة الإنسانية ، ذلك الوجه الذى شغل البشر وألهم الشعراء والفنانين واشتاق إليه الرحالة وعلم الفلاح المصري تفاصيل الحياة ومقوماتها فلم يدخل النيل بيوت المصريين مياها تقوم عليها حياتهم ولكنه دخل كل تفاصيل هذه الحياة التي قامت عليه وانتقل من اللحظة التاريخية إلى عمق العقل المصري عبر التاريخ ، وتسرب إلى الفكر الإنساني متبلورا في مؤلفات الجغرافيين والمؤرخين والسياسيين وعلماء الاجتماع والفلك في تضفيرة شاهدة على دوره في حياة البشرية " ( [1] ) . إنه النيل ملهم الشاعر وصفقة السياسي ذلك الذي تمتد رحلته  عبر الفكر الإنساني نموذجا لعلاقة الإنسان بمكانه ، وتشكيلا لخارطة تكشف عن أن النيل في تدفقه المائي يلازمه تدفق شعري يمتد على خارطة الشعر العربي عبر عصوره ومذاهبه ، وهي خارطة تتسع لا لتقف عند القصيدة الفصيحة فحسب ، وإنما تضم ثلاثة أنواع من فنون القول الشعرية :
  • القصيدة الفصحى (وهي مادة الدراسة وتضم أحد عشر ديوانا يتصدر النيل عنوانها، و قرابة أربعمائة قصيدة ما بين قصائد يتصدر النيل عنوانها ويمثل موضوعها أو يمثل موضوعها دون تصدر العنوان الذي قد يشير إلى النيل بصفة من صفاته كالنهر مثلا).
  • القصيدة العامية: وتقتصر على العامية المصرية أولا والسودانية ثانيا لا تتجاوز هذه المساحة الجغرافية إلا نادرا، وتتسم القصيدة العامية وفق هذه المساحة بسمتين أساسيتين: كونها كاشفة عن خصوصية جغرافية – كونها تقف جنبا إلى جنب مع قصيدة الفصحى لتشكل جانبا له أهميته في تشكيل ديوان النيل في مصر.
  • الأغنية : وتمثل الوجه الإعلامي لقصيدة النيل ، وتعتمد على ثلاثة مصادر : قصائد  الفصحى ( كما في قصائد شوقي ومحمود حسن إسماعيل وعلى محمود طه وأحمد فتحي وغيرهم ) – قصائد العامية المغناة ( كما في قصائد لفؤاد حداد والأبنودي وصلاح جاهين ومسعود شومان وسعيد شحاتة – أغنيات  كتبت للغناء مباشرة ومنها : عطشان يا أسمراني محبة ([2] ) من غناء نجاة النيل لمحمد منير ( [3] ) إضافة إلى الأغاني الشعبية ذات المرجعية الفولكلورية المتداولة بين ربوع مصر شفويا دون أن تنسب لمؤلف معروف  ( [4] ) وتعد نموذجا لعلاقة غير مدونة في بعض جوانبها .
وتتضافر الأنواع لتشكيل صورة متعددة الزوايا للعلاقة بين الشعر والنيل ، تلك العلاقة الكاشفة عن علاقة أعمق بين الإنسان والنيل " في مقاربته للنيل يقدم الشعر وظيفتين أساسيتين : أولاهما وظيفة تسجيلية تقوم على أساس تسلسلي عبر العصور المختلفة التي قارب الشعراء فيها النيل رابطينه بأحداث عصورهم المختلفة وهو ما يتجلى من خلال عصور الشعر المختلفة من الجاهلي وإلى الحديث مرورا بالعصور الإسلامية المعروفة في تاريخ الثقافة العربية ، وثانيتهما تقوم على أساس من التفسير والرصد لمساحات حضور النيل في نفوس البشر وهى وظيفة تتضام مع وظائف يقوم بها الفن عامة وتتعاضد فيها الفنون المختلفة من أغنية ورواية وشعر ومسرح وسينما ودراما تليفزيونية ودراما إذاعية في تشكيل الصورة" ([5] ) . تضم الخارطة عددا كبيرا من شعراء العربية يمكنك تصينفهم جغرافيا لمكاشفة العلاقة بين النيل والشاعر العربي ليس على مستوى مصر والسودان بوصفهما مكانا يضم النيل وإنما على مستوى جغرافية الوطن العربي من المحيط إلى الخليج ، كما يمكنك تصنيف الشعراء وفق معطيات المذاهب الشعرية الكبرى مكاشفا ثلاث مراحل زمنية :
  • الكلاسيكية : ويمثلها عدد من الشعراء المصريين والعرب ، منهم : أحمد شوقي ( 1870-1932)– حافظ إبراهيم (1872- 1932) – أحمد محرم (1877- 1945) - زكي مبارك (1892- 1952) - محمد فضل إسماعيل (1898- 1969) – توحيدة مصطفي شهدي (ت 1962) - محمد عبد الغني حسن (1907- 1985) – إبراهيم حلمي (1921 - 2002) – عبد الله الطيب (1921- 2003) - حسن عبد الله القرشي (1925- 2004 )
  • الرومانسية : وتضم مجموعة من الشعراء منهم : الأخطل الصغير (1885- 1968)-عبد الرحمن شكري (1886- 1958) - أحمد زكي أبو شادي (1892-1955)- على محمود طه (1901-1949)- محمود حسن إسماعيل (1910- 1977)- صالح جودت (1912-1976) – أحمد مخيمر(1941-1978)– عبده بدوي (1927- 2005) –
  • الواقعية : وتضم عددا من الشعراء من بينهم : حسن فتح الباب (1922- ) كمال نشأت (1923- 2010) – عبد المنعم عواد يوسف (1933- 2010)- فاروق شوشة (1936- )- عبد العزيز المقالح (1937- ) - سميح القاسم (1939- ) -  أمل دنقل (1940-1983) - محمود درويش (1942- 2008) - حسن طلب (1944- ) – فاروق جويدة (1945- )– درويش الأسيوطي (1946- )- محمد سليمان (1946- ) – أمجد سعيد (1947- )- محمد بنيس (1948- ) أحمد الشهاوى (1960- ) محمد أبو المجد (1964-  ) .
وتكشف مقاربة هذه المساحات الشعرية عن عدد من الملامح الممثلة لسمات حضور النيل في القصيدة العربية : أولا :  تتسم المرحلة الأولى بالاهتمام بالوصف من حيث النيل مسرحا للأحداث ، التاريخية ،  كما في قصائد شوقي وربطه بين النيل والأحداث الكبرى (قصيدة : كبار الحوادث في وادي النيل ، وقصيدة النيل ) ، وهو منهج تأثر به بعض شعراء العربية من بعده (محمد فضل إسماعيل في قصيدته " يانيل " ( [6] ) . ثانيا : تقوم العلاقة في المرحلة الثانية ( الرومانسية ) على التشخيص دون التخلي عن الوصف بشكل جزئي حيث تشترك معظم القصائد  في تصوير النيل بوصفه شخصية لها حضورها في قصيدة ذات طابع حواري وإن بدا الحوار من طرف واحد متعدد المستويات (الالتماس- الخطاب – المناجاة ) . ثالثا : تتسم الصورة في المرحلة الثالثة ( الواقعية ) بالترميز وتعدد جوانب توظيف النيل دلاليا بوصفه علامة لغوية وشعرية قادرة على تفجير طاقات العلامة الشعرية على اتساعها . رابعا : يجمع بين المرحلتين الأولى والثانية  اتساع مساحة الشعراء العرب ( من غير المصريين والسودانيين ) وهو ما يرتبط بفترة القومية العربية والمد الناصري حتى بعد وفاة عبد الناصر (1970). خامسا : في سياق تصوير الشعراء للنيل ارتبط بقيم تبدو لصيقة الصلة به يكاد النيل عند عدد من الشعراء لا يتجاوز هذه القيم ولا يستحضره الشعراء في القصيدة أو يصورونه بمعزل عنها ، ومنها : عراقة التاريخ : وهو ما تكشفه قصائد شوقي ومن جاء من بعده من شعراء ، و الكرم والعطاء : من الارتباط بين النيل والإنسان جاءت هذه السمة " إن هذا الاندماج الشديد الوضوح بين النهر والبشر هو الذي أتاح لهردوت أن يطلق عبارته الشهيرة التي أخذت في وجدان المصريين مكان المسلمات : " مصر هبة النيل " ( [7] ).  نيل حسن طلب نموذجا للشاعر المصري المعروف حسن طلب رؤيته الخاصة للنيل ، وحضوره المتميز الذى يعد تشكيلا مغايرا يتجاوز فيه الشاعر كل من سبقه في مقاربة النيل بصورة أقرب للوثائقية منها إلى اعتماد النيل شخصية يصور بها الشاعر لا يصورها بحيث تبقى مادة أساسية في التشكيل . للنيل عند حسن طلب حضوره المتميز على مستويين :
  • مستوى تجربة الشعر المصري الحديث .
  • على مستوى تجربة الشاعر عبر تفاصيلها ، ومخرجاتها ، لك أن تعود إلى دواوين الشاعر الخمسة قبل ديوانه " لا نيل إلا النيل " لتكتشف أن الديوان السادس – وفور مطالعة عنوانه – يمثل اتجاها جديدا ومغايرا لما سبق من أعمال الشاعر ( [8] ) ففي الدواوين السابقة كان واقع الشاعر ومجال رؤيته الحيوية مدار التجربة ، ويمكن تسميته بواقع القصيدة ونعنى به هنا ذلك المجال الذى تدور التجربة في فلكه أو ذلك العالم الذى يتشكل خطابه وفق تفاصيله التي قد لا تكشف عن ملامح لواقع يقارب ما هو خارج من القصيدة خلافا لما يطرحه ديوان " لا نيل إلا النيل " حيث تأتى العلامة الواقعية (النيل ) تلك المتجذرة في ثقافة المتلقي والتي تمثل جانبا أو نطاقا واسعا لثقافته ، تأتى هذه العلامة لتمثل نوعا من نزول الشاعر أو خروجه من واقعه إلى واقع المتلقي ويمكنك عقد مقارنة سريعة بين البنفسج أو الجيم بوصفهما علامتين شعريتين  تتعدد فيهما مرجعية العلامة وتأويلاتها في مقابل النيل بوصفه علامة لها مرجعيتها التي يلتقى عندها الشاعر ومتلقيه وإن بدا تباعد الصورة النصية عن الصورة الواقعية ، والمتلقي قد تشطح به الصورة النصية بعيدا ولكن يظل النيل الذى يعرفه هناك في خلفية الوعى وفي أدق تفاصيل عملية التلقي للصورة الشعرية ، فالشاعر لا يخلق صورة موازية للنيل وإنما يلعب على النيل الذى تعرفه أنت وأعرفه أنا ، لك أن تراه يؤول ما نعرفه أو يفلسفه ، ولك أن تراه يرسم صورة أعمق مما نراه ، أو يقيم حوارا من نوع خاص عبر خطاب متفرد لمكاشفة وجه من وجوه الواقع.
لقد كان لحضور النيل تشكيل الحد الفاصل بين نوعين من الخطاب : نوع سابق يضم تجربة الشاعر في الدواوين السابقة التي اعتمد فيها الشاعر على واقع ميتافيزيقي خاص يقف فيه أمام البنفسج الذى نعتقد أننا نعرفه فيكشف مالا نعرفه ، ولكن الوقوف عند النيل هو وقوف على واقع فيزيقي ، وقوف على ما نعرفه ليكشف ما يجب أن نعرفه ، وكأن الشاعر يقول من عرف النيل ووقف عليه يصعب أن يعود لواقع لا يمثل النيل عماده الأساسي  ، فقد كان لتجربة الوقوف أثرها الواضح في تشكيل ملامح جديدة لتجربة الشاعر فيما تلاها من أعمال يكفي التدليل عليها بالإشارة إلى قصيدته الفريدة والجريئة المعروفة باسم " مبروك مبارك " التي كانت خطابا شعريا شديد اللهجة لرأس النظام وقتها (2005) قبيل انتخابات الرئاسة المزعومة آنذاك وكانت بمثابة إعلان العصيان الشعرى على النظام . تجربة النيل أو حضور النيل عند حسن طلب يعتمد على جناحين ، أحدهما ديوانه  " لا نيل إلا النيل " ، وثانيهما قصيدته  " أسماء النيل المنزلة  "( [9])، حيث يفرض النيل حضوره منذ العنوان مشكلا علامة شعرية أولى تشير بقوة إلى حضور طاغ له تأثيره في تشكيل الموضوع والصورة الشعرية و الدلالة النصية ، إنه العلامة الأوضح والأقوى والأكثر قدرة على النهوض بإنتاج جماليات العالم الشعرى . الديوان قصيدة واحدة ( [10] ) وإن تعددت عناوينها الداخلية التي جاءت بمثابة تموجات المد والجذر، لك أن تراها معلقة من نوع خاص أو جدارية تعد تطورا طبيعيا عن المعلقة ([11]) ، يكون للجدارية سماتها وإن قاربت أو شاركت أو استمدت من المعلقة بعض هذه السمات وفي مقدمتها :  الطول - تعدد الموضوعات - التنوع والتضاد – التكرار- تعدد الأصوات- حضور الذات الشاعرة – الخلفية المعرفية – التجليات المكانية – ترددات العلامة الشعرية – الاشتباك مع اللحظة التاريخية ، وغيرها مما يمثل مكاشفة للعلاقة بين الشكليين الشعريين .  لك أن ترى الديوان قصيدة مدح للنيل ، مطولة يمر الشاعر فيها بمراحل من الحركة والنشاط الإنساني ومجابهة قوى الطبيعة سبقه إليها الشاعر العربي القديم ولكن الشاعر الحديث يقارب ممدوحه في سياق حيوي لا تتوقف رؤيته على رؤية ممدوحه فقط وإنما يوسع من زاوية الرؤية ، ويعمقها ليرى الممدوح في إطار صورة أكبر تكون مكاشفتها دليلا على أن كاميرا الشاعر لا تضخم الممدوح ليملأ الكادر وليراه المتلقي خارج دائرة المقارنة الكاشفة ، وإنما يضعه في سياق يجعلك تراه في إطار أفق مفتوح وإن بدا محددا ، المقارنة فيه لصالح هذه الذات التي يجعلها الخطاب الشعرى نموذجا لممدوح من نوع جديد لا يستأثر بالصورة وحده ولكن هو العنصر الأهم فيها ، وهو ما يتجلى عبر الأصوات المتعددة التي سمح الشاعر الحديث لها أن تطرح كينوناتها وقضاياها . يستهل الشاعر الديوان باستضاءتين مطروحتين بضمير المتكلم : تفرض الأولى موقفا تصرح به منذ الوهلة الأولى :
  • واقفا – كنت – على عقرب ساعة
أستعير الوقت من مقبل عمرى ( [12] ). فيما تطرح الثانية حالة تعبر عن موقف آخر:
  • كنت مشدودا إلى حافر عنزة
أرقب البرق من الشرق أهز النيل هزة يتهاوى البرق نارا في العيون المشمئزة ويميل الليل عنى مبحرا كنت من النيل إلى ساحل غزة ( [13]) في الأولى يؤكد الشاعر على موقفه (بتقديم خبر "كان" عنها واسمها ) ذلك التقديم الذى يعد أسلوبا تكرر ست  مرات في الاستضاءتين تحدد جماع موقف الشاعر  (واقفا – مستضيئا – غاضبا – رافضا – مبحرا – حالما  ) طارحا في الحركة الرابعة ما يشبه بيت القصيد المعرب عن خلاصة موقفه : "رافضا كنت لأنصاف الحلول المستطاعة "، وكاشفا – عبر الفعل الناقص " كان " – عن تأصل الصفات السابقة المطروحة في خبرها (  [14] ) ومختزلا في الأسماء الستة التي تجمع بينها صيغة اسم الفاعل سردية مصغرة يعبر عنها الترتيب الدال لهذه الأسماء ففعل الوقوف يأتي في البداية بمثابة الكشف عن الموقع أو المكان الذى تنطلق منه الأحداث ، يتبعه فعل الاستضاءة اللازم للمكاشفة التي تفضى نتيجتها للغضب الذى يؤدى بدوره إلى الرفض مما يدفع الشاعر للإبحار في محاولة لإنجاز حلمه الخاص ، وهنا لك ان ترى الحالم / الفاعل هو الشاعر ولكن التقدم في مكاشفة العالم يجعلك تنحاز إلى أن الصوت هنا هو صوت النيل الذى يثبت لنفسه مكانة عبر الصوت ليؤهل المتلقي لمساحة الصورة التي ليس سوى النيل قادرا على تشكيلها وهو ما يمكنك مقاربته عبر السؤالين الدالين اللذين تنتهى بهما الاستضاءتين :
  • فترى :
هل ينفع النيل صدى ؟ هل يستمر الليل في طهو المجاعة ؟ ! ( [15] ).
  • فترى :
هل ينسخ الحرف بحرف    وترى : هل يمسخ النسر أوزة ؟! ([16]) طارحا عبر الأسئلة الأربعة عددا من الدلالات المختلفة لأسلوب الاستفهام في بلاغاته المتعددة ذات المستويات المتعددة أيضا فالأساليب الأربعة لها مستويان أولهما ينبني على الانفصال انفصال كل أسلوب عن سياقه لتتضام الأساليب الأربعة في سياق واحد عندها تفيد النفي ، ومستوى الاتصال حيث يبقى كل أسلوب مرتبطا بسياقه الخاص ليخرج الاستفهام إلى دلالات بلاغية جديدة تتناسب والسياق والذى يتناسب بدوره مع فعل الرؤية الذى يكرره الشاعر مطروحا على مخاطب افتراضي يدخله الشاعر دائرة الحوار موسعا من دائرته (الحوار ) في قيامه على سياقين : الديالوج ، والمونولوج .  هنا يتجاوز الشاعر الحديث ديكتاتورية الشاعر القديم ، مفسحا المجال للذات العليا ذات الآخر (الممدوح )، فالشاعر القديم في وقوفه على باب ممدوحه كان يبخسه حق الكلام ولا يمنحه الفرصة لأن يقول معبرا عما يرى وما يراه هو الشاعر وصوره التي تنسال عبر قصيدة يتحكم الشاعر فقط في مادتها وصورها ويجعل الممدوح يرى نفسه في مرآة الشاعر ولكن الشاعر الحديث يتخلى عن ديكتاتوريته ليمنح ممدوحه حق القول  فالذات التي ، وحيث تفرض عليه تقنية توظيف الأشياء أن يحول العالم إلى مادة تشاركه التجربة ، هنا تتجاوز صورة النيل كونها وثيقة على النيل إلى كونها وثيقة على رؤية النيل ، ينتجها النيل نفسه ، ويتوجه بها إلى جمهوره ، إنه صوت الممدوح المنفلت من المعلقة القديمة محققا وجوده في المعلقة الحديثة عبر عدد من التقنيات الخاصة : المعجم –- تشكيل القصيدة والأصوات الشعرية – الرؤية للعالم . معجم النيل يفرض النيل معجمه (تتردد مفردة النيل 181 مرة تجمع بين الصيغة المتداولة، صيغة المفردة المحلاة بأل 145 مرة، تلك الصيغة الدارجة للنيل، والمعروفة دلاليا لكل من يقارب الثقافة العربية ، أو يتداخل مع ثقافة النيل  بوصفها عنصرا أساسيا في الثقافة العربية عامة والمصرية خاصة ، وصيغة غير المحلى بأل 36 مرة) ، وهو معجم يفرض نفسه على القصيدة / الديوان ، وعلى مدار الصفحات (78 صفحة ) بمتوسط تكرار مرتين في الصفحة الواحدة . سيميائيا يمثل هذا المعجم مستوى قوليا يتصدر المستويات المتعددة للتحليل السيميائي ، وتعد التكرارات روابط بين العلاقات اللغوية في الديوان ، بحيث يتداخل النيل مع كل المعاني التي تطرحها القصيدة جملة وتفصيلا ، ويجعله ( النيل ) أيضا عنصرا له قدرته على ان يتسرب إلى كل الصور وكل الأشكال الشعرية التي يجعل الشاعر منها سبيكة معلقته ، فالشاعر يجمع بين ثلاثة أشكال شعرية : العمودي – التفعيلة – النثر في سبيكة لها القدرة على الكشف عن التنوع وطرح فكرة المقاومة مقاومة الشكل القديم ( العمودي ) أو الوسيط ( التفعيلة ) للفناء  أو مقاومة الحديث ( النثر ) للعجز عن التجاوب والدخول في علاقات جديدة مع الأشكال الشعرية القديمة ، إن الشاعر يخلق شخصية لها أبعادها التاريخية للنيل عبر هذه السبيكة المقاومة للشكل الفرد أو للعنصر الواحد وهو شكل جديد من أشكال رفض الشاعر لديكتاتورية الفرد ولو جماليا . الشاعر بهذه السبيكة الشعرية يمنح الأشكال الشعرية حق التجاور ليعلن أن النيل قادر على احتواء كل الأشكال الإنسانية وكل الرؤى، وأن السبيكة نتاج شعرى يكافئ في طوله  امتداد النيل ويجعل من تردد المفردة شبكة من العلاقات الجمالية بالأساس فرؤيتك النيل في أي بقعة على امتداد مساحته تضعك أمام النيل الذى تعرفه وتجعلك قادرا على استيعاب مستويات عدة – حسب قدرتك – لصورة النيل وشخصيته ، وكذا تلقيك مفردة النيل في القصيدة كل مرة تعيدك إلى تصور النيل ، يحدث هذا قبل أن تقارب المستوى الأعمق لدلالة المفردة في تجددها عبر السياقات المختلفة على مدار القصيدة ، فتكرار المفردات في تواترها وامتدادها يمثل نوعا من التدفق المماثل تدفق مياه النيل نفسها في تقدمها واستمرارها . .......................... هوامش وتعليقات  - تتسع مساحة حضور النيل في الشعر للدرجة التي يصعب الإحاطة بها في مقالة واحدة وقد سبق أن شاركت في مؤتمر ثقافة النيل (2009) بدراسة تأسيسية لمشروع دراسة النيل في الشعر العربي ، وتلتها  سلسلة من المقالات نشرت في مجلة الهلال بعنوان " النيل يجري شعرا" مسلسلة على مدار خمسة شهور (أبريل 2012- أغسطس 2012) باتفاق مع الأستاذ عادل عبد الصمد رئيس التحرير وقتها ، ولم يف رئيس التحرير الجديد ( المنتخب ) بما وعد باستكمال السلسلة ، ومن هنا تقف هذه الدراسة عند نقطتين أساسيتين : - استجلاء الخطوط العامة لخارطة النيل الشعرية . - الوقوف عند نموذج شعري واحد كاشف لا تعني مقاربته تحديد السمات العامة وإنما تعني خصوصيته بوصفه نموذجا مفارقا استوعب النماذج السابقة منتجا خصوصيته. [1] - مصطفي الضبع : النيل يجري شعرا – مجلة الهلال – القاهرة – أبريل 2012. [2] - الأغنية من كلمات مرسي جميل عزيز ، ومن ألحان محمود الشريف . [3] - الأغنية من كلمات كوثر مصطفي ، وغناها محمد منير في فيلم : البحث عن توت عنخ آمون من إخراج يوسف فرنسيس ، والأغنية  تجمع بين الطابعين : الرومانسي والواقعي في رؤية النيل ، وتمثل الأغنية وجها مغايرا في نوعه ولكنه يتوافق مع واحدة من أبعاد الصورة المتداولة في قصيدة الفصحى ، تلك القائمة على أنسنة النيل والتعامل معه بوصفه شخصية لها أبعادها الإنسانية ، تقول كلماتها : ولا بيوصل ولا بيتوه ولا بيرجع ولا بيغيب النيل سؤال ومازال ماجاش عليه الرد من قد إيه والخير مقلش عمره لحد سهران يوشوش ناى والحلم رايح جاى  قباله ع الشطين بيحب صوت الناس  وغنا البنات بالليل  بيكره الحراس لما بتدوس بالخيل ولابيوصل تفوت أيام تموت أحلام تعدى شهور تدور الأرض والدنيا وهوه بيدور ولسه  بيجرى ويعافر ولسة عيونه بتسافر ولسة قلبه لا يتعب من المشاوير" [4] - منها أغنية : خليك على عومي ياموج البحر   خليك على عومي يانهر النيل راجع : بهيجة صدقي رشيد (جمع وتدوين وترجمة للإنجليزية ): 80 أغنية شعبية من وادي النيل (مصر) – مكتبة الأنجلو المصرية – القاهرة د.ت – ص 62 .  ولايخفي أن المصريين  وخاصة في صعيد مصر يطلقون كلمة البحر قاصدين النيل ، ومن المألوف أن تجد تعبير "بحر النيل "متداولا بين أبناء مصر في هذه المنطقة . راجع : بهيجة صدقي رشيد (جمع وتدوين وترجمة للإنجليزية ): 80 أغنية شعبية من وادي النيل (مصر) – مكتبة الأنجلو المصرية – القاهرة د.ت – ص 62 .  [5] - مصطفي الضبع : النيل يجري شعرا – مجلة الهلال – أبريل 2012. [6] - ديوان محمد فضل إسماعيل – المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية – القاهرة 1972، ص 297، ومطلعها :                                      يانيل أين الساحرات     وأين عهد الفاتنات .                                     أين العرائس قد زففــــــــن إلى مياهك حاليات                                      حدثني حدث عن زما    نك في الليالي الخاليات                                     عاصرت (مينا )في صباه    فأين تلك الذكريات [7] - د. محمد حسن عبد الله : ثقافة النيل – مؤتمر إقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد الثقافي التاسع – حلوان 24-26 مايو 2009. [8] -  وشم على نهدى فتاة دار أسامة - القاهرة 1972. -  سيرة البنفسج – دار كاف نون – القاهرة 1986.  -  أزل النار في أبد النور- دار النديم -القاهرة 1988. -  زمان الزبرجد – دار الغد – القاهرة 1989. -  آية جيم – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 1992. -  لا نيل إلا النيل - دار شرقيات للنشر والتوزيع -القاهرة 1993. -  مواقف أبى على وديوان رسائله وبعض أغانيه - المجلس الأعلى للثقافة - القاهرة 2002. -  حجر الفلاسفة – مركز المحروسة للنشر والخدمات الصحفية والمعلومات - القاهرة 2006. -  إنجيل الثورة وقرآنها ، ثلاثية شعرية – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 2011. [9] -  حسن طلب : نزهة في ظلام الضوء ، مختارات من شعر حسن طلب - دار الكتب والوثائق القومية - القاهرة 2008. [10] - يكاد هذا الشكل ، شكل القصيدة الديوان أو الديوان القصيدة يمثل الشكل الأثير في تجربة الشاعر تجده في ديوانه الثاني " سيرة البنفسج " وتكرر في " آية جيم " وتجده في معظم الدواوين آخذا شكلا غير مباشر كما تطرحه تجربة الشاعر في ديوانه " مواقف أبى على " أو في " إنجيل الثورة وقرآنها " حيث الموضوع الواحد يشكل مدار التجربة ويفرض قوانينه البنائية على الديوان ، ويعمل على تشكيل أفق التلقي موجها متلقيه  إلى مسارات متنوعة في تلقى تجربة مكتملة الأركان متفردة التشكيل الجمالي في كل تفاصيلها . [11] - راجع دراستنا: القصيدة الجدارية (قيد النشر) وفيها تفاصيل العلاقة بين المعلقة والجدارية ، وأهم السمات المشتركة ومساحات التطور في الجدارية ، وأهم تجلياتها في الشعر العربي الحديث . [12] - لا نيل إلا النيل ص 7. [13] - لا نيل إلا النيل ص 9. [14] - يفيد الفعل الماضى التام معنى تمام الحدث أو الانتهاء فيما يفيد نظيره الناقص (كان )عن التأصل والاستمرار ، تأصل الصفة المطروحة عبر خبر كان واستمرارها ، وهو الاستخدام المتكرر في القرآن الكريم كما في قوله تعالى :  وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا " النساء 99. [15] - لا نيل إلا النيل ص 7. [16] - لا نيل إلا النيل ص 9. [post_title] => النيل في الشعر العربي الحديث (2) [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%a7%d9%84%d9%86%d9%8a%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-2 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-16 10:03:10 [post_modified_gmt] => 2019-07-16 10:03:10 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31156 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [19] => WP_Post Object ( [ID] => 31154 [post_author] => 667 [post_date] => 2019-07-15 06:26:53 [post_date_gmt] => 2019-07-15 06:26:53 [post_content] => أديب كمال الدين

* حرف على قيد الحياة

منذُ أن افترقنا اندلعتْ أكثرُ من حربٍ واجتاحتنا أكثرُ من زلزلةٍ وكارثة. ومطرت السّماءُ علينا أكثرَ مِن مَرّة: مطراً أسْوَد، مطراً أحْمَر، مطراً مليئاً بالشظايا. منذُ أن افترقنا أكلنا أكثرَ من نوعٍ من الأرغفة: الرّغيف الملآن بالرّعب، الرّغيف الملآن بالرملِ والحصى، الرّغيف الملآن بالجوع. ونُفينا أكثرَ من مَرّة: إلى أرضِ الواق واق، إلى أرضِ المجانين والحشّاشين والسُّكارى، إلى أرضِ البِيضِ والسُّودِ والحُمْرِ والصُّفْر. لا يهمّ. المهمّ أنّني لم أزلْ أتصوّركِ على قيدِ الحياة معَ أنّني متأكّد أنّكِ قد فارقت الحياة في حربٍ من تلكِ الحروب أو في مطرٍ من تلكِ الأمطار أو في رغيفٍ من تلكِ الأرغفة أو في منفى من تلكِ المنافي السّعيدة.  

* حرف الحلم

في حلمي العجيب، رأيتُ نقطتي سمكةً وحرفي قمراً. لم أصدّقْ بالطبع فلستُ محظوظاً بما يكفي لحلمٍ سعيدٍ كهذا. ثُمَّ رأيتُ نقطتي مَلِكةً وحرفي مَلِكاً على العرش. فلم أصدّقْ أيضاً إذ لم أكنْ أسطوريّاً بما يكفي لحلمِ الملوكِ والذّهب. لكنّي البارحة رأيتُ نقطتي رصاصةً وحرفي قنّاصاً. فاستيقظتُ مرعوباً من النّوم لأجدَ جسدي وقد غطّاهُ الدّم من السُّرةِ حتّى العنق.  

* حرف حياتي

كلّما تساقطتْ قطراتُ حياتي مثل قطرات الماءِ ما بين أصابعي شغلتُ نَفْسي بكتابةِ قصيدةٍ جديدة. * هكذا صارتْ قصيدتي قطرةً للنسيان وقطرةً للهذيان. معَ أنَّ الهذيان هو نسيان مُركّز أو نسيان عُلّبَ ونُزِعتْ منهُ نواتُهُ وقشرتُه. * يا لها من حياة تتساقطُ مثل قطرات المطرِ المُنهمرة من غيمةٍ حامضيّة لا يعرفُها إلّا أولئكَ الذين ضيّعوا شبابَهم الغضّ في ملاجئ الحروبِ العبثيّة. * يا لها من حياة تشبهُ قصيدةً دونَ عنوان ودونَ كلمات على الإطلاق لكنّ لها نهاية مُدوّية يصفّقُ لها بحماسٍ جمهورٌ جُمِعَ على عجلٍ وحُشِرَ على عجلٍ في قاعةٍ ضيّقة. * حياتي الآن عاصفةٌ حروفيّة حرفُها الضحكُ الأسْوَد ونقطتُها البكاءُ الأبْيَض. * حياتي تضيعُ كلّ يوم بل كلّ ساعة وأنا مُنشَغِلٌ عنها بكتابةِ قصيدةٍ جديدة!  

* حرف ثقب الأبرة

في ثقبِ الأبرة وُلِدتُ، وعشتُ، وتغرّبت، وكتبتُ قصائدَ لا تُحصى عن الحُبِّ والحرمان وعن الموتِ والهذيان. هكذا خلقتُ حروفي حرفاً حرفاً فأعطيتُ لكلِّ حرفٍ كوناً ولكلِّ نقطةٍ نجمة. في ثقبِ الأبرة وُلِدتُ، وبكيتُ، وصلّيت، وعشقتُ، وتَطَلْسَمْتُ، وتهت. في ثقبِ الأبرةِ عشتُ حتّى....... مُتّ.  

* حرف الطّين

اخترتُ حرفاً أحمر. وبسرعةِ البرقِ تخلّيتُ عنه. قيلَ لي: لو أبقيتَ عليه لطيّرتكَ العاصفة. ثُمَّ اخترتُ حرفاً أزرق وتخلّيتُ عنهُ لكنْ ببطء. قيلَ لي: لو أبقيتَ عليه لاحترقتَ حدّ الجنون. ثُمَّ اخترتُ حرفاً أسْوَد وتخلّيتُ عنهُ أيضاً شيئاً فشيئاً. قيلَ لي: لو لم تتخلّ عنه لتحوّلتَ إلى نقطةٍ تقفزُ من موتٍ لموت. ولذا اخترتُ حرفاً لا أستطيعُ أن أذكرَ لونَه أو أسمّيه، حرفاً أخرجهُ من قلبي كلّ ليلةٍ سِرّاً وسطَ الظلام، وأضعهُ أمامي وأبكي بدموعٍ سُودٍ وزرقٍ وحُمر، وأحياناً بدموعٍ من طين.  

* حرف الحافّة

كُتِبَ عليكَ أن تمشي على الحافّة: حافّة النّهر أو الوادي أو البركان. ولنْ يُسْمحَ لكَ أبداً أن تمشي في الشّارع. (الشّارعٌ مُلْكٌ للمُهرّجين والطّبّالين والأدعياء!) إذنْ، تعلّمْ ألّا تغرق إذا انزلقتْ بكَ حافّةُ النّهر. أعرفُ أنّكَ لم تتعلمْ فنَّ العوم. تمسَّك، إذن، بشجرةٍ أو بعشبةٍ أو بقشّة. وتعلّمْ ألّا تسقط إذا انزلقتْ بكَ حافّةُ الوادي. أعرفُ أنّكَ لا تستطيع الطّيران. تمسَّكْ، إذن، بصرخةٍ أو بحرفٍ أو بدمعة. وتعلّمْ ألّا تحترق إذا انزلقتْ بكَ حافّةُ البركان. أعرفُ أنّكَ لا تستطيع أيّ شيء. تمسَّكْ، إذن، بصخرةٍ أو بجمرةٍ أو بأصابع عزرائيل.  

* حرف الطّفولة

بعدَ أن مشى ألف عام، فرحَ الحروفيُّ إذ وجدَ سرَّه مكتوباً على صخرة، سرّه الذي يقول: افرحْ يا مَن كنتَ وهماً فصرتَ طائراً افرحْ فعمرُكَ اليوم يوم واحد. * جاءَ شابٌ يافعٌ وقال: أريدُ أن أكتبَ الشِّعر فَعلّمْني عشرةَ حروف أكتب بها قصيدتي الكبرى. فقلتُ له: النّهر، العيد، الدّمعة، القُبْلَة، النّون، السّين السّكين، النّقطة، المنفى، الموت. * بعدَ أن ضاعَ سبعين دهراً وهو يعبرُ ليلَ نهار سبعةَ أبحر، اتصلوا بهِ مِن هناك قالوا: وجدنا طفولتَكَ الحافيةَ في السّوق أسرعْ واشترِ لها حذاء جديداً وإلّا ستبقى حافيةً حتّى الموت. * كانت الصّحفيّةُ الشّابةُ تسألُني عن أثَرِ المكانِ في شِعْري. فارتبكتُ لأنّني لا أعرفُ لنَفْسي مكاناً ولا أعرفُ لنَفْسي أثَراً ولا أعرفُ أنّي لا أعرف!  

* حرف السّنّارة

في براءةِ سنيني اصطادتْ سنّارةُ الدّهرِ قلبي ثُمَّ جئتِ أنتِ لتكملي مشهدَ الاصطياد. هكذا صرتُ مثل سمكة دخلتْ في فمِها المفتوح سنّارتان. * هل كنتُ محظوظاً بهذي الفجيعة، بكلِّ هذا الخسران؟ ربّما. فذاكرةُ الموتِ توجعُ نبضَ الحروف وتجعلُها تنزفُ ليلَ نهار. ربّما. فأنا لا أتوقّفُ عن إلقاءِ جُثّتي المُتعبة في كلّ وادٍ أراه.  

* حرف الشِّعر

شكراً أيّها الشِّعر فأنتَ الوحيدُ الذي ينقذُني حينَ أُصابُ بالاختناقِ العظيم فأسارعُ لأتناولكَ: أكتبكَ على شكلِ قصيدة أو مقطعٍ أو ومضةٍ خاطفة. شكراً أيّها الشِّعر، شكراً جزيلاً، رغمَ أنّ الطّبيب قد أوصاني أن أتناولكَ بحذرٍ شديد خوفاً من أعراضِكَ الجانبيّةِ المُرعبة!  

* حرف دَلْو السّعد

أردتُ لحرفي أن يكون مثل ريش الببغاء الأخضر الأحمر لكنَّ اللهَ أرادَ لحرفي أن يكون لي ولأيامي السُّود مثل دَلْو السّعدِ التي تدلّتْ في البئر لتنقذَ يوسف من محنته الكبرى. [post_title] => وكان له حرف [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d9%88%d9%83%d8%a7%d9%86-%d9%84%d9%87-%d8%ad%d8%b1%d9%81 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-15 06:26:53 [post_modified_gmt] => 2019-07-15 06:26:53 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31154 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [20] => WP_Post Object ( [ID] => 31147 [post_author] => 850 [post_date] => 2019-07-14 12:39:43 [post_date_gmt] => 2019-07-14 12:39:43 [post_content] =>
كريم عبد السلام
خالد السنديونى شاعر صاحب مسار خاص للغاية ضمن سياق قصيدة النثر المصرية الراهنة، ودواوينه «نمر يبتسم - 2008»، و«اللاعب -2012» و«العالم يغنى - 2014» وأخيرا «الفارس الضائع - 2018»، يمثل كل منها مناخا فريدا وعالما مستقلا ومدخلا خاصا إلى الشعر والتأمل والدهشة الأولى وبراءة اكتشاف الشعر. نعم، خالد السنديونى شاعر وجد طريقا يخصه إلى كوكب الشعر وهو يسير فيه وحده مصطحبا حفنة من الذكريات، ومحصوله من الكلمات والروائح، وقدرا كبيرا من الخيال يحمله على ظهره مع هاجس الموت وهو يظن أن لا أحد يلاحظ الحمل الكبير الذى ينوء به. 
 
 
[post_title] => خالد السنديونى.. اللاعب والفارس الضائع والنمر المبتسم [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%ae%d8%a7%d9%84%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%af%d9%8a%d9%88%d9%86%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7%d8%b9%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%b1%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b6%d8%a7%d8%a6%d8%b9 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-17 16:16:40 [post_modified_gmt] => 2019-07-17 16:16:40 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31147 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [21] => WP_Post Object ( [ID] => 31144 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-14 12:30:40 [post_date_gmt] => 2019-07-14 12:30:40 [post_content] => ديمة حسون نادرٌ أَن يسقطَ الحزن فهو من الضّباب يأتي لا من الرّماد ولا الرّيح، مِن مُخيلة فَرَسُها الماضي، نامت تحت سرير لسانٍ انطفأ! يَرفُلُ نحو الّليل أَو نحو الظّل،  يَكشف وُجوهاً قتلها العَبث وعيوناً طاردت الضّوء لِتتأرجح بين الفراغ والسّقوط وماتبقى من أنفاسٍ ترجّلت لتترك عادةَ الكلام! هكَذا هو، مدارٌ أَبعدُ من عمرٍ معلّق على دفاتر تنتظرُ الخريف، في كلّ صفحة منها ثمة تناسلٌ لشخوصٍ تهرول حيث يتكدس هلعٌ عكازهُ أعرج. لستُ أقول أنّ الفرح يحتضرُ والبشر تأكل حزنها، وأنّني مسحوقة بالرّعب استلقي لِأنسلَ خيوطاً برتقاليّة فيطمئن قلبي. بل أقول أَنّ قصيدتي باردة كَالمياه بلون الغرق* وأًنّ هناك من يبحثُ عن صفحة أولى تشهدُ كيفَ يتهيأ الكلّ ليصير الكلّ، أو ليتأرجح بين الجذع والغصن/ جسدهُ رقعةٌ / روحهُ غياب. هكذا أبدأ، أعاند نفسي لأنّني أعرف أنّ للحزن مِرآة وَرغبات انقلبتْ. وأنّ لأيامهِ رائحةً تخرج إلى الهواء تسيرُ مع الغيوم .. تلبسُ الرّماد، وَبينها وبين البياضِ ميثاق مَخبوء في حِجْرِ الّليل. في الفراش؛ تحسب النّجوم / لتنكسر بهدوء / وتهيم فيما تنطوي تتأمل فيما تبحث، وحين تهدأُ، تصرخ منتشياً الأرض حزنٌ والشّيء بالشّيء باطل! أستسلم كما المعنى أعرفه لا لأَتغيّر بل لأَغرق. .................... *شاعرة سورية صدر لها ديوان الدم الهارب من البرتقال، عن دار هن elles   للنشر والتوزيع، القاهرة. [post_title] => لغة الغرق [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d9%84%d8%ba%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b1%d9%82 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-14 12:30:40 [post_modified_gmt] => 2019-07-14 12:30:40 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31144 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [22] => WP_Post Object ( [ID] => 31133 [post_author] => 841 [post_date] => 2019-07-14 08:48:00 [post_date_gmt] => 2019-07-14 08:48:00 [post_content] => آمال نوّار في زيارة خاطفة للعاصمة الكاتالونية، برشلونة؛ مقصد السياح الثامن عالميًا، لم أحظَ إبان إقامتي القصيرة بالقبض على روح هذه المدينة المتغلغلة في نخاع الزمن، ولكني حظيتُ بالإقامة داخل جنّتها الأثرية؛ تلك المسماة "المدينة القديمة"، والضياع في أزِقّتها القروسطية، حيث للحجر فيها، وللبلاط، والخشب، والزجاج الملوّن، حكايات وروائح وألوان وتعاويذ سحرية، تخترق القلب والحواسّ من دون تفرقة بين عابر سبيل ومُقيم. إنّها المدينة – المتحف، على غرار روما أو لشبونة أو أثينا؛ تسكنكَ رهبة زوار المتاحف لمجرّد المشي في شوارعها، وتأمّل كنوزها المعمارية التاريخية، ومعالمها الفنية الفريدة. تتركُ لعينيكَ أن يسافرا عبر سُحُب من الحنان، في ماضي الحجر والحديد، بحثًا عن جنة أرضية مفقودة. الزمن يسيل من الجدران والأعمدة والشرفات والنوافذ؛ المدينة تبلِّل روحكَ بحَجَرها قبل بحرها، وتبسط لك كفّها كي تغوص في تاريخ خطوطها السحرية العميقة. في مرآة الزمن المؤرخون المعاصرون يشكّكون في الأصل القرطاجي - الفينيقي لهذه المدينة، وفي أنّ هملقار برقا؛ والد هانيبعل، أسّسها في القرن الثالث قبل الميلاد، وسمّاها "برقينو" أو "برقينون" (الاسم الذي تحوّل إلى "برسينو" ثم إلى "برشلونة")، وبعضهم يمنح هرقل الإغريقي شرف إقامتها منتصف القرن السادس قبل الميلاد، والبعض الآخر لا يستهويه سوى أصلها الإيبيري الخالص، ويعيد تاريخها إلى الألف قبل الميلاد. قد يكون الإيبيريون سبقوا غيرهم إلى سُكنى هذه المدينة، وقد يكون الإغريق وصلوا إليها بعدهم، غير أنّ الإقامة على شواطئها لا تعني بالضرورة إقامة مدينة وتأسيسها. أنا ابنة البلاد الفينيقية والطبيعة المتوسطية، وهيهات أن تفوتني صلة القرابة بين هذه المدينة، والمدن المتوسطية الأخرى، الفينيقية الأصل، الممتدة على الساحل الفلسطيني واللبناني والسوري. في هواء برشلونة رائحة مكاني الأول؛ إحساس يعزّزه موقعها الجغرافي الذي أَلِفَتْه عيناي من قبل، حيث البحر أمامها، ومن جهاتها الثلاث تلفّها تلال من خلفها جبال، وما سلسلة جبال لبنان الغربية إلّا سلسلة "مونتسيرات" عينها! موقع الكتابة الثقافي art 3

  من جماليات العمارة في برشلونة (مبنى كازا باتلو)  

الرومان كانوا هنا منذ القرن الأول الميلادي، ثم القوطيون الغربيون، وفتحها المسلمون في القرن الثامن الميلادي، ولكن بعد أقلّ من قرن، استطاعت المسيرات الإسبانية من خلال ما سُمي حروب الاسترداد، السيطرة عليها والانطلاق منها إلى بقية أراضي شبه الجزيرة الإيبيرية. وكان البحر بوابة مشرّعة لطرد الموريسكيين بسهولة إلى شمال أفريقيا وبلاد الشام وتركيا وغيرها. (قليلة الآثار المعمارية العربية في برشلونة مقارنة بمدن الأندلس بسبب قصر مدة حكم المسلمين لها). في القرن الثالث عشر، في عهد خايمي الأول ملك أراغون وكونت برشلونة، ازدهر مرفؤها بعد تعزيز وتنظيم تجارتها البحرية، وهو يعدّ اليوم من أهم موانئ البحر الأبيض المتوسط. ومع بداية العقد الثاني من القرن التاسع عشر، استولى عليها نابليون، الذي لن تتحرر منه إلا بعد هزيمته. لاحقًا نالت المدينة نصيبها التدميري الكارثي من الحرب الأهلية الإسبانية (44 طنًا من القنابل ألقتها طائرات موسيليني على المدنيين)، فيما وحشية فرانكو لم تقف عند منع أهلها من التكلّم باللغة الكاتالونية المحلية. والمعروف أنه منذ القرون الوسطى تُعاني منطقة كاتالونيا من أجل الحفاظ على خصوصية هويتها ولغتها وثقافتها، وقد تقلّب عليها الدهر بين الحظي بالاستقلال التام أو الحكم الذاتي، والحرمان منهما، إلى ما بعد انتهاء الحرب الأهلية، وتحوّل الحكم في إسبانيا إلى ملكي دستوري برلماني، حيث استعادت كاتالونيا قدرًا كبيرًا من الاستقلالية في الشؤون السياسية والتعليمية والبيئية والتنموية والثقافية، وهي الآن بعاصمتها المزدهرة صناعيًا وسياحيًا، واحدة من أكثر المجتمعات ديناميكية اقتصاديًا في إسبانيا. وكانت برشلونة شهدت نهضة صناعية منتصف القرن التاسع عشر، تبعتها نتيجة نمو الثروات، نهضة عمرانية وثقافية مقرونةً بالقومية الناشئة. فالمدينة التي ضاقت على قاطنيها، توسّعت خارج أسوارها التي هدمتها عام 154، واستعانت بنخبة من أشهر المهندسين المعماريين من أجل، أولًا: شقّ شارع وسط المدينة يربط جزءها الأعلى بالبحر؛ فاسْتُحْدِثَ الشارع الشهير المسمى "لا رامبلا". وثانيًا: بناء منطقة حضرية جديدة، سُميت "إكسامبل". وقد ابتدعت مهارات المهندس المعماري "إلديفونس سيردا" لهذه المنطقة، تصميمًا حضاريًا لكُتَل المباني والشوارع، المربعة والمتوازية، يُراعي حركة المرور، وضرورة التهوية، ووصول أشعة الشمس، وتوفير مساحات للحدائق. كذلك، فإنّ تُحَف فنان العمارة أنطوني غاودي، الملقب بِـ "معماري الربّ"، في "إكسامبل"، يقصدها الناس من أطراف الأرض، ككنيسة "ساغرادا فاميليا" ومبنى "كازا باتلو" ("كازا" تعني منزل)، و"كازا ميلا" المسمى "المَحْجَر". مدينة المدن الأوروبية في بداية القرن العشرين، لُقّبت برشلونة بِـ "زهرة النار"؛ إذ كانت تتفتّح من أعماقها لانطلاقة الحداثة في المجالات كافة، ولا سيما المعمارية والفنية، وليضوع شذاها في أُنوف المدن الأوروبية المتغطرسة. ولا غُلُوّ في القول، إنه مهما طالت مدة إقامة السائح فيها، فلن يستطيع احتواء مغرياتها التاريخية والجمالية كافة. فهناك متاحف الآثار والفنون، كالمتحف الوطني للفنون، متحف الفن المعاصر، متحف الأركايولوجيا، متحف الشمع، متحف الشوكولاتة. وهناك المواقع التاريخية، والنصب التذكارية، والتحف المعمارية من أبنية وقصور وكنائس، معظمها ضمن قوائم اليونسكو للتراث العالمي، مثل: ساغرادا فاميليا؛ معجزة غاودي، بارك غويل؛ تحفته الأخرى فوق تلة الكرمل في حي لا سالو، قصر غويل في شارع لا رامبلا، كاتدرائية برشلونة في الحي القوطي (تلك التي استغرق بناؤها مئتي عام من القرن 13م إلى 15م)، المعبد الروماني في الحي نفسه، كنيسة سانت باو ديل كامب في حي الرافال، قوس النصر (أرك دي تريومف) وسط المدينة، قصر الموسيقى الكاتالونية في حي بورن. وهناك الساحات؛ تلك المتاحف في الهواء الطلق، التي تزينها التماثيل والنوافير ويعشقها الحَمَام، مثل: ساحة كاتالونيا التي تفصل المدينة القديمة عن الحديثة، وبلاكا دي سانت جامي (ساحة القديس جيمس) وهي الأكبر مساحة، وفيها مبنى البلدية والبرلمان الكاتالوني. وهناك المسارح، والمراكز الثقافية، والصالات لرقص الفلامنكو. والأخيرة تسمى هنا "الطاولات الراقية"، وغالبًا ما تُؤدى فيها العروض من دون الاستعانة بمكبرات الصوت أو أيّ من التقنيات الحديثة، بحيث يتناهى صوت الفلامنكو نقيًا وخاليًا من أي مؤثرات صوتية مصطنعة. وهناك المفاتن البحرية بشواطئها ومطاعمها ومقاهيها، ناهيكَ عن القرية الأُولومبية بمينائها الناشط ليلَ نهار. وتجدر الإشارة الى أنّ ما أسهم في نهضة برشلونة المعمارية والحضارية وتطوير بناها التحتية، احتضانها حدثين أساسيين: المعرض الدولي في القرن التاسع عشر، والألعاب الأولمبية لعام 1992.  لا رامبلا مدينة في شارع أمشي في شارع لا رامبلا أو جادة لاس رامبلاس السياحية المزدحمة بصفتي السائحة رقم 32 مليون +1، وفق إحصاءات العام المنصرم (2018)، علمًا أنّ عدد سكان برشلونة إضافة الى قاطني ضواحيها لا يتجاوز 6 ملايين نسمة. أخطو برشاقتي الروحية وبرأسٍ متخفف قدر موهبتي، كي أتيح لتاريخ المدينة أن يتسرب بفطرة تحت جلدي. أبدأ من اسم لا رامبلا الذي يُقال إن أصله كلمة "الرملة" في اللغة العربية، وذلك لقرب الشارع من رمل الشاطئ، وهناك من يرجّح اشتقاق الاسم من معنى فعل "تسكع" في اللغة الكتالونية. وبصرف النظر عن أصل الاسم وفصله، فهو كان قد ضاق على شارع ما برحت تتّسع عوالمه؛ فكان أن قُسِّم إلى خمسة أجزاء، لكلٍ منها اسم يحمل دلالاته. أهمية لا رامبلا أنه شريان برشلونة الرئيس الذي تمتدّ بمحاذاته مراكز حكومية ومالية وروحية، والذي يفصل بين حيين قديمين: شرقًا الحي القوطي (باري غوتيك) حيث الفندق الذي أُقيم فيه، وغربًا حي الرافال الذي كان يشتهر سابقًا بالمخدرات والدعارة ويلقب بالحي الصيني، وأصبح حاليًا مع موجات الهجرة الجديدة يُلقب بِـ"رافالستان" نظرًا لعدد سكانه المتعاظم من الباكستانيين. ويتميّز حي الرافال بمقاصفه الليلية الكثيرة، وحاناته القديمة (كحانة لندن، التي كان يقصدها في ما مضى أمثال دالي وبيكاسو وهيمنغواي)، ناهيك عن كنوزه الثقافية العريقة ومنها: متحف برشلونة للفنّ المعاصر، والمتحف البحري، وقصر غويل. وفيه توجد أيضًا سوق لا بوكيريا الشهيرة. وهي عبارة عن كرنفال بصري طاووسيّ، تُزينُ مروحةَ ريشِه المنفوش الخضارُ، والفواكه الطازجة والمجففة، واللحوم، والمحار، والتوابل، والمثلجات، والأجبان، والخبز، والأطعمة المحلية، وأنواع الزيتون من ألفه إلى يائه (يوجد أكثر من 250 نوعاً من الزيتون في إسبانيا أفضلها المسمى أوخي بلانكا)، وقوارير زيت الزيتون الرباني التي تُقتنى بكبرياء سيدات تقتنين أثمن العطور. (لِمَ لا، وهذه الشجرة المقدسة التي جلبها الفينيقي معه منذ أكثر من 3000 عام، لا يزال يُقطف زيتونها هنا، ولا سيما في الجنوب الإسباني، بالأيدي، ليُعبأ في السِّلال ويُعصر في خلال ساعتين فقط من قِطافه حرصًا على طعم زيته من المرارة). في هذا البازار الذي لا ينقصه سوى بيع الأحلام، أُصادف أفواهًا من أقطاب الأرض، ممغنطة بما لذّ وطاب، مانحةً حاسّة الذَّوق حصة الأَسَد، بينما لا يَسْتَأْسِدُ فيَّ غير بَصَري، منقضًا على بهاء اللَّون لا الطَّعم. خلف السوق يتناهى إليَّ عزف فرقة غجرية لزبائن أحد المطاعم، فأتبع الصوت إلى منبعه الذهبي، ثم أتعجب؛ كيف للغويين الإسبان أن يحرفوا في قواميسهم القديمة والمعاصرة، معنى هذا السِّحر والجمال في كلمة "غجري" إلى "محتال"؟! (في مشرقنا العربي، كانت تُحكى الخُرافات للصِّغار عن أنّ الغجر خاطفو أطفال!)  أتقدم نحو قبعة الغجري الممدودة، وأُلقي فيها من كرمي الشرقي. وبالمناسبة، لفتني في هذه البلاد كم يقدرون البقشيش، مهما كان زهيدًا، ويتلقفونه بخفر ورضا كما لو نعمة غير متوقعة! في البلد الذي أقيم فيه، يُفترَض ألا يقل البقشيش عن نسبة 15 في المئة إلى 20 في المئة من قيمة الفاتورة، تدفعه ولا تتوقع أن تُشكَر على واجب! موقع الكتابة الثقافي art 4

 شارع لا رامبلا وسط المدينة بأشجاره الممتدة على الجانبين   

أعود إلى لا رامبلا، شارع المشاة المغناطيسي المكتّظ، الذي تصطّف على جانبيه أشجار الدُّلْب التي تألفها عيناي لأنها تُحاكي القَيْقَب في الفناء الخلفي لمنزلي في الشمال الأميركي. خلف الصف الشجري، أبنية قديمة متلاصقة، في أسفلها مقاه، ومطاعم متعددة الجنسيات، ومحال تجارية، يستقبلك فيها كثير من الوجوه من جنوب آسيا، ولا سيما الباكستان. وسط الشارع لا يخلو أيضًا من الباعة المتجولين، وأكشاك محشوة بالهدايا التذكارية، التي معظمها بالطبع صنع في الصين، وعلى رأسها ما يحمل خصوصية البلد الحضارية والثقافية؛ ولذا، لم أشترِ صنوج الأصابع، ولا مرواح اليدّ البلاستيكية، ولا شال راقصة الفلامنكو، مُمنية النفس باقتنائها لاحقًا من منابعها الغجرية، في محطاتي التالية في الجنوب الإسباني الأندلسي. واكتفيت بشراء الورد، من بائعة غجرية على الرصيف، فهذا لعمري تربية محلية! الورد يذكرني بجنة العريف في الحمراء؛ فغرناطة مدينة الورد، أما برشلونة، فسأسميها مدينة الجيرانيوم. فهذه النبتة الساحرة بهيأتها الزاهية من دون مساحيق تجميلية، تصافحني كيفما التفتْتُ، من الشرفات والنوافذ، بحضورها الشعبي المزركش، الذي يشبه حضور هذه المدينة التي على الرغم من زخرفتها الفائقة لا تفرّط بأناقتها، إنما تخلق من فوضى اللون هندسة هارمونية "غاودية" معقدة، في الوقت الذي تحافظ على طبيعيتها وأُلفتها وتواضعها، كأنما وجدت وفنّ اللون في جيناتها. كيف لا، وقد حباها الله بطبيعة بحرية وجبلية، أنجبت فنانًا من طراز خوان ميرو، يجعل لكل شكل في لوحته روحه اللونية الفاقعة، وسط فضاء واسع ولا نهائي، بأسلوبه الطفولي الفطري والتلقائي، الذي لا بدّ اكتسبه من جمال طبيعة محيطه. في كلّ لوحة لميرو، يتراءى لي ميرو الطفل البرشلوني، ينظر مبهورًا إلى سماء زرقاء شاسعة، فيكتفي برسم فضاء فارغ؛ إذ ماذا بوسع المرء أن يُبدع أمام هكذا زرقة؟! ولذا، يبدو لي أنّ لزرقة سماء برشلونة دورًا في تواضع أهلها وعفويتهم؛ فهم ودودون ومضيافون من دون رياء أو انفعال كاذب. وهم ليسوا بشعب نقّاق أو متذمر أو متطلب أو مزهو بفرادته، سوى أنهم يعرفون نعمة الحفاظ على الجوهر الطبيعي والفني والتاريخي، لمدينتهم وثقافتهم، بفخر لا يشوبه التبجّح، ولا العنجهية والشوفينية، كالتي تخرج اليوم إلى العلن، مع التيارات الشعبوية المتنامية في بلدان عديدة، ولا سيما في أميركا حيث جمر العنصرية لا يني يكشّر عن أنيابه البيض من تحت رماد الديمقراطية الرأسمالية. موقع الكتابة الثقافي art 5

برشلونة في منظر شامل

يكتسب شارع لا رامبلا حيويته من إضفاء الروح الفنيّة على حركة البيع والشراء فيه. فهو يغصّ بالرسامين والتماثيل البشرية ورسامي الكاريكاتير والراقصين والعازفين، وحيويته لا تقتصر على الأرصفة، بل تمتدّ إلى الأعلى، لتُطير فستان مارلين مونرو، المطلة من شرفة المتحف الإيروتيكي وظنّها أنّ لحمها أكثر إغواءً من حجارة المدينة! لم أصادف في لا رامبلا السائحين والمواطنين الكاتالونيين فقط، إنما الكثير من المهاجرين أيضًا. منهم القدماء الذين رحلوا خلال الحرب الأهلية من جنوب البلاد الأفقر (مناطق الأندلس ومرسيا) إلى شمالها الأغنى، (برشلونة في الشمال الشرقي لإسبانيا) حيث موسم الهجرة لا يغير اتجاهه؛ فهذا ديدن سكان جنوب الخرائط الراحلين في أحلامهم أبدًا ولسان حالهم: "وأَما الشمال، الشمال البعيد فليس بجغرافيا أو جهة إنه مجمع الآلهة" (م. د.). ولم تكن برشلونة آنذاك، بازدهارها النسبي على الصعيدين: التجاري والصناعي، لتخيب آمال المهاجرين، أصحاب اللسان الإسباني لا الكاتالوني، الذين بدورهم لم يكونوا ليخيبوا آمالها، إن في الإسهام في انفتاحها اللغوي والاجتماعي والثقافي أو في الإسراع بخطى تقدمها وتنميتها وتحضرها، ولا سيما أن التزايد السكاني أدى إلى تطوير شبكة المترو والبنى التحتية كافة. ويبدو أن المدينة في الزمن المعاصر ظلت على دَيْدنها في استقبال المهاجرين الجدد، القادمين من أوروبا وأميركا اللاتينية وشمال إفريقيا (ولا سيما المغرب)، إضافة إلى الباكستانيين والصينيين. ومع تزايد عدد السياح الخرافي الذي بات يساوي 20 ضعف العدد السكاني للمدينة، بات البرشلونيون يفضّلون المهاجرين المنخرطين في بناء اقتصاد المدينة، على السائحين المستهلكين فحسب، والأشبه بجَراد يكتسح لبّ المدينة، على الرغم مما ينفقونه فيها من أموال طائلة. والمعروف أنّ السياحة في برشلونة أدت إلى ارتفاع أسعار الإيجارات على المواطن والمهاجر، وإلى استهلاك معدلات كبيرة من المياه والكهرباء، عدا عن ازدحام وسائل النقل العمومية، التي باتت تربك حركة المواطنين، وتؤخرهم عن الوصول الى أعمالهم. ولا ننسى أن المدينة غدر بها الإرهاب الوحشي عام 2017، مستغلًا حركة مجرّتها السياحية.  ثم الأهم؛ الوجه الحضاري والثقافي للمدينة، الذي باتت تحجبه أمواج السياحة، بما تحمله من مظاهر العولمة المتفاقمة. أصوات حقائب السياح التي تجر على حصى الأرصفة، أصبحت تعلو على أصوات أجراس الكنائس! وللحق أن فستان شارع لا رامبلا، غدا كوزموبوليتيًا أكثر منه غجريًا - إسبانيًا، تُزينه كشاكش بشرية من مختلف دانتيلا الأرض، وعلى الباحث مثلي عن الأصل، ألا تحرمه بهرجة فلامنكو العصر، من النظر إلى فِتنة العَظْم (عَظْم الشارع)؛ ولذا، فأنا لم أخشَ من السير ناظرةً إلى أسفل، علّني أقع، فأقع على بلاطة من تصميم أنطوني غاودي أو جوزيب بويج الأول كادافالش أو سواهما من أشهر فناني العمارة في المدينة. فهؤلاء كانت استعانت بهم بلدية برشلونة في أوائل القرن الماضي لتصميم أرصفة المدينة. وثمة ما يفوق الثلاثة عشر تصميمًا فنيًا لبلاطات موزعة في أرجاء المدينة كافة.  المشي في لا رامبلا (ومعظم شوارع برشلونة) يحيلكَ فسيفساءَ صغيرة في عمل موزاييكي ضخم، ومدهش بتفاصيله الملغزة، من أعمال غاودي؛ مَفخرة المدينة، أو يحيلك لطخة في إحدى لوحات الفترة الوردية لبيكاسو؛ الفترة التي قضاها الفنان متنقلًا بين فرنسا ومأواه الفردوسي: برشلونة. وليس مستغربًا أن يخصّ بيكاسو هذه المدينة بمتحف أعماله الأولى، على أن يقام في مسقط رأسه؛ العاصمة الأندلسية مالقة. ويقع متحف بيكاسو الذي أنشئ عام 1963 في حي رايبيرا؛ ثالث أحياء المدينة القديمة، وتحديدًا في شارع مونتكادا المشهور بقصوره العائدة لأثرياء التجار والنبلاء من العصر القوطي إلى عصر الباروك.  ويضم ما يفوق الأربعة آلاف عملًا فنيًا، مما يجعله أكثر متاحف الفنان في العالم اكتمالًا وشمولية. موقع الكتابة الثقافي art 6

متحف بيكاسو في برشلونة

يمتدّ لا رامبلا - الشارع الذي مشى فيه يومًا الشاعر الغرناطي فيديريكو غارسيا لوركا وقال إنه "الشارع الوحيد في العالم الذي أتمنى ألا ينتهي أبدًا" - على مسافة ميل تقريبًا، من ساحة كاتالونيا وسط المدينة، لينتهي عند port vell ميناء الواجهة البحرية القديم، وتحديدًا في ميدان بورتال دي لا باث، حيث يرتفع أكبر نُصب تذكاري في العالم لكولومبوس. ويمكن الزائر أن يرتفع أيضًا، عبر مصعد داخل عمود التمثال إلى ما تحت قدمَيْ كولومبوس بقليل، ليرى المدينة من علٍ. وعلى الرغم من أيقونية هذا المَعلم التراثي الكاتالوني الذي أبدعته أيادي نخبة من الفنانين عام 1888، في إطار تحسين معالم المدينة تمهيدًا لانعقاد المعرض العالمي فيها، إلا أن ثمة أصوات معاصرة من الأحزاب القومية واليسارية الكاتالونية، باتت تنادي اليوم بإزالته أو نقله إلى الأراضي القشتالية، نظرًا لما تسبب به صاحبه باكتشافه لأميركا من ويلات ومذابح أصابت السكان الأصليين من الهنود الحمر، ناهيك عن أن ممول بناء التمثال، كان من أثرياء الإمبراطورية الإسبانية المتورطين في تجارة الرقيق. (لاحقًا، سأرى ضريح كولومبوس داخل كاتدرائية إشبلية، معززًا، مكرمًا، محمولًا على أكتاف أربعة ملوك مجازيين، يمثلون الممالك الأربع في إسبانيا خلال حياة المُستكشِف. وسأعرف أنّ رحلاته ميتًا لم تكن أقل من رحلاته حيًا؛ فرُفَاته ظلّت لقرون تتنقل بين مستعمرات إسبانية عديدة إلى أن عادت إلى موطنها واستقر بها المطاف أخيرًا في إشبلية).  أزقة للضّياع وتلّة للصّفاء أسعدني أنّ لغرفتي في الفندق شرفة صغيرة تطلّ على زُقاق في الأسفل يمتدّ غربًا إلى شارع لا رامبلا (الجزء المسمى "لا رامبلا الكبوشيين") وشرقًا إلى متاهات من الأزقة إحداها تؤدي الى بلازا ريال؛ إحدى ساحات المدينة القديمة، ومتنفس فسيح للاستراحة والترفيه والسمر، تحيط بها المقاهي، وتتوسطها نافورة ماء، وأشجار سامقة من النخيل، ومصابيح إنارة من تصميم غاودي، إضافة إلى العازفين والمغنين الجوالين. قبالتي شرفات صغيرة لمبنى قديم يبدو أن قاطنيه مواطنون وليسوا سائحين. معظم المباني السكنية القديمة هنا، أعيد تحديثها من الداخل، لتحظى بالمواصفات والتجهيزات العصرية كافة من مصاعد، وأجهزة تبريد وتدفئة، وخدمة إنترنت، وغير ذلك، ولكن مع الحرص الشديد على صيانة واجهاتها الأمامية لتحافظ على معالمها الأثرية التي آلت إليها في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.  موقع الكتابة الثقافي art 7

أحد الاحياء الداخلية

الليل هنا شبه هادئ، تصلني موسيقى مختلطة من مطاعم "تاباس" (مقبلات أو وجبات خفيفة من المطبخ الإسباني) في الأسفل، والمطعم المغربي القريب. مزيج الأصوات المتداخلة يعكس هجانة الموسيقى الكاتالونية التي هي أمشاج من موسيقى كوبية انتقلت مع البحارة الإسبان العائدين من حرب الاستقلال هناك، وموسيقى أندلسية، وأخرى كاتالونية محلية. تصلني أيضًا بعض دردشات الزبائن أمام واجهة محل لبيع التحف والأواني الخزفية، يتخللها أصوات حياة قديمة كامنة في الجدران والظلام. لا بدّ لي من الفصل بين صوت المدينة الأصلي وضجيج العابرين في سريرها لليلة! ثمة خمسون ألف مواطن يعيشون كالظّلال في المدينة القديمة، ويصعب تعقب خطاهم بين ملايين السياح. والحقيقة أن عبوري الشبحي في هذا الزاروب أو ذاك، لا يؤهلني للقاء أشباح حتى ولو كنت أرى غسيلهم على الحبال وأحيانًا أسمع نباح كلابهم. بالطبع، يوجد كلاب هنا فقط وما من ثيران! اللهم ما عدا تلك الثيران الرمزية من الموزاييك المعروضة في الواجهات. حتى حلبة الثيران التي مررت بها في ساحة "بلازا دي إسبانيا" وأدهشني بناؤها البديع على الطراز المغربي، قد تحولت إلى مركز للتسوق! جئت برشلونة تتلبسني رواية "لعبة الملاك" للإسباني كارلوس زافون، الذي جعل مسرحها المدينة القديمة، ممعنًا في وصف عوالمها الخفيّة السحريّة، وأزقتها، ومدافنها، وبيوتها الأثرية. وهكذا رحت أتسكع على طريقة "دافيد مارتين" بطل الرواية، من دون وجهة محددة، علني أهتدي إلى "مكتبة سيمبيري" أو "بيت البرج" في 30 شارع فلاساديرس قرب حي بورن، أو زقاق أرك دل تياتري، حيث تقبع "مقبرة الكتب المنسية" خلف بوابة خشبية عملاقة. وتقصدتُ زيارة أماكن ذكرت في الرواية مثل: قصر غويل في شارع لا رامبلا في حي الرافال، وكنيسة سانتا ماريا دل مار، وشارع كوندي دل آسالتو في الرافال الذي اكتشفت أنه الاسم القديم لشارع كارير نو دي لا رامبلا، وحظيت برؤية فيلات حي بيدرالبيس حيث يقيم الدون "بيدرو فيذال" (البطل الثاني في الرواية)، وحيث روائع غاودي الزخرفية عند مدخل المتنزه العام. متحف الفنون الكاتالوني وبالطبع ما كان ليفوتني زيارة تحفة غاودي والمعجزة المعمارية (المذكورة في رواية زافون): ساغرادا فاميليا؛ كنيسة العائلة المقدسة الكاثوليكية، تلك التي بدأ تشييدها منذ 137 عامًا على أن تضمّ 18 برجًا لم ينجز منها حتّى الآن سوى ثمانية، ويُؤمل مع التقدم التكنولوجي الحاصل الانتهاء من بناء بقية أبراجها بحلول عام 2026، تزامنًا مع ذكرى مرور مئة عام على وفاة غاودي (1852-1926). ولهذه التحفة حديث آخر تفاصيله لا يتّسع لها المقام ولا الزمان الذي قد ينتهي قبل أن ينتهي بناؤها! وسأنتقل للحديث عن تحفة من نوع آخر، ابتدعتها الطبيعة في برشلونة، هي تلّة "مونتجويك"؛ تاج المدينة المرصّع بالمتاحف والحدائق والمتنزهات، والمطل على مينائها الساحر. هذه التلة القائمة عند أقدام البحر، وخلفها نهر، جَعلت من جسدها منذ عهد الرومان، مَقلَع حجارة من أجل تشييد المدينة من حولها وتحتها وفوقها، وتعرّت من بعض غاباتها من دون أن تفارق الورود وجنتيها. ثمة قلعة – قصر على قمتها، تعود إلى القرن السابع عشر، مع أبنية مضافة. استخدم هذا القصر قديمًا سجنًا، وشهدت ساحاته إعدامات في عهد فرانكو، واليوم أصبح متحف الفنون الكاتالوني. انتعاشة التلّة العمرانية تجدّدت بتجدّد المناسبة؛ فالموقع كان اختير مرتين، في عامي 1882 و1929، لاستضافة المعرض الدولي، ثم أعيد تحديث المنطقة، وصيانة ملاعبها ومسابحها، استعدادًا لاستقبال الألعاب الأولمبية لعام 1992. واستمرت التلّة في ازدهارها العمراني والسياحي، وهي تضم اليوم مواقع ومعالم مميزة منها: بلازا دي إسبانيا وبرجاها المبنيان على الطراز البندقاني، الأستاد الأولمبي، النافورة السحرية، متحف ميرو، المتحف الأولمبي، حديقة النباتات، مقبرة مونتجويك، متنزهات، القطار الهوائي. ولكن أكثر ما يستقطب السياح في التلّة هو "بوبلي إسبانيول" (البلدة الإسبانية)، وهي عبارة عن متحف في الهواء الطلق، يتكون من 117 مبنى، تُعيد إنشاء القرى الإسبانية، إضافة إلى وجود مسرح، ومطاعم، وورش عمل حرفية، ومتحف للفنّ المعاصر. يلطمني جمال المدينة من أعلى هذا التّل كالأمواج. كلّ هذا الزَبَد في العينين من حمرة قرميد البيوت! يا لنقاء الشعور في هذا المرتفع وقد رمى أثقاله في البحر وعاد جنينًا كحبة رمل! لا يتملكني غرور السائح واقفًا في موقع مَن أَحكَم طوقه حول عُنق المدينة وعصر جمالها في عينيه. مثلما يعجزني النَّظر إلى الشمس تعجزني حجارة أدراجها، ومرأى حوض حجري على الطريق يعلوه صنبور حديدي قديم. وها قد شربت من مائه السحري، مثلما شربت قبلًا من نافورة دي كاناليتيس (أي "القنوات المائية" في الأصل العربي للاسم) في الجزء الأعلى من شارع لا رامبلا، علّني أعود بحسب الأسطورة الرائجة هنا، كي أشرب مجددًا من أسرار جمال هذه المدينة التي لا تشبع منها عين ولا قلب. موقع الكتابة الثقافي art 8

متحف الفنون الكاتالوني في تلة مونتجويك

وبينما أنا في أوج انتعاشي وفوران متعتي، أتذكّر أنّ برشلونة هي مسقط رأس الكاتب الإسباني العظيم خوان غويتيسلو، الملقب بِـ إدوارد سعيد الإسباني، الذي انشغل بالآثار العميقة للغة العربية والحضارة الإسلامية في المجتمع الإسباني، والذي ناصر بحماسة القضية الفلسطينية، ومجمل قضايا الشعوب العربية. وأفكّر كيف دفعه عشقه للثقافة العربية إلى أن يمضي العقود الأخيرة من حياته في مراكش، وأتعجّب كيف لم تُغره برشلونة؛ موطنه الأصل، بالعودة إليها حتّى وهو ميّت، (على الرغم من أنه شرب من مائها الأسطوري!) وآثر أن يُوارى الثرى إلى جانب صديقه جان جينيه في مدينة العرائش المغربية.  بالنسبة إلي، فأمنيتي أن أعود إلى هذه المدينة للضياع في تلافيف أحشائها. فجمالها لا يفتح أبوابه السرية للعابر فيها بمزاج المُنتصر وقد التقط ألف صورة تذكارية! إنّها مدينة تفوق قدرة القلب والعين والذاكرة على تجميدها في لحظة؛ ذلك أنّها مدينة المنحنيات والدوائر والدهاليز والأزقة والأروقة والممرات والتعرجات والتفرّع والتقوّس والالتفاف والتصماميم التي تلوي قلب كلّ قاعدة هندسية مستقيمة ثابتة. إنّها مدينة تنكسر فيها الزوايا الحادّة بقوة المرونة والانفتاح على فضاء البرّ والبحر وكلّ جديد. ولعلّ أسلوب غاودي، المبدع الأشهر فيها، يعكس طبيعتها بما تختزنه من متاهات وسراديب وألغاز وأسرار، ويعكس قدرتها على الجذب والإغواء بزخارفها وأضوائها وعتماتها؛ فهو مثلها يبتدع جمال زهرة من جمجمة. مات غاودي تحت عجلات تقدمها السريع (داسته حافلة ترام) أو هكذا ظَنّ! لكنّ برشلونة أحيته فيها إلى الأبد، في كلّ حجر، مثلما أحيت كلّ المبدعين الذين ألهبوا فنّ عمارتها، ومنحوها جمالًا بركانيًا وسط جمال طبيعتها، حتّى ليحلم المرء لو أنّ قلبه قُدَّ من حجارتها! ................ * نقلاً عن (إندبندنت عربية |  12يوليو 2019)     [post_title] => برشلونة "زهرة النار" تفتح قلبها للقادمين من البر والبحر والسموات السبع [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%a8%d8%b1%d8%b4%d9%84%d9%88%d9%86%d8%a9-%d8%b2%d9%87%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7%d8%b1-%d8%aa%d9%81%d8%aa%d8%ad-%d9%82%d9%84%d8%a8%d9%87%d8%a7-%d9%84%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%af%d9%85 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-15 04:48:52 [post_modified_gmt] => 2019-07-15 04:48:52 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31133 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [23] => WP_Post Object ( [ID] => 31126 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-13 17:20:44 [post_date_gmt] => 2019-07-13 17:20:44 [post_content] => منة الله أبو زهرة لا أُحبٌَ الأشياء الشائعة، التي يحبها الجميع أبحث دائمًا عن تلك المهجورة التي لا يعرفها أحد التي لا تنتظر منك أن تبحث عنها الأشياء الوحيدة التي تأخذ منك جهدًا ووقتًا: أنواع الزهور النادرة الأفلام غير المشهورة الأشخاص الذي لا يعرفهم أحد الكتب التي لم تدخل قائمة الأكثر مبيعًا وموسيقى الكلاسيك التي هجرها الجميع لسماع الحديث لكن ماذا افعل الآن.. بعد أن أصبحت السيمفونية التاسعة لبيتهوفن موسيقى مفضلة للجميع! [post_title] => أًحِبُّ.. لا أُحِبُّ [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%a3%d9%8b%d8%ad%d9%90%d8%a8%d9%91%d9%8f-%d9%84%d8%a7-%d8%a3%d9%8f%d8%ad%d9%90%d8%a8%d9%91%d9%8f [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-13 17:42:54 [post_modified_gmt] => 2019-07-13 17:42:54 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31126 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [24] => WP_Post Object ( [ID] => 31123 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-11 19:00:16 [post_date_gmt] => 2019-07-11 19:00:16 [post_content] =>  مؤيد صالح

" جاحدة"

تتأسين بالنجوم وبالذين يتصدرون صحف العالم تتصفحين أخبار الحب الذي يدوم ليوم ويحدث كل يوم تقرأين عن أصالة الأشياء التي تماثل الخيول  متجاهلة ذلك السرج العظيم تلك الأوضاع ذلك الرجل المغمور في هذا الأسطبل الكبير . ***

"عري"

بابنا الخارجي انفصمت مفاصله جرسنا الكهربائي هو الآخر تعطل نحن الآن في بيت يعرقل الأستئذان ظهورنا محمية وجوهنا مكشوفة نعم، نحن الآن نتنفس بكثرة الأوكسجين الذي لايلحم المفاصل . ***

" معرفة"

لم أكن لأعرف الارتواء لولا كمية العطش النور لولا الظلام الحياة لولا الموت ولولا القبح الذي داهم حياتي ما عرفت أنك جميلة لولا خديك ماكنت لأعرف أن في الخريطة ربع خالي ولولا الحروب الساخنة التي اجتاحت البلاد لم أكن لأعرف أن هناك أخرى باردة. بالاضداد تعرف الأشياء أنت الذي بلا ضد وإلا لنازعك في الملك، يارب فأخبرني كيف سأعرفك؟!  ***

"انتهازية"

في هذا الليل لا أحد يجبرك أن ترتقي السطوح سوى الأسلاك الخاذلة وأشياء أخرى لاعلاقة لها بالنور تنتهي إلى النجمة الخامسة في العد فينزع عنك البعوض قناع الرفاهية مستغلا زفيرك الفاضح...! ................. *شاعر من العراق [post_title] => نصوص [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d9%86%d8%b5%d9%88%d8%b5-10 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-11 19:00:16 [post_modified_gmt] => 2019-07-11 19:00:16 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31123 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [25] => WP_Post Object ( [ID] => 31118 [post_author] => 553 [post_date] => 2019-07-11 17:32:39 [post_date_gmt] => 2019-07-11 17:32:39 [post_content] => نسمة سمير  كان يوما شديد الحرارة، منتصف أغسطس، كأن السماء تحرق النجوم المنطفئة لتعيد لها النور، أو ربما سرق لص الليل النسمات ليهديها لحبيبته الغاضبة، خرجت إلى الشرفة لأضع الماء للعصافير، فوجدت أحد جناحي العصفور عالقًا بباب القفص، وعصفورته ترتعد من الخوف فى ركن مظلم صارخة تستغيث بي لأساعده، سقط الماء من يدي وهرولت نحوه لأخلصه. أمسكت به بين يدي المرتعشة، فوجدت حفرة صغيرة بيسار صدره، لم أفهم سببها في البداية ثم أدركت أن قلبه غير موجود، يا الله هل ذاب قلبه من الخوف؟، هل سقط من ثقل الألم؟، هل سينجو بلا قلب؟، أخذت أبحث عن قلبه فى القفص وفى الشرفة وأن أبكي كطفل محموم، ولكني لم أجد له أثر، نظرت إلى العصفورة فوجدت ريشها ملطخ بقطرات دماء، لابد أنها من جرح جناحه، لا يعقل أن يحدث ما أفكر فيه، أأكلت قلب حبيبها؟!. ظننت أن ما أراه من تداعيات حزني، ولكن حزني لم يكن متبدل الهيئة ليأتي في شكل عصفور ضاع قلبه، كثيرًا ما أتخيله على هيئة  صرصار ضخم بعيون حمراء وثلاثين رجلاً، تزيد كل عام واحدة، يخرج من خزانة ملابسي وأحيانًا من حقيبتي وحذائي، ولكنه يكون مرعبًا للغاية عندما يخرج من عيوني وكأنه يقتلعهما، ليقف أمامي محاولا ضمي، أخافه كثيرًا، فكرت مرات أن أعانقه ربما يحبني ويرحل، ولكن خشيت أن يلتصق بي وأحمله على ظهري طوال عمري. طارت العصفورة إلى ركنٍ من القفص، ثم طارت إلى الآخر وكأنها ترثي حبيبها، كيف تحزن عليه بعد قتله؟، لمَ سوء الظن هذا، من الجائز أن تكون قد جرحت قلبه وهى تحاول تخليص جناحه، وجسدها الضعيف لم يساعدها لإنقاذه، وربما  أحزنته حتى ذاب قلبه، كادت الأسئلة تمزق رأسي، فى حقيقة الأمر لم يكن قلب العصفور ما أخشى فقدانه بل قلبي، الذي تحسست مكانه مرارا خوفًا أن يكون قد سقط مني حزنًا أو أكله أحبتي. نظرت فى عيون العصفور المنكسرة، فرأيت سربًا من الغربان على مائدة طويلة يتقاسمون قلبه الصغير ليصنعوا لوحة تشبه العشاء الأخير لدافنشي ولكن بدون المسيح، كانوا جميعهم يهوذا، وقلبه ما زال ينبض غارقًا فى دموعه، وأنا أصرخ ولا يسمعني أحد، صوت ضحكاتهم كان أعلى من صراخي، ثم همس صوت فى أذني قائلًا: لا تعطي الحدث أكبر من حجمه، كل ما فى الأمر قلب يُأكل فمَ الداعي للبكاء والعويل، لنحتفل ونغني للحب بينما نتقارعُ الكؤوسَ لتسير الحياة، ولنرقص نعم نرقص كعصفور يصارع الموت. لم استطع الرقص، اعتقدت أنّ المشكلة أني عاجزة عن تحريك قدامي، نظرت إلى الأسفل لأتأكد أنهما ما زالا مكانهما، والغربان تنهش عقلي لا أعلم من أين جاءت؟، هل هربت من عيون العصفور، أم من النافذة الخلفية للمنزل ولكن النافذة مغلقة، ربما يتخمض عقلي وينجبهم هل نحن من نخلق الذين يأكلون قلوبنا، تمنيت أن تتحول قدمي إلى بالون لارتفع لأعلى، واخترق السقف والسماء وما بعدهما وألقي بعقلي بعيدًا لا يهمني أن تأكله الغربان طالما قلبي معي. بينما كنت أرفع بصري، استرعى انتباهي حزن العصفورة على شريكها، هل بعد أن نرحل سيحزن مثلها من أكلوا قلوبنا أم هى أكثر رحمة منهم؟ تذكرت تلك الليلة التى رحل فيها والدى وتركنا وأغلق الباب خلفه، أكره الأبواب كثيرًا منذ حينها، أتمنى أن يصبح العالم بلا أبواب تحرمنا من أحبتنا، وعندما ماتت جدتي كرهت الوداع أيضًا فهو يشبه حكم المباراة الذي يعلن نهاية اللقاء. نظرت إلى العصفور الصريع بين يدي وهو لا يمكنه التحليق، نعم جدتي أيضا حاولت أن تطير من قفصها الخشبي وفشلت، بعد رحيلها كان يطرق زجاج نافذتي غريب طالبَا الدخول، حاولت أن أمنعه كثيرا ولكنه اقتحم الغرفة ذات ليلة رغمًا عني ولم أتمكن من ردعه، ومن يومها وهذا الصغير الغريب المخيف يأكل من روحي حتى أصبح وحشًا بدون مروض ينهش في عقلي ليل نهار، أكاد أصاب بالجنون وقلبي يؤلمني من ضرباته السريعة، أغرق فى خوفي، كجندي متأهب لصد هجوم لا يعرف من أين سيأتيه. هذا العصفور المسكين ربما عانى مثلي من الوصم وقت احتضاره، بينما كان يستغيث بحبيبته لتساعده كانت تتهمه بالثرثرة والتركيز فى التفاصيل التافهة والتكرار والدرامية الكئيبة، وإهدار الوقت بدلًا من البحث عن حلول، ربما لم يتمكن هذا المسكين من أن يخبرها أنه يعاني من غربان القلق وأن جناحه لم يكن عالق بل روحه خوفًا أن تهجره فيموت، أراد أن تطمئنه فقط، ومن المحتمل أنه لو أخبرها لسخرت منه وقتلته مرارًا بلا رحمة بعلاقة فاترة خالية من بهار الهوى، الموت كان مصيره الذى لا مفر منه، حقًا أخاف الموت بلا قلب،  بثقب واسع فى منتصف صدري، لا يراه أحد، نعم لا يراه أحد، يودعني أحبتي فى صندوق بلا سقف، ليهزمني الموت كما هزمتني الحياة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتبة مصرية [post_title] => عصفورٌ ضاع قلبه [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%b9%d8%b5%d9%81%d9%88%d8%b1%d9%8c-%d8%b6%d8%a7%d8%b9-%d9%82%d9%84%d8%a8%d9%87 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-11 17:55:11 [post_modified_gmt] => 2019-07-11 17:55:11 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31118 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [26] => WP_Post Object ( [ID] => 31116 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-11 14:30:11 [post_date_gmt] => 2019-07-11 14:30:11 [post_content] => محمد الكفراوي صحيح كنت طفلا بكّاء كنت أبكى قبل الأكل و بعده وفى أيام كثيرة كنت أصحو من النوم فأجد على مخدتى بقعة كبيرة من الدموع.   كنت أبكى عندما يجبروننى على الاستحمام أو الذهاب إلى المدرسة وحتى الآن  عندما يهتف أحدهم باسمى بصوت عال أوشك على البكاء   وأبكى بشدة كلما خاض أحد أصدقائى معركة نيابة عنى.   [post_title] => بالطبع ليست هواية [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a8%d8%b9-%d9%84%d9%8a%d8%b3%d8%aa-%d9%87%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a9 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-11 14:30:11 [post_modified_gmt] => 2019-07-11 14:30:11 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31116 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [27] => WP_Post Object ( [ID] => 31113 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-11 12:59:51 [post_date_gmt] => 2019-07-11 12:59:51 [post_content] => طارق هاشم حين افترقنا.. فكرت أن أرسم لك بورتريهاً لكن الألوان عاندتني.. الأزرق الذي كم حدثتني عنه.. لم يذكر شيئاً جميلاً لك البيوت التي ألفناها الشوارع الساحات التي مررنا بها، أعطتني ظهرها من بعدك وحدتي خرجت من حيز التخيل لتقفز في الواقع كشبح لا يهزمه حتى الأعداء لقد هرمت يا ليلى ظلك لم يعد يزورني في الليل ليغلق باب عزلتي تخيلي.. حتى الأحمر القاني خذلني أنا الذي تعلمت على يد جوجان وكليمت ورينوار أصبحت يدي عاجزة عن الحركة تذكرتك.. نعم وأنت ترممين دموعي التي أصبحت كرصيف يكره العابرين تذكرتك.. نعم وأنت تعبرين قلبي كرسول.. أنكرَته قبيلته فعاد إلى الصحراء مهزوما الألوان جحدتك ياجميله فلا تجرحيني بالغياب فأنا بدونك دون يد دون ذراع تحفظ الريح فتردها عن ظهرك حين يحل الشتاء [post_title] => رسول أنكرته قبيلته [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%b1%d8%b3%d9%88%d9%84-%d8%a3%d9%86%d9%83%d8%b1%d8%aa%d9%87-%d9%82%d8%a8%d9%8a%d9%84%d8%aa%d9%87 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-11 12:59:51 [post_modified_gmt] => 2019-07-11 12:59:51 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31113 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [28] => WP_Post Object ( [ID] => 31110 [post_author] => 848 [post_date] => 2019-07-11 11:32:48 [post_date_gmt] => 2019-07-11 11:32:48 [post_content] => فيكتوريا روش ترجمة: عبير الفقي آه، لقد ضُغط الوقت إلى حلقات ضيقة صلبة مع كل انكماشة صغيرة من الآلم. يبدو الألم جسديا أكثر، كلما تقلص إلى كسر من الثانية نفس جديد نستنشقه. تلك الثواني التي اُختصرت كانت ذات مرة كافية كي أشيد خلالها أبراجي العالية. لكن سوط الوقت لا يتوقف مطلقًا للمهندسين ولقواهم الإبداعية. تُظهر المفارقة عند المقارنة بينهما: اللحظة طويلة جدًا، والقرن قصير جدًا. هذه الأيام تشبه كثيراً ثعابين تومض بذيولها، قبل أن تندفع خارجة من جلودها كيت شعر بالخلاص. يحتاج المرء سنة كاملة ليؤلف رواية من ثلاث مائة وخمسة وستين صفحة. أما القصيدة فيحتاج المرء إلى حياة ليكتبها. والحياة كما تعلم، مضمونة في لحظة، وفي لحظة... ! .................... تُعد فيكتوريا روش Victoria Rosh من الشاعرات الروسيات المعاصرات، تعيش حاليًا فى مدينة سان خوسيه، بكاليفورنيا بالولايات المتحدة، وتعمل فى مجال الموسيقى، ونُشر لها من مجموعات شعرية، «مذاق الألم المتبقى»، و«القصائد الصغيرة»، وكتابها الأخير «الوقت صفر»، ومن المعروف عن الشاعرة أنها تميل إلى العزلة ويتضح ذلك فى عدم وجود معلومات عن حياتها أو صور كثيرة متداولة.     [post_title] => صفرية الوقت [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%b5%d9%81%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%82%d8%aa [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-11 11:32:48 [post_modified_gmt] => 2019-07-11 11:32:48 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31110 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [29] => WP_Post Object ( [ID] => 31107 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-11 10:29:14 [post_date_gmt] => 2019-07-11 10:29:14 [post_content] => مروة متولي وحدها خديجة تذكرني بأنني متزوجة، وذلك في كل مرة تسألني فيها عن الحمل، إلا إنني سريعاً ما كنت أعود لأنسى، وهذا بالتحديد ما حدث منذ لحظات، حين خرجت لأسير نحو الشاطئ الذي لا يبعد عن البيت سوى خطوات قليلة، سألتني عن أحوالي. وأحوالي في مفهومها تتلخص في كلمة واحدة هي "الحمل"، أجبتها بالنفي كالعادة، فأبدت بعض الشعور بالأسى من أجلي، ثم نظرت إلى عيني بحدة، وقالت بحسم: لابد أن نجلس لنتحدث، سآتي إليك مساء بعد أن يأوي الأطفال إلى فراشهم. ثم ودعتني وانطلقت بسيارتها، لم أسألها إلى أين تتجه أو متى تعود، لم أكن أفكر إلا في مصطفى.  في هذا الصباح البارد كنت أرغب في أن أمشي إلى أن أُنهك تماماً، إلا أن ذلك لم يكن ممكناً، فالبحر كان مخيفاً فوق العادة، وكنت أشعر بأن موجة واحدة من تلك الأمواج العاتية العالية، ليست قادرة على إغراقي وسحبي إلى أعماق الأطلسي كي أستقر هناك إلى الأبد فحسب، بل هي كفيلة بإغراق هرهورة بأكملها، بحيث تختفي بيوتها القليلة تحت الماء تماماً، فلا يعود الناظر من أعلى ذلك الجرف المطل عليها يراها كاملة كما كان يراها في السابق، لأن ذلك الجرف لن يكون سوى جرفاً مطلاً بشكل مباشر على البحر، ذلك البحر الذي بإمكانه أن يجعل أية بقعة يشاء كأن لم تكن. سرت بخطوات مسرعة نحو مقهى ميرامار، كان البرد قارساً ولم يكن من الممكن الجلوس في الخارج. خلف الواجهة الزجاجية كنت أقف منهزمة، أنظر بخوف إلى ذلك البحر الهائج الذي يهددنا بغضبه من حين إلى آخر، بدأت أتحدث إلى النادل بلهجتي المصرية، إنه لا يمنحني تلك الابتسامة اللطيفة التي أحب أن أراها على وجهه إلا حين أتحدث بها، مع رائحة القهوة ذهبت بعيداً، الخيال، إنه عمل أحبه، إنه يحسن نسف الحقائق ويزيلها من الوجود. سأجلس لأكتب قليلاً عن مصطفى، لأسكب الضوء الأثير عليه، لأنسب إليه أسمى الصفات وأرفعه إلى الذرى الشاهقة، لأنسج من حوله الحكايات. فهو من ذوي القلوب الشريفة التي لا تعرف اللؤم، أما عقله الذي توغلت فيه فهو غير بريء من الخطأ، فمصطفى ليس كاملاً، لكنه في نظري أكثر من كامل، إنه حاضر بوضوح في كل شيء، أراه في كل الأشياء، وفيه أرى كل شيء، حوله تحوم كافة الأشياء الجميلة المثيرة. سأمنحه حق الوجود في العالم الواقعي، على الرغم من أنني سأحيطه بكافة عناصر التخييل التي تحفظه بعيداً عن الحقيقة، إلا إنني بمجرد أن أكتب عنه سيصبح وجوده حقيقياً، ستكون الأكاذيب والمبالغات بالقدر الكافي تماماً لأن تكون مقنعة بأن مصطفى موجود بالفعل، على القارئ أن يصدق ما أكتبه، أن يثق في الخيال أكثر من الواقع، فهناك من الحقائق ما يجب أن يموت، ومن الأوهام ما يجب أن يحيا. سأكون عاشقة له أبداً، أخبرته بذلك إلا أنه لم يصدقني، كان يعرف أني أكذب، أشعر بالخوف الشديد من أن أفقده، أن يختفي هكذا فجأة، أن أظل أبحث عنه دون جدوى، أن تموت الكلمات اختناقاً ببطء شديد يحمل الكثير من الألم. سأكتب عن السماء كما يتأملها، إنني أعرف كيف يمكن أن يتأملها، إن كل الأشياء في حظوة مصطفى، أما الحب، فيكفي بأن يقول للحب بأن يجيء إلى العالم. كان مصطفى يتحدث دائماً عن جوهر الأشياء، عن جمال الكون، كان يحتضن الأشجار ويلامسها بخده، كان يشير إلى النجوم ويحدثني عن أسمائها، كان يحب أن يلمس كل شيء بيديه، وكان يبدو أنه يستطيع أن يطال تلك النجوم، كان يمرر أطراف أصابعه على الشيء، كأنه يحاول أن يرى ويسمع بيديه، كان يفعل ذات الشيء معي، لا أزال أشعر بتلك الرقة العجيبة في أنامله. هناك أشياء جميلة إذن في هذه الحياة، أما مصطفى فكل شيء فيه جميل، كنت أحب أن أنظر إليه، أن أتأمل هيئته التي كانت قد جلبت انتباهي في أكثر لحظاتي شروداً، قامته الطويلة، ونحوله الذي يجعله يبدو أكثر طولاً. كانت لمحات غامضة جداً، شعور لم يمكن فهمه، تلك اللحظات السحرية بصحبة مصطفى، ذلك الشيء الذي بحثت عنه في كل مكان ولم أجده إلا في صحبته، سأكتب عن كل ذلك، وهذا ما أفعله الآن، علي أن أعيد إنتاج هذه المشاعر بالكلمات، إن مصطفى ليس خفياً غامضاً، إن هذه اللحظات التي عشتها كانت حقيقية، لو لم تكن حقيقية لبقيت إلى الآن أتساءل من أين أتى كل ما أشعر به. حين التقيت بمصطفى ودخلنا معاً إلى الغابة، أدركت لحظتها أن شيئاً محزناً قد حدث، فكل ما بدأ سوف ينتهي، وقد شغلني مصطفى حينئذ إلى درجة أنني تجاهلت شعوري بذلك الأمر. في البداية شعرت بأن التجول في الغابة ليس نزهة، كما أذهلتني ضخامة الأشجار عندما رأيتها عن قرب، هناك قسط كبير من الغموض فيما يتصل بالغابة، إنها معقدة ومليئة بالتلافيف، بحيث لا يعرف المرء إلى أين يمكن أن يصل ولا في أية لحظة يمكن أن يتولد الرعب، إن كل درب من دروبها يرتبط بدرب آخر، فلا وسط ولا محيط ولا مخرج، فيها تتلاشى الحقائق المنطقية والزمانية، وهذا من أشد الأمور التي يواجهها الإنسان إخافة، للزمن طبيعة أخرى في الغابة، إنها أشياء أعيها الآن. لم أعد أفكر في النهاية، كنت أستمتع بوجودي في الغابة بين أشجارها المتداخلة غير المنتظمة، إن روعتها في أنها لا تمتلك شكلاً، نستطيع أن نفككها ونشكلها كيفما نشاء، في الغابة لا قيود ولا شروط، إنها الغابة التي كنت أخشى الدخول إليها، الآن أتمنى ألا أخرج منها أبداً، في الغابة ينقلب الواقع إلى تخييل والتخييل إلى واقع، ويصير كل شيء شبيهاً بما يحكيه مصطفى، كم كان شعوراً ممتعاً بريئاً ذلك الضياع في أحضانه وبين ذراعيه. ينبغي علي أثناء الكتابة أن أعود بكثرة إلى كلماته وأنقلها، تلك الكلمات الأولى التي سمعتها منه، كنت أفهم كثيراً ما كان يعنيه، كان وجهه يعبر عن كل كلمة ينطق بها، سأحاول أن أبقي على عفويتها، علي أن أستخدم تلك الكلمات وأن أجعلها ملائمة، كما علي استخلاص الحقيقة الكامنة في أعماقها فإن معانيها غير محدودة، كان يتحدث بلغة خاصة به، يتكلم دائماً في صيغة الماضي، إلا أن ما يقوله ليس من الماضي، لأنه يعود حاضراً بمجرد أن يقوله، وكأنه يحتضن سابق وجوده، أي أسلوب ينبغي أن أتبع؟ هل سأعتمد أسلوبه؟ إنه سيفرض إيقاعاً خاصاً بلا شك، هو الذي سيحدد اتجاه السير، سأتبع مصطفى الذي ما نسيته منذ أن حدقت يوماً في عينيه، ها هو مصطفى يتحدث، لأستمع إليه إذن. ............ *كاتبة مصرية [post_title] => حب في غابة هرهورة [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%ad%d8%a8-%d9%81%d9%8a-%d8%ba%d8%a7%d8%a8%d8%a9-%d9%87%d8%b1%d9%87%d9%88%d8%b1%d8%a9 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-11 10:29:14 [post_modified_gmt] => 2019-07-11 10:29:14 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31107 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [30] => WP_Post Object ( [ID] => 31104 [post_author] => 599 [post_date] => 2019-07-11 09:56:55 [post_date_gmt] => 2019-07-11 09:56:55 [post_content] => سأبدأ بمحاولة الإجابة على التساؤل الذي أنهيتِ به رسالتِك السابقة: ربما أكتب عن الاحتمالات الغامضة لذاتي، الكامنة في حياة الآخر وموته.. عن الأشباح المختبئة في جسدي التي تحاول التلصص على الظلام الممتد خارج هذه الاحتمالات.. كأن ثمة مرآة تنطوي عليها ملامح هذا الآخر، يجدر التمعّن في ما تعكسه، أي ينبغي على الخيال أن يكوّنها، لاكتشاف ممر لم يكن مرئيًا يقود نحو إبهام مختلف لنفسي، وقد يؤدي بالضرورة إلى الصمت المحصّن الذي يتجاوزها .. ربما هذا ما يجعل الحياة، أو الكابوس المؤقت محكومًا بالكفاح العبثي لتجميع الأشلاء العدمية المتناثرة.. الدعابات الخرقاء، غير المصدّقة، التي يجاهد المرء لأن يخلق بواسطتها تلك الكينونة المجهولة خارج اللغة.. الكينونة المضادة، المنفلتة من هذه الأشلاء الموزّعة داخل الآخرين الذين يُشكّلون ذاكرتي.. ربما هي السر المحتجب في المرئيات والمسموعات التي لا تمت لأي لغة بصلة، لكنها في ثنايا اللغة وفجواتها بتعبير "جيل دولوز"، أو الروح الملغزة الأشبه بـ "مكان مهجور/ يمر من حوله الوجود/ ويمضي في طريقه" كما كتبتِ في إحدى قصائدِك.. كأن العدم يستعمل أوهامنا المتناسخة لإثبات خلوده، ولمحو حكاياتنا التي لم نسردها أبدًا. صديقتي العزيزة: في رسالتي السابقة حدثتك عن أنني لا أفتقد الموتى وحسب بل أفتقد أيضًا الذين يشاركونني اللحظات المتعاقبة يومًا بعد آخر، والآن أريد أن أكتب لكِ عن الموت باعتباره وضع حد لافتقاد ما لا أعرفه.. شخص يموت فأدرك حينئذ أن ذلك الشيء الغامض الذي قضيت زمنًا طويلًا في انتظار القدرة على انتزاعه خارج العمى لن أحصل عليه أبدًا.. العمى المتجسّد في كائن لم يكن  على حياته أن تنتهي في تلك اللحظة المبكرة.. تتحدد هوية الموت حينئذ بمدى احتياجي الخاص للوعد المبهم الذي لم يتحقق، المتمثل في وجود هذا الشخص، وبعد موته لم يعد لهذا الوعد فرصة أن يكون مصيرًا حقيقيًا.   صديقتي العزيزة: تلقيت منذ فترة قصيرة دعوة لتكريمي من صديقين عزيزين في احتفال ثقافي تُقيمه مدينتهما.. كنت حينئذ منغمسًا في كتابة غاضبة، لا يكاد يدفع فورانها العاصف أكثر من السخرية الانتقامية ضد الذين أغلقت أبواب ذكرياتي السيئة على وجوههم كي لا يستطيعون الخروج منها.. لكن الأمر يتجاوز حتمًا تصفية حساب شاملة طال تأجيلها، أو انتظرت وقتًا كبيرًا للغاية حتى تتم في موعدها المناسب، وبالكيفية وحدها التي تلائمني كبصمة أو ما أطمع أن تكون كذلك.. بعد عودتي من التكريم توقفت عن هذه الكتابة تلقائيًا بما يشبه بداهة جديرة بالتفحص.. يمكن لأمر مبهج وعابر ـ بما أنه ليس نمطًا للحياة ـ أن يضع سحابة رمادية مؤقتة فوق رغبة عدائية عمرها يمثل تقريبًا التاريخ الشخصي بأكمله .. يمكنه أن يُعطّل ـ ولو على نحو خافت ـ الاستجابة المحسومة لهذه الرغبة غير المهيّأة للتراجع أو الجدل كأنها نوع آخر أو أكثر أصالة للتنفس.. لا يعطي هذا بالنسبة لي نموذجًا واضحًا لتأثير الأشياء الإيجابية البسيطة على المزاج السوداوي كما يشيع في الوصايا الساذجة، وإنما يقدم مثالًا ساطعًا للمكر التافه للحياة، الذي يستعصي ربما في معظم الأحوال على الترويض، ولكن يُنظر إليه في الوقت نفسه كهدية تهكم يجب على الكتابة الغاضبة أن تقبلها. أفكر دائمًا في أن أكثر الأوضاع مثالية لمخاطبة الآخر هو أن يكون ميتًا.. لا يتعلق بالأمر فحسب بقدرة المرء غير المسبوقة على الخطو داخل ظلام ما، وإنما على التحرّك أيضًا داخل أكثر الخرافات اللغوية اعتيادًا.. لم يكن بوسعي أن أخاطب أمي وهي تبدو على قيد الحياة كما فعل دوستويفسكي مثلا حين وصف أمه بالحنون، بينما كان يحدثها عن الملل والأحزان والشوق، قبل أن يقبّل يديها كابن بار.. لكن الموت لم يمنحني الحرية اللغوية للقيام بتلك الطقوس المبتذلة التي لم أشعر أبدًا بالرغبة في أدائها، بل يمكن القول أنه أعطاني الفرصة كي أحاول بطرق سردية مختلفة أن أشرح لأمي وهي في قبرها لماذا لم يكن ليتغيّر أي شيء بيننا لو عادت إلى الحياة.. في قصتي القصيرة "ستاند أب كوميدي" والمنشورة ضمن مجموعة "يوم واحد من العزلة" الصادرة عن دار فراديس البحرينية، وتضم قصصًا قصيرة جدًا لكتّاب من الوطن العربي؛ في تلك القصة كان هذا الأمر واضحًا تمامًا، وربما يمكن لعنوانها أن يضيء ذلك الشعور المتحسّر والساخر الذي كان يتملّكني وقت كتابتها.. كأن "الحياة" هي العائق الوحيد ـ غير الهيّن بالطبع ـ أمام "الوجود"، وبالتالي فإن المرء يبدأ حضوره الفعلي بعد انتهائها وفقًا لكل الكلمات التي لم يكن يستطيع الذين كانوا يشاركونه العتمة أن يعثروا عليها، أو يتحدثوا بها إليه قبل أن يتحوّل إلى جثة من الذكريات.. على جانب آخر ـ وهو ما يندرج قطعًا ضمن الهزل الكلي ـ قد تكون هذه الكلمات هي أكثر البدائل سوءًا للأثر الشخصي الذي لم يكتبه العابر بنفسه قبل أن يغادر.

امتناني لكِ دائمًا

ممدوح رزق

 *****

صديقي العزيز أحسّ أحياناً أن الكاتب هو أكثر البشر حباً وتعلقاً بالحياة، سواء كان يعي ذلك أو يحسّ بنقيضه، وأن الحياة تمنحه  مقابل هذا الحب والتمسّك حياة متعددة ومتفرعة وغزيرة. قلتَ لي في رسالتك إن حفل تكريمك قاطع كتابة غاضبة  كنت تكتبها، وأنك بعد حفل التكريم لم تعد إلى تلك الكتابة، لم تكن سعيداً بعدم العودة، ربما لأنّ الكتابة  هي أطول عمراً وديمومة من لحظة امتنان عابرة! ربما كنا نكتب لنعيش الوجود على نحو أفضل، أو ربما لنضاعف الساعات التي ننهبها تباعاً، ونضاعف الأفعال، والأحاسيس، النشوة، الفخر والأثر مهما كان حجمه ومهما كانت الهيئة التي يتخذها، ليست المضاعفة هنا بمعنى خلق حجم مساو لذلك العيش، وإنما إعادة ابتكار الكلمات التي نجدها في ذاكرتنا بالصدفة لترسم  بها الكثير من الظلال حول عيشنا ومن خلاله حتى يبدو دون إطار، أو دون حد، كل محاولة لتفسير تلك الجمل والمفردات التي تقفز إلى وعينا دون غيرها  أثناء الكتابة هي محاولة لـ "الخطو في الظلام ". الكلمات التي ظلت هامدة لأن الموتى لم يقولوها، والأفعال التي تجزأت وتفرقت مكوناتها لأن الموتى الذين نحب لم يفعلوها ربما نفعلها نحن ونقولها في تلك المسافة الفاصلة بين التذكر والنسيان، أو ربما ننظر نحوها من بعيد كأننا نعتذر للموت وللموتى عن حياتنا من بعدهم.. ألا ترى أننا نظلم الحياة وندل الوجود على ألوانه القاتمة كأنما ليضعها في طريقنا ونحن ننظر باستسلام وهدوء كأننا لا نريد أن نفارق المكان الذي نبتت فيه تلك الظلال الحزينة؟ حين يأخذ منا الموت من نحب، نكتشف فعلاًـ وكما قلت في رسالتك ـ أن حياتهم كانت عائقاً أو على الأقل ستاراً يحجب عنا رؤية صورهم الكاملة ومعايشة تفاصيلها الدقيقة، الموت يتيح  لنا تلك الصورة الحافلة بالتفاصيل ويتيح لتلك التفاصيل أن تكثر وتبدو أكثر جاذبية ودائماً كما تشاء  الذاكرة الحزينة وكما يتسع الخيال المحب والمشفق. صديقي العزيز قبل أن أبدأ في الكتابة إليك عدت إلى قراءة قصتك القصيرة (الموت العجيب لطائر)، وهي من قصصك الجميلة التي تشبه قراءتها قراءة قصيدة جميلة ذات نهاية لا تنتهي؛ لقد ظلّ بطلك يراقب الطائر الميت والثابت مثل تمثال حتى أنه كان يلاحظ أحياناً رفيفاً خافتاً لجناحيه، قبل ذلك كانت المراقبة تلك قد تحوّلت إلى حياة كاملة يعيشها بطلك بمعزل عن حياته المعتادة وعن حياة الآخرين كل ذلك وهو يبحث عن جواب لسؤال وحيد كيف مات الطائر؟ من التعب في السعي نحو الخلاص من الكيس الذي مات فيه، أم من الاختناق أم مات متعمداً أن يلاقي الموت .. ربما لا تعرف يا صديقي أنك حشرت القارئ مع بطلك في تلك العزلة الرهيبة وتحت سقف وحيد من المجهول المتجسّد في تلك التساؤلات الحزينة والمكلفة، ربما قمت دون قصد بوضع  القارئ أمام طائره الخاص، الذي آل إلى نفس المآل (شكلاً ماثلاً أمام النظر مثل تمثال) مهما كان اسم ذلك (الطائر) أو شكله، مهما كان اسم خلوده داخل الوعي موتا أو حياة  أو سؤالاً لن يكون له جواب خارج الذات المعزولة في صَلاتها الشاخصة نحو المجهول أبداً، تلك الصلاة المتأملة والحزينة التي أسميتَها"الحياة الجديدة" والتي دخلها بطلك بإيمان مطلق دون أدنى شعور بأنه كان يهدر أيامه: "على العكس؛ لا تزال ثقتي تتزايد في أنني كرّست هذه السنوات لأكثر الأمور صوابًا، بل لن أكون مخطئًا لو قلت أن هذا الانشغال المهيمن بالطبيعة الملغزة لموت الطائر كان بمثابة الختام الوحيد اللائق بحياتي التي نجحت في تعزيز انفصالها عن الخرافات الأخرى". هكذا إذن لم يكن الموت هو بطل القصة ولا الطائر، بل تلك الحياة التي تحوّلت إلى لحظات طويلة من النظر والتأمل والإخلاص لتفسير المجهول.. تحياتي وتقديري

مريم شريف

  [post_title] => مكان مهجور، يمر من حوله الوجود، ويمضي في طريقه [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d9%85%d9%83%d8%a7%d9%86-%d9%85%d9%87%d8%ac%d9%88%d8%b1%d8%8c-%d9%8a%d9%85%d8%b1-%d9%85%d9%86-%d8%ad%d9%88%d9%84%d9%87-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%88%d8%af%d8%8c-%d9%88%d9%8a%d9%85%d8%b6%d9%8a-%d9%81 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-11 09:56:55 [post_modified_gmt] => 2019-07-11 09:56:55 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31104 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [31] => WP_Post Object ( [ID] => 31101 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-10 04:45:40 [post_date_gmt] => 2019-07-10 04:45:40 [post_content] => بسمة الشوالي

-1-

اِستقلّتْ مقعدا وسطا في الصفّ الثاني من سيّارة الأجرة. الوجه المنعكس على المرآة الخارجيّة صفحة مجعّدة لامرأة شاحبة رشَم عليها الزّمن كلّ تواريخه القٌلّب. قدّرت أنّها في مثل عمرها أو أزيد بشقاء غير قليل، ومثلها ربّما، محمّلة بكيس كبير من عبوات الأدوية وفواتير مكلفة. لحافها صوفيّ كالذي تلتفع به، وأزرق بورود بنيّة كبيرة مسدل على الكتفين المنهكين. وجه الغريبة لا ينفكّ يفتكّ ذهنها من شروده، ويثبّت بصرها عليه مثرثرا بمتاعبها الشّخصيّة التي تتقن كبتها إلاّ عن أنّات الهزيع القاسي من آلام المفاصل. لا تدري لمَ تشغل بالها بغريبة تشاركها السّفرة عرضا، وتشبهها في تفاصيل كثيرة. كأنّما عرفتها قبلا. أين؟ متى؟ لا تذكر. مدينة الذّاكرة ابيضّت جدرانها وبدأت تفقد انتظامها الطّبيعي، والشّارع الذي تسكنه وجوه معارفها غالبا ما ينطفئ مصباحه، ثمّ هي لم تر سيّدة غيرها تركب سيّارة الأجرة ! لم تنتبه حتما. أشياء كثيرة غدت تجتازها ولا تفطن. اِلتفتت إلى ركّاب المقاعد الخلفيّة. عاد المصباح ينير المنطقة المظلمة. ضحكت. رمقها الجميع شزرا. اِنفجرت بكاء. " أنتِ بخير سيّدتي؟" . حرّكت رأسها نفيا للحقيقة التي رأت، ذلك الوجه لها.  

-2-

وزّعت كلّ مشاعرها على الورثة واحتفظت لنفسها بكرسيّ هزّاز تركته في الغرفة يهدهد ذكراها. تركت كذلك ابتسامتها البيضاء المُبهجة على طاولة ميمنة السّرير، سابحة في محلول طبيّ، لتستقبل عنها زائرها الأخير. لن تعرف من هو حتما، لكن، يسعدها أن يعرف أنّها تقضي سفرتها مطمئنّة حالما تعانق ابتسامة طاقم أسنانها الأبديّة نظرته المندهشة، عدا ذلك، لا وصيّة من بعدها لأحد. كان الأحد يقع نهاية أسبوع لن تراه. وغالبا، هي لا ترى أحدا عند الأحد. قبل شهرين، كانت الآحاد كلّها أوقاتا سعيدة.. يومه الأخير بدار العجّز كان أحدا أيضا. تتشمّم الشّال هديّته الأخيرة لميلادها السّتين، تُحكم لفّه حول كتفيها. قال للممرّضة "محبوبة لا تحتمل برد الشتاء، اشتري لها ما يدفئها". وكسّر لأجلها حاجز السّبعين بطبق دسم من الحلويّات. في منطقة ما من العمر يصير فرط البياض قاتلا، يصير القلب نجّارا عجوزا يقلّع خشبات السّنين التي بقيت صالحة ويصنع منها فُلكا صغيرا للرّحيل.  

-3-

لن يتأخّر. تلقي على الدّقائق الأخيرة نظرة رضى ممتزجة بالحنين. تودّ حتما أن تظلّ هنا أكثر ريثما تقفل دائرة الثمانين من العمر مثلا أو تعود ابنتها من سفرها الطّويل. نقطة السُّرّة تنبض بشدّة. هذا موعده ولا شكّ. رأت فجرا ورقتها بيضاء لا شِيَة فيها تسقط من شجرة الحياة، إن هي إلاّ فسحة من زمن قصيرة قبل أن تصل حافلة الأبديّة إلى محطّة الانتظار. لكنّها، في غمرة انشغالها بترتيب لحظات العمر الأخيرة لم تر لاعب الورق السّماويّ حين كان يعبر الرّواق الذي عبرته نحو غرفتها بدار العُجّز. هو أيضا لم يرها. كان منشغلا بترتيب أوراق سكّان الدّار حسب الترتيب الزّمني للنهايات، متّجها إلى المنزل المجاور ليقبض روحا فتيّة لطفلة كثمرة برقوق تورّدت للتوّ على جذع الحياة وملأت حياة والديها مسرّة بعد يأس.. .............. *كاتبة من تونس [post_title] => فتنة البياض [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d9%81%d8%aa%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%8a%d8%a7%d8%b6 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-10 04:45:40 [post_modified_gmt] => 2019-07-10 04:45:40 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31101 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [32] => WP_Post Object ( [ID] => 31099 [post_author] => 835 [post_date] => 2019-07-10 03:33:16 [post_date_gmt] => 2019-07-10 03:33:16 [post_content] => د.خالد عاشور ما زلنا بصدد عرض لجدل نقاد نجيب محفوظ حول إشكالية مراحل الإبداع الروائي عند الرجل ، وقد عرضنا في الحلقة الأولى من هذه الدراسة للمرحلة الأولى التي اصطُلح على تسميتها "المرحلة التاريخية" . وبالنسبة للمرحلة الثانية من مراحل الإبداع الروائي عند نجيب محفوظ (المرحلة الواقعية)  ينشأ خلاف أكبر درجة من خلاف المرحلة الأولى بين نقاده (عرضنا له في الحلقة الأولى من هذه الدراسة). ويبدأ الخلاف من عنوان المرحلة، فنجد ـ تقريباً ـ عنواناً لكل ناقد، بل قد تتعدد العناوين عند الناقد الواحد. ومن هذه العناوين على سبيل المثال: "المرحلة الاجتماعية"([1])، "مرحلة الواقعية النقدية"([2])، "مرحلة الاتجاه الواقعى الطبيعى"([3])، "المرحلة الواقعية"([4])، "مرحلة الرواية الاجتماعية المعاصرة"([5])، "المرحلة الاجتماعية الواقعية"([6])،"الواقعية التسجيلية"([7]). وهى كما نرى عناوين متقاربة فى دلالتها على سمات المرحلة الفنية رغم تباينها الظاهرى. فهى مرحلة جمعت أعمالها الفنية بين كل هذه العناوين من اجتماعية إلى واقعية إلى طبيعية إلى معاصرة، مما شكل السمات الفنية لتلك المرحلة، والتى لخصها النقاد فى الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة المتعلقة بكل شىء من الشخصيات وأوصافهم الداخلية والخارجية، إلى المكان، إلى الزمان، إلى غير ذلك. كذلك الاهتمام بتصوير الإنسان فى المجتمع المصرى قبل ثورة يوليو خاصة من الطبقة المتوسطة، والكشف عن عناصر مأساته، وما يستتبعه ذلك من فضح للمجتمع القديم. ولذا فإن روايات هذه المرحلة كما لاحظ بعض النقاد تتشابه شخصياتها، وتتكرر تجاربها ومصائرها، لأنها روايات تدور فى بيئة واحدة، وفى أزمنة متقاربة أو متكررة، وتحكمها رؤية اجتماعية واحدة لطبقات المجتمع([8]). أما حدود المرحلة المتعارف عليها، والأعمال الروائية المكونة لها، والتى سبقت الإشارة إليها("القاهرة الجديدة" عام 1945،"خان الخليلى" 1946، "زقاق المدق" 1947، "السراب" 1948، "بداية ونهاية" 1949، "بين القصرين" 1956، "قصر الشوق" 1957، "السكرية" 1957) فلدينا أكثر من صورة من صور الخروج عليها ومن ذلك:
  • ما أثبته طه وادى فى كتابه "صورة المرأة" من تقسيم يفصل فيه الروايات الأربع الأولى ويعطيها عنوان "الواقعية النقدية"، ويضع الثلاثية وحدها فى مرحلة مستقلة بعنوان "الواقعية التسجيلية". مع ملاحظة أن الناقد عاد ونقض هذا الرأى فى كتابه الأخير "أمير الرواية العربية" حيث ساير فيه التصنيف الشائع لهذه المرحلة بحدودها المعروفة، وأعطاها عنوان "الواقعية النقدية".
  • ما اتفق فيه كل من محمد حسن عبدالله ونبيل راغب من خروج رواية "السراب" عن الخط الفنى لروايات المرحلة. فيراها الأول تجربة فريدة فى منحاها، خارجة عن خط الواقعية، قاطعة لتسلسل رواياتها من القاهرة الجديدة حتى الثلاثية فى منحاه الاجتماعى لا الواقعى([9]). أما نبيل راغب فيذهب إلى أبعد من هذا ويرى الرواية تمثل مرحلة مستقلة بذاتها عنوانها "المرحلة النفسية المبتورة" استناداً إلى أنها أول رواية يخرج فيها الكاتب عن نطاق الرواية الاجتماعية إلى ميدان الرواية السيكلوجية([10]). ولأنها تجربة غير ملحوقة فهى تمثل فى نظره مرحلة مبتورة.
  • ما ذهبت إليه فاطمة موسى من أن رواية "السراب" أسبق من رواية "زقاق المدق" من حيث تاريخ الكتابة، وإن كانت الثانية أسبق من حيث تاريخ النشر، وأن نجاح "زقاق المدق" هو الذى أغرى الكاتب بأن ينشر "السراب" 1948بعدما كان متردداً فى نشرها([11]). وهو رأى قد يكون صحيحاً لشذوذ الرواية عن الخط الفنى لإبداع المرحلة.
   ومع ملاحظة عدم إثبات الناقدة دليلها علي هذا الرأى، ولا إشارتها إلى مصدرها فيه؛ فنحن لا نمتلك شيئاً مؤكداً عن تواريخ كتابة روايات نجيب محفوظ. وما أورده غالى شكرى فى ذيل كتابه "المنتمى" من ثبْت بالتواريخ التى ألّف فيها الكاتب أعماله الروائية، وقال إنه اعتمد عليه شخصياً فى معرفتها؛ تبقى محل نظر، إذ لو أخذنا بها لأصبحت رواية "خان الخليلى" مثلاً مكتوبة قبل بداية أحداثها الحقيقية التى تعود إلى سبتمبر سنة 1941 كما ورد بالرواية على لسان الراوى، لأن الناقد يثبت تاريخ كتابتها من سبتمبر 1940 حتى أبريل 1941، ولأصبحت رواية "زقاق المدق" كذلك؛ إذ يدور زمنها الروائى بعد الحرب العالمية الثانية بخمس سنوات، ويعود تاريخ كتابتها كما أثبته غالى شكرى من سبتمبر 1941حتى أبريل 1942، أى أنها كتبت قبل أن يبدأ زمنها الحقيقى([12]). وهو أمر ينسحب على بقية الروايات التى يثبت الناقد لنجيب محفوظ فى كتابتها تاريخاً مطرداً من سبتمبر إلى أبريل من كل عام على مدار السنوات من 1935 حتى 1952، أخرج فيها أعماله الروائية من عبث الأقدار حتى الثلاثية بواقع رواية واحدة كل عام. ولا شك أن عملية الإبداع لا تسير هكذا على نحو مستوٍ وآلى بحيث يتمكن نجيب محفوظ من أن يمسك بقلمه فى سبتمبر ليتركه فى أبريل من العام الذى يليه تاركاً لنا كل مرة رواية.
  • ما ذكره على شلش وسبقت الإشارة إليه من أن رواية "خان الخليلى" أسبق من رواية "القاهرة الجديدة" فى النشر، وذلك عكس ما هو مشهور ومتواتر من أن "القاهرة الجديدة" سبقت "خان الخليلى" وتصدرت مجموعة رواياته الواقعية حتى الثلاثية. حيث ظهرت "خان الخليلى" فى النصف الأخير من عام 1945، وكان ظهورها منسجماً مع نهاية الحرب العالمية الثانية، فقد عالجت وقْعها على إحدى الأسر القاهرية ضمن ما عالجت من مشكلات([13]).
    أما رواية "القاهرة الجديدة" فقد ظهرت فى أواخر النصف الأول من عام 1946أى بعد أقل من عام على ظهور سابقتها. ويستدل شلش على رأيه هذا بدليل سبقت الإشارة إليه ويبدو مقبولاً إلى حد كبير، وهو تواريخ المتابعات النقدية لتلك الروايات، إذ برصد المقالات والتنويهات الصحفية المواكبة للروايتين يتبين أن تاريخ نشرهما يدور فى الفترة التى ذكرها الناقد. ولو كانت "القاهرة الجديدة" أسبق كما هو شائع لما كان من المعقول أن تسبقها تنويهات ومتابعات صحفية ونقدية لـ"خان الخليلى" وهى لم تصدر بعد(·).  وربما حازت "القاهرة الجديدة" هذه المكانة فى ترتيب أعمال الكاتب لشهرتها دون "خان الخليلى"، وهو ما يؤيده شلش حيث يرى أن رواية "القاهرة الجديدة" تبدو أنضج فنياً وأكثر حيوية ودرامية من أختها على الرغم من اعتراف نجيب محفوظ نفسه بأنه كتبها قبل "خان الخليلى". وكأن ظهورها بعد "خان الخليلى" طبيعى من حيث نضج الخبرة([14]). وينبغى أن نذكر هنا أن الناقد الوحيد الذى نجا من هذا الخطأ فى وقت مبكر هو أنور المعداوى، حيث ذكر على نحو هامشى فى دراسته عن الثلاثية ترتيباً لأعمال الكاتب التى سبقتها، على النحو الصحيح، مقدماً "خان الخليلى"على "القاهرة الجديدة"([15]). ويعضد أيضاً من الآراء السابقة ما وجدته فى ذيل الطبعة الثانية من رواية "رادوبيس"، وهى طبعة مندثرة، يعود تاريخ نشرها إلى سنة 1947(طبعة لجنة النشر للجامعيين) حيث يثبت الناشر قائمة بأعمال الكاتب التى نُشرت حتى ذلك الحين، وهى كالتالى: "عبث الأقدار"، "رادوبيس"، "كفاح طيبة"، "خان الخليلى"، "القاهرة الجديدة". كما يذكر أن للكاتب تحت الطبع: "زقاق المدق"، "همس الجنون"؛ مما يحسم إلى حد كبير ـ فضلاً عن قضية "خان الخليلى" ـ ما سبق وأثرناه متعلقاً بالخلاف حول المجموعة القصصية الأولى للكاتب، من أن تاريخ نشرها يعود إلى سنة 1948 ( وهو ترجيح على شلش أيضاً) وليس إلى سنة 1938 كما درج على ذلك نقاد نجيب محفوظ، ولا إلى سنة 1947 كما أثبت ذلك حمدى السكوت نقلاً عن الكاتب نفسه. ...............................  ([1]) عند محمد حسن عبدالله: الإسلامية والروحية، محمود أمين العالم: تأملات فى عالم نجيب محفوظ  ([2]) عند طه وادى: صورة المرأة فى الرواية العربية  ([3]) عند: محمد زغلول سلام: مصدر سابق  ([4])عند كل من: عبدالمحسن طه بدر: مصدر سابق، فاطمة موسى: فى الرواية العربية، محمد حسن عبدالله: الواقعية فى الرواية العربية دار المعارف. القاهرة 1971، فاطمة الزهراء محمد سعيد: الرمزية ص 257  ([5]) عند: يوسف الشارونى: مصدر سابق  ([6]) عند: نبيل راغب: مصدر سابق  ([7]) عند: طه وادى: صورة المرأة في الرواية  ([8]انظر عبدالمحسن طه بدر: مصدر سابق ص238 وانظر "الواقع والتجربة" من فصل النقد الأيديولوجى من كتابي البحث عن زعبلاوي  ([9]الواقعية فى الرواية العربية ص468، 475  ([10]قضية الشكل الفنى ص205  ([11]) فى الرواية العربية: مصدر سابق ص 56  ([12])انظر تعقيب عبدالمحسن طه بدر على ما قاله غالى شكرى ص 238 من الرؤية والأداة.  ([13]) علي شلش : نجيب محفوظ الطريق والصدى. كتاب الثقافة الجديدة ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة. القاهرة. ديسمبر 1993ص105 (·)فى ضوء هذا الرأى يصبح حديث عبدالمحسن طه بدر عن صلة كفاح طيبة بالقاهرة الجديدة  من حيث اشتراكهما فى الحديث عن مصر..إلخ؛ يصبح هذا الكلام فى حاجة إلى مراجعة.  ([14]السابق ص 108  ([15]انظر دراسة أنور المعداوى بعنوان: ملحمة نجيب محفوظ الروائية فى كتاب فاضل الأسود: الرجل والقمة. الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة 1989 ص 85 [post_title] => مراحل الإبداع الروائي عند نجيب محفوظ.. قراءة أخرى (2 من 9) [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d9%85%d8%b1%d8%a7%d8%ad%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d8%a7%d8%a6%d9%8a-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d9%86%d8%ac%d9%8a%d8%a8-%d9%85%d8%ad%d9%81%d9%88%d8%b8-%d9%82-2 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-10 03:33:16 [post_modified_gmt] => 2019-07-10 03:33:16 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31099 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [33] => WP_Post Object ( [ID] => 31097 [post_author] => 729 [post_date] => 2019-07-09 18:30:45 [post_date_gmt] => 2019-07-09 18:30:45 [post_content] =>  د. مصطفي الضبع عبر علاقة الإنسان بمكونات عالمه المنظور تتشكل مساحات حركته، وعبر تفاعله مع مفردات الوجود تتشكل ثقافته، ومن علاقة الشاعر بالمعنى الأعمق للأشياء تتشكل خارطة تجربته الشعرية، والأشياء في علاقتها بالبشر دائمة مادامت الحياة، يتكرر البشر وتتغير أزمانهم ولكن وجودهم وعلاقتهم بمفردات الوجود تبدو تكرارا عميقا، لا يفضى إلى الابتذال أو السطحية بقدر ما يفضى إلى العمق مستفيدا من التجربة الإنسانية المتكررة والقادرة على استثمار خبراتها البشرية. والشاعر في تعامله مع الوجود  يكون في حاجة لتعميق رؤاه عبر توسيع دائرة الأشياء التي تبدو ضيقة أو تضيق مع مرور الوقت، فتعدد البشر يقابله تفرد عنصر من عناصر الوجود، فالبشر متعددون متغيرون والشمس واحدة، والبشر متعددون والقمر واحد والبحر واحد، وكلها أشياء تبدو ثابتة، لا يملك الإنسان سوى رؤية معانيها المتعددة متجاوزا تفردها وثباتها، وموسعا مجال العلاقة معها باستكشاف دلالاتها ، وهو ما يتطلب بدوره الاعتماد على الخيال وتفعيله في اكتشاف هذه المعاني والدلالات،  وليس غير الشاعر قادرا على هذا التفعيل المنتج. الشاعر في تعامله مع الطبيعة يتركها ترصده لا يرصدها هو، فالطبيعة ترصد الشاعر لتجعله مفتونا بها، لا يرى حياته سوى ممررة عبر تفاصيلها ، خالقة ثنائية: الشاعر والوجود، تلك الثنائية التي تتكشف عن نوع من الصراع أحيانا والتوافق والتغني أحيانا أخرى.  ساهم الوجود التاريخي للنيل في تشكيل وجدان الشخصية المصرية، متداخلا في كثير من سياقات حياته الاجتماعية والسياسية والنفسية، لنجد صداه في فنون النظم المختلفة: شعر الفصحى – شعر العامية – الأغاني ([1] ) في الشعر الحديث لم يكتف الشعراء برصد الصورة المشكلة للنيل بوصفها مشهدا وصفيا تتناوله القصيدة وإنما عمدوا إلى توظيف النيل بوصفه عنصرا فنيا يمكن توظيفه لإنتاج الدلالة، متجاوزا الصورة القديمة القائمة على المديح فحسب ( [2]) أو الصورة الوصفية التي اعتمدها شعراء المدرسة الكلاسيكية ومن حذا حذوهم من شعراء الرومانسية الأوائل. ما بين أقدم صور عرفها الشعر العربي للنيل وفى مقدمتها الصورة التي رسمها الأعشى ( تضمنها ديوانه): فما نيل مصر إذ تسامى عبابه       ولا بحر بانقيا إذا راح مفعما بأجود منه نائلا أن بعضهم        إذا سئل المعروف صد وجمجما و أحدث صورة رسمها الشاعر عبد المنعم كامل (نشرها على صفحته على الفيس بوك يوم 7 فبراير الجاري2012) يقول في مطلعها:

للنيل مفتَتَحُ القصيدةِ..، يمنحُ الفجرَ الدَّمَ الريَّانَ يمنَحُهُ الندى يُصغي لبوح سرمديٍ غامضٍ تتلوهُ ألفُ ربابةٍ فَيَلُمُّ في صبواته ُ ما شاء من شِعرِ الرياحِ..، يذوقُ ظِلَّ السوسن البريِّ..، ما فاضت به الأسرارُ..، منفلتاً من الآثام في المدن القديمةِ..، من كهوف الليل في وادي أبيه

ما بين القصيدتين تاريخ وحياة لبشر كان النيل أسطورتهم الخاصة، وكان معلمهم الأول وقانون حياتهم قبل أن تعرف البشرية قوانينها، ولم يكن النيل تاريخا قديما انتهى بقدر ما سيكون النيل تاريخا يصنعه المستقبل.  ما بين القصيدتين ملامح يمكن لقارئها أن يكشف عددا من الملاحظات الدالة:
  • تصلح الصورة الأولى مفتتحا لقصيدة طويلة قوامها أربعة عشر قرنا من عمر الثقافة العربية ساهم شعراء العربية على مر العصور في كتابة القصيدة وبالطبع لا تكون القصيدة الثانية هي البيت الأخير في قصيدة النيل ولكنها ترجمة لرحلة النيل في عقول شعراء العربية.
  • ما بين القصيدتين تجربة شعرية مرت بمراحل مختلفة استهلها شعراء العربية الأوائل بالربط بين النيل والممدوح في الوصف بالكرم وتطورت إلى صورة لها أبعادها المتعددة المرتبطة بكل مناحي الحياة ( كما سيتكشف لنا من خلال قراءة المشهد الشعرى للنيل ).
  • ليست مصادفة ارتباط النيل بالمديح وكونه مرجعية لتصوير الكرم فعطاء النيل في مقدمة سماته والعطاء ليس لكونه سر الحياة ولا لكونه العلامة التاريخية و الجغرافية وإنما يتجاوزهما إلى كونه علامة بيولوجية يمكنك مكاشفتها إذا طابقت بين النيل في مشابهته المرئ وانبعاجه عند المعدة إذا تتبعت صورته على الخريطة من الشمال إلى الجنوب ووجدته يتخذ شكل المرىء حتى إذا وصلت إلى منطقة محافظة قنا وجدته يأخذ شكل المعدة.
  • في مقاربته للنيل يقدم الشعر وظيفتين أساسيتين: أولاهما وظيفة تسجيلية تقوم على أساس تسلسلي عبر العصور المختلفة التي قارب الشعراء فيها النيل رابطينه بأحداث عصورهم المختلفة وهو ما يتجلى من خلال عصور الشعر المختلفة من الجاهلي وإلى الحديث مرورا بالعصور الإسلامية المعروفة في تاريخ الثقافة العربية، وثانيتهما تقوم على أساس من التفسير والرصد لمساحات حضور النيل في نفوس البشر وهى وظيفة تتضام مع وظائف يقوم بها الفن عامة وتتعاضد فيها الفنون المختلفة من أغنية ورواية وشعر ومسرح وسينما ودراما تليفزيونية ودراما إذاعية في تشكيل الصورة.
إنه النيل وجه مصر الحضاري سواء كانت لديك القدرة على رؤيته عبر التاريخ أو عبر الحضارة الإنسانية، ذلك الوجه الذى شغل البشر وألهم الشعراء والفنانين واشتاق إليه الرحالة وعلم الفلاح المصري تفاصيل الحياة ومقوماتها فلم يدخل النيل بيوت المصريين مياها تقوم عليها حياتهم ولكنه دخل كل تفاصيل هذه الحياة التي قامت عليه وانتقل من اللحظة التاريخية إلى عمق العقل المصري عبر التاريخ، وتسرب إلى الفكر الإنساني متبلورا في مؤلفات الجغرافيين والمؤرخين والسياسيين وعلماء الاجتماع والفلك في تضفيرة شاهدة على دوره في حياة البشرية.   عبر تاريخه الطويل كان النيل علامة شاهدة على الشخصية المصرية إضافة إلى كونه  علامة شعرية وسع الشعراء من دائرة عملها لتنضاف إلى علامات يعرفها هؤلاء الذين عاشوا على ضفافه، هؤلاء الذى  يعرفونه بصورة تحمل كل معانى الحب والانتماء غير أن الشعراء يجعلونهم يرون صورة أكبر بكثير من كل هذه المعاني، وهى صورة ليس لشاعر فيها فضل على الآخر إلا بقدر قدرته على إشعار هؤلاء أن النيل الذى يعرفه أجمل بكثير حين يكون ممررا بخيال الشعراء هؤلاء الذين تبادلت قصائدهم الخلود مع النيل، قاربت قصائدهم النيل فمنحها طاقة الخلود. النيل للشعراء حلم وأغنية وقصيدة، وكلها معان حولتها السياسة المصرية في سنواتها الأخيرة إلى ألعوبة للسياسيين وصفقة أطرافها هؤلاء الذين لا يدركون عمق الأشياء، فالشاعر يرى العالم حلما يسعى لتحقيقه، والسياسي يراه صفقة لا ينتهى العالم لو لم يكسبها وما بين الحلم والصفقة مساحات شاسعة من الوعى بقيمة النيل وتجربته الكونية الفريدة. ليس الباحث في شأن  النيل أو الكاتب عنه في حاجة إلى أسباب تبرر انشغاله بالنيل، أو مبررات تؤكد العلاقة بين الكتابة والنيل وإنما هي أسباب قبلية تفسرها أسباب تتكشف عبر المقاربة ذاتها فلم أكن في حاجة إلى البحث عن النيل في الشعر عبر ثلاث سنوات قضيتها في قراءة مئات الدواوين من الشعر العربي بحثا عن النيل وتجلياته فى القصيدة العربية عبر عصورها الممتدة  تكشفت لي مساحات من الفن تحولت معها عملية البحث إلى رحلة لقراءة تاريخ الأمة العربية على مختلف المجالات، رحلة طرحت أسئلة لها أهميتها فى قراءة شخصية مصر وعلاقاتها عبر التاريخ، رحلة كشفت عن معدن الإنسان العربى والمصرى فى سياق لحظة تاريخية منحها النيل تميزها وخصوصيتها،  رحلة بين دواوين الشعر العربى فى العصر الحديث أسفرت عن قرابة 400 قصيدة  عن النيل، وقرابة عشرين ديوانا ،  كان للوقوف على عناوينها أحيانا سحر اكتشاف مساحات رسوخ النيل فى نفوس أبناء العربية. يتحدد مستوى حضور النيل بداية من عناوين القصائد التى تراوح بين النيل مفردة لا تنازعها مفردة أخرى وتتعدد مستويات الحضور مؤسسة على العنوان المركب، وعلى الصورة وعلى سياقات ذات مضامين سياسية واجتماعية وتاريخية وإنسانية. للوهلة الأولى ستتكشف لك ثلاثة أنواع من القصيدة:
  • قصيدة يتصدر النيل عنوانها لفظا مفردا لا تنازعه مفردة أخرى وقد تجلى ذلك فى قصائد لعدد من شعراء العربية منهم (حسب الترتيب الهجائى): أحمد الحوتى - أحمد زكى أبو شادى -  أحمد بن محمد الشامى – إدريس محمد جماع – بولس غانم – صالح عبد القادر - عامر بحيرى – عبد المنعم كامل -  فاروق شوشة – الهادى آدم وغيرهم.
  • قصيدة يطرح النيل نفسه فى سياق عنوان مركب يتأسس على النيل وفعله ومنها:
  • النيل حين يثور لحسن عبد الله القرشى.
  • النيل يعبر المواسم لفوزى خضر ( العنوان لديوانه أيضا ).
  • النيل يسأل عن وليفته لفاروق شوشة ( العنوان للديوان أيضا ).
  • النيل يتحدث إلى توأميه لمصطفى طيب الأسماء.
  • النيل يتدفق من جنبه للشاعر محمد أبو دومة.
  • سنابل النيل للشاعرة اللبنانية هدى ميقاتى ( والعنوان لديوانها أيضا )
  • قصيدة يفرد النيل نفسه على مساحتها بعد سماحه لعنوان من صفاته ليتصدر النص:
  • مسافر زاده الخيال لمحمود حسن إسماعيل.
  • من أغانى النهر لعبده بدوى.
  • ثقافة مصر للتيجانى يوسف بشير.
  • رحلة المتنبى إلى مصر لمحمود درويش.
  • مصر والسودان لمحمد مصطفى الماحى.
  • خواطر عربية لمحمد المهدى المجذوب.
  • الحب فوق الحدود لمحمد عبد الغنى حسن.
وليست قصائد النوع الثالث معناها تراجع مساحة النيل فيها فقط يبدل النيل موقعه مع معانيه وسماته دون مغادرة موقعه ملهما وشخصية لها قدرها ولها جمالياتها وقدراتها الفنية. فى توقع أول اعتقدت أن النيل يقف ملهما لشعراء عصر معين أو بقعة عربية معينة (كما هو التوقع أن يفرض النيل نفسه على شعراء مصر والسودان على سبيل المثال ) ولكن البحث يهدم هذا الافتراض تماما فلم يقف النيل عند شعراء ثقافة بعينها ولا قومية بذاتها، ستجد شعراء على مساحة الوطن العربى، وستجد قصائد ولدت فى مصر وأخرى ولدت فى أقصى بلاد الوطن العربى شرقا وغربا، وستجد مساحة زمنية بعينها تختص بكم هائل من القصائد المرحلة الناصرية بما تميزت به من بروز للشخصية المصرية وتصدرها المشهد العربى، ستجد حضورا نيليا عند من يحبون مصر وعند من يعاتبونها دون تجاوز الحب إلى نقيضه ودون أن يتحول النيل إلى مدعاة لما هو خلاف الحب، ستجد قصائد لشعراء كلاسيكيين ورومانسيين وشعراء التفعيلة وحتى شعراء قصيدة النثر تقف الصفحات القادمة عند قصائد مختارة من بين  قصائد النيل المشار إلى عددها سابقا النيل معتمدة منهجا واضحا ومحدد الملامح:
  • التعريف بالشاعر والقصيدة.
  • قراءة القصيدة واستجلاء طاقاتها الدلالية والمعرفية.
  • قراءة النيل بوصفه علامة شعرية نجحت القصيدة العربية فى استثمارها لتقديم  منتج جمالى له خصوصيته  وله حقوله الدلالية وله طرائق فهمه وتشكيل وعى قارئه.
إنها محاولة للإحاطة بالمشهد الشعرى للنيل عل قراء العربية يدركون مساحة حلم الشعراء الذى عبث به أهل السياسة، وربما لأننا أمة تهتم بمقولات السياسيين على حساب مقولات الشعراء فإننا فى أمس الحاجة لقراءة المشهد كاملا.   محددات أولية خلافا للاعتقاد أن الشعراء المصريين انفردوا وحدهم بالانشغال بالنيل فالشعراء العرب من خارج مصر كان لهم مجال واسع للمشاركة في تشكيل الصورة ([3] )، وأن هذا يمثل إضافة توسع مساحة النيل في الشعر العربي، وتعمل على تضخيم الديوان الشعرى للنيل مما يجعل الحركة الفاحصة لدراسة هذا الديوان في حاجة إلى مساحات كبرى للرصد أكبر بكثير من مساحة هذه الورقة، مما جعلها تتوقف عند نماذج مختارة أقرب ما تكون إلى القصائد المنجزة عن النيل نصا أو عنونت بالنيل أو كان النيل نصا منفردا أو مشاركا في عنوانها إضافة إلى قصائد فرض النيل نفسه على موضوعها وإن لم يتصدر عنوانها، ومن ثم كانت القراءة التأسيسية بمثابة التحضير لقراءة أوسع تشمل كل النتاج الشعرى المتسع الذى يصعب على هذه الورقة أن تنهض بدراسته. مستوى أولى للحضور يتجلى حضور النيل في القصيدة وفق مستويات متعددة ، تتواشج في تشكيل الصورة الشعرية التي تتشكل للنيل وحضوره الشعرى وسنستكشفها في مواضعها من الدراسة، تتدرج من مستوى أولى  يتجلى فيه النيل بوصفه مفردة تتكرر في سياق القصيدة في معية عناصر أخرى يكون النيل – على الرغم من حضوره البارز – مفردة تحقق مستوى ما  من الدلالة، من خلال إدخالها في سياق دلالي تتشارك فيه مع غيرها لإنتاج الدلالة الكلية للنص، وهى سياقات تخضع في المقام الأول للأغراض الشعرية التي تتواشج فيها مع غيرها من العناصر للتعبير عن هذه الأغراض، وهو الجانب الذى يمكننا من خلاله رصد عدد من السياقات القائمة على الأغراض الشعرية الكاشفة، ومنها على سبيل المثال الرثاء: ويأخذ  النيل عددا من الوضعيات السياقية من أشهرها كونه شاهدا على الشخصية المذكورة، في قصيدته " بكت القيود وضجت الأصفاد " يرثى أحمد محرم وكيل الحزب  الوطني أحمد لطفي مستهلا مرثيته بقوله: أَتنامُ عَينُكَ والعُيونُ سُهادُ       ويقَرُّ جنبُكَ والجُنوبُ قَتادُ قُمْ للدّفاعِ فما لقومكَ مُنْصِفٌ       يُرجَى ليومِ ظَلامةٍ ويُرادُ ( [4] ) مستوى الصورة الجزئية في محاولة للوقوف عند المستويين، مستوى الصورة الجزئية (التي تظهر في بيت واحد وقد لا تتكرر) ومستوى الصورة الكلية المطروحة عبر مساحة القصيدة بكاملها، نتوقف هنا عند بعض الأبيات المفردة التي تجلت فيها الصورة الجزئية دون أن نعيد هذه الصور في الوقوف على الصور الكلية:
  • أحمد تقي الدين، 9 صور منها:
أُسائل عنكَ النيلَ والنيلُ سائلٌ       أَفي مصرَ بعد المصطفي من يُناضل
  • أحمد الزين، 4 صور، منها:
قولوا لِحِفني استبق دَمعَك حَسبها       ما قَد بَكاها النيلُ وَالأَهرامُ
  • أحمد فارس الشدياق، 9 صور، منها:
وكوثرها النيل المبارك فائضا       بخير عميم لم تفضه السحائب
  • أحمد الكاشف، 51 صورة:
إن صفق النيل السعيد فإنما       تصفيقه عن حبها تعبير
  • أحمد محرم، 11 صور، منها:
النّيلُ ينظرُ أين قَادَتُه الأُلى       مَنعوا الحِمَى أَتفرَّقوا أم بادوا
  • أحمد نسيم، 36 صورة، منها:
نآى النيل حتى صرت أشوق مولع       إلى رشفاتٍ من لماه عِذاب
  • الأخرس، 6 صور، منها:
من يُنيلُ النَّيْل من إحسانه       والعطاءُ الجمَّ والمال الجزيلا
  • إسماعيل صبرى، 7 صور، منها:
لا تَقرَبوا النيلَ إن لم تَعمَلوا عملاً       فَماؤهُ العذبُ لم يُخلَق لِكَسلانِ
  • التجانى يوسف بشير، 15 صورة، منها:
أَيُّها النيل في القُلوب سَلام الخُل       د وَقف عَلى نَضير شَبابك
  • جليلة رضا، وتأتى في مقدمة إنتاجها قصيدة " نيلنا الخالد " تقول في مطلعها:
يانيل ما أبهــــى رؤاك بناظرى          يا سائرا فوق الزمان الســــائر بك هينم الماضى البعيد بخاطرى    ومضى يشد غدى ويربط حاضرى ([5] ) وقصيدتها " بين النيل والبحر " ( [6] ).
  • حافظ إبراهيم 76 صورة، منها:
النيلُ قَد أَلقى إِلَيهِ بِسَمعِهِ       وَالماءُ أَمسَكَ فيهِ عَن جَرَيانِهِ
  • خليل مطران 62 صورة، منها:
أَيُّهَا النِّيلُ مَا جَنَيْتَ عَلَيْهِمْ       بَلْ جَنَى جَهْلُهُمْ وَلَسْتَ مُلِيمَا
  • زكى مبارك 27 صورة، منها:
فثار النيل يسأل ما شجاها       وما عين لأدمعها تثوب
  • على الجارم 62 صورة، منها:
النيلُ يستنجِدُ مُسْتَنْصِراً       فأَسْرعوا الْخَطْوَ إلى نَصْرِه
  • على محمود طه 31 صورة، منها:
ولِمَ اختلاجُ النيلِ فيه كأنه       شيخٌ يُذكرُ بالشبابِ ويحلمُ
  • أبو الفضل بن الوليد، 4 صور، منها:
 النيلُ جيشُ بني التاميز رنَّقهُ       وهو المعربدُ سكيراً وعضّابا.
  • محمد أبو المجد، 9 صور، منها:
" والنيلِ الذي ينسابُ من كفيْكِ"             " انتشى النيل،                       بكـَى،                         فارقَ مَجراهُ،                 وضمَّ العاشـقيْنْ" ( [7] )
  • محمد توفيق على 48  صورة، منها:
فَأَجفَلَ النيلُ مِن أَحلامِهِ وَجَرى       جَريَ الجَوادِ لَهُ مِن مِصرَ مِضمارُ
  • محمد عبد المطلب 98 صورة، منها:
يفي النيلُ فيها كلَّ عامٍ بعهده       لأبنائه والدهر جِدُّ مُضيع
  • محمود سامى البارودى 15 صورة، منها:
أَرْضٌ كَسَاهَا النِّيلُ مِنْ إِبْدَاعِهِ       وَلِبَاسِهِ الْمَوْشِيِّ أَيَّ لِباسِ
  • أبو مسلم العمانى، 3 صور منها:
إن هذا النيل أمّ حافل       كلنا يَرضع منها وَيَذر
  • مصطفي صادق الرافعى 6 صور، منها:
وما النيلُ في مصرٍ سوى دم قلبها       إذا حفظوهُ دامت الروح في مصرِ
  • ولى الدين يكن 6 صور، منها:
أيها النيل أنت تجري ودمعي       ليت شعري من سابق لأخيه. مستوى التشخيص من بين الصور المتعددة التي أنتجتها القصيدة الحديثة صورة النيل بوصفه شخصية لها بعدها التاريخي الأكثر وضوحا، حيث النيل إنسانا حكيما، شاهدا على الزمن والأحداث والعالم ومتغيرات النفس الإنسانية، ويكاد الشعراء منذ شوقي يتشاركون في تقديم هذه الصورة التي يمكن رصد إرهاصاتها الأولى عند شوقي وشعراء الجيل التالي أو المجايل له واكتسبت بعدها الإنساني عند شعراء الرومانسية، وتبلورت أكثر ما تبلورت عند شعراء الواقعية، الذين حملوا النيل طاقات دلالية كبرى تتماشى مع مهمته الشعرية أو المهمة التي يقوم بها في سياق الصورة الشعرية ويمكن رصد مساحات دالة لهذه الصورة عبر القصيدة الحديثة، مساحات تمثل أدلة كاشفة تقترب من الاستقصاء.
  • في قصيدته يعتمد بركة محمد ( [8]) تكرار صيغتي النداء: أنت، و يا نيل، معددا من الصفات ما ينهض بعناصر لها أثرها في تشكيل صورة النيل لدى المتلقي:
نحن الجسوم وأنت الروح يا نيلُ   وكلنا ألسنٌ تشدو أيا نيلُ   
يا ذا الوفاء ويا أس النماء ويا   عقد الجواهر تجلو مصر يا نيلُ   
معبود أجدادنا كم فيك من منن   أصبت بموردك الأقوام يا نيلُ   
حتى السمّا إِذ غشتها غيرة زجرت   نهر المجرة أن يحكيك يا نيلُ   
نسير فيك وتسرى في جوارحنا   فأنت نحن ونحن النيل يا نيلُ   
مرنا فنحن أرقاء ذوو شمم   ولن نعق نداء منك يا نيلُ   
نعدو لأمرك مهما كان من جللٍ   كما عدوت لنا بالروح يا نيل   
لا كان من يجحد الخير الوفير جرى   ملء الكنانة من كفيك يا نيلُ   
   
وما بين الانتقال الوظيفي للنيل من القصيدة التقليدية إلى القصيدة الواقعية يمنحه الشعراء طاقات دلالية ورمزية أكبر حين يضعه أمل دنقل في المواجهة مع قوى الطغيان، منتجا حوارية دالة بين صوتين: ممثل السلطة وتابعه، موضوعها النيل، وقوامها الصراع بين النيل بوصفه تاريخا وحضارة، والسلطة بوصفها قوة من قوى الظلام يستهلها ممثل السلطة بسؤال استنكاري، وتستمر الحوارية كاشفة عن رؤية السلطة للنيل فيما يتولى المجيب الكشف عن صفات النيل التي يتبناها الشاعر والتي تشى بالطاقة الرمزية والدلالية للنيل  : " من ذلك الهائم في البرية؟ ينام تحت الشجر الملتفّ والقناطر الخيرية ــ مولاي: هذا النيل.. نيلنا القديم ــ أين ترى يعمل أو يقيم؟ ــ مولاي: كنا صبية نندسّ في ثيابه الصيفية فكيف لا تذكره ؟ وهو الذي يذكر في المذياع والقصائد الشعرية ــ هل كان قائدا ؟ ــ مولاي: ليس قائدا لكنما السيّاح في مطالع الأعوام يأتون كي يروه ــ آه.. ويصورونه لكي يشهّروا بنا بوجهه الباكي وكوفيته القطنية "  ( [9] ). ولا يتوقف الأمر عند الأسئلة الاستنكارية الكاشفة بدورها عن عقلية ممثل السلطة وإنما يتخذ قرارا مضادا لإيداعه ملجأ الأيتام ، ثم يروح يسقط ما بداخله على النيل ": أليس ذلك الذى...                     كان يضاجع العذارى !؟                                        ويحب الدم
  • مولاي قد تساقطت أسنانه في الفم
  • ولم يعد يقوى على الحب.. أو الفروسية
  • لابد أن يبرز لي أوراقه الشخصية فهو صموت.
يصادق الرعاع يهبط القرى    ويدخل البيوت ويحمل العشاق في الزوارق الليلية مولاي ؟ هذا النيل.... " ( [10] ) ولكن ممثل السلطة يقاطع محاوره متخذا  قراره النهائي الأخير الكاشف عن جهله بالنيل في رمزه التاريخي والحضاري والإنساني فلم يشفع له ما طرحه محاوره، ولم يشفع له النيل من حيث هو رمز للخلود، ولم يشفع له معرفة واجبة بهذا الكائن الذى يرمز لتبدل الزمن وسيطرة الجهل: " - لا شأن لي بنيلك المشرد المجهول أريد أن يبرز لي أوراقه الرسمية شهادة الميلاد.. والتطعيم.. والتأجيل والموطن الأصلي.. والجنسية حتى يمارس الحرية ! " ( [11]) ولا تختلف كثيرا رؤية  فاروق شوشة للنيل كثيرا عن رؤية أمل دنقل وإن اعتمد تيمة قريبة جاء النيل فيها شيخا هرما، مما أوجد علاقة بين قصيدة أمل " ميتة عصرية " و قصيدة فاروق شوشة  " النيل"  فإذا كانت القصيدة الأولى تدعونا للتفكير في النيل على مستوى واقعه المتعين أولا وعلى مستواه الرمزي ثانيا، وما آل إليه حاله من سوء يدعو للتفكير في أسبابه  فإن القصيدة الثانية – على ما بينهما من مساحة زمنية – تلتقط الخيط وتنسج عليه نسيجها الخاص مبرزة  النيل فيها شيخا عجوزا أثقلته الأيام وتوحى الصورة الأولى في القصيدة – لمن يتابع القصيدتين متجاورتين – بأن النيل يأخذ وضعا اعتراضيا أو يقع منه رد فعل تجاه ممثل السلطة في قصيدة أمل، حيث تطرح الصورة الأولى في قصيدة شوشة النيل متخلصا من عبئه: ألقى النيل عباءته فوق البر الشرقي, ونامْ" هذا الشيخ المحنيُّ الظهر, احدودب.. ثم تقوّس عبر الأيام" ( [12] ) مهيئا النيل للقيام بوظيفتين دلاليتين: أولهما كونه دليلا على أثر الزمن في الأشياء فالنيل شأنه شأن البشر أو هو رامز للبشر بالأساس، وثانيتهما كونه عنصرا كاشفا لاستمرار القهر الممتد بامتداد الزمن، ذلك الزمن الموازي غير المتغير، وقد كان من المأمول أن تتبدل الأيام الممتدة بامتداد العمر: العمر امتد" وليل القهر اشتد وصاغ الوراقون فنون الكِذبة في إحكامْ لكن الرحلة ماضية والدرب سدود والألغام "( [13] ) ويتشكل  النص  وفق فواصل سردية الطابع  تستهل بفعل مسند للنهر ( ألقى النيل ) يكون فاتحة لحركة كاشفة، دالة سواء على مستوى النيل أو على مستوى الواقع خارجه، وطارحة لأفعال تتشكل بوصفها تداعيات للفعل الأول أو ردود أفعال له، ويأتي الفعل الثاني مما هو مسند للنيل محدثا توازيا مع الفعل الأول على مستوى الحركة  وتوازنا على مستوى النتيجة: حمل العُكَّازَ, وسار يحدق في الشطآن, وفي البلدانْ قيل: القاهرةُ ـ توقفَ.. جاء يدق الباب ـ ويحلمُ هل سيصلي الجمعة في أزهرها يمشي في الموسكي والعتبة ؟ يعبر نحو القلعةِ.. أو يتخايل عُجْباً في ظل الأهرام " ([14]) ويأتي الفعل الثالث طارحا فعل التأمل أو الوقوف الإجباري إزاء فعل الواقع، فالفعل هنا يشى بموقف النيل إزاء فعل خارجي فرض غربة ما يستشعرها النيل في رحلته عبر المكان والزمان، ومن ثم جاء الفعل الثالث ذا طابع استكشافي بالأساس، وعلى الرغم من تكرار فعل التحديق (سار يحدق – وقف يحدق ) فإن الفعل الثاني يعمد إلى نوع من التدقيق في الوجوه يستقرئها مستكشفا صورة يوازنها بصورة قبلية يقيسها عليها، ولكن لحظة الاستكشاف تضطره إلى النكوص إلى الأحلام أو الانتقال من واقع مرئي إلى خيال حد الوهم: " وقف الشيخ النيل يحدق لم يلق وجوهاً يعرفها وبيوتاً كان يطل عليها وسماء كانت تعكس زرقته.. وهو يمد الخطو, ويسبق عزف الريح, ويفرد أشرعة الأحلام " ( [15] ). ومن ثم فإن تكرار فعل الوقوف له ما يبرره دلاليا حيث الحالة تستدعى وقوفا طويلا وإن تغير الأمر قليلا حيث الوقوف الأول كان بغرض الاستكشاف للظاهر  والثاني بغرض المساءلة لاستكشاف الباطن هناك من خلال مساءلة النفس في دلالتها على افتقاد الحوار مع الآخرين من الغرباء: " وقف الشيخ النيل.. يسائل نفسه: هل تتغير سِحَن الناس.. كما يتغير لون الزيّ؟ وهل تتراجع لغة العين.. كما يتراجع مد البحر وهل ينطفيء شعاع القلب فتسقط جوهرة الإنسانِ ويركلها زحف الأقدامْ دق الشيخ النيل البابَ فما اختلجت عين خلف الأبراجِ ولا ارتدَّ صدى في المرسى الآسنِ أو طار يمامْ من يدري أن النيل أتى أو أن له ميعاداً تصدح فيه الموسيقى ويؤذّن فيه الفجر فتختلج الأفئدة.. ويكسو العينين غمام " ( [16] )ْ ومع امتداد حركة النيل عبر الأفعال الداخلية الكاشفة للمتلقى والمستكشفة من قبل النيل نفسه تتشكل مجموعة من الأفعال المتوالية المترتبة على الفعل " دق " بوصفه ممثلا لفعل من نوع جديد حيث يسعى النيل الشيخ لاستكشاف ما وراء الأبواب، مستثمرا طاقة التنبيه في الفعل الواقع على الأبواب ( الفعل الوحيد المحدث صوتا من أفعال النيل ) ولكنه فعل لم يؤت ثماره على مستوى الآخرين ولم يكن ذا قيمة على مستوى الوعى مما يترتب عليه رد فعل أخير من النيل يتبلور في أربعة أفعال أخيرة: " وتنحنح مزدرداً غصته عاود دق الباب.. الناس نيام ألقى النيل عباءته فوق البر الغربي.. ونام" ( [17] ) وتفضى الأفعال إلى حركة سردية لفعل الختام الكاشف عن حركة يكون النص كاشفها عبر تفاصيله وحيث يتطابق الفعلان: فعل الاستهلال: " ألقى النيل عباءته فوق البر الشرقي, ونامْ" مع فعل الختام دون تغيير إلا في حركة الانتقال من البر الشرقي إلى البر الغربي: " ألقى النيل عباءته فوق البر الغربي" و,يلتقط الشاعر درويش الأسيوطي  الخيط عبر حركة النيل المسافر ليقدم وجها آخر من وجوه النيل متحركا  في قصيدته " غناء ":  يا أيها النهر المسافر في مواجعنا انتشق عطر البطالة.... مثلما يتنفس المتبطلون ـ على مقاعدك الرخام ـ ضياعك الأبدي في البحر البعيد..!! يا أيها النهر الوحيد أنصت إلى القصص القديم إلى النكات المبكيات وسائل الشطآن عن أفراحها عن زفرة الناي المضمخ بالأسى يا أيها النهر المسافر في جلال الصمت لا تحسبْ تأوه أحرفي بالصدر مفتتح الغناء هي ـ والذي أجراك من دمع القرى ـ            وجع تردده القصائد                                للصباح.. وللمساء " ( [18] ) ويستمر فعل السفر عبر قصائد الأسيوطي الأخرى كما في قصيدته " ياسيدى النهر " حيث يقول: ..... ومستسلما للمقادير..           ـ يا سيدي النهر ـ           تمشي الهوينا كأن القرى ألبستك التمهل تمضي خجولا وتدفع بالعشب والجثث الطافيات                      تجاه الشمال...( [19] ) ولا يتوقف الأمر عند مستوى التشخيص وإنما يتجاوزه إلى الحوار مع النيل عبر قصائد متعددة منها حوارية  الشاعر الراحل "على قنديل" الذى يقول تحت عنوان:" النيل – حوار ": ساجد من بدء أول وردة قامت وصمتك ضفتان عطش السنين صفاؤك السطحي ؟ أم ابد الحوار ؟ رأيت أدركت اختبأت مقلدا حزن اليمان موحدا إني وحيد مثلك – الآن – التجأت إليك دفئني فثلج القاهرة.... " ( [20] ) حالة التشخيص حتى نصل إلى التوحد مع النيل ليتطابق صوت الشاعر مع صوت النيل في حالة تجمع بين رومانسية القصيدة وإطارها التقليدي إذ تعتمد الشكل العمودي المعروف، وهو ما تطرحه قصيدة " أنا النيل"  للشاعر على زين الدين، الذى يكتفي بوضع النيل عبر صوته في العنوان ويتركه يعبر عن نفسه بضمير المتكلم في سيطرته على القصيدة بكاملها: قد جئت ألتمس المودة بيننا      فلتبسطي كف الحنين سلاما يا مصر إني عاشق فتزيني    مثل العروس تبسما وغراما أنا لا أدارى في الغرام لأنني   صب تدفق في الضفاف هياما ( [21] ) صالح جودت: قصيدة أحلام المنصورة في ديوانه " الله والنيل والحب " ص
قصيدة النيل في الديوان نفسه ص 235 أحمد محرم: إذا الشّعرُ أدّى الحقَّ للحقِّ خالصاً       فذلك صوتُ النّيلِ لا صوتُ شاعرِ النيل مشبها متعالقا مع عناصر أخرى: ابن أبى البشر ( [22] ): أبدعتَ للناس منظراً عجبا       لا زلتَ تُحيي السرورَ والطَّربا جمعتَ بين الضِّدينِ مقتدراً       فمن رأى الماء خالط اللهبَّا كأنما النيلُ والشموعُ بهِ       أفقُ سماءٍ تألَّقَت شُهبُا قد كان في فِضَّةٍ فَصَيَّره       توقُّدُ النارِ فوقَهُ ذَهَبا شعراء النيل من بين عشرات الشعراء العرب الذين ارتبطت أعمالهم بالنيل بدرجة أو بأخرى يبرز عدد من الشعراء المصريين أولا، وهى قائمة صغيرة العدد كبيرة التأثير الشعرى، يمثل كل منهم محطة في سياق الصورة الشعرية للنيل، وتؤكد تجربة كل منهم العلاقة الوطيدة بين الإنسان المصري والنيل، ( أحمد شوقي – حافظ إبراهيم – أحمد محرم – محمود حسن إسماعيل – عبد المنعم عواد يوسف – حسن طلب )، وهم بهذا الترتيب التاريخي يمثلون ثلاث مدارس شعرية كبرى في إطار القصيدة العربية ( ثلاثة يمثلون المدرسة الكلاسيكية، والرابع يمثل المدرسة الرومانسية، والشاعران الأخيران يمثلان المدرسة الواقعية وقصيدة التفعيلة خلافا للشعراء السابقين الذين يجمع بينهم الإطار العمودي للقصيدة الشعرية ). يمثل النيل للشعراء المصريين فعل معايشة يومية داخلة في ثقافة المصري بكل تجلياتها، سواء كانت ثقافة مكتسبة بفعل اليومي – في الغالب ثقافة شعبية شفوية متداولة – أو مكتسبة بفعل الثقافة الرسمية مما هو مكتوب ومتداول عبر المؤلفات الإبداعية والفكرية، وهؤلاء الشعراء يمثل نتاجهم الشعرى علامة على الحضور الشعرى للنيل :
  • أحمد شوقي (1870-1932) يمثل نتاج شوقي صورة أوفي للنيل في القصيدة الكلاسيكية العربية، إحصائيا تكررت مفردة النيل في شعر شوقي (60 مرة )، ويكاد النيل يمثل شخصية مستقلة في شعر أمير الشعراء ليس اعتمادا على مرات التكرار وإنما لأن ثلاث قصائد في شعر شوقي لها طابعها الخاص الذى يجعل رؤية شوقي للنيل وتوظيفه له سابقة عصرها (كبار الحوادث في وادى النيل – النيل – الأندلسية )، فالشاعر لم يقف عند حد الصورة الكلاسيكية للنيل كما وردت عند مجايليه، تلك الصورة التي تعد جانبا من صورة تشكلت وفق أغراض القصيدة آنذاك فكان النيل عنصرا ( مجرد عنصر ) في سياق مجموعة من العناصر المشكلة للقصيدة بشكل عام، ولكن شوقي في قصائده تجاوز هذه الرؤية ليجعل من النيل شخصيته المستقلة حينا، أو جاعلا النيل مقصودا لغيره كما فعل شعراء الواقعية، جامعا بين رؤى مجايليه واللاحقين عليه.
ولشوقي عدد من القصائد التي استلهم النيل فيها، في مقدمتها " كبار الحوادث في وادى النيل " ملحمة شوقي الكبرى التي جعل النيل فيها بمثابة المكان والزمان وجعل حركة الزمن تتوازى وفق حركة النيل وخلوده عبر الزمن، تأتى بعدها قصيدته الثانية: النيل، التي تشكل ملحمة النيل الخالد معددا صفات النيل وما يمثله للبشرية من قيمة، وقد سارت على نسق أسلوبي يتنوع بين  ضمير المخاطب، وضمير الغائب : مِن أَيِّ عَهدٍ في القُرى تَتَدَفَّقُ       وَبِأَيِّ كَفٍّ في المَدائِنِ تُغدِقُ وَمِنَ السَماءِ نَزَلتَ أَم فُجِّرتَ مِن       عَليا الجِنانِ جَداوِلاً تَتَرَقرَقُ ينتقل بعده إلى ضمير الغائب وَبِهِ تَلوذُ الطَيرُ في طَلَبِ الكَرى       وَيَبيتُ قَيصَرُ وَهوَ مِنهُ مُؤَرَّقُ عَمرٌو عَلى شَطبِ الحَصيرِ مُعَصَّبٌ       بِقِلادَةِ اللَهِ العَلِيِّ مُطَوَّقُ يَدعو لَهُ الحاخامُ في صَلَواتِهِ       موسى وَيَسأَلُ فيهِ عيسى البَطرَقُ ويأتي النداء كاشفا فيما يكشف عن المفردة الوحيدة التي يصرح فيها باسم النيل، حيث يختفي الاسم خالقا نوعا من التشويق وإثارة المتلقي ودفعه للتعرف على النيل ( موضوع القصيدة، والمفردة ترد في البيت الثالث والأربعين بعد المائة في قصيدة قوامها مائة وثلاث وخمسون بيتا   )، وجامعا بين النداء وضمير المخاطب مستثمرا الطاقة الدلالية لكليهما: يا نيلُ أَنتَ يَطيبُ ما نَعَتَ الهُدى       وَبِمَدحَةِ التَوراةِ أَحرى أَخلَقُ وَإِلَيكَ يُهدي الحَمدَ خَلقٌ حازَهُم       كَنَفٌ عَلى مَرِّ الدُهورِ مُرَهَّقُ وقصيدته الثالثة على الرغم انتمائها إلى ما كتبه شوقي للناشئة فإنها تمثل إضافة لصورة النيل لديه: النيلُ العَذبُ هُوَ الكَوثَر       وَالجَنَّةُ شاطِئُهُ الأَخضَر
  • حافظ إبراهيم (1872-1932) ارتبط اسمه بالنيل فلقب به ( شاعر النيل ) وعبر نتاجه الشعرى المتمثل في (299 قصيدة ) وردت للنيل لديه (85 صورة )، من أظهرها قصيدته ( 58 بيتا )  التي ألقاها في حفل أعضاء البرلمان بالإسكندرية ابتهاجا بنجاة سعد زغلول من حادث الاعتداء عليه، رابطا فيها بين سعد زغلول والنيل منذ مطلعها:
الشَعبُ يَدعو اللَهَ يا زَغلولُ       أَن يَستَقِلَّ عَلى يَدَيكَ النيلُ إِنَّ الَّذي اِندَسَّ الأَثيمُ لِقَتلِهِ        قَد كانَ يَحرُسُهُ لَنا جِبريلُ ( [23] )
  • أحمد محرم (1877- 1945) يعد واحدا ممن كان للنيل حركة واسعة في مساحة نتاجه الشعرى تجلت أول ماتجلت في ديوانه الأول  بوصفه حجر الزاوية في علاقة الشاعر بالنيل حين تعامل معه بوصفه ذاتا وشخصية إنسانية لها وهو ما اتخذه الرافعي علامة يقينية على وطنية الشاعر:" تتجلى روحة الوطنية التي ألهمته الشعر أكثر ما تتجلى حين أصدر الجزء الأول من  ديوانه سنة 1908، فقد أهداه إلى ( النيل ) ( [24] ):"............... فما استظهرت بغير أخ حفي، أو صديق صفي، ولا آثرت أن أهدى ديواني إلى غير النيل، ذلك الأب الأبر الذى وهبني نعمة الحياة، وأفاض على هذه المنح والصلات "
فَيا نيلُ أَنتَ الهَوى وَالحَياةُ          وَأَنتَ الأَمـــــيرُ وَأَنتَ الأَبُ وَيا نيلُ أَنتَ الصَديقُ الوَفِيُّ         وَأَنتَ الأَخُ الأَصدَقُ الأَطيَبُ         وَأَنتَ القَريضُ الَّذي أَقتَفي         فَيَزهى بِهِ الشــــرقُ وَالمَغرِبُ          وَلَولاكَ تَعذِبُ لِلشارِبينَ         لَما ساغَ مَورِدُهُ الأَعــــــذَبُ ( [25] ) وعبر ديوانه أخذ النيل مواضع متنوعة بين ما هو وطني وما هو اجتماعي وقد تكررت لديه أنواع من الأساليب المرتبطة بالحماسة والوطنية: يا أمة النيل – يا شباب النيل – يا بني النيل – يا شهيد النيل، والصورة الأظهر في شعره تمثلت في قصيدته " إلى النيل " التي جاءت خطابا مباشرا إلى النيل يستهلها باستظهار قدرات النيل في صورة أقرب للأسطورة منها إلى الحقيقة:
   
  أَخا الدَهرِ ما الدَهرُ إِذ يُنسَبُ   وَأَينَ هِيَ الأُمَمُ الغُيَّبُ   
  شَرِبتَ العُصورَ فَأَفنَيتَها   وَما زِلتَ مِن دَمِها تَشرَبُ   
  تُميتُ وَتُحيي عَلى شِرعَةٍ   يَدورُ بِها الزَمَنُ القُلَّبُ   
  تَثورُ وَتَسكُنُ تَقضي الأُمورَ   فَتَطفو الحَوادِثُ أَو تَرسُبُ   
  أَخا الدَهرِ أَينَ حَديثُ القُرونِ   وَأَينَ المِدادُ لِمَن يَكتُبُ   
  شَهِدتَ المَمالِكَ تُزجي الجُنودَ   وَعايَنتَها رِمَماً تُندَبُ   
  وَما حَجَبَ الدَهرُ مِن سِرِّها   فَخافيهِ عِندَكَ لا يُحجَبُ   
  إِلَيكَ اِنصَرَفتُ أَضُمُّ المُنى   وَأَبعَثُها نُزَّعاً تَدأَبُ   
  غَوالِبَ تَأخُذُ أَقصى المَدى   وَيَأخُذُها القَدَرُ الأَغلَبُ   
  يُصَرِّفُها في أَفانينِها   هَوىً لا يَضِلُّ وَلا يكذبُ   
  عَلى مِلَّةٍ مِن شُعاعِ الضُحى   يُضاحِكُها الرَونَقُ المُعجَبُ   
  يُجاوِرُهُ أَدَبٌ ساطِعٌ   كَما جاوَرَ الكَوكَبَ الكَوكَبُ   
  فَيا نيلُ أَنتَ الهَوى وَالحَياةُ   وَأَنتَ الأَميرُ وَأَنتَ الأَبُ   
( [26])
  • محمود حسن إسماعيل (1910- 1977) رغم تعدد قصائد النيل واتساع مساحة ما يمكن أن يسمى ديوان الشعرية النيلية في الشعر العربي، تبقى قصيدته.
  • حسن طلب (1944- )،تنتمى تجربته إلى جيل السبعينيات مما يضع نتاجه الشعرى في سياق قصيدة التفعيلة ذات الطرح الواقعي ، وهو نموذج للقصيدة التي ترى النيل مقصودا لذاته حيث يتجاوز الشاعر وصفية الكلاسيكي المقصودة لذاتها، ورومانسية الرومانسي المقصودة لذاته من إلى واقعية الطرح غير المقصود لذاته بقدر ما هو مقصود لذات أعلى هي ذات المجتمع    أفرد ديوانا كاملا للنيل " لا نيل إلا النيل " تدرج فيه زمنيا من القديم إلى الحديث من مستوى زمنى يشى ببداية التاريخ خالقا رحلة لها طابعها الإنساني الدال، رحلة محتشدة بالرموز ومفعمة بالدلالات الثرية، التي يستثمرها الشاعر لصالح رؤيته الخاصة، تلك الرؤية المتشكلة في ثمانية مشاهد تكون بمثابة الحركات الحيوية:
  • استضاءة: تطرح وعيا أوليا بالزمن من خلال صوت أولى لا تبين ملامحه: " واقفا - كنت – على عقرب ساعة
أستعير الوقت من مقبل عمري من بقايا الزمن المنسي من عهد الرضاعة " ( [27] ).
  • استضاءة ثانية: تطرح مجالا أوسع للوعى بحركة النيل أو بحركة الإنسان معه:
" كنت مشدودا إلى حافر عنزة أرقب البرق من الشرق أهز النيل هزة يتهاوى البرق نارا في العيون المشمئزة ويميل الليل عنى مبحرا كنت من النيل إلى ساحل غزة " ( [28] ).
  • في البدء كان النيل، متمثلا المشهد النيلي منذ البداية، بداية التاريخ، طارحا النيل عبر أسطورته الخاصة التي يربطها بالذات في إدراكها مساحات وجودها، والشاعر يقترب من صيغة شوقي في كبار الحوادث، وإن انتهج نهجه الخاص الذى صنع فيه أسطورة النيل خلافا لشوقي الذى كان النيل لديه خلفية للمشهد يمنح الصورة بعدها التاريخي،محركا التاريخ شبيها بالنهر في تدفقه، مما يجعل النيل عند شوقي هامشا على صورة جعلها حسن طلب في عمق المشهد، رابطا النيل بالإنسان لا بالتاريخ، يقول حسن طلب:
النيل أقنوم الأزل في البدء كان وفي الختام يكون إن النيل نيل خالص كدمى حقيقي كأحلام الصبايا " (  [29] )
  • قلت وقال النيل، ممثلا لحوارية بين النيل والذات، تقوم على الصراع أحيانا وعلى التفاهم أحيانا أخرى:
" النيل نيلا لم يزل وأنا أميل الآن بين الضفتين الأوليين وأهتدى سأعود بين الضفتين وأعتدل"   ( [30] ).
  • النيل ليس النيل، مستهلا الصورة بالنداء المشخص للنيل:
" يا أيها النيل يارجائي قضيت شيئا من القضاء رويت غيرى بحر مائي شفيت خصمي... فمن لدائي " ( [31] ).
  • نيل السبعينيات يتحدث عن نفسه: وفيها يعتمد الشاعر على الرمز الذى يجعل النيل طارحا خطابه لهؤلاء الفانون والسادة والساسة والمستمصرون، طارحا بدوره وعى هذا الجيل صاحب الوعى الخاص سياسيا وشعريا، ومؤكدا على أسطورة النيل:
" لى مالكم من فطنة لكنكم ليس لكم مالي من الجنون فاحترسوا من فيضاني وانظروا تجلياتي لن تروني بمجرد العيون وانتظروني حيث شئتم إنني أوجد حيث لا أكون " ( [32] )
  • الحاكمية للنيل ([33] )، مستمرا في طرح الأسطورة عبر مقولات النيل الكاشفة عن جوانب الوعى الأسطوري للنيل – إن صح التعبير – وتظل هيمنة النيل على النص عبر لغته الخاصة:
" الأولوية لي نحت بضفتي الأبجدية واتخذت حروفها جندا وأنفذت الجمل الأولوية لي وللأنهار ما قد يقرأ التاريخ في آثار حولياتها " ( [34] ).
  • حركة، وتكون الفاصلة الأخيرة لمقولات النيل:
أوقفوا هذا الزمن و أعيدوا وحدتي لي وسلام الروح والأمن المواتي و أعيدوا لي الكفن و أتركوني الآن كي أحيا مماتي " ( [35] ) أبعاد أخرى
  • النيل / الحلم
لم يتوقف تأثير النيل على الشاعر المصري  بفعل المعايشة اليومية وإنما تجاوزه إلى الشاعر العربي  في ارتباطه بالقاهرة بالدرجة الأولى، وهى السمة الغالبة على قصائد الشعراء العرب تعرب عن مصداقية الشاعر في رؤيته للقاهرة في اختزالها مصر والشاعر العربي الذى تمثل له القاهرة محط الرحلة تختزل مصر بالنسبة له في القاهرة ، مما يجعل الصورة تجمع بين القاهرة المدينة والنيل التاريخ وقد يكتشف قسوة المدينة فلا يتبقى غير ليونة النيل ونسماته القوية، وربما كان لعامل التوقيت أثره فالكثيرون ممن يزورون القاهرة من الشعراء العرب يزورونها صيفا فإن تشابهت القاهرة في مناخها مع مدنهم الأولى فإن ما يكون  عاملا للتغيير هو النيل الذى يتحول إلى حلم، يكون لاستراتيجية الحنين إليه الدور الأهم في تشكيل المشهد لدى الشاعر، وهى الرؤية التي يطرحها  الشاعر الكويتي على السبتى في قصيدته:" للنيل والقاهرة " التي تقوم على خمس مقاطع تكون بمثابة الدرجات الصاعدة على السلم الدرامي، في أولها يحرق المسافات بقوة الحلم، ويستهلها بطريقة سردية يحدد فيها الزمان والمكان، فهو في بيته في الكويت يحلم بالقاهرة والنيل، وماخلو البيت الذى أتاحه سوى مساحة يملأها بحلمه، حيث يعمد إلى توسيع مساحة المكان ليكون متاحا لاستيعاب الحلم: " الساعة العاشرة والبيت خال من ضجيج الصغار وفي دمى خيط نار أحلم بالليل و بالقاهرة أحلم بالشوارع المنورة بالنيل يحمل الزوارق المنتثرة فالموج أغنيات " لننس عهدا فات النيل جدنا الذى يمنحنا الحياة النيل واهب الخيرات " ( [36] ) وفي المقطع الثاني يروح يفسر ما يعنى له الهروب طارحا ما تعنيه القاهرة له إذ هو لا يهرب من مدينته بقدر ما يهرب من ثقافة الغرب التي يشير إليها بالجليد أو ما تعنيه هذه العناصر الجليدية من معانى الجمود والبرودة إلى الحيوية والحرارة، مستثمرا معانى التقوقع والجمود والضيق الكامنة في قواقع الجليد، وصولا إلى الشخصية المصرية بوصفها الشخصية الأكثر حيوية وانطلاقا : " أحلم بالهروب من قواقع الجليد فقد سئمت عيشي البليد فقدت معنايا من كثر شكوايا أود أن أحطم الأسوار وأركب الريح مع الأنوار حيث الذين يعرفون كيف يمرحون وكيف يجعلون من شقائهم سعادة لأنهم قد خبروا مرارة الولادة.....( [37] ) ويستمر الحنين في المقطع الثالث مقتصرا على الشخصية ذاتها بوصفها وليدة حضارة مميزة، تكتسب تميزها من كونها مغايرة يرى الشاعر نفسه مرتبطا مع أفرادها أو كاشفا وشائج الارتباط بهم، مما يشى ببعد نفسى ضاغط يناوش الشاعر في حنينه: " أحن للسواعد السمراء لفتية بى منهم سيماء أحن للهدى تشعه الكنانة ليلق كل تائه أمانه " (  [38] ) و يأتي المقطع الرابع مؤكدا على هذا الضغط النفسي الذى تأخذ الأمنية فيه فعل التطهر الدافع إلى المغامرة: " أحلم بانطلاقة في ليلة غريبة أغسل ما اعترى فؤادي المعذبا أسمع لهفة من شرفة الحبيبة تقول مرحبا ....... ............ وهذه أمنيتي من ألف عام !" ( [39] ) وفي النهاية يعيدنا الشاعر إلى زمنه الراهن ولكنه يتجاوز مكانه منتقلا أو مستغرقا مكان الحلم، ومستبدله:" الساعة العاشرة وهذه مذيعة في القاهرة تقول يا غريب الدار الكل في انتظار هنا يلاقى الحر أقرانه يذيب أحزانه هنا يعيش كل واحد كما يريد فلا جليد لا صديد، لا حديد هنا... متى أضم القاهرة ؟                             الكويت مساء 19/12/66    ( [40] ). ويأتي ذكر تاريخ كتابة القصيدة ليطابق بين لحظة الشوق والتعبير عنها، ناقلا الدلالة من كونها لحظة تشوف وتشوف وحنين إلى لحظة تحقق للحلم. النيل / الدور المصري للوهلة الأولى يعتقد الباحث عن النيل في الشعر العربي أن الصورة تستقصى مداها في الشعرين المصري والسوداني باعتبار الطبيعة الجغرافية، ولكن تتبع الصورة خارج هذه المساحة تكشف عن أبعاد أخرى للنيل في الشعر العربي وتمتد خارطة الصورة على مساحة الشعر العربي في بلدانه المختلفة من المغرب غربا وأن النيل في الشعر العربي يحتل مساحة الشعر الجغرافية في العصر الحديث مما يكشف عن أبعاد قومية وانتماءات للنيل ثقافة وتاريخا وحضارة، ويعزز حركة النيل في القصيدة العربية وقدرة الشعراء على التفاعل مع معطياته الحضارية والقومية في المقام الأول، وفي هذا السياق يمكن رصد عينة كاشفة  من النصوص الشعرية العربية ، منها:
  • إبراهيم طوقان (فلسطين ) ( [41] ).
  • حسن عبد الرحمن (فلسطين ): قصيدة يقظة النيل.( [42] )
  • حسن عبد الله القرشي ( المملكة العربية السعودية ): النيل حين يثور ( [43] ).
  • طلعت الرفاعي (سورية ): النهر العاشق ( [44] ).
  • عبد الله الطيب ( السودان ): إلى الخرطوم ( [45] ).
  • عبد الله محمد جبر ( المملكة العربية السعودية ): القاهرة ( [46] ).
  • عبد الله مشعل بن زيد ( المملكة العربية السعودية ) : النيل ( [47] ).
  • على السبيتي ( الكويت ): للنيل والقاهرة ([48] ).
  • على محمد الحائري ( العراق  ): مصر ( [49] ).
  • فاضل خلف ( الكويت ): نفحة النيل ( [50] ).
  • مبارك المغربي ( السودان ): أخي في الشمال ( [51] ).
  • محمد بنيس ( المغرب ): موسم النيل ( [52] ).
  • محمد البوعناني ( المغرب ): نشتاق للنيل ( [53]).
  • محمد على شمس الدين (لبنان ): دفوف القمر ( [54] ).
  • محمود درويش ( فلسطين ): رحلة المتنبي إلى مصر ( [55] )، في مصر ( [56] ).
  • هاشم السبيتي ( الكويت ): أغنية لمصر ( [57] ).
ويلاحظ على صورة النيل عربيا الميل على ربط النيل بالقاهرة على مستوى العنوان كما في قصائد على السبيتي وعبد الله محمد جبر، وإنما على مستوى الصورة المشكلة عبر القصائد نفسها وفي إطار الصورة جامعة بين القاهرة والنيل لا يتوقف الأمر عند الشعراء العرب وإنما يتجاوزها إلى الشعراء المصريين الذين ربطوا بين العنصرين ( القاهرة – النيل ) ومن هؤلاء أحمد شوقي، وأحمد محرم، وإبراهيم ناجى، ومحمود حسن إسماعيل، وعلى قنديل ، وهو سياق يخلق صورة مقابلة ربط فيها الشعراء بين وفي مقابل القاهرة في ارتباطها بالنيل أو ارتباط النيل بها عند الشعراء العرب موجة عابرة للأجيال ما بين جيل الرواد للقصيدة العربية الحديثة، ممثلا في البارودي وحافظ وشوقي والأجيال التالية ممثلة في القصيدة الرومانسية ثم القصيدة الواقعية يتواصل حضور النيل،عبر أشكال متعددة الدلالة، متنوعة الأدوار،  وإذا كانت شعرية النيل قد تجلت بشكل واضح ومألوف عبر القصيدتين: العمودية، والتفعيلة، وعبرت عن نفسها في الكثير من الأشكال والموضوعات فإنها ظلت تتواصل كاشفة عن تجلياتها في قصيدة النثر ( [58]) وعلى الرغم من أن القصيدة العربية في مراحلها المختلفة تجاوزت نظام التعامل التقليدي مع النيل بوصفه موضوعا خارجا عن نطاق الذات يتناوله الشاعر أو تعبيرا عن ذاته بوصفه موضوعا معبرا عن الذات في بعض حالاتها، وعلى الرغم من تحلل القصيدة الأحدث من التعالق بالواقع المتعين فإن قصيدة النثر في بعض وجوهها تعيد العلاقة بالواقع وإن اختلفت وظيفته في سياق القصيدة. في قصيدته " نيل على نيل " يربط الشاعر بينه والنيل جامعا بين طرحين: طرح مداره الذات، وطرح مداره النيل وهما معا يمثلان طرحا وجوديا، والشاعر يستهل بطرح النيل في علاقته بالذات أو في تداخله معها: النيل متكئ على سببي و أسبابي رؤى نزفت مواقعها رواء مواقعي ألقا يلائم سدرة الرؤيا " ( [59] ) ولا يفتأ الشاعر يجمع بين النيل والذات عبر هؤلاء العشاق في تعبيرهم عن الذات في انتمائها لهم: " ليت المترعين صبابة يستبضعون شوارد الذكرى إلى النيل المخضب باشتعالاتى " ( [60] ) ويظل الشاعر يراوح بينه والنيل حتى يصل إلى مرحلة المزج الكامل عبر تعبير جديد " أنا النيل " ذلك التعبير المطروح نتيجة للربط عبر ضمير المتكلم المتكرر مرتين بصيغتين مختلفتين على حد ما:
  • النيل متكئ على سببي
  • إلى النيل المخضب باشتعالاتي ، حيث الصياغة تثبت النيل عنصرا له قيمته وتغير الذات عبر تجلياتها المتغيرة، ذلك التغير المبنى على تغير الصيغة على النحو التالي:
  • مبتدأ ( النيل ) +خبر (اسم فاعل )+ شبه الجملة ( متضمنة ضمير المتكلم المتصل بمفرد مسند للذات ).
  • مجرور ( النيل )+صفة (اسم مفعول )+ شبه الجملة ( متضمنة ضمير المتكلم المتصل بجمع مسند للذات ).
  • مع ملاحظة أن اسم الفاعل المسند للنيل في الجملة الأولى نكرة، وفي الثانية معرفة، وهو ما ينتج عنه ذلك الصراع بين قوتين ليس الارتباط بينهما سوى شكل من أشكال الصراع ، ولكن الصراع يأخذ منحى آخر حيث تعلن الذات انتماءها للنيل لتكون شهادة من الذات بماهو للنيل وحيث الذات تكتسب نوعا من القدسية بهذا الانتماء:
" أنا النيلي أشرق في سماوات تنازع أمرها القديس والوثني بينا الله في ملكوته السامي يعلم آدم الأسماء ن  ى    ل " ( [61] ) وتروح الذات تعدد سمات النيل متدرجا من الصفات وصولا إلى الوظيفة:
  • نيل حائر
في أبجديات تغشت بالزوال "
  • نيل
يؤسس ماعسى يبقى من الوطن الجماد " ( [62] ) ينتقل بعدها إلى تبيان الفارق بين "النيل والنيلي" وناقلا المعرفة  إلى الآخر من خلال فعل الأمر " قل": " قل: هو النيل انتشاء غامض حلم تراوغه المواسم بينما النيلي يزجى في عيون الأفق موسيقى يعيذ نيازك الأفكار بى منى يسيج في مداي سنابل التكوين " ( [63] ) ويعود الشاعر لطرح النيل بوصفه عنصرا خاصا بالإنسان، جامعا بين الاثنين في صور متعددة: نيل على نيل ويهدى من يشاء لنيله الإنسان آلاء توشوش بهجة الأمواج تختطف المجاز من اشتعال رائع.. ....... هل يستميل النيل سندسة المجاز إلى في وطن يراوغه الخضار ( [64] ) ثم ينهى الشاعر قصيدته بصورة دائرية، حيث يعود النيل ألقا استهل به الصورة الكلية ، طارحا ما يشبه المعادلة، فالألق الذى انتمى للإنسان في البداية أصبح هو النيل، في حركتين متتاليتين متدرجتين، ربط فيها أولا بين النيلي والألق: " والنيلي مستلق على ألق الفصول " ([65] ) ثم يربط بين النيل والألق بوصفهما حقيقة يجب أن تعرف ( لاحظ فعل الأمر في دلالته على الوجوب والإلزام ): " قل: هو النيل ائتلاق واحتراق وائتلاق واحـ.../ تراقصه قناديل التوحد في مساء مفعم بالتوق يا أرج الغواية قل: هو النـ ى ل...! " ( [66]) دلاليا  لعب النيل  أدوارا لها قيمتها في إطار القصيدة العربية، معبرا عن الانتماء للوطن، والوطنية، والتعبير عن رصد الحياة السياسية والاجتماعية في مصر، وربط مصر تاريخيا وإنسانيا بالوطن العربي والعالم. لم يكن النيل على مستوى حضوره مجرد مفردة أو صورة تتدرج من الجزئي إلى الكلى، وإنما كان للنيل حضوره على مستوى تشكيل القصيدة وعلى مستوى تلوين  موضوعاتها، وعلى مستوى رموزها الدالة. ..................... هوامش وإحالات [1] - اشتهرت في هذا السياق أغان كثيرة منها: عطشان يا اسمرانى محبة  كلمات: مرسى جميل عزيز، وغناء: نجاة الصغيرة، النيل نجاشى حليوة يا اسمر، كلمات أحمد شوقي وغناء عبد الوهاب، ورائعة محمود حسن إسماعيل النيل،التي تغنى بها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب. [2] - يراجع في ذلك: - د. محمود رزق سليم: النيل في عصر المماليك – دار القلم – القاهرة 1965. - أنطون ذكرى: النيل في عهد الفراعنة والعرب – القاهرة – د.ت. [3] - تجاوز اهتمام الشعراء بالنيل نطاق الأدب العربي إلى الأدب الإنجليزي، يشير محمود حسن إسماعيل في ختام ديوانه " أغاني الكوخ " إلى تنافس ثلاثة شعراء إنجليز (ليهنت – كيتس- شيلي) في نظم أغنية عن النيل:" وكتب كل منهم أغنية شبب فيها بالنيل ومجده وسحره الخالد، حتى لقد قال ليهنت: " إنني أسمع وسط خريره العذب ضحكات كليوباترة وأصداء سلطانها العظيم "،انظر: محمود حسن إسماعيل: الأعمال الكاملة – دار سعاد الصباح- القاهرة 1993 ص 181. [4] - أحمد محرم: ديوان محرم – مكتبة الفلاح – الكويت 1984، جـ 1، ص 662. -[5] جليلة رضا: اللحن الثائر – مكتبة مصر – القاهرة – د.ت، ص 95. [6] - جليلة رضا: الأجنحة البيضاء – دار مصر للطباعة – القاهرة – د.ت، ص 67. [7] - محمد أبو المجد: ورد الصمت – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 1995، ص 21، 69.، واعتمدنا في بقية الشعراء على موسوعة الشعر العربي الالكترونية. [8] - بركة محمد. شاعر مصري حديث، كان وكيل بمصلحة التلغرافات والتليفونات المصرية.له ديوان شعر. [9] - أمل دنقل: الأعمال الكاملة – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 1998، ص 231. [10] - السابق ص 232. [11] - السابق ص 233. [12] - فاروق شوشة: سيدة الماء – الأعمال الشعرية الكاملة – المجلد الثاني – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 2004، ص 219. [13] - السابق ص 220. [14] - السابق ص 220. [15] - السابق ص 221. [16] - السابق ص 221. [17] - السابق ص 222. [18] - درويش الأسيوطي: من فصول الزمن الرديء- مركز الحضارة العربية للإعلام والنشر – القاهرة 1994، ص68، وللشاعر قصيدتان أخريان: - محمود والنيل، ديوان:  أغنية رمادية  - الهيئة العامة للكتاب ـ القاهرة  1987 ـ ص 52. - علمتني المواسم – ديوان: من أسفار القلب  ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ القاهرة 1994 ص 37. - نهر – ديوان:من أسفار القلب  ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ القاهرة 1994 ص 57. [19] - درويش الأسيوطي: من أسفار القلب  ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ القاهرة 1994 ص 85. [20] - على قنديل: الآثار الشعرية الكاملة – مركز إعلام الوطن العربي – القاهرة 1993، ص 94. [21] - على زين العابدين: عاشق الفجر – طبعة خاصة – 2007، ص 51. [22] - ابن أبي البشر? - 465 هـ / ? - 1072 م علي بن عبد الرحمن بن أبي البِشر الكاتب الصقلي البلنوبي الأنصاري. أديب وشاعر من القرن الخامس الهجري أصله من صقلية، هاجر منها الى مصر بعد احتلال النورمنديين لصقلية، في أيام وزارة اليازوري بمصر بين 442 - 450هـ، وقد مدحه في شعره  ومدح ابن حمدان وابن المقفي وابن المدبر ورئيس الرؤساء وعز الدولة واتصل فيها بأبي سليمان بن هبة الله الكاتب وهو من شعراء الخريدة، وكان من تلاميذه علي بن الحسن الدومراوي وعمر بن عيسى السوسي..كان أبوه أبو القاسم عبد الرحمن مؤدباً للتجيبي أبي طاهر بن أحمد بن زيادة الله. وأخوه أبو محمد عبد العزيز بن عبد الرحمن كاتب مبرز وشاعر مفلق. [23] - حافظ إبراهيم: ديوان حافظ إبراهيم – المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة 2007، ص 110. [24] - عبد الرحمن الرافعى: شعراء الوطنية في مصر، تراجمهم وشعرهم الوطنى والمناسبات التي نظموها فيها قصائدهم – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 2008، ص 177. [25] - أحمد محرم: ديوان محرم – مكتبة الفلاح – الكويت – 1984، الجزء الأول، القسم الثانى ص 503. [26] - السابق ص 116. [27] - حسن طلب: لا نيل إلا النيل – دار شرقيات للنشر والتوزيع – القاهرة 1993، ص 7. [28] - السابق ص 9. [29] - السابق ص 11. [30] - السابق ص 23. [31] - السابق ص 37. [32] - السابق ص 43. [33] - نشرت القصيدة بعنوان " صلوات للنيل " – مجلة إبداع – العدد الثامن – أغسطس 1992– ص 4. [34] - السابق ص 61. [35] - السابق ص 85. [36] - على السبيتي: بيت من نجوم الصيف – شركة الربيعان للنشر والتوزيع – الكويت – الطبعة الثانية 1982، ص 157. [37] - السابق ص 157. [38] - السابق ص 159. [39] - السابق ص 160. [40] السابق ص 161. [41] - ومطلع قصيدته: رَوضنا مِن رِياضكم فينان       وَثَرانا مِن نيلكُم رَيانُ. راجع الموسوعة الشعرية الالكترونية – المجمع الثقافي – أبو ظبى – الإصدار الثالث. [42] - معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين. [43] - حسن عبد الله القرشي: المشي على سطح الماء – دار الشروق – القاهرة 1994، ص 91. [44] - طلعت الرفاعي: حسناء قاهرتي – منشورات د. طلعت الرفاعي – القاهرة 1990، ص 247. [45] - معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين – مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعرى - الكويت –ط 1، 1995-  المجلد الثالث ص 338. [46] - معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين – مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعرى - الكويت – ط 1، 1995 ( مج 3 ) ص 401. [47] - معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين – مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعرى - الكويت – ط 1، 1995-  المجلد الثالث ص 404. [48] - على السبيتي: بيت من نجوم الصيف -  مصدر سابق. [49] - معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين – مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعرى - الكويت – ط 1، 1995-  المجلد الثالث ص 630. [50] - فاضل خلف: على ضفاف مجردة – الكويت – د.ت، ص 135. [51] - معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين – مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعرى - الكويت – ط 1، 1995-  المجلد الرابع  ص 106. [52] - محمد بنيس: الأعمال الشعرية – دار توبقال للنشر – الدار البيضاء – ط 1- 2002،الجزء الأول  ص 428. [53] - معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين – مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعرى - الكويت – ط 1، 1995-  المجلد الرابع  ص 184. [54] محمد على شمس الدين: الأعمال الكاملة – دار سعاد الصباح – القاهرة 1993، ص 657. [55] - محمود درويش: حصار لمدائح البحر – منشورات عويدات – بيروت ص 37. [56] - محمود درويش: الأعمال الجديدة ( لا تعتذر عما فعلت ) – رياض الريس – بيروت 2004، ص 123. [57] - معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين – مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعرى - الكويت – ط 1، 1995-  المجلد الخامس -  ص 131. [58]- يؤكد هذا النموذج تواصل شعرية النيل من زاوية أخرى يحققها النموذج بوصفه ينتمى لشاعر شاب والقصيدة من ديوانه الأول " سدرة الوصل.. شهوة الموصول "، والشاعر له ثلاثة مجموعات شعرية:
  • سدرة الوصل.. شهوة الموصول – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 2006.
  • طلع المحبة – طبعة محدودة – القاهرة 2006.
  • كتابة تخصنى – دار الحضارة للنشر – القاهرة 2008.
[59] - هشام محمود: سدرة الوصل.. شهوة الموصول  – ص 117. [60] - السابق نفسه. [61] السابق ص 121. [62] - السابق ص 122. [63] - السابق ص 123. [64] - السابق ص 124. [65] - السابق ص 125. [66] - السابق ص 126. [post_title] => النيل في الشعر العربي الحديث (قراءة تأسيسية) [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%a7%d9%84%d9%86%d9%8a%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d8%aa%d8%a3%d8%b3 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-09 18:30:45 [post_modified_gmt] => 2019-07-09 18:30:45 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31097 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [34] => WP_Post Object ( [ID] => 31095 [post_author] => 847 [post_date] => 2019-07-09 18:15:38 [post_date_gmt] => 2019-07-09 18:15:38 [post_content] => حسني حسن لم يجد صعوبة كبيرة وهو يهم باتخاذ القرار. كان قد أمضى ليلته السابقة، مُسَهداً، يفكر بالأمر، ويقِلبه على جميع وجوهه المحتملة، ولمَا ولج مكتبه في الصباح، عرف أن كل شيء قد حُسم وانقضى. شعر براحة تنتشر وتتوسع، بداخله، كظلٍ وارف لشجرةٍ ضخمة نبتت، بغتة، في صحراء أيامه وسنينه الأخيرة. أخرج ورقة بيضاء، من الحافظة الجلدية الأنيقة، وأمسك بالقلم الفرنسي، مُدَبب السن. كتب: "السيد السفير/ رئيس الهيئة احترامي،،، اسمحوا لي أن أتقدم لسيادتكم بطلب إعفائي من مهام منصبي كرئيس للمكتب في جمهورية السودان الشقيق، راجياً التكرم بالتوجيه نحو إعادتي للعمل بديوان الهيئة بمصر، وذلك لظروف صحية قهرية يتعذر معها استمراري بالخرطوم. وإذ أنتهز هذه الفرصة للإعراب، لسعادتكم، عن جزيل شكري وصادق امتناني على ما أوليتموه لي من ثقة ودعم طول فترة إلحاقي للعمل بالخارج، أرجو أن تتفضلوا بقبول فائق الاحترام. توجيهاتكم،،، التوقيع" راجع المكاتبة بسرعة، فلم يجد فيها ما يستدعي الحذف أو الإضافة، وكأنها كانت منقوشة في مخيلته، ومخزونة بذاكرته كل تلك الفترة. مهرها بتوقيعه، بتؤدة، ثم وضع الورقة على الفاكس، وما هي إلا بضع ثوانٍ حتى تسلم الإفادة الخارجة من الجهاز بنجاح عملية الاتصال. تنفس بعمق، وسحب حقيبة أوراقه، مغادراً مكتبه بالقنصلية، ومتوجهاً إلى المطعم القريب، ليتناول إفطاره، ويشرب شايه الصباحي المعتاد. سدَدت نظرة، صريحة ومباشرة، من عينيها، الموريسكيتين اللوزيتين المكحولتين، وهي تسأله: - والأسرة معك؟ بلدنا جميل، وسيستمتعون هنا. - للأسف، لن يصلوا إلا بالعطلة الصيفية، ولمدة شهر واحد، لا غير. - مؤسف فعلاً. ردَت وهي تزنه بنظرتها، الجريئة المقتحمة، منقبة، في تضاعيف وجهه وأعماق عينيه، عن ظلٍ لشيء ما؛ ربما حسرة، ربما لهفة، وربما ابتهاج بخلاص. تابعتْ بتصميمٍ جلي: - لا تقلق فلن أتركك للوحدة تنهشك. ابتسمت بإغواءٍ دسم، هذه المرَة، قبل أن تواصل حملتها: - هنا، لا أحد يبقى وحيداً، لا أحد يحتمل وحدته، أكثر من أسبوعٍ، أو اثنين! حافظ على جمود ملامحه وتصلب أساريره، مفكراً، بخوفٍ زائد، في الفخ الذي تنصبه له، أو في الشبكة التي تنسجها من حوله. كان مُشَبعاً بالمحاذير، والتعليمات الأمنية، التي ظلوا يلقنونه إياها لشهرٍ كامل. - أما أنا فقد اعتدتُ وحدتي. بادر بالرد كمن يدفع عن نفسه خطراً داهماً لمحه، مترصداً، عند أول انعطافة بالطريق. تذكر لياليه، الطويلة الشاقة، بالخرطوم، وقفزت، إلى سطح الوعي، صورته وهو واقف تحت "الدوش" الهامي برشاش ماء يكاد يغلي في الليل، ثم وهو يحسب، بدقةٍ مهلكة، ما تبقى له، من شهورٍ وأسابيعَ وأيامٍ وساعاتٍ ودقائق، حتى تنقضي السنوات الأربع المُحدد له أن يقضيها هناك. تذكر لحظة هبوطه بمطار الخرطوم فجراً، ذاك المطار المنقوع في الحُلكة والبؤس. تذكر النظرة، التحتية الجانبية، المتحرشة المنسحقة، التي محضه إياها ضابط الجوازات، وهو يقلِب في صفحات جواز سفره، بحثاً عن تأشيرة الدخول، قبل أن يعود لصفحة الغلاف ليقرأ عليه كلمة "دبلوماسي". تذكر رياح الهبوب التي استقبلته ولفحته بسياطٍ من غبار، أصفرَ دقيقٍ ساخن، أهاجت منخاريه، وضيَقت أنفاسه عليه. تذكر الأيام الثلاثة التي تحصن فيها بالمكتب، بمقر القنصلية، لا يغادره، خشية أعمال العنف الدموية، التي اندلعت بالمدينة غداة الإعلان عن مقتل الزعيم، الجنوبي المتمرد، العائد إلى العاصمة الشمالية بقوة سلاح الجيش الشعبي، جون جارنج. وتذكر، أخيراً ودائماً، تلك الخادمة، الحبشية الحسناء، التي دستها أجهزة الأمن الوطنية عليه، ببشرتها الأبنوسية الأخاذة، بغنائها، غير المفهوم، الشجي الحزين، وبشهوته، التي ظل يكبحها، كلما عاد إلى البيت مساءً، ليجدها، مستلقية غافية، على الصوفا أمام التليفزيون. - سنرى. كانت قد استرسلت، بخفةٍ وزلاقة لسان مدهشة، في الحديث عن تاريخ أسرتها المرصَع بالنكبات، وبأوجاع الرحيل المتكرر. حكت له، باستخفاف، مريبٍ مثير، عن جدودها الأوائل حين هبطوا من غرناطة إلى جبال الريف، ليؤسسوا شفشاون الساحرة، شقيقة غرناطة الصغيرة، قبل أن ُيضطر أبناؤهم إلى المزيد من التوغل باتجاه الجنوب، نحو فاس أولا، حتى استقر بهم المقام في سلا، تلك المدينة العتيقة الحمقاء، والمعتدة بحماقتها. راحت تقضم ساندوتش "كفتة الداندي" الذي ابتاعه لها من عربة يدٍ قديمة، ُيطلق صاحبها على نفسه اسم "لالة فاطمة"، وتجرع من "الكانز" جرعات بسيطة عجول، ثم تُعلق على الأغنية الأمازيغية، سريعة الإيقاعات، حادة الأصوات، كل ذلك في نفس الوقت: - لا أفهمها، لكني أحبها! لم يقل لها إنها الحياة، دوماً، على هذه الشاكلة، لا نفهمها، لكن نحبها، وأحياناً لا نحبها، وأحياناً نحبها بغطرسة وقسوة لا حبنا لها، لكنها، في كل الأحوال، تنادينا، وتغوينا، ترمينا، مرَة، على سفوح جبال الريف المغربية، حيث تتطاول أشجار الأرز والصنوبر والبلوط، وحيث يمضي الناس أيام كدهم يزرعون الشيرا والحشيش، والنزر اليسير من الموالح، ثم تقذف بنا، مرِة أخرى، إلى صحراء الخرطوم اللاهبة، حيث لا ظل نحتمي به من قيظٍ مقيم، إلا ظل شهوة مكبوحة لجسدٍ أبنوسي، متلامع أخَاذ، يسحقه الفقر وأوجاع البعاد، ويعترف بالحب، غير المستهدَف، غير المعقول، وبالخيانة العاقلة جداً، البريئة جداً! - ربما الرجل الوحيد، الذي عرفته فاهماً للحياة، كان أبي، ولذا أمضى عمره صامتاً، صامتاً وممتعضاً. كشف الخديعة مبكراً، وبالرغم من ذلك فقد وقع، هو أيضاً، في فخ الغواية، حصد ثروة صغيرة، لا بأس بها، من تجارته، لكنه كان واعيا،ً باستمرار، لمبدأ حدود الثراء، كان يقول إن المال نجمعه ليؤمِن لنا الحياة، إلى حدٍ معين، أما حين يتجاوز ذلك الحد، فسيصبح هو ما يحتاج إلى التأمين، عندها ينقلب صاحب المال إلى مجرد حارس عليه، وتتآكله المخاوف، ربما لهذا السبب انقلب الرجل، العاقل الرزين، إلى شخص آخر، سفيه ومبذر ومتلاف، في أواخر سنينه، ومات شبه فقير. - المهم أن يكون مات راضياً. قالت. - راضياً! لا، لا أعتقد، كيف لمن يفهم الحياة أن يعيش راضياً، أو يموت راضياً؟! أخذت كفه ووضعتها على نهدها، ثم قبلتها بولهٍ. همست بنبرة متحشرجة: - لستُ أعرف ماذا يعجبني فيك! ولستُ راضيةً عن إعجابي بك، أنت رجلٌ محصور كئيب، وغالباً عنين، ومع ذلك أجدني منجذبة إليك! - أفكر، أحياناً، أنكِ لا تقيمين وزناً كبيراً لفكرة احترام الجسد. رأى وجهها يتقلص بالألم، قبل أن تسيطر على نفسها، وتغرب في ضحكٍ هستيري هاذِ، تقطعه أصوات بذيئة مُنكَرة، وقرقرات. ردَت بغلٍ: - ألم أقل لك؟ عموماً، ليس على العنين حرج. عندما حطت الطائرة على المدرج بمطار القاهرة، أخذ وجيب قلبه يتعالى مستبقاً النزول إلى الأرض التي غاب عنها لعام، كاملٍ طويل، جرت خلاله مياه كثيرة بما لم يكن يظن أنه ممكن الحدوث عبر ما تبقى له من سنين على قيد الحياة. ركع على ركبتيه، وعفَر جبهته بالتراب، تماماً كما يفعل المعارون إلى الخليج، عند نزولهم للوطن بأول إجازة، أمام عدسات المصورين الصحافيين. أقنع نفسه أن البلد قد تغير، وأن روحاً، جديدة شابة، قد انفجرت، بالحياة وبالغناء وبالثقة، في عروق الميادين التي طالما تصلَبت وشاخت. أقنع نفسه، فهل اقتنع حقاً؟ سأل صديقه، ورفيق الحلم الثوري القديم: - هل هذا حقيقي؟ - نعم حقيقي، لكن الصورة ليست وردية، فالفرز الثوري لم يتم بعد، وأحسبه متعثراً جداً. - إذاً؟ - كما ترى، سيركب الجميع قطار الثورة، الذي أنكروا وجوده دوماً، وستحاول كل عُصبة أن تُنزِل البلد كله في محطة وصولها الخاصة، مدعيةً أنها آخر الخط، سينزل الكثيرون، لكن سيبقى الكثيرون أيضاً، وسيدور القطار ويدور، ويتأخر عن مواقيته، وربما يتوه، مرَة أو أخرى، و قد ينحرف عن القضبان، لكنه سيواصل سيره، حتى النهاية. غرق في تفكير، صامت مشحون، ظل خلاله يحدِق بوجه الصديق كمن يبحث عن دلالة، أو بشارة ما، مخفية هناك. زفر برجاءٍ وضراعة: - قل لي إنك تصدق، حقاً، ما تعدني به الآن. قل لي إنه سيواصل مسيره حتى النهاية، مهما تاه، أو انحرف عن القضبان. - ولكني لا أملك إلا أن أومن بذلك يا صديقي، ليست لدي رفاهية عدم التصديق!. كانت الفيلا التي يقطنها مستأجرةً من لواء سابق بجهاز الأمن الخارجي السوداني. أعجبه الطابق الأرضي، والحديقة الصغيرة اللطيفة، لكنه لاحظ ضعف التأمين. أدهشه الأمر، خاصة وأن صاحب البيت رجل أمن محترف وعجوز. ابتسم الرجل لملاحظته، بأريحية وفطنة ، وشئ من التعالي، وهو يجيبه: - تعرف سيادة المستشار أن أي مكان، مهما بلغت درجة تأمينه، قابل للاختراق، وأن التأمين الأكبر هو في نزع الخوف من الخطر، وتأهيل النفس لمجابهته، في كل وقت، وتحت أي ظرف. - هل كنتَ تعمل بهذه النظرية أثناء الخدمة، سيادة اللواء؟ أعاد الرجل لف عمامته، البيضاء الكبيرة، فوق رأسه، وعندما انتهى من تأمين صلعته، أجاب: - أنتم أيها المصريون لا تفكرون إلا في أمرين لا ثالث لهما، النيل والأمن. - طبعاً، طبعاً، سيادة اللواء، ولم لا ونحن، مثلكم، نعبد رب البيت، الذي أطعمنا من نيلٍ، وآمنا من خوف؟! عندما اعترفت له، زهرته الأبنوسية الحبشية، من تلقاء نفسها، أن العجوز المتقاعد، ذاته، هو من وضعها في طريقه للتلصص عليه، وأنها تبقى مُطَالبة، كل يومٍ تقريباً، بتقديم تقرير تفصيلي عن حركاته وسكناته وزائريه، وأشياء أخرى داخل البيت، وإلا فلن يجددوا لها إقامتها، وأنها، وبعد أن ساكنته وعاشرته، تشعر بالذنب والخزي من جراء ذلك، راح يهوِن عليها، مؤكداً أنه لم يستبعد هذا الأمر من حساباته، أبداً، وأنه يعلم أن الكل منكشفٌ على الكل، وأنه، في نهاية المطاف، ربما، لن يُعرَف، وبالمطلق، من الرابح ومن الخاسر في تلك اللعبة العجيبة الملعونة، حتى وإن ظل موقناً بخسارة الجميع أمام الجميع!. - كنتُ أفضِل لو أنك أبوك، لا أنت، أبوك العاقل الرزين، السفيه المتلاف! - نصف ملاك، نصف شيطان؟ - لا، رجلٌ، رجلٌ وحسب. تحلمين بالرجال، وتركلين أشباه الآلهة بقدميكِ أيتها الموريسكية الحمقاء! فهل هذه أنتِ، صدقاً وحقاً؟ أمْ أن هذا ما اقترحه عليكِ، بشأني، ذلك "القومندان"، الغامض المختفي في ظلمة مكتبه، المخفور جيدا،ً بعيداً بعيداً، هناك؟!. تنهدت بيأس وتعب. كانت قد أُجهِدت كفاية على طول الطريق من غرناطة، إلى فاس، فسلا الحمقاء، ذات الأسوار العالية. همستْ مستسلمة، وقد يأست من ردَه عليها: - كما تبغي. استقبله السفير رئيس الهيئة، بمكتبه، فور رجوعه. بدا له رئيسه متحيراً، بشكلٍ ما، من أمره. كان قد طالب رؤساءه المباشرين برفع تقاريرهم، الفنية والإدارية والأمنية، له عنه، فلم يجد فيها ما يُمكن أن يُؤخَذ عليه، بل على العكس، جاءت التقارير، جميعها، تنتصف له، وتشيد بعمله ومهنيته وانضباطه، فلم يتبق أمامه إلا أن يقيِم، بنفسه، تلك الأعجوبة، التي ركلت المال والمنصب الرفيع، وتعالت على ما يصبو إليه الآلاف من العاملين بالهيئة، وغيرهم. - مرضك حقيقي؟ - حقيقي. - مم تشكو؟ - القلب. لن يفهم، يوماً، إن كان ذاك القلب مجرد مضخة صماء للدماء، بالأكسوجين الذائب فيها، أم مستودعٌ للعذاب والأحلام، للهزائم وللشغف، للتطوحات وللتصوحات؟ وهل العلة تُصيب القلب، أم أن القلب، في ذاته، هو علة كل العلل؟ - كما ترى، نحن بحاجة إلى الكوادر المميزة، مثلك، فلا تظن أننا سنفرط فيك بسهولة، أخيراً، البلد ينهض من نومه الثقيل، حيث النهار لا يزال في أوله، وأيام وليالي العمل طويلة، بلا عد. تحيا مصر! - تحيا مصر! ودَع رئيسه، مؤقتاً، ليبدأ إجازته السنوية التي سيستغلها في مراجعة الأطباء، وعمل الفحوص والأشعات والتحاليل اللازمة. لدى وصوله لمكتبه، وجد، بانتظاره، زميله الذي سيحل محله بمكتب الخرطوم. كانت قد تبقت له مهمة سخيفة أخرى، من مهام طلوع النهار، هي مهمة تسليم الملفات. بدا الزميل نشطاً وحماسياً، كما يجدر بالسائرين على طريق تحقيق الحلم واغتراف الأمل وانتزاع النهار. ابتسم لزميله بوهن. سأل: - ما الفرق بين الفاشي والفاشيستي؟ رفع الزميل نحوه نظرة، حائرة مستفهمة، ولم يحر جواباً، فعاجله هو بالرد: - تحيا مصر!   [post_title] => صُبح الفاشي [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%b5%d9%8f%d8%a8%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%b4%d9%8a [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-09 18:15:38 [post_modified_gmt] => 2019-07-09 18:15:38 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31095 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [35] => WP_Post Object ( [ID] => 31087 [post_author] => 841 [post_date] => 2019-07-09 04:47:19 [post_date_gmt] => 2019-07-09 04:47:19 [post_content] => أربع قصائد للشاعر الأميركي دبليو . إس. ميروين (1927-2019)  ترجمة: آمال نوّار يمكن مشاهدة هذه القصائد الأربع بالنصّين: الإنكليزي والعربي، في فيديوهات على موقع يوتيوب (قناة الأدب المترجم) من إعداد صادق آل غانم وترجمة آمال نوار. رابط الفيديو أسفل كل قصيدة.

 أَمْس

يُصرِّحُ صديقي أنا لم أكنْ ابنًا صالحًا كما تُدرك فأقولُ نعم أُدرك   يقولُ لم أذهبْ لرؤيةِ أَبَويَّ مِرارًا كما تعلم وأقولُ أجل أعلم   حتّى آنَ كنتُ أُقيمُ في المدينةِ نفسها يضيفُ فلربما كنتُ أقصدهما مرةً في الشهر أو لربما أقلّ فأقولُ نعم فعلًا   يقولُ آخر مرة ذهبتُ لرؤيةِ أبي أقولُ آخر مرة رأيتُ فيها أبي   يقولُ آخر مرة رأيتُ فيها أبي كان يسألني عن حياتي كيف كنتُ أتدبرُها   ومضى إلى الغرفةِ المُجاورة ليحضرَ شيئًا ينفحني به   آهٍ أقولُ مُستشعرًا مجدَّدًا برودة يَدِ أبي في آخر مرة ويُواصلُ ثم استدارَ والدي عند المدخل ورآني  أرمقُ ساعتي  فقالَ تُوقنُ أنّي أودُّ أن تمكثَ وتُؤآنسني بحديثكَ   بلى بالتأكيد أقولُ   لكنْ إذا كنتَ مشغولًا تابعَ فلا أرغبُ أنْ يضطّرَكَ إلى ذلك  مجرّدُ تواجدي هنا    لا أُعقِّبُ بشيء   ويُكملُ قالَ والدي ربما لديكَ عملٌ مهمٌّ تنجزُه أو ربما عليكَ أن تُقابلَ شخصًا لا أريدُ تعطيلكَ   أرنو بنظري من النافذة صديقي أكبر مني سنًا يقولُ وأخبرتُ أبي بأنَّ الأمرَ كذلك ونهضتُ وتركتُهُ آنئذٍ كما تعرف   رغم أنّه ما مِنْ مكانٍ كان عليَّ الذِّهاب إليه ولا مِنْ شيءٍ كان عليَّ فعله ...... (من ديوان "بَسْطُ اليَد" 1983) https://youtu.be/YvI8kJoVPfU https://www.youtube.com/watch?v=YvI8kJoVPfU&feature  

ضوءُ المطر

طوال اليوم تسهرُ النجومُ منذ القِدَم قالتْ أُمّي إنّي مُغادرةٌ الآن عندما تكونُ وحيدًا ستكونُ بخير سواء أُوتيتَ نصيبًا من العِلْمِ أم لا فستَفْهَم انظرْ إلى المنزل القديم تحت مطرِ الفجر الزهورُ جميعها تكويناتٌ مائية تُوقظها الشمسُ عبر غمامةٍ بيضاء  تُلامسُ المدى المُرَقَّع فوق التَّلّ حيثُ ألوانُ الآخرة الباهتة تلك التي عاشتْ هناك طويلًا قبل ولادتكَ أَترى كيف تستيقظُ من غير اعتراض رغم أنَّ العالمَ كلَّه يحترق ..... (من "ظلّ سيروس" 2009) https://youtu.be/-BCw5Z68WYU https://www.youtube.com/watch?v=-BCw5Z68WYU&feature  

ثعلبة

يا مذنّبَ السُّكُون ويا أميرةَ ما انقضى أيّتها النغمةُ الصادحةُ المسترسلةُ بلا ارتعاشٍ بلا جَهْرٍ بلا صوتٍ يا هالةً من الظَّلام الدامس ويا حافظةَ الأسرار الخفيّة والحكاياتِ المَنْسيّة والأحلامِ الهاربة والجُمَلِ التي لم تصطدْها الكلماتُ يا حارسةَ النَّهر حيثُ يجري ويا ملمسَ أديمه يا عرَّافةَ ما انطمس  يا نافذةً على المكانِ المُسْتَتِر والزَّمنِ الآخر عند أسفلِ الجِدار بجانبِ الطريق رابطة الجَأْش من دون انتظار تحت ضوءِ البَدْرِ الخريفيّ في ساعةِ مَوْلِدي  أنتِ لم تعودي تخرجينَ كاللَّهَب على مرأى منِّي  ولا تزالين أكثر دِفْئًا من ضوءِ القمر المُتلألئ عليكِ حتّى الآن أنتِ سالمةٌ حتّى الآن أنتِ بارعةٌ كدَأْبِكِ دائمًا الآن بينما تجري كُفُوفُكِ الرشيقة فوق الليلِ الحابسِ أنفاسه على الجسرِ ذي الجانبِ الواحد أتذكّرُكِ حين سمعتُكِ استجابَ لكِ أخمصا قدميَّ حين رأيتكِ صحوتُ وانسللتُ من التقويمات       ومن عقائدِ الاختلاف والتناقضاتِ التي صاغتْ حياتي وكلِّ التلفيقاتِ المُتهالكةِ طالما استمرَّتْ إلى أنْ انتهى الحالُ الذي كُنا عليه عندما لم تعودي شيئًا يُذكَر  دعيني ألمحُكِ مجدَّدًا تمرِّينَ فوق الجِدار  وقبل أنْ تنقرضَ الحديقةُ وتؤولَ الغاباتُ إلى صُوَرٍ تنسابُ على شاشةٍ دعي كلماتي تجدُ لنفسها مطرحًا في الصَّمتِ ما بعد الحيوانات ...... (من "الثعلبة" 1996) https://youtu.be/__qjzZHz3Pc https://www.youtube.com/watch?v=__qjzZHz3Pc&feature  

الناي الهائم

أنتَ الذي غنَّيتَ لي فيما مضى غَنِّ لي الآن دعني أسمعُ ترنيمتكَ الصادحة المديدة اصمدْ معي فالنجمة تتلاشى أستطيعُ التفكيرَ أبعد من ذلك لكنّي نسيتُ هل تسمعني   هل ما زلتَ تسمعني هل يتذكَّركَ الهواءُ يا نَفَسَ الفجر يا أغنيةَ الليل ويا أغنيةَ الصباح في حوزتي كلُّ ما لا أعرفه لم أفقدْ شيئًا منه   لكني أكثر فطنة الآن  مِنْ أنْ أسألَكَ أينَ تعلمتَ تلك الموسيقى ومِنْ أينَ جاءَ أيٌّ منها  ذاتَ يوم كانَ هناك أُسُودٌ في الصين   سأُصغي إلى أنْ يصمتَ الناي ويعودُ الضوءُ قديمًا مجدَّدًا .......... (من "ظلّ سيروس" 2009) https://youtu.be/Rq49zF0r-ZU https://www.youtube.com/watch?v=Rq49zF0r-ZU&feature   [post_title] => ذاتَ يوم كانَ هناك أُسُودٌ في الصِّين [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%b0%d8%a7%d8%aa%d9%8e-%d9%8a%d9%88%d9%85-%d9%83%d8%a7%d9%86%d9%8e-%d9%87%d9%86%d8%a7%d9%83-%d8%a3%d9%8f%d8%b3%d9%8f%d9%88%d8%af%d9%8c-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%91%d9%90%d9%8a%d9%86 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-09 17:07:10 [post_modified_gmt] => 2019-07-09 17:07:10 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31087 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [36] => WP_Post Object ( [ID] => 31073 [post_author] => 689 [post_date] => 2019-07-07 18:55:20 [post_date_gmt] => 2019-07-07 18:55:20 [post_content] => ديمة محمود كَفراشةٍ نيّئةٍ أُحلّقُ في بيتي وقتي الذي أقضيه في المطبخ أقطع بالسكين جزءاً منه للشِّعر وراء الستارة لا يعلم أحدٌ أن ثمة قصيدة انسكبت مني وأنا أغسل الأطباق وأن إعصاراً من الكلمات اجتاحني وأنا أطهو البامية أحياناً لا أجدُ تفسيراً لهذا الزخَم الذي يعتريني وأنا أشوي السمك كَالبنْدول تتردّدُ المقاطع في رأسي أريدها كذلك - تَتأرجح وتُلحّ – حتى لا يجلوها بخارُ القلي ورائحة مساحيق التنظيف وقد ألُفها في المنشفة كي لا تبللَّها الرطوبة ريثما تبردُ في الثلاجة مراتٍ قليلة جداً أسرعتُ لأدوّن في ملاحظات الهاتف النقال مقاطعي المنبثقة من المطبخ * عندما ينتهي يومي المنزليّ أنظرُ في المرآة أتحسّسُ رموشي وعينيّ وشفتيّ ووردتيّ  ثمّ أنتشي باكتمالي اللّدِن     طيفُ الشِّعر الذي راودني عند الطبخ يندَسُّ في جديلتي ويأبى الخروج عبثاً أتذكرُه فقد هوى شِعري في صحن الحساء الذي التهَمه زوجي بِشراهة وقال لي بِالنَّص فسري لي لماذا يبدو بعضُ الطعام ألذَّ من غيره في مراتٍ أخرى يغمزني عند المرآة بِخبثٍ لِيَنتشلَ مقاطع الشِّعر من شَعري    ويطبعَها مع موسيقاه على شفتيّ فَتبادرُني تكملةُ القصيدة  [post_title] => فراشة ! [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d9%81%d8%b1%d8%a7%d8%b4%d8%a9 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-07 18:55:20 [post_modified_gmt] => 2019-07-07 18:55:20 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31073 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [37] => WP_Post Object ( [ID] => 31070 [post_author] => 589 [post_date] => 2019-07-07 18:24:42 [post_date_gmt] => 2019-07-07 18:24:42 [post_content] => حسن عبد الموجود على غير عادته سألنى الأستاذ جمال الغيطانى ذات مرة: «ناوى تاخد رأى مين فى التحقيق؟»، وعددت الأسماء عليه، فقال لى: «سيبك، أهم واحد ممكن تستعين بيه هو نبيل عبدالفتاح، ده واحد من أهم الباحثين فى مصر، عارفه؟!». واتصلت بـ«سويتش» مؤسسة «الأهرام» وأوصلونى برقم مكتبه، ورد علىَّ الأستاذ نبيل، وعرفته بنفسى، وكان صوته مرحّباً للغاية. كانت فترة تكوين العلاقات، وفهم الخريطة الثقافية فى القاهرة، وكان نبيل عبدالفتاح، مع حفظ الألقاب، واحداً من أهم المصادر التى تعاملت معها فى بداياتى، إذ وجدته مثقفاً موسوعياً، وهو من القلائل الذين لضموا السياسة بمعناها العام، بمجال تخصصه فى الإسلام السياسى، بالثقافة فى خيط واحد، ولذلك أعتبره واحداً من المجددين المعاصرين الذين أضافوا الكثير إلى الثقافة الوطنية، وأسهموا فى تعريفنا مبكراً جداً بالحالة الدينية فى مصر بتشعباتها ودهاليزها وتشابكاتها ورسم صورة للمنغمسين فيها، من خلال مقالاته المهمة وبحوثه التى كانت بذور كتب شديدة الأهمية كـ«المصحف والسيف» و«سياسات الأديان» و«النص والرصاص». أتذكر جيداً أنه طلب منى أن أذهب إليه فى مكتبه بالأهرام، وسألته: «إمتى؟» وأجابنى: «حالاً لو تحب، مش هينفع التليفون عشان الموضوع مهم وعايز اتكلم فيه براحتى»، وبسرعة قطعت المسافة الصغيرة بين «أخبار اليوم» و«الأهرام»، وأخبرونى أنه فى الدور التاسع (لا أتذكر جيداً) وطرقت باب مكتبه، وسمعته يهتف: «اتفضل»، وحينما دخلت لم ألمحه مباشرة فقد كان محتجباً خلف أعمدة من الكتب مصفوفة بدون انتظام على مكتبه كعمارات قصيرة آيلة للسقوط فى أية لحظة، وحينما نهض، شعرت أنه كائن أسطورى بتلك الضخامة المفرطة وتلك السمرة المحببة. كانت ابتسامته طيبة للغاية ومرحبة كما أن بساطته أشعرتنى أننا أصدقاء رغم فارق السن والمكانة ورغم أننى ألتقيه للمرة الأولى، لكن الجزء المؤلم من القصة أنه منحنى حزمة أوراق وعدداً من الأقلام، وحاولت إثناءه عن الأمر إذ أننى أحمل ثلاث أوراق كاملة، لكنه أصر، وفهمت سبب إصراره، وكرمه الزائد معى، فهذه الأوراق، وهذه الأحبار، سأكون فى أمسّ الاحتياج إليها بعد قليل، استمر فى التدفق أكثر من ساعة، وكنت أفكر متألماً أين سأنشر هذا الكلام، لقد أخبرته أننى أحتاج إلى رأيه فى تحقيق، لا أن يملى علىَّ كتاباً، وقد خرجت من مكتبه مترنحاً، وكنت أحمل رزمة من الأوراق ممتلئة بالكلام المهم، وجملته ترن فى أذنى بينما أحاول الخطو بصعوبة إلى الأسانسير الضخم الخالى: «خد منها اللى انت عايزه، كان لازم اقول رأى مكتمل فى الموضوع لأنه مهم». وقد فهمت معنى القصة السابقة بعد ذلك، نبيل عبدالفتاح هو ذلك الباحث الجاد، الذى يمنح كل شىء حقه، بدأب بالغ، وبحماس شاب صغير، وبنوع من التركيز، لم يجعله أبداً يكتب على سطر ويترك سطراً. يبدو نبيل عبدالفتاح كالمغنين والمشايخ العظام الذين لا يخرجون عن المقام إلا بفهم ومعلمة.  بعدها بشهور دعتنى مؤسسة «فوزى إسطفانوس» إلى مؤتمر بالعين السخنة، وإسطفانوس بالمناسبة طبيب تخدير عالمى، كان يعمل فى مستشفى كليفلاند وأشرف على تخدير الأستاذ جمال الغيطانى أثناء إجرائه عملية للقلب المفتوح، وعاد من أمريكا ليؤسس جمعية هدفها الحفاظ على التراث القبطى، وفوجئت فى الأتوبيس بكثير من رجال الدين الإسلامى والمسيحى وعدد من المثقفين اليساريين والليبراليين وأهم الكتاب الصحفيين، وكان من بينهم نبيل عبدالفتاح، وحاول الكاتب الصحفى أحمد إسماعيل الذى كان يعمل فى الأهالى، عليه رحمة الله، أن يضايقنى حينما عرف أننى من «أخبار الأدب»، فقد كان لديه مشاكل تخصه تجاهها، قبل التحاقى بها، وتدخل نبيل عبدالفتاح فى الوقت المناسب، واحتوى الأمر. فى قرية «بالميرا» شاهدنا أعجب شىء يمكن لأحد أن يشاهده، ترك الشيوخ والقساوسة حقائبهم فى المدخل وهرولوا فى لحظة واحدة باتجاه حمام السباحة الضخم وقفزوا فيه بقفاطينهم وعمائمهم وعباءاتهم السوداء وصلبانهم، ووجدت نبيل عبدالفتاح ينهار على ركبتيه كأنه أصيب برصاصة فى صدره، قبل أن أستمع إلى ضحكته تهز البلوكات الصغيرة البرتقالية المبنية على طراز المعمارى حسن فتحى، وانتقلت إلىَّ عدوى الضحك، وظللنا كلما تقابلنا نتذكر هذا الموقف ونضحك، ثم إن كل شىء كان طريفاً فى هذه الرحلة، وعلى سبيل المثال كان معنا الدكتور مراد وهبة، واكتشفنا أن هناك محررة تخاف منه بشكل طفولى، دون أن تخبر أحداً، بسبب غابة الشعر التى تبدو أنها تغادر جسده من الداخل عبر فتحتى أنفه وأذنيه وحاجبيه. كنا نجلس أمام البحر، حينما فوجئنا بها تهرول باتجاهنا فزعة، وجرينا نحوها، وأظن أن الدكتورة دلال البزرى هى من أخبرتنا بما قالته لها تلك الفتاة. لقد غفت فى غرفتها قليلاً، وحلمت بمراد وهبة يفتح عليها الباب، ويحملق فيها من بعيد، وبعد أن اطمأنت أن عفريت وهبة لا يغادر غرفته إلا لحضور الندوات عادت مرة أخرى لتنام بعمق. كنت أجلس ونبيل عبدالفتاح بالقرب من البحر، وكان لا يكف عن الضحك، وتشعر بعد قليل من الجلوس معه بأن فيه "شىء لله" يجعلك تحبه فوراً، هو شخص لا يكف عن الضحك، قلبه أخضر، وروحه بيضاء، وسخريته كاشفة، وحكاياته طريفة، ويحول فيها الناس إلى كاريكاتير، لا بهدف الإيذاء وإنما لرغبته فى الضحك، وكان يقول لى أنا الذى أخاف من البحر: «هسيبك شوية أنزل البحر»، وكنت أراه طافياً على بعد مائة ياردة على سطح البحر الأحمر مثل جذع شجرة بلوط بدون حراك وكنت أندهش جداً من قدرته على ذلك التوازن العجيب، وفكرت كثيراً أن نبيل عبدالفتاح المسالم والطيب والعظيم لديه قدرة خارقة، أو بالأدق، معجزة خاصة هى النوم على الماء. [post_title] => فى محبة نبيل عبدالفتاح [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d9%81%d9%89-%d9%85%d8%ad%d8%a8%d8%a9-%d9%86%d8%a8%d9%8a%d9%84-%d8%b9%d8%a8%d8%af%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%aa%d8%a7%d8%ad [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-07 20:52:39 [post_modified_gmt] => 2019-07-07 20:52:39 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31070 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [38] => WP_Post Object ( [ID] => 31066 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-06 18:46:28 [post_date_gmt] => 2019-07-06 18:46:28 [post_content] => سعيد بوخليط  يصعب حقيقة،  تحديد مسافة زمنية ذات حيز واضح؛ جلية المعالم بكيفية لا لبس معها،  حين محاولة التطرق إلى ممكنات فضاء الثقافي والسياسي،  تحديدا وفق منطق الهوية الخالصة والصافية؛ التي لا تشوبها شائبة، المطمئنة تماما إلى امتلاء الشيء وحضوره المنتهي اكتمالا في ذاته،  ثم تبلور مرتكزاته بغض النظر عن باقي العالم، وبالاستغناء عنه.  صحيح،  أن خصوبة المفاهيم؛ يحكمها عموما في تصوري،  منطق اللاأمان هذا، حيث لعبة الجدال كامنة بقوة ومطلقا؛وإلا استغرقتها الدوغماطيقية والعقائدية،  التحجر والإفلاس التاريخي.ثم تزداد الإشكالية هشاشة، وتصير مهيأة أكثر؛كي تجعل النقاش عقيما بعد كل شيء، لا تخلص تأسيسيا إلى رؤية منفتحة على ممكنات منسابة تطوريا؛وقد وجهتها نظرية ذات قاعدة صلبة. أقول، يحدث أمر من هذا القبيل؛حينما يغيب النظام الابستمولوجي، المحكوم طبعا بالتناظر النِّدّي بين الانفصال والاتصال؛الائتلاف والاختلاف؛التماثل والتباعد؛المماهاة والتنافر…. وفق مختلف ذلك، لا ينزاح نقاش الثقافي/السياسي عن سياق من هذا القبيل : فهو سؤال بنّاء،  يراهن دائما على آفاق أخرى،  حينما تتراكم كميا ونوعيا؛ مرتكزات التكريس المعرفي للثقافة والسياسة، بحيث يدرك كل واحد منهما صراحة أو تضمينا،  إطاره ومجاله.نتيجة، لا تتحقق بالسهولة المأمولة، سوى بالنسبة للمنظومات المجتمعية؛ المهووسة على الدوام بمساءلة واقعها المادي وتجلياته الرمزية.هنا تتلاقى السياسة والثقافة؛عند نفس المصب، يشتغلان على ذات التطلع، لكن ليس حتما تآلفهما أو تضادهما : السياسة تدبّر يومي، في إطار مشروع مجتمعي على المدى اللانهائي.سعي، لن يتحقق؛سوى إذا صارت السياسة حقا مؤسسة ''وطنية''مكتملة البناء، شيدها ولازال كذلك الصرح الثقافي؛ التأملي للمجتمع.في نهاية المطاف، الثقافة أكبر من السياسة بل تشملها، والأخيرة مجرد تجلّ ضمن باقي تجليات الأفق الثقافي عموما.   حين الإقرار بخلاصة هذه المعادلة،  يحق هنا مبدئيا الجهر بأحقية تدبير الثقافي لأمور السياسة،  وليس العكس، حتى تحافظ الثقافة باستمرار على مكانتها الأسمى،  وتظل السياسة دؤوبة في اجتهادها، ضمن مرجعية حِكمة الثقافة. صحيح،  كما هو معلوم،  وخلال زخم أزمنة المد اليساري،  لا سيما سنوات السبعينات والثمانينات،  وقبل التحول الجذري مع طفرة العولمة، بنظامها المعرفي المغاير تماما لكل مامضى، اتفقت طيلة حقبة زمنية ليست بالقصيرة، جل أدبيات الفكر الثوري، على أن الثقافة- مجرد ممارسة إبستيمية- يلزمها قطعا الانقياد وراء محرض السياسة – الورش الايديولوجي - التقدمية،  بالتأكيد،  تنحو منحاها يمينا وشمالا،  أفقيا وعموديا.هكذا توارت الثقافة يعني التأمل؛ التفكير؛ النقد؛ العقل؛النسبي؛  الخيال؛ الموسوعية؛ تفاعل المعارف؛التعدد…. خلف الإقرار السياسي أي الدوغما؛ التبرير؛ الظرفي؛البعد الواحد؛المطلق…. مع ولوجنا حقبة العولمة، بانقلابها المعرفي المماثل إن أردنا تقريب الرؤية بكيفية من الكيفيات،  لما صنعته هندسة ريمان ولوباتشيفسكي بالتراث الأوقليدي،  اقتضى السياق الانكباب قصد إعادة النظر في جل مرتكزات المنظومة الكلاسيكية،  التي ارتكنت إلى بديهيات،  لم تعد اليوم قادرة على مواجهة أسئلة مختلف كليا، قدر تشعبها الزئبقي، بذات المرجعيات السابقة : الدولة؟ المثقف؟ الطبقة الاجتماعية؟ فعل السياسة؟ موقع المثقف ودوره؟ الجمهور؟ الايديولوجيا؟…، مثلما أن مكونات حقل الصراع،  تضاعفت واكتست مظاهر جديدة : طبعا حقوق الإنسان، دائما وأبدا، غير أن مفهوم الانتهاك حاليا، تطور صوب أبعاد أخرى معقدة،  وتجاوز الأمر مستوى العلاقة العمودية مع استبداد الدولة المادي!إشكالية بيولوجيا الجنس!أسئلة التغيرات المناخية!انبعاث قوميات جديدة ومفهوم الدولة الوطنية!مشكلات البيئة! اللوبيات الأممية المتوحشة! الهجرات! الحروب! الإرهاب! التطرف الديني والعرقي والجنسي!..... إذن، لم يعد مجديا راهنا البحث في الأسبقية التراتبية لعلاقة الثقافي بالسياسي، ومن ينبغي امتلاكه لزمام المبادرة، بل أساسا مدى قدرتنا على صياغة نظام معرفي عبر بلورة فلسفة جديدة، يمكنها ملاحقة الأسئلة اللحظية المصيرية، المتغيرة كل آن، نتيجة الشروخ الزمانية والمكانية المهولة، التي تراكمها الثورة الرقمية والإعلامية.   [post_title] => إشكالية الثقافي والسياسي [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%a5%d8%b4%d9%83%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-06 18:46:28 [post_modified_gmt] => 2019-07-06 18:46:28 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31066 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [39] => WP_Post Object ( [ID] => 31061 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-06 18:41:45 [post_date_gmt] => 2019-07-06 18:41:45 [post_content] => محمد يحيى بعبارة وجهها الخديوي إسماعيل ليعقوب صنوع أعرب فيها عن عدم رضاه،  وكانت اول ملحوظة رقابية تمنع مسرحية "الضرتين" التي كانت تنتقد فكرة تعدد الزوجات وعرضت أمام الخديوي، بدأ تاريخ طويل من الرقابة لازم  المسرح المصري منذ بداياته، تعددت فيه أشكال وأسباب المنع والحذف ما بين أسباب سياسية واجتماعية وأخلاقية. في كتاب (الرقابة والمسرح المرفوض)  للكاتب والباحث سيد علي اسماعيل، نستعرض أبرز صفحات الصراع بين الرقابة والمسرح بين عامي 1923و 1988، وأبرز المسرحيات التي تم منعها خلال تلك الفترة وأسباب منعها وتغير أساليب وفكر الرقابة عبر الزمن. ثم كان قانون الرقابة الذي ظهر في عهد الخديوي توفيق وذلك للتصريح بالعرض المسرحي للفرق الشامية والأجنبية التي تعرض في مصر، ومع دخول رجال انجلترا وفرنسا للسلطة بدأ الصراع بين الرقابة وبين المسرحيات المحرضة ضد الاحتلال فترفض نظارة الداخلية في عام 1907 عرض مسرحية "دنشواي"، وفي عام 1923 ترفض الرقابة الترخيص بعرض مسرحية "دار العجائب" التي تتحدث عن مجون ملك فرنسي عبر التاريخ وذلك لكونها تتهكم وتعرض بالملوك وذلك مالا يحسن تمثيله، وبذلك يتضح أن الرقابة في ذلك الوقت وعلى الرغم من كونها تسعى للحفاظ علي الآداب العامة الا أن هدفها الحقيقي هو حماية الحكام من أي انتقادات أو تحريض ضدهم سواء كانت الانتقادات موجهة للانجليز أو للملكية حتى ولو كانت في فرنسا. وفي عام 1934 ترفض الرقابة مسرحية "الجواري في عهد هارون الرشيد " دون ابداء للأسباب، وعلى الرغم من أن الرواية تدور في الماضي الا أنه يبدو أن الرقابة رأت أن هناك اسقاطات علي الوضع المعاصر باظهار الانجليز في صورة النخاس الذي يتاجر ويتحكم في الشعب المصري والاشارة الى شخصية جحا التي تمثل المنقذ الذي ينتظره الشعب المصري وذلك ما يبدو واضحا في أغنية ختام المسرحية  والتي تبتهج بالحرية بعد غياب . وبين عامي 1937 و1955 تراجعت ظاهرة رفض النصوص المسرحيات وذلك لعدة اسباب, مثل ظهور السينما وتكوين الفرقة القومية ووجود لجان قراءة تقوم بتنقية النصوص قبل وصولها للرقابة، كان ذلك قبل صدور قانون الرقابة في عام 1955 ،كيف تغيرت نظرة الرقابة بعد زوال الاحتلال الانجليزي ورحيل الملكية وحلول نظام جديد، في عام 1968 رفضت الرقابة عرض "الالهة غضبى" لبهيج اسماعيل فتقول الرقيبة الأولى أن المسرحية ضد مصالح الدولة العيل وتتسبب في البلبلة الفكرية لأنها تبين أن الحاكم يرغب في التخلص من المتعلمين حتى يحكم الشعب الجاهل،ويرى الرقيب الثاني أن المسرحية تبلبل الأفكار في ظل الظروف الدقيقة التي تمر بالبلاد، وتنتقد هذه المسرحية الحكم  الديكتاتوري وما أدى اليه من هزيمة في عام 1967 ويطالب بحق الشعب في المحاسبة، وهو ما ترفضه الرقابة التي ترى أنه لا داعي للنظر الى الماضي وأن الدولة تسير في الطريق السليم بعد بيان 30 مارس 1968، وهو ما يوضح لنا أن الرقابة هي وسيلة للحفاظ على نظام الحكم وأنها تعتبر النظام الحاكم هو العارف بمصلحة البلاد العليا، لذلك ليس من المفترض معارضة ذلك النظام سواء كان ذلك النظام هو الملك والاحتلال الانجليزي أو كان نظاما عسكريا اشتراكيا مهزوما،وفي عام 1974 ترفض الرقابة عرض مسرحية "ابتسامة على شفايف مصر "لهشام سليمان وهي المسرحية التي تهاجم الاقطاع وتدعو لتوزيع الأراضي علي الفقراء وتنتهي بمقل الاقطاعي ، ومن ضمن أسباب منعها هو كونها تدعو للاشتراكية ويُظهر ذلك مدى تأثر الرقابة بتغير النظام السياسي فعندما كانت الاشتراكية توجها للنظام الحاكم كان يتم ترحيب الرقابة بالأعمال التي تدعو للاشتراكية، أما بعد ظهور توجه نظام (السادات) للانفتاح والسوق الحر فأصبحت الاشتراكية مذهبا غير مرغوب فيه ويتم رفض مسرحيات تدعو اليه واعتبارها ضد "النظام العام" أما في عام 1982 ومع وجود نظام جديد هو نظام (حسني مبارك ) فترفض الرقابة عرض مسرحية "الاونطجية"  والتي تناقش قضية الفساد الذي نتج عن عمليات الاستيراد والتصدير والمتسلقين الذين نجحوا في النصب على الشعب المصري والصعود في المناصب حتى أصبحوا من نواب الشعب،يرى الرقيب في عرض هذه السلبيات اهانة للشعب المصري وللسلطة التشريعية والتنفيذية وترى الرقيبة أن عرض هذه الأمور يسبب بلبلة للرأي العام ويرى رقيب آخر أن المسرحية تسخر من المسئولين والوزراء، وفي عام 1983 ترفض الرقابة مسرحية "الكابوس" لجمال عبد المقصود التي تنتقد الدولة الأمنية والاعتقالات، وكان من أسباب رفض عرضها أنها تشير الى مراكز القوى ولا تشير الى نهايتها، بينما يكمن السبب الحقيقي في عدم التعرض للأجهزة الأمنية والاعتقالات وعدم انتقد ذلك في أي فترة وبأي صورة،وفي عام 1986 ترفض الرقابة مسرحية "أحلام مصرية جدا" لصلاح متولي والتي تنتقد الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمواطن البسيط بسبب أنها نقدية سياسية مباشرة وتمس بعض الأجهزة الحساسة وترى رقيبة أخري أنها تعرض بنظام الدولة وبنظام دولة صديقة وهو النظام الأمريكي، وهو ما يوضح التوجه السياسي الجديد نحو أمريكا واعتبارها دولة صديقة وعدم السماح بانتقادها من خلال الأعمال الفنية. حماية النظام ورقابة الموظفين من خلال استعراض الكتاب للتقارير الرقابية الرافضة لعروض مسرحية منذ عام 1923 وحتى 1988 يمكننا ملاحظة أن الرقابة لا تحمي الدولة والنظام العام بل هي تحمي النظام الحاكم وهناك فارق كبير بين الدولة والنظام، وأن القائمين بدور الرقابة هم مجرد موظفين يعملون في الحكومة مما يدفعهم لحماية النظام القائم والدفاع عنه ومنع كل ما يمكن أن يهدده من انتقادات من خلال الأعمال الفنية، وأن هذا الموظف جاهز للدفاع عن كل أشكال الحكومات برغم اختلافها فهو مدافع عن الملكية وعن الاحتلال وعن النظام القومي والاشتراكي والانفتاحي، والنظام المعادي لأمريكا والنظام الصديق لها، فهو موظف لا يهتم بالحرية وبالابداع الفني بقدر ما يهتم برضا الحكومة عنه فهي من تمنحه مرتبه وتعمل علي ترقيته للمنصب الأكبر. كذلك يمتاز ا لرقيب بسوء النية والدخول في نوايا المؤلف فهو يفترض فهمه لكل ما يمكن اعتباره رمزا غير مباشر للانتقاد ومتربص بكل عبارة يمكن تفسيرها تفسيرا سياسيا أو أخلاقيا بشكل سيء، فهو يميل للتشكيك في دوافع المؤلف واعتباره مهددا لأمن البلاد وللنظام العام ومصدر بلبلة للرأي العام، وهي تهم جاهزة لكل من ينتقد سياسة أو يعرض فكرة صادمة أو مختلفة عن التيار السائد. كذلك يقوم الرقيب دائما بالتدخل في شكل المسرحية بشكل غريب بافتراضه افتراضات مسبقة عن شكل العمل الفني الذي يفترض دائما أن ينتهي بهزيمة الفساد والشر ووجود شخصيات ايجابية ونهاية متفائلة، وفي حالة عدم وجود ذلك فانه يرى أن العمل يدعو للاحباط وأنه من الخطر عرضه على أجيال الشباب التي يجب أن نعدها بالمستقبل المشرق دائما فيتم مثلا رفض مسرحية "الجواري في ععد هارون الرشيد" عام 1934 بحجة انها تتحدث عن تجارة الرقيق التي تم تحريمها، بينما يظهر ان السبب الحقيقي هو تعرضها لمشكلة الحاكم والمحكوم واستخدامها للرموز في التعبير عن عبودية الشعب المماثلة لعبودية الجواري ودعوتها للتحرر. يُظهر الرقيب عضلاته على الضعفاء، فأغلب النصوص المسرحية المرفوضة هي النصوص التي يقدمها كتاب غير مشهورين أو فرق مسرحية صغيرة، فالنجوم الكبار سواء في الكتابة أو التمثيل لهم سلطة وقوة معنوية من خلال معارفهم في الصحافة والسلطة ويستطيعون أن يدافعوا عن أعمالهم، أما صغار المسرحيين فهم فريسة سهلة لاستبداد الرقباء فلا يوجد من يحميهم.فترفض الرقابة مسرحية "جريمة في الريف" وتسمح بمسرحية "بنات الريف" على الرغم من تطابق نص المسرحيتين،وذلك لأن المسرحية الاولى قدمها مؤلف غير مشهور بينما المسرحية الثانية تقدمها فرقة يوسف وهبي،وأغلب المسرحيات المرفوضة هي مسرحيات مقدمة للعرض من خلال الجامعات وقصور الثقافية والفرق غير المشهورة في مقابل مسرحيات النجوم الذين يستطيعون الدفاع عن نصوصهم. يمثل كتاب (الرقابة والمسرح المرفوض) فرصة للتفكير حول فكرة الرقابة وأسلوبها في مصر وفي وطننا العربي  ويمثل بما يحمله من وثائق الرقابة  فرصة لفهم العقلية الرقابية في الماضي والتي لا تختلف كثيرا عن ما هو حاضر في مسرحنا وفنونا حتى الآن. [post_title] => مسرحيات رفضتها الرقابة.. تاريخ من الممنوعات [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => 31061-2 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-07 07:22:43 [post_modified_gmt] => 2019-07-07 07:22:43 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31061 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [40] => WP_Post Object ( [ID] => 31058 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-06 18:11:53 [post_date_gmt] => 2019-07-06 18:11:53 [post_content] => رشيد برقان لحسن باكور وجه من الوجوه السردية المعاصرة التي تداوم على الإنتاج والإبداع بوثيرة محترمة وبعيدا عن الأضواء والقفزات الإعلامية. راكم على الصعيد السردي لحد الان روايتين ("البرزخ"، و"شريط متعرج من الضوء") وثلاث مجاميع قصصية ("رجل الكراسي"، و"الرقصة الأخيرة"، و"الزرافة تظهر في غابة الاسمنت") نال بها جميعا جوائز بالعالم العربي، حيث نالت مجموعته "رجل الكراسي" جائزة الشارقة للإبداع الأدبي سنة 2008، كما أحرزت مجموعته "الرقصة الأخيرة" جائزة دبي الثقافية لسنة 2015. وتكتسي الكتابة في العالم السردي للحسن باكور طابعا خاصا لا من حيث المواضيع والوضعيات التي يؤثرها منفردة منعزلة، ولا من حيث طريقة الاشتغال على السرد الذي يقترب من تصوير الكاميرا الشفافة التي تنبع من لغة صافية مهووسة بنقل لحظات هاربة. وبغية الانفتاح على هذا العالم المتميز تقترح هذه الورقة الاقتراب من المجموعتين القصصيتين "رجل الكراسي" و"الرقصة الأخيرة"، واضعة نصب عينيها الظفر بالخاصيات التي تشكل من العالم السردي للحسن باكور عالما متفردا. تضع المجموعتان نفسيهما في وضع متقارب من حيث الحجم، وبشكل تصاعدي ينمّ عن تطور التجربة، ف"رجل الكراسي"[1] تنتظم في ثلاث وستين صفحة من القطع المتوسط، وتضم تسع قصص. أما "الرقصة الأخيرة"[2] فتمتد على مساحة سبع وعشرين ومئة صفحة وبها تسع قصص. ولعل في تزايد الصفحات وبقاء عدد القصص على ما هو عليه ما ينبؤ بتطور في التجربة وتمرّس أكثر بالكتابة، وفتح لمغاليقها على الصعيد السردي. بصدد الموضوعات: يلفت انتباه المتتبع للمجموعتين أن الموضوعات الأثيرة لدى لحسن باكور هي الوضعيات الإنسانية المتفردة، والتفاصيل الحياتية الفردانية، والتي اعتدنا على عدم الوقوف عندها على اعتبار أنها أحداث مبتذلة، فمن التيه في "المطاردة"، إلى الانتظار في "امرأة جميلة تنتظر"، والوحدة في "أنثى محتملة"، مرورا "بالإحراج في "نظارات سوداء"، ووصولا إلى الموت التي قاربها من خلال قصتين هما "عصافير الروح" و"شيخوخة". ويبدو أن قلق الذات وانفصامها والموت هما التيمتان الغالبتان على المجموعة حيث يخترقان قصص المجموعة، ويتم تناولهما غالبا من خلال العجيب والعوالم غير المألوفة. تيمة الموت: شكلت الموت دائما معضلة للإنسان حار في فهمها، ولم يستطع تقبلها. لهذا عمل دوما على مراوغتها خصوصا فكرة الحتمية فيها، وعدم إمكانية التعرف على تفاصيلها. وسارد المجموعة ينظر إلى الموت باعتبارها النهاية ونقطة اللاعودة. وهي تأتي بدون معاناة، وبدون أن يكون مرحبا بها أيضا؛ يقول: «تمددا على ظهرهما متقاربين، ثم استوى على جنبه الأيسر، واستوت على جنبها الأيمن .. تنهدت وأرخت أعصابها .. طافت فوق عينيها إغفاءة عذبة سرعان ما استسلمت لها، وبالكاد كان يسمع صوت تنفسها الخافت .. تنهد هو أيضا .. ثنى ركبتيه اليابستين وأدناهما من صدره .. بلل غصة ناشفة كانت تجرح حلقه .. رقصت أمام عينيه غلالة بيضاء شفيفة، وتلألأت في مقلتيه عبرتان حائرتان ما لبثتا أن طفرتا وانسكبتا على الخدين النائيتين. وكان هناك صمت .. صمت ثقيل له صدى خفيف هامس ينضج برتابة قاسية .. وكان هناك حزن.»[3] وكما نلاحظ هناك استسلام مطلق للموت وبدون مقاومة. وفي "عصافير الروح" يعبّر عن الموت لمغادرة العلامات الحيوية للجسد، والتي يراها السارد عصافير، ويبقى الجسد خرابا. يقول: «الوقت يمر يخنق أنفاس العانس ذعرٌ متنامٍ صدرها المفتوح يزداد وحشة ويوشك أن يغدو مغارة مهجورة. الليل يزحف في الخارج، والعصافير (كانت بيضاء اللون) بدأت تفقد أشكالها رويدا، وما لبثت أن ذابت وسط السماء السوداء الخالية من أي نجمة»[4] وفكرة الموت طرحت بإلحاح في الشعرية الحديثة، وهي تندرج ضمن تيمة كبرى هي السوداوية؛ فضغط الواقع، وكبح الآمال التي تعرضت ولاتزال تتعرض له الفئات المجتمعية العريضة جعل جذوة الأمل تخبو، وأصبحت الآمال إحباطا. لهذا لا بدع أن تتركز نظرة المبدعين على مظاهر الموت والأفول، المتجلية في شخصية معزولة، والتركيز على الشيخوخة والعنوسة والوحدة، وكل الوضعيات الإنسانية غير المنتجة. وتتميز مقاربة السارد للموت هنا عن المقاربات المتداولة بنوع من التقبل الاستسلامي، فالشخصيات المهددة بالموت لم تبذل مجهودا لتراوغ قدرها. والعالم المحيط بها، إن وجد، لا يفعل شيئا للتصدي والمقاومة، بل حتى بعد الفجيعة المرافق أصلا للموت لا تجد له أثرا. ومن المعبر في هذا الصدد ألّا تجد في القصتين أي أحداث بعد الموت. وتتكرر كلمة الموت أيضا في المجموعة الثانية "الرقصة الأخيرة"، ويتكرر التركيز على حتمية الموت، وعدم قدرة الشخوص على الفعل أو التصرف حيالها؛ يقول في قصة الحادثة التي تركّز على لحظة دهس السيارة للشخصية الرئيسية: «لم يعد ثمة وقت لأدنى مناورة. لو أراد فقط أن يشيح بوجهه بعيدا حتى لا يعذبه هول الصدمة، أن يطبق جفنيه في استسلام يساعده على امتصاص قليل من قوة الضربة، لو أراد أن يتنحى قليلا، أو يستدير نحو هذه الجهة أو تلك، لتأتي الضربة في موضع يراه أقل قابلية للألم .. لو أراد مجرد ذلك، فإن الأوان قاد فات!»[5]. وفعلا فكرة فوات الأوان هي التي تكرس نفسها أيضا في القصة التي تحمل على عاتقها اسم المجموعة "الرقصة الأخيرة ". حيث تحكى قصة رجل أخذت الموت زوجته بمجرد زواجه منها، وبقي حبيس الذكرى والحنين. مما يشي بقدرة الموت على توقيف المسارات، ويؤكد عدم قدرة الشخصيات على تجاوز الشرخ الذي تحدثه في حياتهم. قلق الذات وانفصامها تعيش الشخصيات الرئيسية حالة من القلق، وانعدام المصالحة مع الواقع تصل درجة الخصام مع الذات والانفصال عنها. ففي "المطاردة" تقوم الشخصية بملاحقة شخص تعرف ملامحه جيدا، ولكنها لا تستطيع مواجهته. وفي الأخير تكتشف أنها كانت تطارد ذاتها بدون أن تتجرأ على مواجهتها، وبدون أن تتأكد من أن المعطيات المحيطة تقول إن الشخصية تلاحق ذاتها. يقول: «سرت نحو الغرفة ببطء .. انتابني خوف بارد وعرتني رعشة، كما حدث عندما اقتربت منه في الشارع، على الرغم من أن هذه اللحظة هي التي انتظرتها منذ البداية .. حاولت أن أسترد تماسكي .. لقد أصبحت الآن أمام الغرفة .. أمامها تماما، إلى درجة أني أستطيع أن ألمس الباب بحركة بسيطة .. رفعت يدي بتردد ورهبة ودفعتها إلى الأمام .. وضعتها على أكرة الباب الباردة ثم جمدت في مكاني .. بعد هنيهة أدرت الأكرة ودفعت الباب الذي انفتح بمهل وأصدر أزيزا وافق هوى غريبا في داخلي .. دفعت جسدي إلى الداخل، وانفرش على وجهي مشروع ابتسامة بلهاء ولكنني ــــــــــــ و يا لهول ما حدث! ـــــــــــــ لم أجد أحدا في الداخل. »[6] وفي "حدث في مقهى شعبي" تصل درجة انفصال الشخصية عن ذاتها أنه يدخل في طقس الفسخ بحيث يقوم بفسخ كل الوجوه المصطنعة التي علت وجهه، وعندما يتعرف على وجهه القديم يقرر إعادة الاندماج في الجماعة، يقول: «وأنا أستدير لأخرج مغادرا المقهى، واجهتني صورتي المنعكسة في مرآة دون إطار، معلقة على الجدار قرب مدخل المقهى. في البداية فاجئني الوجه الذي بدا لي غريبا، باهت الملامح تفوح منه رائحة "الغمولة" والرطوبة، لكني لما أمعنت التحديق فيه، بدأت ذاكرتي تنتعش شيئا فشيئا، فعرفت بأن ذلك الوجه لم يكن سوى وجهي الذي توارى، لفترة طويلة، خلف الوجوه/ الأقنعة التي تخلصت منها لتوي؛ وجهي الذي استعدته أخيرا، وكنت قد أوشكت أن أفقده إلى الأبد .. ولم ألبث أن بدأت استأنس به وبملامحه التي بدت لي طبيعية أليفة وناطقة بالحياة.»[7] وليس غريبا هنا أن تحدث المصالحة مع الذات وسط مقهى شعبي حيث الألفة وقدرة الذات على إيجاد ذاتها، بدل مقهى الأصدقاء الضاج بالنميمة. وإذا كانت شخصية هذه القصة قد استطاعت التصالح مع ذاتها، فإن "رجل الكراسي" لم يستطع ذلك، ولكنه ظل يحمل ثقل الكرسي العملاق الرابض فوق ظهره[8]. وتبدو وضعية القلق المزمن للشخصيات طافحة في "الحادثة"؛ فكل الشخصيات قلقة تترقب وقوع شيء لا تعلمه بالتحديد، كما أنها مشغولة بدرجة كبيرة بما يحسّه الآخرون، وما يمكن أن يفكروا فيه؛ "فالحادثة" تحكي عن أب تعرض لحادثة سير، وبقي مستمرا في انشغالاته رغم أنه معلق بين الموت والحياة، إذ تنتظره جلسة محاسبة ابنه، وهو خائف من انزعاج زوجته وابنته إثر الانتظار أو بعد تلقيهم خبر موته، والشيء نفسه يذكر بالنسبة لكل أفراد العائلة. هيمنة الأشياء و الحيوانات على الإنسان : يتبوأ الحيوان موقعا أكثر أهمية من الإنسان في مجموعة "رجل الكراسي"، ففي قصة "الرجل والكلب" يستثمر السارد الوصف والعلاقات التقابلية ليعطينا صورة عن "الكلب الضخم النقي" والرجل الذي "يشيع جسده النحيف وسط جلباب أبيض رث"، والمكلف بإمتاع الكلب على حساب مظهره وهيأته، ذلك أن الكلب يبدو مبخترا أنيقا في حين أن الرجل تبقى "هيأته زرية"، ويصل التقابل قمته حينما تصدم العربة الكلب ويموت ولا يقتنع الرجل بأنه كلب، ولكنه يتحوّل هو إلى كلب. وفي قصة "رجل الكراسي" بدأ الرجل بائع الكراسي يصرّ على وجود الكرسي الوهمي الذي يحمله حتى اقتنع السارد بوجوده، واقتنع بحكايته المأساوية، وأصبح يتخوف من أن ينتابه المصير نفسه، يقول: «تقدم بخطوه الوئيد المرتعش وسط الزحام. كان فوق ظهره المقوس كرسي عملاق يجلس فوقه، جنبا إلى جنب، كائنان هلاميان لا ملامح لهما ولا شكل. أحدهما أبيض والآخر أسود .. كان الشيخ يتحرك بوهن، ويجاهد للحفاظ على توازنه وتوازن الكرسي فوق كتفيه. غمرني دوار الدهشة، وتهيأ لي أن هذيان الرجل جعلني أرى شيئا غريبا لم يكن موجودا قط، لكنني أمعنت النظر وأيقنت أن بصري لم يخدعني. لقد كان الشيخ يحمل ذلك الكرسي بالفعل. كالتماعة ضوء خاطفة، لكن متوهجة حادة التوهج، قفز الى ذهني ما قاله لي، في لقائنا الأول، عن الكرسي الذي ينوء بحمله، وأدركت إشاراته الغامضة المستمرة إلى ظهره كانت تتخلل حديثه إليّ.»[9] والفكرة نفسها نجدها في "الرجل ذو الربلة العجفاء" حيث هيمنة الريح. العجيب والغريب: لكي تصبح الحقيقة فاقعة تحتاج إلى دفعة من خيال، فالحقيقة والواقع كما هو لا طراءة فيها ولا فجاءة، وتكاد، لفرط حقيقتها وواقعيتها، تبدو عادية مبتذلة. لهذا يلجأ السارد لحظة اشتداد الأزمة إلى العجيب للانفلات من أسر الواقع ومحدوديته، ولإعطاء الوضع العام شحنة جديدة مفارقة للمألوف، ومعبّرة بشكل أكثر قوة عن وضعيات مقلقة، فالتعبير عن الانفصام جعل الشخصية تطارد نفسها، وللتعبير عن مخاصمة الذات لنفسها وحاجتها إلى المصالحة اعتبر الشخصية حاملة لعدة أوجه /أقنعة بمجرد أن وعتها طفقت تنزعهاـ ولم تسترح حتى أزالتها كلها، واستعادت وجهها الأول. ولترسيخ فكرة الهمّ الضاغط على الشخوص، وإيمانهم بعدم إمكانية التخلص منه جعل السارد "رجل الكراسي" الشخصية تحمل كرسيا أينما حلت وارتحلت وكأنه قدرها المحتوم. والشيء نفسه نجده عندما ينتاب الشخصيات الخوف، أو فوبيا الأماكن المغلقة، حيت صوّر السارد الخوف على هيئة شخصية تطارد الشخصية الرئيسية، وتتربص بها كلما دخلت المصعد. ولم تستطع التخلص منها إلا عندما قهرت خوفها[10]. وتركيز الكتابة عند لحسن باكور على الذات وانفصامها، وعلى العجيب والاختيارات المفارقة للحقيقة، يدرج عالمه السردي ضمن اللحظة الحديثة في مسار القصة العربية التي بدأت تهرب من ضجيج الأيديولوجيا وتركز على الذات، وتبحث عن طرق جديدة لقول الأشياء. وهي لحظة تتقاطع مع لحظة تاريخية عامة أساسها الإحباط، وأفول الإرادة الحرّة في الفعل داخل المجتمع، بحكم ما ترتّب عن سنوات الرصاص من إحباط وانكفاء على الذات، وإصرار الدوائر المسؤولة على المحافظة على وضع بات بائدا وتقليدا متفسخا. إن الهروب من الواقع واللجوء إلى الخيال يعدّ، والحالة هذه، استجابة لمطلب مزدوج؛ حيث تجد الذات متنفسا لها عبر التخفّف من ثقل الواقع ومعانقة حلم أو طيف خيال، وهذا مطلب أصبح ضروريا لاستمرار العيش. كما يجد القارئ فضاء يتماهى معه ويفرغ من الضغط الذي سبق له أن وقع تحت براثنه. شخصيات تهوى المراقبة : تتميز القصة، من ضمن ما تتميز به، وجود شخصية رئيسية، وغالبا ما تكون هي السارد، ولعل في هذا ما يسمح بقراءتها وفق تقاطعاتها والمسارات الموحّدة للشخصيات؛ فأغلب الشخصيات تعيش لحظة التردد، وعدم القدرة على الفعل والمواجهة. وحتى عندما تدخل في مواجهة، فإنها لا تواجه إلا نفسها كما نجد ذلك "حدث في مقهى شعبي"[11]. وعندما تطارد فإنها لا تطارد إلا نفسها. إنها شخصيات تحيا دائما في صراعات داخلية مع ذاتها لا تتجاوز الاحتمال والهواجس الداخلية؛ إن العالم الخارجي قد أرخى سدوله على مجموع الشخصيات، وتركها تتآكل داخليا لا تستطيع مواجهة العالم، ولا ترى المشكل إلا داخلها؛ فرجل الكراسي لاهمّ له إلا تحمل عبء الكرسي الوهمي الذي لا ينفصل عنه. والشاب في "حدث في مقهى شعبي" آثر الانعزال عن الجماعة، وشرع في فسخ الوجوه التي كان يحملها. وحتى عندما لا تواجه الشخصيات ذاتها، فإنها تكتفي بمراقبة العالم من أعلى وبدون تدخل أو مواجهة، حيث تكفيها فقط هواجسها واستيهاماتها لخلق ارتياحها الداخلي، ففي قصة "شجرة النارنج"[12] بقي السارد/الكاتب العمومي يراقب النزاع بين الزوجين، وعندما رقّ لحالهما وآلمه أن يفترقا شرع في نسج الحلول والاحتمالات الإيجابية في مخيلته فقط، واستراح عندما انصرم وقت عمل المحكمة على أساس أن الوقت كفيل بدفعهما للتراجع عن قراراتهما الجنونية. إن شخصيات قصص لحسن باكور تبقى دائما مأخوذة بقوة خفية هي التي تحرّكها ولا تملك، والحالة هذه إلا الانصياع. وغالبا ما يكون هذا الانصياع لمشيئة شيء وليس شخصا، ففي "الجذبة"[13] كانت الضربات على الطبل ورنات الهجهوج هي من يتحكم بالجموع. وفي "الرجل ذو الربلة العجفاء"[14] وحدها الريح هي المتحكمة في مصير الرجل؛ يقول: « .. وحيدا كان الرجل يمشي في العراء الممتد بلا نهاية. بجسده النحيف الذي تحف به الريح وينقض عليه الغبار، يبدو مثل شبح انبثق من الفراغ الهائل. تصفعه الريح من خلف، فيلتصق جلبابه الفضفاض بجسده، ويلتف طرفه الأسفل بأعلى الساق كاشفا عن ربلة عجفاء مكرمشة. بعمامة يلفّها حول رأسه ووجهه يتقي هجمات الغبار الذي تتحول ذراته إلى إبر حادة اللسع .."[15]. و الشخصيات إذا لم تكن مترددة مراقبة، نجدها على مشارف الموت أو تعيش أرذل العمر، فلا تبادر إلى الفعل، ولكنها تعيش مأساتها المتجسدة حنينا أو ترقبا مميتا؛ يقول السارد في "شيخوخة": « تمددا على ظهريهما متقاربين، ثم استوى على جنبه الأيسر، و استوت على جنبها الأيمن.. تنهدت وأرخت أعصابها.. طافت فوق عينيها إغفاءة عذبة سرعان ما استسلمت لها، وبالكاد كان يسمع صوت تنفسها الخافت.. تنهد هو أيضا.. ثنى ركبتيه اليابستين وأدناهما من صدره.. بلّل غصة ناشفة كانت تجرح حلقه.. رقصت أمام عينيه غلالة بيضاء شفيفة، وتلألأت في مقلتيه عبرتان حائرتان ما لبثتا أن طفرتا وانسكبتا على الخدين الناتئين. و كان هناك صمت.. صمت ثقيل له صدى حفيف هامس ينضح برتابة قاسية.. وكان هناك حزن.»[16] اللغة : تبدو اللغة التي يصوغ بها لحسن باكور عوالمه السردية وكأنها لغة صافية ذات اتجاه واحد يبعد اللهجات واللغات المجتمعية، وتسعى هذه اللغة جاهدة إلى فرض صوتها على الأصوات الأخرى، ( انظر الفرق بين الصوت و ) خصوصا حينما تتلبّس لبوس العربية الفصيحة، وتنحو نحو لغة شعرية متميزة، يقول:« لم تخدش خشونة الأصوات بعدُ بكارة الصباح إلا قليلا، فكانت الأغنية تصله كما لو يترنم بها مذياعه، بل أكثر صفاء وشجنا، كأن النغمات تتهادى وتميد إذ تعبر المسافة الفاصلة بين المقهى في الأسفل وبين شقته في الطابق الثاني، متسلقة نبات اللبلاب إلى أن تبلغ الشرفة، لتنداح ناعمة إلى حيث يقف الآن وقد دهمته تلك الرغبة الجارفة..»[17] ولغة بمثل هذه المواصفات تنمو وسط حوار داخلي مباشر؛ فأغلب القصص مروية على يد السارد العليم الذي يدخل في أعماق الشخصية لدرجة تجعله يعرف ما تفكر فيه. وحين يفصح لنا عن دواخله يورده على شكل أسلوب مباشر محدّد بواسطة علامات الترقيم. يقول: «ارتعشت قدماه فاضطربت الصينية في يده، وتفادى سقوطها في آخر لحظة. ابتسم بسخرية: "انتبه يا رجل! أنت الآن شيخ تقف بساقيك المرتعشتين وسط صالة بيتك، ولست ذلك الشاب المتفجر عافية الذي رقص في باحة دار ذلك العرس القديم".. ثم انخفض كمن سرقته غفوة»[18]. وقد يتدخل السارد ليتكلم باسم الشخصية، ويورد عبارات يتنازعها التعليق وحوار الشخصية دون أن يستطيع أحدهما أن ينتصر؛ يقول: «لم يلبث الرجل البدين أن تخلّف عن الموكب. أزال سترته الجلدية ورماها جانبا، ثم رفع من وتيرة سيره وهو يعرج بشكل واضح، بسبب حصاة تسربت إلى داخل حذائه، (كأن هذه البدانة اللعينة لا تكفي!) وما فتئت تخزه على نحو مؤلم. تمنى لو يستطيع التوقف لإزالتها..»[19]. عين الكاميرا من الخاصيات المميزة لتجربة لحسن باكور القصصية هيمنة الوصف ودقته. وكأن السارد يحمل على كتفه كاميرا يرى من خلالها تفاصيل العالم، يقول: «في ظل الجدار العالي تقف امرأة وحيدة .. كانت تنتظر شيئا أو أحدا ما. لكنها ـــــــ أيضا ـــــــ كانت جميلة .. جميلة جدا وفاتنة! وأنا كنت أرنو إليها من هناك، يتلبّسني الخوف والترقب، وأنتظر أن تنهار وتتهاوى في أي لحظة! كانت توشك أن تستند بظهرها إلى الجدار.. إلى جانبها على الأرض حقيبة يدوية سوداء، وفي يدها اليسرى جريدة مطوية بعناية.. بين فترة وأخرى تتعب إحدى قدميها فتتحرك لتنقل ثقل جسدها إلى القدم الأخرى، دون أن تعكس هيئتها وملامحها الهادئة شيئا آخر غير انتظار ما.»[20] ولحسن باكور يعتمد الوصف لأغراض متعددة أهمها تقديم الشخصيات؛ فالمقطع، المذكور آنفا، يُنْقَلُ بعين السارد الذي يعاين الشخصية ويروي لنا تفاصيلها.  و لا تقدم الشخصية، دائما، هكذا معزولة، ولكنها قد توصف داخل مشهد عام أو إطار؛ يقول: «يكون المساء في أوله، و الشوارع مصطخبة بضجيج المارة وزعيق السيارات المارقة التي تعشى الأبصار بأضوائها المتوهجة .. يلوح فجأة في مقدمة الشارع، يخبط الأرض بنعليه الضخمتين، ويدفع جذعه بارتجاج عنيف إلى الأمام، حتى ليوشك أن يكبّ على وجهه. يسبح جسده النحيف وسط جلباب أبيض رثّ، ويمسك في يده، بانفعال واضطراب، طرف سلسلة تنتهي بطوق جلدي يلتف حول رقبة كلب ضخم نقي، يمشي على أطراف قوائمه باختيال.. »[21] كما يستعمل الوصف لتحديد الطابع العام، ووضع المتلقي وسط الحالة النفسية، مثلما يمكن أن نجد ذلك في قصة "عصافير الروح" حيث نجد في الأخير تقريرا وصفيا لموت العجوز، ولعصافير روحها التي بقيت تائهة، ثم وصف العجوز الخادمة مرتعشة الأطراف وهي على وشك الإغماء[22]. السارد لا يعتمد لحسن باكور على سارد واحد، للتواصل مع المتلقي، لكنه يتجاوب مع ساردين متعددين، وهكذا يمكن أن نرصد من أنواع الساردين:
  • سارد ذي رؤية من خلف[23]، وسارد مشارك في الحدث[24]. وخارج هاتين الوضعيتين العاديتين نجد تنوعا في وضعية السارد؛ ففي قصة "نظارات سوداء"[25] يعطي السارد الإطار العام للحكي، ثم بعد ذلك يسلم دفّة الحكي لصديقه الذي يحكي ما وقع له، ولا يستلم السرد منه إلا ليعلن عن نهاية القصة. فيصبح لدينا ما يسمى في السرديات القصة المؤطّرة والقصة المؤطّرة. وفي هذه القصة استثمار للسرود العربية القديمة خصوصا كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة.
وفي "الحادثة"[26] يقوم السارد بتوزيع الأدوار بين الشخصيات التي تحكي عن نفسها ودواخلها بخصوص الحادثة، مما يمكن من تقديم رؤية بانورامية عن الحدث في كليته. والسارد العليم حين يحضر يهيمن على كل تفاصيل النص، ويكشف على كل دواخل الشخصية حتى التي تزال مجرد هواجس؛ يقول: «استغراق الشابين في حديثهما الهامس منح الأربعيني فرصة تأملهما كما يحب، دون أن يخامره الشعور بكونه فضوليا أو متطفلا. "لابد أنهما عاشقان"، قال الرجل لنفسه.»[27] ولكن في بعض الأحيان يلتزم السارد بدور المراقب عن بعد ليقدم لنا سردا موضوعيا يتميز بتبئير خارجي[28]؛ نجد هذا في قصة "شجرة النارنج" حيث تتكون القصة من مقطعين أولهما فيه وصف ورصد لزوجين يتشاجران تحت ظل شجرة قرب محكمة الأسرة، وقد نقل لنا هذا المشهد كاتب عمومي كما رآه دون أن يضيف شيئا على ما رآه. خاتمة: عالم لحسن باكور السردي عالم سوداوي تفصح فيه الذات المعطوبة عن هواجسها التي لم يُسمح لها أن تتجاوز الذات، فبقيت تأكل نفسها ببطء وأناة حزنُها عميق وأساها مترسخ. وخلال رحلتها هذه تتسلح بعين دقيقة المراقبة تجيد التقاط التفاصيل وتبرع في رصد فجيعتها التي أصبحت خارج الذات داخل العالم المحيط. ولأن الذات، كل ذات تحتاج للمقاومة لكي تعيش التجأت الذوات عي هذا العالم إلى الحلم والعالم العجيب لتعمق فجيعتها أو لتقول ذاتها بشكل أكثر رحابة وأشد عمقا.  ....................... [1]ـ لحسن باكور، رجل الكراسي، مطبعة وليلي، مراكش، الطبعة الثانية، 2010. [2]ـ لحسن باكور، الرقصة الاخيرة، سلسلة كنانيش مراكش، الطبعة الاولى، 2016. [3] ـ لحسن باكور، رجل الكراسي، ص: 57. [4] ـ لحسن باكور، رجل الكراسي، ص: 18، 19. [5] ـ لحسن باكور، الرقصة الأخيرة، ص: 40. [6] ـ لحسن باكور، رجل الكراسي، ص: 11. [7] ـ لحسن باكور، رجل الكراسي، ص: 44. [8] ـ لحسن باكور، رجل الكراسي، ص: 53. [9] ـ لحسن باكور، رجل الكراسي، ص: 52. [10] ـ لحسن باكور، الرقصة الأخيرة، ص: 7. [11] ـ لحسن باكور، رجل الكراسي، ص: 34. [12] ـ لحسن باكور، الرقصة الأخيرة، ص: 103. [13] ـ لحسن باكور، الرقصة الأخيرة، ص: 69. [14] ـ لحسن بكور، الرقصة الأخيرة، ص: 81. [15] ـ لحسن بكور، الرقصة الأخيرة، ص:81، 82. [16] ـ لحسن باكور، الرقصة الأخيرة، ص: 57، 58. [17] ـ لحسن باكور، رجل الكراسي، ص: 57، 58. [18] ـ لحسن بكور، الرقصة الأخيرة، ص: 62. [19] ـ لحسن بكور، الرقصة الأخيرة، ص: 36. [20] ـ لحسن باكور، رجل الكراسي، ص: 13. [21] ـ لحسن باكور، رجل الكراسي، ص: 21. [22] ـ لحسن باكور، رجل الكراسي، ص: 19. [23] ـ لحسن باكور، رجل الكراسي، ص: 12. [24] ـ لحسن باكور، رجل الكراسي، ص: 34. [25] ـ لحسن باكور، رجل الكراسي، ص: 28. [26] ـ لحسن بكور، الرقصة الأخيرة، ص: 39. [27] ـ لحسن باكور، القصة الأخيرة، ص: 27. [28] ـ  انظر قاموس السرديات، ص:26. [post_title] => عين على تفاصيل عالم معزول.. قراءة في نصوص لحسن باكور [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%b9%d9%8a%d9%86-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%aa%d9%81%d8%a7%d8%b5%d9%8a%d9%84-%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d9%85%d8%b9%d8%b2%d9%88%d9%84-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%86%d8%b5%d9%88 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-06 18:14:58 [post_modified_gmt] => 2019-07-06 18:14:58 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31058 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [41] => WP_Post Object ( [ID] => 31056 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-06 17:47:54 [post_date_gmt] => 2019-07-06 17:47:54 [post_content] => قاسم محمد مجيد لَيلَةُ اِحتِضَارِهِ  لبس سَأُعْتَهُ  كَيْ يَعْرِفُ بِالضَبْطِ فَرَّقَ التَّوْقِيتُ  فِي العَالَمِ الآخَرِ    شُهُودٌ سَابِقُونَ قَالُوا..........  تَدْنُو المَنِيَةُ  حِينَ تَكُونُ الرُّوحُ  كَمَصِيرِ الرَّمْلِ فِي الرِّيحِ    لَا يُوجَدُ الكَثِيرُ مِنْ الضَّوْءِ هُنَا  وَتُنَزِّلُ فَتِيلَةُ المِصْبَاحِ بِهُدُوءٍ  وَالرَّبُّ  يَضَعُ يَدَ الغُفْرَانِ البَارِدَةِ عَلَى جَبِينِكَ    مَلَكُ المَوْتِ اللامرئي  ذُو الاجنحة النارية  بِاِنْتِظَار  الضَّغْطُ عَلَى زِرِّ اللَّقْطَةِ الأَخِيرَةِ !!    هَلْ مرّ وَقْتٌ طَوِيل؟  أَنَا رَاوَغْت وَقَدَّمْت عَقرَبَ السَّاعَةِ  نِصْفَ سَاعَةٍ لِلأَمَامِ  سَأَسْأَل عَن الوَقْتِ  لِأَوَّلِ مِيت أَرَاهُ ............... بغداد المحروسة  –6-3-2019.       [post_title] => نِصْفَ وَقْتٍ. نَصِفُ مَوْتٌ [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d9%86%d9%90%d8%b5%d9%92%d9%81%d9%8e-%d9%88%d9%8e%d9%82%d9%92%d8%aa%d9%8d-%d9%86%d9%8e%d8%b5%d9%90%d9%81%d9%8f-%d9%85%d9%8e%d9%88%d9%92%d8%aa%d9%8c [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-06 17:47:54 [post_modified_gmt] => 2019-07-06 17:47:54 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31056 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [42] => WP_Post Object ( [ID] => 31054 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-06 17:36:10 [post_date_gmt] => 2019-07-06 17:36:10 [post_content] => طه سويدي وحدي أقف أمام السرير الأسود، حيث يرقد خالد، صديقي المختفي منذ زمن في شقته المجهولة. راسلني طيلة أسبوع، طالبًا للزيارة، شغلني العمل عن القدوم مبكرًا ، ولما جئت بالأمس كان الأوان قد فات. أتأمل وجهه الشاحب، لا تبدو عليه سنوات عمره الطاعن، منبسطًا كما اعتدته بعد كل جدال حامي الوطيس تكرر على مدار سنين العمر والصداقة التي ظلت تخبو إلى أن أفضت إلى مكالمات متناثرة. ’’شفت يا فقري‘‘. أردد وأنا أعض الشفاه على مرارة صواب رأيي في النهاية. هو اعتزل كل شيء منذ زمن، فضّل أن يعيش وحيدًا في مكان رأيته متواضعًا، وظننتُ أن صاحبي المجنون يستحق أفضل من ذلك. ـ جرب مرة تسمع كلامنا يا خالد وتعيش زي الناس. ـ ومين قالك إني مش عايش؟ ـ وهي دي عيشة يا بني آدم؟! يباشر المُغسل عمله، أنظر إلى المنضدة الصغيرة، تتناثر عليها القصاصات الملونة متباينة الحجم، خطها بيده، الأرضية خلاء إلا من قطعة سجاد قديمة باهتة نظيفة، انطفأت إحدى لمبات الصالة، ولم تأت الشمس أمام الشباك هذا الصباح، ولازالت الكتب مصفوفة بعناية فوق الرفين الخشبيين. ـ أنت مش أول واحد يغلط، ليه عاوز تقاوم الحياة يا أخي؟ ـ أنا مش بقاومها، أنا عاوز أرتاح. ـ فين الراحة وأنت سايب كل حاجة وقاعد في جحرك ده؟ ـ زي ما أنت مبسوط في دنيتك أنا كمان مبسوط في جحري. ـ العمر هيسرقك وهتموت لوحدك. ـ بكرة هتفتكر إني يوم ما هموت هتلاقي حواليّ ناس كتير. سعل المغسل، جلستُ على كرسيه الخيزران الواثر. تزاملنا في الجامعة، لم يعمل بمؤهله أبدًا، سافرتُ للخارج، أفلست مشاريعه، تزوجت وأنجبت، فشل زواجه، داومتُ السفر، داوم الفشل، عشتُ وسط الصخب، اعتزل غريبًا، وصف حياتي بالمملة، حذرته من نهايته، تراهنّا،  خسر، والفوز فادح. انتهى المغسّل، أشار إليّ، قمتُ من مقعده، ألقيتُ النظرة الأخيرة، قبلت رأسه البارد، أغلق الكفن. قضي الأمر، سأنزل إلى الشارع سائلا المساعدة في حمل النعش حتى ننقله إلى سيارة الدفن. فتحت باب الشقة، نزلت، وجدت أمام البيت جماعة من الناس، ألقيت السلام، قلت: هستأذنكم بس تساعدوني، في حالة وفاة فى الدور التالت وأنا لوحدي.  أجابوا: الدور التالت؟ دي شقة الأستاذ خالد،لا حول ولا قوة الا بالله. ـ البقاء لله، انتم تعرفوه؟ ـ طبعا يا أستاذ، ده ساكن عندنا من زمن، راجل في حاله من يوم ما جه، متسمعش منه غير صباح الخير، ومساء الخير. ـ شكله كان دكتور على فكرة، أنا فاكر انه لحقني على السلم وكانت كريزة الكلى هتموتني، وأدانى حقنة مسكنة، ووداني المستشفى. ـ دكتور؟ ده بتاع انشا يا عم، كان بيسلف الواد ابنى كتب الجدع اللى اسمه نجيب محفوظ. ـ لا يا جدع، ده باين عليه كان مزيكاتي قديم، صوت المزيكا كان دايما طالع من شقته، وكان إدى الواد علي عود. ـ يا إخوانا كان مهندس... أنا شايف بنفسي المساطر، واللوح بتاعته! ـ الشهادة لله، كان غريب، وإتم، ومبيكلمش حد. ـ خلاص يا اهل الله وحدوا الله الجدع مبقاش يجوز عليه غير الرحمة. غلبتنى الدموع، وقلت: كان زميلى، وصاحبى، الله يكرمكم، ايديكو معايا، مفيش حد معاه الوقتى غير أنتم و... أنا. تقدمتهم الى الشقة، وكنت أسمع كلامهم’’معقول ملوش حد؟!‘‘ ’’وزميله ده كان فينه مأصلناش شوفناه؟!‘‘ ’’مات لوحده... ده موته وحشة قوى... ربنا يرحمه ويحسن اليه، بقاله معانا سنين، عمره ما أذى حد‘‘ نزلت الدموع بحلاوة خسارتي للرهان، وددت لو أرفع غطاء النعش، أحمل رأسه، أهمس فى أذنيه : كسبت يا فقري! حملناه، خرجنا الى الشارع، رأيت بعض النساء، ينظرن من الشرفات، يتابعن النعش الأسود المتحرك على الاكتاف، تساقطت قطرات من المطر الخفيف، حفت أوراق شجرة، وأطلت الشمس برأسها من وراء غيوم، تطايرت قصاصات ورقية من نافذة شقته المفتوحة، أخذت تجول فى الهواء فوق رؤوسنا، وأمام النعش، تجمع الصبية على جانبينا، ثم أخذوا يركضون وراء القصاصات، يحاولون القفز والإمساك بها فى الهواء، وقد نجحوا فى الظفر ببعضها، ولم نعبر وسط الشارع حتى بصرت مجموعة تقبل علينا، لم أتعرف على أي منهم ، كانوا خليطًا من الأعمار، يرتدون الأسود، منتفخي العيون، اصطفوا جميعا تحت النعش، و سمعت صبيًا يسأل صاحبه: هما شايلين مين؟ ـ بيقولوا انهم شايلين عمو بتاع الحواديت.   [post_title] => بتاع الحواديت [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%a8%d8%aa%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%af%d9%8a%d8%aa [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-08 10:05:54 [post_modified_gmt] => 2019-07-08 10:05:54 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31054 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [43] => WP_Post Object ( [ID] => 31051 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-06 17:09:44 [post_date_gmt] => 2019-07-06 17:09:44 [post_content] => نهلة عبد السلام أما النسيان فيجوز وأما الغفران فلا.. لا متبوعة ببلايين من جنسها.. لا من الحجم العائلى.. لا تفنى إذ تُستحدث من عدم.. عدم الأمان والإطمئنان فبات القلب أقرب إلى قالب.. قالب حكايا.. حكايا من خليط يتخاصم والتجانس.. حكايا متمردة على حبكتها الواهنة.. ترقد طبقاتها فوقها بعد فوق.. شفافة رائقة فترى من خلالها يدك مع آيادى آخرين.. آخرين ممن أضافوا سطراً غير النهاية.. حذفوا نقطة كان نتاجها إنقلاب فادح الخسائر. أغلب جديدنا من نسل قديمنا.. فدوماً يبقى الزيت الطبقة الطافية.. وكلما هممت ببحث جديد عاقبك ببقعة جديدة تضرب بعنف خلية جديدة، نتاج نسل التراكمات مشوه بفعل ما تعاقب عليه من معالجات خاطئة، وحتى مع إبتكار مذيبات أكثر قوة لا يزال الخطر قائم لإذابة جزء من الحكاية.. جزء قد يكون الأصدق.. الأكثر وجعاً، وحينها ستضحى باهتة.. لا منطقية.. لا إثارة فيها، الوجع ما يصنع الإثارة.. التشويق فى إنتظار سكونه، الوجع ما يفلسف الأمور فتسلم بها.. يضفى عليها غرائبية الأساطير.. تعدها إستثناء ولا تجرؤ على تشريحها والتشكيك ببضع منها. الأفران قد يعطب مؤشرها فيركن لدرجة حرارة ثابتة.. ثابتة وملتهبة حد إحراق قلب الحكاية وليس وجهها فقط، الحقيقة الآن مطمورة والخيال مطلق عنانه، سطر ما شئت وأعدك بإنكشاف تدليسك بسرعة تفوق سرعة محصلة ضرب سرعة الضوء فى عدد ما أحترق من قلوب البشر.. بعدما أنارت لحظياً ثم أنطفأت أبديا"، سيتسلط على كل ما دسسته حتى لا تقوى عين على النظر إليه.. التحديق فيه وقراءته، ستعود الحكاية سيرتها الأولى وقد تتجلى شجاعتك فى النسيان.. إفتعال النسيان، أما الغفران  فتأبى كرامتك ولتذهب الأفران والقوالب إلى قعر الجحيم وتحفظ أنت ماء وجهك. البخر عادل جداً.. إذا ما أخذ شيئاً أعاده، البخر يعرف الاستعارة لا الاغتصاب، فقط يرتفع بالحكاية.. يجوب بها هنا وهناك.. تثقله تفاصيلها فيسقطها لتعيد دورة حياتها مع غريب.. فالغرباء أكثر قدرة على إمتصاص الحكايا.. يجرمون البوح لذا فهم يجيدون إبتلاع ألسنتهم طواعية. الغليان لابد منه لتكتمل الدورة بنجاح.. الوصول لذروة الحكاية ومن بعدها مرحلة الصعود.. الصعود بروحك إلى بعيد.. أبعد من أن تغفر. الأسهم تفضى إلى مسار مغلق.. ونفس مغلقة على ندوبها.. تغضب عليها إن لمست منها ثمة ميل.. تعاطف.. بذور إلتماس أعذار.. بدايات إختلاق مبررات.. تفريغ القالب من الحكاية.. حجب وقود الفرن.. لا غليان ولا بخر.. قطع حاد ومفاجئ فى الدورة المتصلة ببعضها، هنا تنتهى الحكاية.. وآخر عهدها بالحياة أطراف نبتت لها زحفت بها إلى مقبرتها حيث أصبح الغفران خياراً مطروحاً.   [post_title] => أبعد من أن تغفر [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%a3%d8%a8%d8%b9%d8%af-%d9%85%d9%86-%d8%a3%d9%86-%d8%aa%d8%ba%d9%81%d8%b1 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-06 17:09:44 [post_modified_gmt] => 2019-07-06 17:09:44 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31051 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [44] => WP_Post Object ( [ID] => 31046 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-06 16:38:29 [post_date_gmt] => 2019-07-06 16:38:29 [post_content] => سعيف علي   لم أغادر أحدا منذ سنين كل ما فعلته أنني ألقيت المعركة  وجلست عندي لم تعد الحرب مجدية سيموت الجندي لن يرث أحد قطعة السّلاح حتى قصص الملحمة ستخون الاسم و ترفع العلم ............. لم أغادر أحدا  ألقيت كلمة طويلة ثم كسرت المصدح لم ترتجف المقاعد الخالية لم تتكلم كذلك و لم تصح غادرتني القاعة الخالية وتركت قدم أخيل الباردة .............. أسمّي البرتقالة وأجعل اللون في الدائرة أنا لست بستانيا حاذقا  لكن حفر القذائف ليست مكانا جيدا للبكاء ................. يركض المجنون خلفي لكنّني لست وجلا من لون سحنته أقسم البارحة أنّه لم يجد ذهبا لكنه خلفي يرميني بحجارة صلدة ويصيح دائما خلفي عد أيّها المجنون إلى الحرب الضروس [post_title] => مغادرة [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d9%85%d8%ba%d8%a7%d8%af%d8%b1%d8%a9 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-06 16:38:29 [post_modified_gmt] => 2019-07-06 16:38:29 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31046 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [45] => WP_Post Object ( [ID] => 31043 [post_author] => 714 [post_date] => 2019-07-06 16:06:21 [post_date_gmt] => 2019-07-06 16:06:21 [post_content] => فرانسوا باسيلي أنت التائه في أدغال الوقت وأروقة المتاهات الضائع في الصحاري الداخل في سراب السراديب الخارج من انهيارٍ لانهيار الواقف مستجدياً علي أبواب المدن تطلب فلا تجد تقرع فلا يفتح لك أنت الهارب من يأسك إلى أمسك الراقد في كهوف المخطوطات ماذا أعددت لماضيك؟ ماذا تعلمت من محنٍ أهدرتها وأزمنةٍ أضعتها في نزق وممالكٍ من دم وأنت تلوك نصوصا تمضغها كالقات وتلثم فصوصاً في أصابع المحتالين كي يرضوا عنك وتلف ما بقي من روحك المتعبة بمزقٍ من أكفان الموميات علي أي لوحٍ خشبي ستركب بحرك المقدس ليلقي بك إلى جزرٍ غارقة فتغرق ولا تغرق تظل معلقاً في حصاة تخور وتهذي فيتبعك الغاوون في قاع منفاك لا تين ولا زيتون وفي سماك لا جنات ولا حوريات أجدب لا شيء تعطي تحمل تاريخك كجثة لا تجد لها قبراً تدور كبائعٍ جوال صارخاً علي بضاعةٍ فاسدة ولا تجد مشترين هل اختزنت ما يكفيك من هزائم ويشبع حاجتك من اللطم في الجنازات؟ هل اكتفيت بما جنيت من وهمٍ وما أضعت من أرضٍ ومن فلوات لا ربحت نفسك ولا العالم ولا نفضت عنك عبء الأساطير وأتربة الحكايات لعل شهرزاد تأتي لمخدعك فتفر سابحاً في بحرها إلي أبعد مما سافر السندباد فلا تعود يوماً للبلاد التي ذبحتك في الميادين أي يقين دفعك لشراء صكوك الشكوك من كل دجال وألقي بك عارياً علي موائد الطغاة والدعاة والغزاة تناجيهم مرتجفاً مستعطفاً أن يباركوا قبل أن يقتسموا جسدك ويشربوا دمك في أي مستنقع ألقيت عقلك المسكون بالموتي المهووس بالكلمات المبهمات وهرعت مذهولا وراء الساحرات والأرامل المهرولات من قبرٍ لقبر يلطمن حتفك القادم أي شهوة دفعتك لاختيار الموت وكنت علي قاب قوسين من الحياة؟ فبقيت بين بين لا حس ولا صوت لا منفى ولا وطن لا ملاذ من نير أيامك الماضية والآتية ولا نجاة. [post_title] => لا وطن ولا منفى [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d9%84%d8%a7-%d9%88%d8%b7%d9%86-%d9%88%d9%84%d8%a7-%d9%85%d9%86%d9%81%d9%89 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-06 16:06:21 [post_modified_gmt] => 2019-07-06 16:06:21 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31043 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [46] => WP_Post Object ( [ID] => 31040 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-06 15:36:50 [post_date_gmt] => 2019-07-06 15:36:50 [post_content] => أحمد نصار بلدتنا معروفة بين مثيلاتها القريبات بأنها أكثرهن جفافاً وأقلهن إنتاجاً ولذلك أغلب رجالها رعاة غنم لا يرون بيوتهم إلا إذا رجعوا للمبيت. وعدم الخروج لمرض أو غيره يعني -بطريقة أو بأخرى-الجوع، اليوم أو الغد لا يهم، المهم أنه قادم لا محالة، لذا اعتاد الناس الخروج كل يوم حتى لو كانت أجسادهم عليلة أما أمراض النفس فلا يعترفون بها أو بالأحرى لا تعترف لهم حياتهم الشاقة بها. وفي بلدة كتلك، يكون الفقر مشروعاً جداً، فترى المساكن، والتي هي عبارة عن عشش من القش، منتشرة بعشوائية كأنها قطرات مطر، لكن واحد منها فقط لم يكن قطرة بحال، بل بحيرة أو بئر ماء متجمع. قصر عملاق ذو حديقة غنّاء بورود فواحة، أشجار عاليات، ونوافذ وشرفات. ترجع ملكيته إلى أسرة واحدة، يرث بعضها بعضاً، ممن كُتب لهم الغنى مذ اهتدى جدهم إلى البئر الوحيد، والذي لا يعلم إلا الله من أين امتلأ، من حفره، وكيف وجده مثل هذا المحظوظ الذي –بدون ذلك الحظ-كان راعي غنم شأنه في ذلك شأن جميع رجال القرية اليوم. لكن الحظ لا ينظر للجميع بنفس العين. المهم أنه حين وجد البئر، استنتج أن المساحة المحيطة به هي الأخرى تحتها مياه تكفي بلداناً وبلداناً، فحفر بئرين آخرين، وبنى عشه الأكبر جاعلاً الآبار ضمن مساحته، وزرع ليأكل، فكانت تلك هي القطعة الوحيدة من تلك الأرض التي كتب عليها أن تُزرع وأن تَنفض صفارها وجفافها فتبدله بخضار الخير والجمال. سنوات مرت فيها قوافل تجارية وأخرى مسافرة لقهر أو لجدب، وتوافد الناس أفواجاً، فاستقروا، ومن هنا جاءت قطرات المطر المتناثرة أو العشش الفقيرة. وفي حركة رآها الجد ذكاءً بينما رآها الآخرون استغلالاً صرفاً أعلن لهم أنهم إذا أرادوا الحياة ها هنا وإذا رغبوا في الماء ليرتووا، فإن من حقه أن يجعلهم يدفعوا ثمنه، وهكذا بُني القصر وهكذا كانت بحيرة الخير مقصورة على صاحب الحظ الأوفر والأسبق. في أول الأمر قدر قلة على الدفع والزراعة أيضاً، لكنهم ليسوا ذووا ثروات وأراضٍ فكان من المتوقع ومن الطبيعي أن تتوقف تلك العادة الخبيثة وتنحصر تعاملات المعذبين في الأرض مع صاحب القصر على مياه الارتواء فقط. سنوات طوال مات فيها الجد وورثه أبناءه وأحفاده. كلَّت الأجساد؟ كلَّتْ. أُرهقت الأرواح؟ أرهقت. ماتت الآمال؟ لم تولد يوماً. كرهنا أصحاب القصر، لكن لم ينطق أحد بكلمة، كانت المشاعر تظهر في العيون، لكن الألسنة تهاب انقطاع الماء، فكرهناهم في صمت. وكما ضرب القدر منذ سنوات بعيدة ضربته في وجود البئر للجد، ضرب مرة أخرى وكُتب للأرض الجافة أن ترى الماء. فغابت الشمس وراء السحب الزاخرة والأمطار الهائلة، ولأول مرة امتنع الناس عن الخروج لعملهم، لكن ليس فرحة بالمطر وإنما خشية منه. نعم، كان المطر قاسياً وكانت الفرحة قصيرة للغاية لتعقبها فيضانات الرعب والحزن. لم تأخذ المساكن ساعاتٍ قليلة إلا وانجرفت. غرق العديدون، من الرضع وحتى أقوى الشباب وأكبر العجائز. كان الماء يتخير منهم أسماءً مكتوبة. هرعنا إلى القصر، على الربوة العالية الوحيدة في المكان كله، قضينا ساعاتٍ طوال، ننقذ بعضنا بعضاً، نمد الأيادي، ونلقي بأخشابٍ تلقيها بعض مياه الفيضان المشفقة على حالنا، نلقيها إلى من بالماء ليتمسك بها فنسحبه نحونا، حتى غابت الشمس غيابها الشرعي هذه المرة. لا المطر يتوقف ولا نحن نتوقف عن الارتجاف. كان علينا إذا أن نسأل. انهال من بقيت فيهم طاقة أو من استمدوا من الخوف قوتهم –وكنتُ منهم-على بوابة القصر بأيديهم منادين على ملَّاكه، صارخين، ومستنجدين حتى فقدنا الأمل في أن يفتح أحدهم لنا. انطلقنا -نحن الرجال-نحو الأسوار نبحث فيها عن ثغرة. كانت عالية للغاية ولا سبيل إلى تخطيها وإن وقفنا فوق رؤوس بعضنا. المياه خلفنا وليس إلا القصر أمامنا، كنا نلتصق بالأسوار التصاقاً، فالماء وصل إلى أقدامنا بالفعل، وبدأنا نشعر بالتيار، ولا ثغرة. حتى وإن أردنا الحفر أسفل منها، فكيف والفيضان ينتظرنا بفمٍ لا يعرف الشبع؟! عدنا إلى البوابة الضخمة نصرخ جميعاً بنفس الوقت، حتى الأطفال شاركونا، وحتى الرضع إلا أنهم يصرخون فزعاً بالطبع. تبودلت النظرات، قُرِأَت الرغبات، وتوحدت النيات. ابتعد الضعفاء ووقفت إلى جانبنا النساء القويات وبدأنا نلقي أجسادنا بتوقيت ونظام واحدٍ ثابت، كل ثانيتين تقريباً، نلقي أنفسنا على البوابة التي بدأت ترتج بالفعل، كما بدأت قلوبنا تهتز، صخور اليأس تتفتت، ودموع الأمل وجدت طريقها إلى العيون. بدأت تنخلع، ورأينا سلاسلها الحديدية التي كانت داخل الأسوار الإسمنتية. حين بدأنا نعد الضربات الأخيرة بينما الفيضان قد وصل إلى قصبات أرجلنا، صرخت وقد غامت رؤيتي منذ زمن، لكن لم يغم عقلي أو يغب، صرخت أنبههم وأشير بيدي إلى الماء، وأن مثله سيندفع نحونا من الداخل، فانقسمنا نصفين: بعضنا إلى أقصى الجانب الأيسر والآخرين إلى أقصى الجانب الأيمن. خلعنا قمصاننا وملابسنا، حتى سراويلنا، وربط كل فِرق ملابسهم لتشكل حبالاً تمسكوا بها جيداً. كنت على الجانب الأيسر وقابلني صديق شاب مثلي، لأننا أشد الواقفين بنياناً، وبدأنا نلقي نفسينا بنفس الطريقة السابقة ولكن أسرع. انفتحت البوابة واندفعت المياه عظيمة كما توقعت، درجة أن سقط صديقي لكن بدلاً من أن ينقذه مرافقوه، أوقعهم معه، وخطفهم التيار نحونا فجعلت صديقي يمر، ثم بدأت أحاول الإمساك بالثاني، الذي أفلت هو أيضاً، لكن أمسكت بالثالث ومن معي أمسكوا بالأوليين، فأنقذنا كل من تمسك بالرباط وغرق من أفلته. عندما تساوى منسوب الماء وبعد الإنقاذ، جاء دورنا نحن لنندفع. وجدنا بشراً؟ وجدنا. وقع شر؟ دون إرادة وقع. لا أعلم السبب الذي جعلنا نقتلهم، كان كل شيء يمضي كأنه محسوب ومنظم، كأننا تروس في ماكينة عملاقة، لنا وظائف محددة. كانوا أكثر منا، لكن أضعف، رغم أنهم المتدفئون، الأصحاء، والشبعانون. والعجيب أنه مع آخر صرخة لآخر واحدٍ منهم، توقف المطر، وابتعد الطوفان. [post_title] => الطوفان [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%a7%d9%84%d8%b7%d9%88%d9%81%d8%a7%d9%86 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-06 16:53:50 [post_modified_gmt] => 2019-07-06 16:53:50 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31040 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [47] => WP_Post Object ( [ID] => 31037 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-06 14:27:45 [post_date_gmt] => 2019-07-06 14:27:45 [post_content] => خالد أبو بكر لا أدري كيف يحدثُ هذا! نستيقظُ ذاتَ صباحٍ فنجدُ أن الخريفَ بدأْ. نتيقنُ أكثرَ حين نشمُّ خليطَ الندى و الترابْ. لماذا لا تسيرُ الأمورُ بشكلٍ طبيعيْ؟ ماذا كان سيحدثُ لو أنهم وضعوا لافتاتٍ تذكرنا أن الخريفَ سيبدأُ؟ بعضُهم حاولَ بالفعلِ: كانت هناك إشاراتٌ غامضةٌ لورقِ شجرٍ سيسقطُ. لم يشيروا بالطبعِ لرائحة الندى والترابِ لأن من لا يدركُ هذا أخرقْ. العائدون من المدارسِ يرتدون وجوهًا خريفيةْ. لم يلاحظْ هذا كثيرونَ لكنني الآن على يقينٍ أن جميعَ من في الغابةِ كان يعلمُ قبلها بزمانٍ (دون النظرِ لكونِهِم فرحوا أم لا) ربما النهرُ أيضاً، لا أستطيعُ أن أجزمْ. ***** ماذا تفعلُ لو تحركَ طيفٌ في الظلامْ؟ لابد وأنكَ ستنهضُ، وربما سِرتَ خُطوتينِ باتجاهِ الطيفْ. يحدث هذا عادةً حين تكون لدينا الشجاعةُ حيالَ لا شيءَ بعينهِ، أنا مثلاً أحملُ شيئا بجيبي دائماً، إذ لابد من سببٍ كي أضعَ يدي في جيبي وأخرجها، وأعرفُ واحداً يحمل جبلا بين كتفيهِ من الصباحِ إلى المساءْ، وآخرينَ لهم ملامحُ مميزةٌ لدرجة أنهم لا يشبهونَ أحدا بالتحديدْ. في الغالبِ لابدَّ أن نفعلَ شيئاً ما ماذا يقولُ الناسُ ونحن جالسونَ هكذا في انتظارِ لا أحدْ. ........... *من ديوان "يحمل جبلا بين كتفيه" ـ دار العين- 2016 [post_title] => جَبَلٌ بينَ كتِفيْه [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%ac%d9%8e%d8%a8%d9%8e%d9%84%d9%8c-%d8%a8%d9%8a%d9%86%d9%8e-%d9%83%d8%aa%d9%90%d9%81%d9%8a%d9%92%d9%87 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-06 14:27:45 [post_modified_gmt] => 2019-07-06 14:27:45 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31037 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [48] => WP_Post Object ( [ID] => 31033 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-05 17:10:28 [post_date_gmt] => 2019-07-05 17:10:28 [post_content] => كريم عبد السلام يا إخوتى الذين يزرعون القمح والأمنيات يا إخوتى الكادحين فى المصانع يا إخوتى الحفاة يا إخوتى العراة يا إخوتى الذين يبحثون عن لقمة فى المزابل عن حلم ضائع فى الشوارع تعالوا إلىَّ اسمعونى وتمعنوا فى كلماتى أنا الهبة الإلهية إليكم أنا المعجزة التى لا تتكرر تلقفوا عباراتى الذهبية مثل الأرض العطشى للمطر أريد أن أفتح عيونكم لتروا أعمالى الجليلة لتعرفوا قيمة وجودى بينكم لولاى ما كنتم لولاى ما كنتم * يا إخوتى الذين يعبرون سريعا تحت القطارات المكهربة وإعلانات الليزر فى المدن القاسية انظروا إلى الأرض الواسعة إلى السحاب العابر فى وداعة إلى السجون التى تحميكم من الأعداء إلى النيل يجرى إلى النسمات العليلة تداعب وجوهكم لكن وجوهكم القذرة لا تبالى بها ولا تفكر أدمغتكم فيمن أرسل النسمات إليكم أنتم بلا أدمغة بلا أرواح ولا تستأهلون هذه النسمات العليلة انظروا إلى الليل الساحر الذى تنعمون به هل تأخر القمر يوما عن موعده هل وجدتم السماء يوما فارغة بلا نجوم لكنكم دائما تغنون للقمر والنجوم وتنسون قبضتى هل ترونها يا بهائم هل ترونها يا هوام هل ترونها يا تراب الأقدام قبضتى هذه، وراء استقرار النجوم فى مداراتها وراء طلوع القمر كل مساء القمر الذى يطل من أغنياتكم السخيفة دون كلمة شكر واحدة من أجلى كم أنتم حقراء كم أنتم ناكرون للجميل * أنا أخوكم الأكبر أنا قدركم أنا الأبدى لذا على أن أصارحكم أن أهزكم هزا بالحقيقة أن أعمّدكم بالجوع والعطش والبرد أن أدخلكم الجنة ودونها الجحيم تمعنوا فى أحوالكم من أنتم؟ حثالةُ البشر قمامةٌ وأوشاب كوماتٌ من نملٍ وأرضةٍ وجراد ماذا تطلبون فى حياتكم لقمةٌ تشبعكم وثوبٌ يستركم وسقفٌ يظلكم ومدفنٌ يجمعكم أى مجد فى حياة الحشرات أى نصر فى الاستسلام تريدون الخلود؟ لم؟ تطلبون الجنة؟ ماذا تفعلون فيها؟ هأنا أضحك عليكم ها ها ها تحلمون بالحور العين والولدان المخلدين؟ بالأنهار تجرى تحت أقدامكم؟ من أنتم حتى تحلموا؟ أنتم فاشلون خاسرون منحطون بائسون تطلبون من العالم ما تطلبه الحملان من الذئاب وأطلب ما يبتغيه النسر من الفضاء تريدون حياة العشب فى الغابة وأريد لكم حياة الَأرْز و السنديان   تفرحون بقطرات المطر فى الجفاف وأشق لكم الأرض نهراً يفيض أيديكم رخوة وخيالكم كاسد وأرواحكم سقيمة وأبدانكم هامدة وهممكم فاترة وأبصاركم زائغة ونفوسكم مشتتة وطاقاتكم غائبة وعقولكم مخدرة كيف أغزو بكم العالم كيف أباهى بكم الأمم كيف أصعد بكم القمر * اعترفوا .. من غضَّ النظر عنكم منذ أن كنتم ديدانا تلتصقون بأمهاتكم من منح أمخاخكم التافهة الإدراك من منحكم القدرة على الحلم من سمح لكم بالحياة أصلا لو كنت سحقتكم جميعا تحت حذائى لو كنت دهستكم بسياراتى المصفحة هل كنتم تقفون الآن أمامى لتسمعوا كلماتى العظيمة؟ أى جحود أشعر به الآن أية غصة فى حلقى منكم هل تعتقدون أنى فى حاجة إلى تملقكم أو مدحكم أو هتافاتكم أو رجاءاتكم أو شعاراتكم أو لافتاتكم أو كلماتكم هل تعتقدون أنى فى حاجة إلى صورتى تحملونها أنا النسر المجنح يهيمن على السماء هل يحتاج النسر شيئا من دويبات الأرض أنا البركان الثائر هل يحتاج البركان إلى التراب المتراكم عند السفح أنا الفيضان العظيم هل يحتاج الفيضان من يعلمه كيف يغمر الأرض لا أريد حناجركم التى تهتف ولكن أريد الخشوع فى قلوبكم لا أريد الكلمات المحفوظة على ألسنتكم ولكنى أطلب دمعة العرفان حين أطل عليكم لا أريد تماثيلى تنصبونها فى الميادين ولكنى أريدها تمائم فى أعناقكم قريبة من أنفاسكم * أنا حزين شدَّ ما أنا حزين أهذا قدرى أن أحملكم على ظهرى وكلما ارتقيت بكم الجبل تهوون بى إلى السفح لتنهش الحسرة ُكبدى أهذا قدرى؟ أن أعبر بكم الجحيم فتنفلتون من يدى إلى الهوة السفلى من النار  لأعود أفتش عنكم من جديد أهذا قدرى؟ أن أحول عناصركم الخسيسة إلى ذهب فترتدون مرة أخرى إلى تراب يعلق بالأحذية   جبناء وتلبسون أقنعة النمور خائفون وترغبون فى الانتصار قاعدون وتحلمون بالسيادة بين الأمم جاهلون وتزعمون أنكم المختارون لماذا تقيدون أنفسكم بكل هذه الأغلال أغلال الماضى أغلال المكتوب أغلال الخوف أغلال القناعة أغلال القطيع أغلال الأمان تحرروا   انشروا أجنحتكم مثلى وحلقوا فى الأعالى حيث تجدوننى دائما ارتفعوا عن الطين الذى تتمرغون فيه ألا تحبون أن تلحقوا بى ألا تتمنون أن تسيروا على دربى ألا تحلمون أن تكونوا أشباهى لامعين أقوياء نابهين جسورين رائين لكنها طبيعتكم الخسيسة وعرقكم الضعيف ماذا أفعل لكم؟ ماذا أفعل معكم؟ ماذا أفعل بكم؟ أنا حزين شدَّ ما أنا حزين * تسألوننى إن كنت أحبكم وإجابتى : لا تسألوننى إن كنت أكرهكم وإجابتى : لا لا أجد فى قلبى مكانا لمحبتكم أو كراهيتكم أنا أحتقركم أحتقر ورعكم الزائف أحتقر أخلاقكم المهترئة أحتقر انتهازيتكم وسماجتكم وزيفكم أحتقر هوانكم على أنفسكم وهوانكم على الناس هل تصدقون أنفسكم أنكم أشجع أمة وأنبل أمة وأجمل وأحسن وأبقى إلى آخر أفعال التفضيل الفارغة كذب كذب كذب بهتان بهتان بهتان أوهام أوهام أوهام خرافات خرافات خرافات أنتم الراكب الزائد فى المركب لتغرق البهلول فى القرية والشحاذ فى المدينة أنتم الحشرات التى تفاجئنا عند دخولنا البيت ورغم ذلك لا تفكرون مطلقا فى قتل أنفسكم وتطمعون فى مزيد من الحياة المجانية، الحياة المسروقة الحياة الزائدة الحياة بالمصادفة الحياة المسحوبة على المكشوف الحياة التائهة من أصحابها الحياة الميتة * ياربُّ يا جبّار لماذا غضبتَ علىَّ جدا لماذا كرهتنى كلَّ الكراهية ماذا فعلتُ لك لتبلونى بالبهائم بالهوام بتراب الأقدام ماذا أفعل بكل هذه الأفواه؟ ماذا أفعل بالمعِدَات التى تطلب الطعام على الدوام شرهون شرهون شرهون شرهون ولا يشكرون عند الشبع ظمأى ظمأى ظمأى ظمأى ولا يرويهم النهر أياما وليالى أسألك أن تمنحنى معجزة عصا سحرية حتى أحول ترابهم ذهباً حتى أجعل منهم بشراً حتى أغيرهم إلى أشباهى لكنك لا تستجيب لى يا رب ولا تساعدننى عليهم يارب وتصغرنى أمامهم يارب وتتركنى لعيونهم  وأفواههم يارب لماذا منحتنى شعبا من القوارض ألم أطلب نمورا عصية على الترويض ألم أتمن عليك أسودا ولبؤات ألم أسألك فيلة تهز الأرض بخطواتها * نعم، أسمعكم أيها المرجفون أسمع همهماتكم ظاهرها البراءة وباطنها الغِلُّ ماذا سنفعلُ إذا اختطفكَ الموتُ إذا وصلتْ الرصاصةُ إلى جبهتكَ إذا اخترقت الطعنةُ قلبكَ إذا تسلل السمُّ إلى دمكَ؟ هل تصدقون أنه لم يحاول هل تعتقدون أنى لم أصارع الموت مثلما صارع يعقوبُ ملاكَ الرب ماذا كانت النتيجة فى رأيكم ألم يهزم يعقوبُ الملاكَ ألا أقف أمامكم بكامل قوتى وعنفوانى وألقى إليكم الآن بجواهر كلماتى أنا لا أموت يا سفلة أنا لا أزول يا بهائم أنا لا أنتهى يا هوام أنا معكم، أحرسكم وأرشدكم وأقومكم وأدلكم وأختبركم وأضربكم ضربات قوية على وجوهكم أنا أرفرف عليكم وأمنحكم القدرة على العيش أنا فى نور الشمس وفى حبات المطر وفى نسمات الهواء أنا حدةُ بصائركم ورهافةُ أسماعكم أنا حواسُّكم الخمس أنا الرعدةُ التى تهز أرواحكم عندما تولدون وتدفعكم للبكاء وأنا الشهقة التى تودعون بها العالم أنا الحياة وأنا كلمة النهاية وأنا ما بينهما ماذا تظنون يا بهائم ماذا تعتقدون يا هوام ماذا تتخيلون يا تراب الأقدام إذا رأيتُ يوما أنكم قادرون على الحياة من دونى ساعتها سأرتقى إلى السماء وأراقبكم من الأعالى نعم، من الأعالى كما تفعل النسور ............... *من ديوان " ألف ليل وليل" – قيد الطبع [post_title] => خطاب الأخ الأكبر فى عيد الجلوس [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%ae%d8%b7%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%83%d8%a8%d8%b1-%d9%81%d9%89-%d8%b9%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%84%d9%88%d8%b3 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-17 16:47:15 [post_modified_gmt] => 2019-07-17 16:47:15 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31033 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [49] => WP_Post Object ( [ID] => 31031 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-05 07:01:35 [post_date_gmt] => 2019-07-05 07:01:35 [post_content] => د. رضا عطية يرتاد الكاتب أحمد عبدالمنعم رمضان في كتابه الرابع، "أحلام الدويلير"، مجموعة قصصية، منطقة جديدة، حدًا ما- عليه، بخوض غمار الحلم والتجوال في رؤى اللاوعي كفضاءات لحكاياته ومجال لسرده، رغم ما يربط هذه النصوص التي تضمها هذه المجموعة بسابقتها من كتابات أحمد عبدالمنعم رمضان التي تنزع إلى خلط الواقعي بالغرائبي، غير أنّ رمضان، يدخل، بنا، هذه المرة، بكامل نصه في آفاق الغريب المتمخض عن رؤى اللاوعي وتهويماته الحلمية. تفسح الأحلام الطريق أمام اللاشعور ليلفظ مكبوتاته وتعرية رغبات الذات الدفينة والتنفيس عن مشتهياتها المقموعة وفتح خزائن ذكرياتها المنسية أو المتناساة بفعل التقييد النفسي والضبط الشعوري الذي تمارسه الذات إزاء مخبوءات باطنها، وكوامنها الخامدة والمعرَّضة لتأجج نشاطها المباغت وثورتها المفاجئة في آنٍ. كتابة الحلم هي كتابة شفرية؛ فالحلم ممارسة إحالية وحيلة إسقاطية للذات تقوم بها بوصفها عملاً تعويضيًّا عن رغبات يشق تحقيقها أو رغبات طواها الزمن في سراديب اللاشعور وجيوب الذاكرة، كذلك قد يبدو الحلم تعبيرًا عن مشاعر مقموعة لتحريمها أو لمضادتها للقانون الأخلاقي أو العرف الاجتماعي، فتمسي الممارسات الحلمية بمثابة عمل تطهُّري تمارسه الذات، لكنّ لاوعيها يعبّر عن رغباتها ومشاعرها المكبوتة عبر آليات رمزية وأقنعة تشفيرية. تعتمد "أحلام الدويلير" بنية تضامية في تشكيلها النص الكلي وترتيبها نصوص المجموعة، فثمة ترابط علّي ما يصل بين نصوص المجموعة؛ حيث تبدأ بأصل الحكاية، مصدر الأحلام، ذلك الرجل الشيخ، بائع الأحلام، مرورًا بـ"باب الأحلام" بما يتضمّنه من أحلام، ثم "باب الكوابيس" بما تمثّله تلك الكوابيس من أحلام سلبية، وبما يرمز له الباب مكانيًّا إلى الانفتاح على داخل ما والعبو والنفاذ إليه وصولاً إلى "بين الأحلام والكوابيس" كمختتم للمتضامة السردية المتمحورة في فضاءات الأحلام. بائع الأحلام: الذات ومناوشة السلطة الحلمية يستهل الصوت السارد/ الرائي خطابه السردي بما يقدمه في نص بعنوان "أصل الحكاية" عن "بائع الأحلام"، ذلك الرجل العجوز الذي كان يبيع الأحلام للمارة وكان أيضًا يسلبها من العذراوات، ويبدو استعمال السارد لمصطلح "الحكاية" التي يقدِّم لنا بأصل لها ليضفي مسحة أسطورية ما على أحلامه، فيقول الصوت السارد: منذ أن وعيت على الدنيا – وكان هذا منذ زمن بعيد يصل إلى السبع سنين – وهذا الرجل العجوز يجلس على ناصية شارعنا بجلبابه الأبيض الناصع، لا يتسخ جلبابه أبدًا ولا يتحرك هو من مكانه، يأتيه طلبة المدارس الأكبر مني سنًا في أثناء عودتهم من مدارسهم، يقفون معه بضع دقائق فتلمع عيونهم بالنشوة والابتهاج حتى يخرجوا من عنده والابتسامات تحتل وجوههم، كذلك طلبة الجامعات، أما الفتيات فكانت خدودهن تتورد ويسرعن ويهرولن في طريقهن منه وإليه. قلما توقف عنده رجل عجوز ممن فى سن أبي، فقد أتم أبي الأربعين عامًا منذ أسبوعين وأصبح عجوزا. كانت أمي دائما تحذرني من الذهاب إلى هذا الرجل بائع الأحلام فإنه يُذهب العقل، يخطف الروح، ويفسد الحياة والمستقبل، وتدعوني أن أحفظ جدول الضرب فهو أفيد لي وأقيم. قال لي جارنا الذي يكبرني بعام واحد إن الرجل العجوز يسرق الأحلام من عيون العذراوات ويبيعها لزبائنه، وإنه يقضي ليله في العبث بعيونهن خاطفًا أحلامهن بخفة ورقة، دون أن يشعرن. سألني جاري أن نذهب إليه لنجرب متعة الأحلام، رنّت كلمات أمي بأذني، رفضت دعوته وعدت إلى المنزل. بعد ساعتين، ذهبت إلى الرجل العجوز متشوقًا لمتعة الأحلام المسروقة. (ص ص9-10). يرتد الحالم أو الرائي/ الصوت السارد في استعاداته الحلمية إلى سن السابعة، حيث مرحلة الطفولة المتأخرة وبدايات تشكل وعي الذات بالعالم وتكوُّن لاوعيها واحتوائه رغبات ما ومخاوف ما من العالم، ويأتي هذا الرجل العجوز، بائع الأحلام، ليمثل الوسيط الذي يملك حلاً سحريًّا يساعد الذات على امتلاك العالم أو إخضاع العالم لرغباتها. كما يبدو هذا العجوز كائنًا أسطوريًّا، بمحافظته على مظهره وجلبابه دونما اتساخ، رجل لا يؤثِّر الزمن فيه، هو الذي يمنح الأحلام، وهو الذي يسلبها من العذروات، ليبدو كسلطة ما. نجد التشكيل السردي لدى أحمد عبدالمنعم رمضان في "أحلام الدويلير" يجيد تشييد الحكاية الحلمية من "فواعل"/ شخوص تتفاعل فيما بينها في نسق درامي لشبكة العلاقات التي تجمع بينهم، فإذا طبقنا تقسيم فلاديمير بروب في نظريته للفواعل السردية، أبطال الحكايات الشعبية والخرافية، سنجد هذا متحققًا بشكل كبير في شخصيات هذا الحلم، أو بالأحرى الحكاية الحلمية لدى رمضان، فهناك البطل، أو الفاعل الذي هو الرائي أو الحالم، الصوت السارد للحكاية وفي المقابل هناك المرسل إليه الذي هو ذلك الرجل العجوز، بائع الأحلام، وتبدو الذات في تفكرّها باللواذ بذلك الرجل في حالة صراع (إقدام- إحجام) وتردد ما في الذهاب إليه حتى تحسم أمرها باللجوء إليه. وهناك الموضوع الذي يدفع الفاعل إلى التحرُّك نحو المرسل إليه الذي هو الحلم أو الرغبة في الآخر، الاستحواز على الآخر، كما كان في أحلام الذات الساردة هذا الآخر من المرغوبات فيهن سواء المعلمة، "ميس دينا" أو زميلات الدراسة، رفيقات الصبا والمراهقة، وهناك المساعد أو المعين الذي يكون هنا صديق البطل، أو الفاعل، الجار الذي يكبره بعام الذي يدفعه إلى الذهاب لذلك الرجل العجوز، "بائع الأحلام"، في المقابل هناك "المعارض" أو "العائق"، الذي تمثله، هنا، الأم، بممانعتها ذهاب الابن إلى بائع الأحلام. وتعمل هذه البنية المعقدة للفواعل المُشكِّلة لبنية الحلم على إزكاء الاتقاد الدرامي للأحداث الواقعة في الحكاية الدرامية من ناحية والإسفار عما يعتمل بداخل الذات من ترددات جدلية وخيارات متعددة حتى ليبدو أنّ هؤلاء الشخوص قد يمثلون أقنعة رمزية لترددات الذات في خياراتها. وإذا كان للحلم قوانينه الخاصة التي قد تختلف عن قوانين الواقع الموضوعي أو تناقض مبادئه، فإنّ تمثُّل الذات للزمن وعلاقتهم به تبدو، هنا، مختلفة؛ إذ يجيء وسم الذوات بالعجز والشيخوخة من سن الأربعين، وكأنّ إحساس الذات بوطأة الزمن وأثره على الذوات يبدو أثقل في الحلم، ولكن لِمَ تبدو سلطة الأم وفاعليتها، هنا، في الحلم، أكبر من فاعلية الأب؟ هل تمثّل الأم، هنا، حضورًا شبحيًّا للرقيب الأخلاقي الذي يمارس عمل الكف الأخلاقي للذات عن الممارسات الموسومة باللاأخلاقية أو الغير نافعة؟ هل تمارس الذات، في الحلم، بأثر العقدة الأوديبية، إقصاءً ما للأب وقتلاً رمزيًّا وتهميشًا له؟ وبالرغم من أنّ الذات قد بدأت حكايتها مع الأحلام بشرائها من ذلك البائع العجوز إلا أنّ هذا الحال لم يدم، كما يخبرنا السارد: لابد من حلم يعيد إلىّ حيويتى ونشاطى. ذهبت إلى حيث يجلس العجوز، لم أجده، سألت عنه الباعة المجاورين، أخبروني أنّه اختفى منذ أيام، لم يظهر منذ الأسبوع الماضي.   لم ألاحظ غيابه رغم مروري بناصية الشارع يوميًا.   جلست على الأرض منتظرًا عودته، افترشت الرصيف ومرت الساعات دون أن يظهر له أثر، ظن طفل صغير أنني أبيع الأحلام بدلاً منه، اقترب مني حثيثاً، تخبطت خطاه حتى وصل إليَّ مادًا يده القصيرة بعملات كثيرة صغيرة، مد يده دون أن ينطق بكلمة ونظر إليَّ متخوفاً، أخبرته أن بائع الأحلام لم يعد موجودًا هنا، ابتأس الطفل وأطرق برأسه وقال وهو ينظر إلى أمواله دون أن ينظر إليَّ "لو الفلوس ليست كافية، فقد آتي بالمزيد غدًا." سكتُّ فرفع عينه إليَّ ببطء وأضاف "ولكن هذا كل ما بداخل حصالتي والله." ابتسمت وسألته أن يأتي غدًا وسيكون حلمه جاهزًا. انفرجت أساريره، شكرني، ختم جملته بكلمة (يا عمو) واختفى عن نظري.   خرجت ليلاً، تجولت بين حجرات نوم العذراوات، سرقت من عيونهن الأحلام، احتفظت بحلم تلك العذراء ذات الجسد الفائر بجيبي الخلفي من أجل ليلتى.   جلست فى صباح اليوم التالي على ناصية الشارع، عاد الطفل الصغير وابتسامته تسبقه، كانت خطواته أسرع من الأمس، تقدم ومد يده بالأموال وهو يسدد نظراته المترقبة إليّ، أعطيته حلمًا طازجًا لفتاة جميلة شقراء. (ص ص12-13). يبدو أنّ ثمة رغبة ما لدى الذات/ الحالم بتجاوز تلك السلطة الفوقية التي يمثلها الرجل العجوز، مانح الأحلام وبائعها، وسلبه إياها، ثمة رغبة تداخل الذات بأن تكون فاعلاً في لعبة الأحلام، وكأنّ الذات تريد أن تتجاوز السلطات البطريركية، حتى جعلتها المصادفة، ذهاب الطفل لشراء حلم من بائع الأحلام المتغيب عن مكانه، تتمكن من الاستيلاء على سلطة منح الأحلام باستيلابها من العذراوات وبيعها. الذات والآخر: بين المراقبة والقنص لئن كانت الأحلام تبدو، في الأغلب، تمثيلاً، بحسب التصوُّر الفرويدي، للرغبة الجنسية للذات الحالمة، فإنّ حضور الآخر، الجنس الآخر في الحلم، يبدو تأكيدًا لهذه الرغبة الجنسية التي يفسح لها الحلم مجالاً للتنفيس والتعبير عن نفسها: وقفت أمامه بثقة أكبر من ذي قبل، قامتي مفرودة، وشعري يلمع من أثر (الجل)، قلت له بصوت أكثر خشونة إنني أريد حلمًا يناسب سني، لقد بلغت السادسة عشر ولم تعد أحلام ميس دينا وليوناردو تناسبني، أريد حلمًا آخر، حلمًا ساخنًا، تكون شريكتي فيه هند التي تجلس بالصف قبل الأخير بالفصل، أو .. لا .. لا.. فلتكن ميّ، ميّ، ألا تعرفها؟؟ تلك البيضاء المدملكة التي تصغرني بعام، بالصف الثاني الثانوي، صاحبة أشهر نهدين بالمدرسة، ولكني غيرت رأيي مرة أخرى، وطلبت منه أن يكون كل من هند وميّ بالحلم، يتقاسمان الليلة على سريري. لمحت صورة شارون ستون على غلاف مجلة لدى بائع الجرائد المجاور، لم أكن أعرف اسمها، أشرت إليها وطلبت منه أن يضيف تلك الشقراء على الحلم أو ليكن لها حلم منفصل. دفعت الكثير مقابل ذلك الحلم. (ص10). فيما يبدو أنّ الحلم تاريخ لرغبات الذات وفقًا لمراحل حياتها العمرية والنفسية؛ فبينما تجنح الذات في أحلام السابعة، بدايات مرحلة الطفولة المتأخرة، إلى الميل الجنسي نحو المعلمة (ميس دينا)، فيما يُعدُّ امتدادًا أو إشباعًا موازيًا للرغبة الأوديبية بميل الطفل جنسيًّا، في هذه المرحلة، نحو الأم، فتكون المعلمة هي أيضًا، بديلاً للأم- فإنّ ثمة تحولاً ما في مرحلة المراهقة والصبا نحو الرغبة في من هن قرين عمري للذات أو من هن يمثلن إيقونات للشهوة الجنسية، فتمثل الأحلام مرآة للتحولات النفسية للذات. وفي إطار صراع الإقدام- الإحجام قد تتوارى أحيانًا الذات في علاقتها بالآخر، الجنس الآخ،ر مكتفية بدور المراقبة كما في نص بعنوان "دائرة معوجة" الذي يحكي فيه الصوت السارد عن زميلته "ميرهان" وعلاقتها بزميلها في الصف، "خالد"، وولعها برسم الدوائر التي لا تأتي مستقيمة في استدارتها كما تريد: عادت لمنزلها وكررت محاولاتها الطفولية لرسم دائرة مستقيمة، حاولت مرارا وتكرارا، كادت تنجح، اتسمت محاولاتها بعصبية مفرطة. احمرت وجنتاها وأذناها الصغيرتان، فشلت وألقت بقلمها بعيدًا.  في اليوم التالي رأته فسألته، هل تجيد رسم الدوائر؟؟ تعجب من سؤالها المباغت وأجاب بنعم. قالت له "بدون بَرْجَل؟؟" أجاب نعم. "منتظمة، دون اعوجاجات؟؟" تردد قليلاً ثم أجاب بالنفي .قالت له "وأنا كذلك".   أتت بقلمها الرصاصي، رسمت دائرة غير منتظمة كالعادة، أو أكثر من المعتاد، وكتبت بداخلها اسميهما، خالد وميريهان ... لم تحاول إعادة رسمها رغم اعوجاجاتها الواضحة وانحرافاتها البيّنة. نظرت إليه فاحتضن يدها واندمجا في دائرتهما الخاصة.  قالت له "أتحب البيتزا ؟؟"، هزَّ رأسه بالموافقة... قالت "فهل تعزمني على واحدة إذن؟؟" ابتسما وانطلقا بينما تتشابك يداهما، مشيا ممسكين بدائرتهما المعوجة، متشبثين بها. لم تحب ميريهان قط الخطوط المستقيمة، كانت تظنها أسهل من اللازم، تفتقد لنعومة وتعقيد الدائرة، كانت تحب البيتزا وتكره السندوتشات... كانت تفضل الدوائر بما فيها من اعوجاجات وتقوسات، مهما شابتها العيوب. ظلت ميريهان تحاول رسم دائرة منضبطة أو تذكر اسم العالم صاحب المقولة إياها، ولكنها كانت دائما تفشل وترضى في آخر الأمر بدوائرها المعوجة الجميلة .(ص18: 20). تكتفي الذات، هنا، في هذا الحلم، بدور المراقب، للعلاقة الحادثة بين رفيقيها، العاشقين، فيما تبدو الأنثى، الزميلة، "ميرهان"، باحثة عن كمال ما، دائرة مستقيمة، غير معوجة، فلا يتحقق، وبالرغم من تمسُّك الأنثى برغبتها في دائرة غير معوجة رسمًا، فإنّ ارتباطها بآخرها، قد جعلها تتنازل عن شرطها هذا، وكأنّ الحب يعمل على تخفف الذات من أحلامها المثالية ليدفعها إلى قبول ورضا بما تفرضه موضوعية الواقع. وتتراوح مساعي الذات نحو الآخر في أحلامها بين الاكتفاء بمتابعته عن بعد أو الالتحام به والعبور إليه، كما في نص بعنوان "الحب على رقعة شطرنج" التي تحكي مراودة السارد لفتاة تقف منتظرة القطار على الرصيف المقابل بمحطة مترو الأنفاق: تقدمتُ خطوات إلى الأمام، تقدمتُ نحوها، أمسكت بمضرب التنس ووضعت مقبضه على حدود الرصيف حتى بات ممتدا في الفراغ فوق القضبان متجها نحو الجانب الآخر، فوضعت هي جيتارها بنفس الوضعية من جانبها ليصنعا جسرًا فوق القضبان يمتد بيننا. تطوع المنتظرون بجواري على الرصيف بأن ثبتوا يد مضرب التنس من ناحيتي. ووقفت هي لتثبت يد الجيتار من الجهة الأخرى لتلتقي مؤخرتاهما بمنتصف الطريق متممين الجسر الممتد بيننا. وقفت مرتعشًا على مقدمة المضرب متجهًا نحوها فوق الكوبرى المرتج تحت أقدامي. (ص23). تتبدى، هنا، في هذا المشهد الحلمي، فاعلية التخييل السوريالي للوعي الحالم في رؤاه، باعتبار تجاوزية الحلم لأي منطق، سواء منطق الطبيعة أو قواعد المكان وحسابات الزمن، فيكون التلاقي بين الذات وآخرها الأنثوي عبر التحام مؤخرة مضرب التنس بمؤخرة الجيتار وكأنّ الذات تقطع خط القطار بما في يدها ويد آخرها من أدوات لعب وتسلية، تعبيرًا عن السعي إلى تجاوز حوائل المكان وعوائقه، ليمسي الحلم فضاء لاشتغال الوهم، وتخطّي عقبات الواقع. هياج الدوبلير: الذات من الرضوخ إلى الثورة في نص بعنوان "هياج الدوبلير" الذي يُشتق منه عنوان هذه المجموعة "أحلام الدوبلير" يكشف الفضاء الحلمي عن توترات الذات/ "الدوبلير" بين قبوله دوره كبديل للبطل في مشاهد يمارس فيها عنف بقسوة إزاءه:  كانت مهنته التى اعتاد أن يقوم بها، اعتاد أن يُضرب بدلا ممن يظن الجميع أنهم أثمن منه، وحيواتهم أقيم من حياته، حتى هو ذاته شاركهم ظنونهم، واحتفظ بصور أبطاله فى حافظة نقوده وعلى حوائط منزله وداخل أحلامه.   كانت اهتماماته مختلفة عن الاهتمامات العادية لأصدقائه، فكان يهتم بخلفيته، عنقه، رقبته، وكل ما يمت لظهره بصلة. وكأى دوبلير بالحياة، كان ينظر بعين الشغف إلى الأبطال، يتمنى أن يكون بمكانهم، وأن يقع تحت يده دوبلير فيوسعه ضربًا، ولكن بكتب تاريخ الدوبليرات، فهذا لم يحدث أبدًا، هو مخالف لنظام الكون الذى وضعه الأبطال وتواطأ على تمريره المخرجون، واستفاد منه المنتجون. لقد ارتضاه الجميع بما فيهم الدوبليرات الذين أيقنوا أن هذا هو دورهم بالحياة. حتى عندما قرر مجموعة من المخرجين التمرد، الخروج عن القواعد وقلب النظام، وطالبوا الدوبليرات بارتداء أفضل الملابس، وأن يحلوا محل الأبطال، أن يطلوا بوجوههم على الشاشة لأول مرة، أن يضربوا الأشرار، ينقذوا العالم، ويقِّبلوا الفاتنات، ثار الدوبليرات على هذا النظام الجديد، رفضوه، قبلما يرفضه الأبطال!! لقد خشوا من مواجهة الكاميرات وعدساتها اللامعة، خافوا من مس ضيائها لوجوههم الرقيقة. لقد آمنوا أن الدوبلير هو هذا الشخص الذى يقضى حياته فى تلقى الضربات، وهو لا يختلف كثيرًا فى ذلك عن أى شخص عادى، فالإنسان خلق ليتلقى أكبر عدد من الضربات دون أن يسقط، حتى يضعف وتخور قواه، فيسقط صريع أحدهم. (ص ص115-116).  يبرز هذا النص/ الحلم تبديات الأزمة النفسية والوجودية التي تتفاقم داخل تلك الذات المهمَّشة التي تبدو وكأنّها أنموذجًا أيقونيًّا دالاً ينوب عن غيره من الذوات التي ارتضت الانسحاق افتداءً لغيرها ونيابة عن الأبطال، النجوم الذين يحصدون المجد. ثمة استثمار لرموز وعناصر لعبة التمثيل السينمائي حتى يبدو هذا النص الحلمي كأمثولة تعتمد على مبدأ المشاكلة المجازية والتوازي الاستعاري في التمثيل الأليجوري لمأساة الإنسان، في تفجير شعري ناجم عن الاستثمار الترميزي لصور الواقع وقوانينه. يكشف هذا النص عن اعتيادية الهامشية والقبول بالانسحاق لدى الدوبلير/ الإنسان المنسحق حد عدم استطاعة هؤلاء "البدلاء" أن يلعبوا دورًا عكس الذي ألفوه وأن يتصدروا المشهد كأبطال، في تكريس لمألوفية الانسحاق وتأكيد لثبوتية القوانين المهيمنة على مسارات الوجود. غير أنّ ذروة الحلم تتبدى في انقلاب هذا "الدوبلير" وتمرده على قواعد اللعبة وخروجه عن "النص": وقف أمام البطل واستسلم لضرباته المتلاحقة، سقط أرضًا، سالت دماؤه، بدا منهارًا، فصفق الجميع واحتضن المخرج البطل مهنئًا إياه.  كان كثير الوقوف أمام مرآته، يتبادل الحديث مع هذا الذى يواجهه فيها ويطيلان المناقشة، يتجاذبان الكلام ويختلفان ويعلو صوتهما، وقد يضرب أحدهما الآخر، قد يلكم وجهه الزجاجى فينجرح كلاهما، وتسيل الدماء على يد أحدهما وعلى وجه الآخر الذى يبدو متهشما ومنقسما إلى أجزاء متناثرة. كانت تنتهى كل هذه الأحزان بالتهام قطع من الشيكولاته الرخيصة محلية الصنع وهو مسترخ على كنبته المتهتكة.   وقف الدوبلير أمام البطل الذى سدد نظراته إلى العدسات المواجهة، استعد البطل لركل السكين التى يمسكها الدوبلير بيده اليمنى، أن يطيرها بركلة من قدمه اليسرى، ثم يهم بتوجيه بعض اللكمات إلى مختلف أعضاء جسده، يسقط على أثرها الدوبلير، فيصفق الجمهور وتتصاعد الآهات... ولكن، وقبل أن ينفذ كل منهما دوره، قبل أن يصرخ المخرج بحسمه المعتاد (أكشن)، قبل أن ينتبه البطل ويتوقف عن الضحك، كان الدوبلير قد شرع فى أداء دور جديد، دور لم يُمْلِه عليه المخرج، أمسك سكينه بحزم، حرك يده اليمنى سريعًا، أسرع من أن تلمحها عين، غرس السكين بصدر البطل، بقلبه تمامًا، بأحشائه، بكل مكان طاله، تسمر الجميع بأماكنهم وتوقف الزمن للحظات، التفت الدوبلير إلى الكاميرا لأول مرة، انعكست صورته على عدستها الدائرية، لم يسعد كثيرًا بمواجهة الكاميرا كما تصور، لم يجد المتعة التى طالما سعى إليها وتخيلها، ازعجته أنوار الكلوبات فزرّ عينيه، ثم رفع كف يده إلى جبهته حاجبًا النور عن عينه، ولكنه ابتسم، رسم ابتسامة تمامًا كالتى يتقنها بطله القتيل، هكذا ظن أنه يفعل ما يمليه عليه الدور، ابتسم بينما غاصت أقدامه فى دماء البطل. لم يستمر ظهوره بقلب الكاميرا طويلاً، دقيقة أو أقل، ثم انقطعت الصورة ومالت الشاشة إلى الظلمة وتنغبشت صورتها الرمادية المائلة للسواد مصحوبة بأصوات ضجيج متواصل وصراخ وكلمات مندمغة غير مفهومة. كان الدوبلير قد أغمض عينيه، أسدل جفنيه، أرخى كل عضلات جسده، تأوه بصوت غير مسموع، لم يسمعه أحد، لم يسمعه أى من الجماهير، لم تسمعه إلا نفسه. (ص ص116-117). يبرز هذا التطوُّر الدرامي أو بالأحرى التصعيد الدرامي بالنص/ الحلم حد الانقلاب إلى النقيض والضد مآلات الكبت النفسي الذي تعيشه الذات المهمَّشة/ الدوبلير حد الانقلاب نحو الممارسة الدموية، ولو على صعيد الحلم، بما يكشف عن الصراع النفسي المحتدم الذي تتأجج نيرانه بدواخل الذات وفي أحراش لاوعيها. في سرد أحمد عبد المنعم رمضان ثمة صياغة سينمائية تُمَشهِد الأحداث والمواقف وتسجل اللفتات الدقيقة، حيث العناية بخلفيات الشكل ضمن الصورة الكلية التي تشكِّل بنية المشهد، وهو ما يُكسِب السرد إيقاعًا دراميًّا ونفسيًّا.   [post_title] => توترات الحلم في "أحلام الدوبلير" [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%aa%d9%88%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%84%d9%85-%d9%81%d9%8a-%d8%a3%d8%ad%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d8%a8%d9%84%d9%8a%d8%b1 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-05 07:01:35 [post_modified_gmt] => 2019-07-05 07:01:35 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31031 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [50] => WP_Post Object ( [ID] => 31028 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-04 05:33:04 [post_date_gmt] => 2019-07-04 05:33:04 [post_content] => يلتقي الكاتب والناقد المصري ممدوح رزق مع طلاب قسم اللغة الانجليزية بجامعة الأقصى في شهر سبتمبر القادم عبر السكايب، وذلك للنقاش حول أعماله الأدبية، وقراءاته النقدية للنصوص المترجمة من الأدب الإنجليزي. ويصدر قريبًا لممدوح رزق متوالية قصصية جديدة بعنوان "أحلام اللعنة العائلية"، وكتاب نقدي عن فلسفة السرد عند جورج باتاي. ويمكن تحميل كتاب “نقد استجابة القارئ العربي ـ مقدمة في جينالوجيا التأويل" لممدوح رزق من هنا كما يمكن تحميل كتابه "تشارلز بوكوفسكي .. ما وراء اللعنة ـ وقراءات نقدية أخرى” من هنا ويمكن تحميل مجموعته القصصية الأخيرة “المطر في كارمينا بورانا” من هنا [post_title] => ممدوح رزق يلتقي طلاب جامعة الأقصى [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d9%85%d9%85%d8%af%d9%88%d8%ad-%d8%b1%d8%b2%d9%82-%d9%8a%d9%84%d8%aa%d9%82%d9%8a-%d8%b7%d9%84%d8%a7%d8%a8-%d8%ac%d8%a7%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%82%d8%b5%d9%89 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-04 05:33:04 [post_modified_gmt] => 2019-07-04 05:33:04 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31028 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [51] => WP_Post Object ( [ID] => 31025 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-03 18:59:35 [post_date_gmt] => 2019-07-03 18:59:35 [post_content] =>  ترجمة : سعيد بوخليط تقديم: ولد ميشيل سير Michel Serres سنة 1930، في إقليم غارون.ولج بداية المدرسة البحرية قبل انتقاله إلى فصول المدرسة العليا للأساتذة، شارع أولم. حصل على الميتريز في الفلسفة، وأصبح  أستاذا في جامعة ستانفورد،كاليفورنيا،ثم عضوا في الأكاديمية الفرنسية. ألّف أكثر من ثلاث وستين كتابا.  يعتبر ميشيل سير في الوقت ذاته فيلسوفا وقصاصا،وأحد أكبر المفكرين الفرنسيين إنتاجا.كتب ما يقارب ستين عملا،وهو صاحب رأي يدلي به عبر أثير''فرانس أنفو''،يهتم بمجالات عدة :الانفجار الكوني العظيم، التكنولوجيات الجديدة، اللغات، علم الجينوم، معنى التاريخ….ثم لاتحدثوه قط عن "ميادين بحثه"،فالتعبير يحدث لديه الطفح الجلدي.وتمتلك الفلسفة لديه، سرعة السيارات الرباعية الدفع : تماثل هذه العربات القادرة على اختراق مختلف الحقول وعبور جل الأراضي دون اهتمامها بالحدود المصطنعة التي رسمتها اليد البشرية.أما بخصوص المفاهيم،فإن ميشيل سير يرفض تحليلها،مادامت  تتجسد،على شاكلة عناوين كتبه : الإبهام الصغير، هرمس، الثلث المتعلم وكذا آخر إصداراته : الأيسر المضطرب.   استقبلنا في منزله الذي يشبهه،على بعد خطوتين من باريس.يستيقظ يوميا مع حلول الفجر كي يكتب ويقرأ.زوايا البيت غير مستقيمة، وغرف أضحت بكيفية طارئة عند أقصى الممرات، تمثال صغير يجسم تانتان وُضع إلى جانب أعمال أوغست كونت.إناء زجاجي جميل يفتح الأفق. يتوجه ميشيل سير مخاطبا، بفضول رجل كهل، التلميذ باستيان، الشاب البالغ من العمر ستة عشر سنة، والذي يمضي فترة تدريبية داخل مجلة العلوم الإنسانية.يبدو بأن لهجة منطقة جاسكوني لازالت تجرف شيئا من أسلوب منطقة ولادته،أي إقليم غارون العليا.   يجيب أحيانا على أسئلتي بدهاء شارلوك هولمز :"الأمر بسيط جدا، صديقتي العزيزة".   س- تحددون ذاتكم باعتباركم ابنا، أخا، وعاشقا لمنطقة غارون.تعودون إلى هذا المكان باستمرار،مع كل كتاب تصدرونه. فلماذا يعتبر أساسيا بالنسبة إليكم الولادة في مكان ما؟ ج- لم أولد في مكان ما؛ بل وسط المجال المائي.فقد كان أبي بحارا منتميا إلى إقليم غارون.يعيش داخل آلة كاسحة تستخرج الرمال وكذا الحصى.بالتالي،قضيت طفولتي على متن السفن.بل إني سافرت بحرا حتى''قبل ولادتي"،لأنه في يوم من الأيام عرفت منطقتنا لاغارون فيضانا كارثيا، فتدخل أبي كي ينقذ أمي،الحاملة بي آنذاك، بحيث انتشلها بفضل قارِبه من داخل المنزل .هكذا ترسخت داخلي هذه الصلة الجوهرية مع الماء، الذي يعتبر عنصر مختلفا جدا عن الأرض.هل أثر الأمر على الكيفية التي رأيتُ وفقها العالم؟لا أدري.لكن لنقول بأنها طريقة كي أنتمي إليه شعريا.  س- لقد بدأتم دراسات علمية.كيف ولماذا تحولتم صوب الفلسفة؟ ج-كنت أبلغ من العمر سنة 1945، أربعة عشر عاما،حين انتهاء الحرب. ماوقع في ناكازاكي وهيروشيما،أحدث لدي صدمة مهولة.لذلك فجأة، العلم الذي عشقناه، لأنه جاء لنا بالرفاهية، والدواء،ومختلف ما يفترض أنه يحدد نمط الحياة الجيدة،صار نفسه العلم الذي أنتج جريمة شنيعة :القنبلة الذرية. ساد عمى هنا وهناك. لتقديم مثال بهذا الخصوص،كنت تلميذا لغاستون باشلار في السوربون،الذي كتب بعد مرور عشرين سنة على مأساة هيروشيما،رثاء للفيزياء المعاصرة ! الجيل الذي أتى بعده، أقصد جيلي،عاش أزمة ضمير :جانب كبير من الباحثين، أشاح بوجهه عن الفيزياء متجها نحو الكيمياء الحيوية،التي حققت تطورات هائلة.فيما يتعلق بي،غادرت المدرسة البحرية كي أدرس فلسفة العلوم في المدرسة العليا للأساتذة.   س- لديكم طريقة على مستوى التفلسف غير نمطية شيئا ما.تظهرون نوعا من الاحتقار للمنهج،ولا تستشهدون إلا نادرا بمرجعيات،وتوظفون المجاز…. فما الذي يميزكم أساسا عن الكاتب؟ ج-أنا لست استثنائيا جدا.بل على العكس،أنتمي بشكل مباشر جدا إلى تقليد فلسفي فرنسي قائم منذ مونتين. لنستحضر ديدرو : حينما توخى الحديث عن الصدفة والحتمية، لم يحلل المفاهيم؛بل وضع فوق الحصان شخصين،جاك القدري وأستاذه،بحيث يدافع أحدهما عن أطروحة القدرية، بينما انحاز الثاني إلى جانب الحرية.هكذا أخرج إلى العالم بكيفية رائدة إحدى أجمل النصوص الروائية،التي بلورت في ذات الوقت دراسة عميقة على الوجه الأكمل حول الصدفة والحتمية.الخرافة،على النقيض من العلم،تتفادى تجزئة الواقع إلى قطع مختلفة. أنتمي إلى هذا التقليد، الذي فضلا عن ذلك لا يتبجح أمام قرائه.المعرفة هنا،لكن من غير المجدي استظهارها  أمام الملأ وفق استشهادات، وهوامش تؤثث أسفل الصفحة ثم وضع فهارس هائلة.راهنا،ينبغي بالضرورة الاستشهاد بسبينوزا حين الحديث عن السعادة.ليس الأمر ضروريا،عندما أود مقاربة موضوع السعادة،فإني ببساطة أتكلم عنها،ولاشيء غير ذلك.أن يكون سبينوزا،قد تحدث عن الموضوع،تعتبر مسألة في غاية الأهمية،وقد اطلعت على مضامين ذلك،لكني غير ملزم للتباهي بهذه المرجعية. علما، أننا نتوفر اليوم على ويكيبيديا تهم مختلف هوامش النصوص.  س-إذن ماهي الكفاءة النوعية للفيلسوف؟ ج-هناك رواية ل جول فيرن،جال أحد شخصياتها يسمى فاليValet العالم قاطبة، فأُطلق عليه لقب مفتاح عمومي.هكذا حقيقة الفلسفة :مفتاح لكل القضايا.عربة صالحة لمختلف التضاريس،تطوي كل العالم،تجوب الحقول المعرفية،وتحيط بأفراد البشر.إنها ميزتها.يشكل ذلك أيضا قوتها بالنسبة للعالم الحالي،وقد تداخلت جل مشاكله بكيفية شاملة.لنأخذ مثلا قضية المناخ : تتطلب في الوقت ذاته الفيزياء، الكيمياء، البيولوجيا، الكيمياء الحيوية، الكوسمولوجيا، ثم الاقتصاد…. لذلك، إن حاولتم التطرق إلى مشكلة بيئية حسب منهجية تحليلية، فبالتأكيد ستواجهون إخفاقا. مثلا،يعتبر من السذاجة تفعيل مخطط لإنعاش الضفادع إن كان المناخ نفسه يعرف اختلالا،فسيقتل ثانية مختلف الضفادع التي أنتجها مخططكم ! إحدى أكبر المشاكل،حاضرا،إفراز الجامعة لفئتين من البلهاء : الأدبيين،وهم أصحاب تكوين ثقافي لكنهم أغبياء.ثم صنف العلميين،جماعة متحذلقين لكنهم أميين.هنا يلزم الفلسفة تحديدا القيام بدور معين،يتمثل  في إعادة رتق ماوقع بتره بكيفية تعسفية.  س- يظهر كتابكم الأخير بمثابة تأمل في ماهية التفكير.تعريف يمكنه اختزاله إلى المعادلة التالية:''أن تفكر، يعني تبدع''.ألا يوجد تفكير غير أن تبدع؟ ج-نعم،بالضبط ذلك.طبعا،من المهم بالنسبة للتثقيف التعلّم ثم الترسيخ في الذاكرة.لكن بقدر مايستمر سعيكم ضمن حدود التثقيف، فستظلون أيضا عند حدود مجرد ترتيب المعلومات.على العكس، يقتضي التفكير التحرر من ذلك.أشرتم،منذ قليل،إلى المنهج.تعلمون بأن أصل كلمة ''منهج''يعود إلى ''ميتودوس''الإغريقية التي تعني"الطريق".والحال،أنه إذا سلكتم طريقا داخل مدينة ''لاندرنو''،فستظلون دائما عند حدود أسوارها.أيضا يعيدك الطريق السيار (A6)باستمرار إلى محيط باريس.يمكن قول نفس التصور على وصفة للطهي : إذا اتبعتم بدقة مراحل إعداد وصفة طهي فطيرة تاتان، فقد اكتفيتم في نهاية المطاف بتحضير فطيرة تاتان.لكن يحق لنا التوقف لدقيقة، قصد التساؤل عن ما فعلته الأختان تاتان من أجل صنع هذه الكعكة الشهيرة.الجواب أنهما أحدثتا ارتباكا،أدى إلى قلب نظام الكعكة،رأسا على عقب.أعتقد أن الفكر الحقيقي يصدر حسب هذا المنوال:إما بالتفريع أو حدوث اللامتوقع .هكذا نصادف مالانبحث عنه.تتحقق التطورات نتيجة الخطأ. س-هل يسكن الخطأ نواة الفكر؟ ج-بل جوهر الإنسان.فعندما يقول المثل :''الخطأ إنساني''، فلا يعني قط تصور من هذا القبيل،أنه ليس مهمّا ارتكاب"الإنسان" للخطأ.بل يعني أساسا أن الخطأ سمة بشرية.الأبقار لاتغلط أبدا، والعناكب تنسج خيوط بيتها بإتقان.على العكس، يبدع الإنسان عندما يخطئ.ما الإنسان؟ إنه الذي يقترف الأخطاء. س- تتطلعون في نهاية المطاف إلى العثور عن جواب لسؤال فلسفي قديمماهو الإنسان؟ ج-نعم، لكن قبل إنجاز أنثروبولوجيا،أتطلع إلى البحث في كتابة كوسمولوجيا.فمن يبدع أولا ؟في البدء تجلى الكون.حينما وقع الانفجار العظيم، تناثر في هذا الكون سيل من الإبداعات والكائنات الجديدة.تضاعفت كواكب مختلفة جدا.من بينها الأرض،التي جسّدت حين برودها،حالة خلق مدهشة: الحياة. ذرة أولى استنسخت نفسها ثم شرعت في إنتاج عوالم متعددة الخلايا.هكذا ظهرت أنواع جديدة.فلا صلة جامعة،بين صَدَفة، سمكة، وشامبنزيه. إذن كيف نفسر ذلك؟الأمر بسيط جدا : يستنسخ الحمض النووي،ثم فجأة،وخلال لحظة النسخ الجديدة،ينتج خطأ على مستوى القراءة.خطأ بسيط ينجم عنه مانسميه وحشا واعدا ! يتصدّع،في حالة عجزه عن التكيف. غير ذلك، يعيش ويخلق حوله محيطا جديدا.أساسا،تنطوي الطبيعة على الخطأ،بل ويكمن داخل نواة الحياة نفسها.لذلك لا أعتقد في إمكانية وجود أنثروبولوجيا دون كوسمولوجيا قبلية تؤسسها. بالتالي، فالأنثروبولوجيا التي تتجاهل هذا المبدأ تعتبر فاقدة للمعنى. س- هل تنحدر الحيوانات نفسها من ذات الصنيع.فما الذي يميزنا عنهم؟  ج- التاريخ.لقد غاصت الإنسانية في التاريخ، بينما انحصرت باقي الكائنات الحيوانية الأخرى عند حدود النشوء.ولماذا امتلك الإنسان هذه الثنائية على مستوى الإرساء؟نتيجة العَرَج الذي يجبرنا على التخلص من القبضة الصارمة للنشوء.حينما يخرج الحيوان الصغير من البطن الأمومي،فقد توفر سلفا على بيئة، بيضة أو بيت طبيعي.في حين،يفتقد الإنسان إلى وضع كهذا،مما يجعله مضطرا لبناء مأوى.هكذا بكيفية فورية، ينتقل الإنسان الصغير، الذي أخذ منحى جديدا، من الطبيعة إلى الثقافة.هنا يتجلى شذوذنا المفصلي،الباعِث للتاريخ.حينما تحظون بتوازن ثابت،لن تكونوا أبدا في حاجة إلى التقدم.لذلك،لا يتبلور،المشي أو الركض،سوى من أجل تعويض التوازن. نحدث اختلالا للتوازن، ثم حين استعادته، ننتج اختلالا ثانيا،إلخ.هكذا نسير،ونتطور.يعتبر الانحراف عن التوازن حيويا بخصوص تشكيل النوع البشري.   س – أنتم أيضا شخص أعسر مزعجا. هل أثرت سمة من هذا القبيل على علاقتكم بالعالم؟ ج- لا أحب عبارة ''الأيسر المزعج''؛ وأفضل بدلا عنها الأيسر المكتمل.على النقيض من الشخص الأيمن، الفالِج، بقيت طيلة حياتي آخذا مطرقة بيد،في حين تمسك الثانية قلما. أعتقد، بصيغة ما، امتلاكي جسدا تامّا .لكن بالفعل، يتحتم على كل شخص أيسر التأقلم بشكل مستمر.أضطر مثلا، داخل قطار المترو،إلى المكوث مكتوف اليدين وأنا أدلي للمراقب بتذكرتي قصد دمغها.فاللغة شأن للشخص الأيمن. عندما يقال :"أتوجّه''،فهذا يعني حرفيا"سأذهب نحو الشرق''،بمعنى جهة اليمين. فالاتجاهات الإنسانية خاضعة لتقنين نظام يسمى اليمين.الكتابة نفسها تسعى من اليسار إلى اليمين، بحيث ترغم ذوي اليسرى على إخفاء- وغالبا تلطيخ- ما كتبوه بيدهم.كل هذا يوضح أنه تقع على كاهلنا قضية تأسيس ثقافي عميق.فالأشياء واللغة عموما وُضِعت من أجل أصحاب اليد اليمنى،مما يرغم أصحاب اليسرى على تبني وضعية ساخرة نحو العالم. س-أكدتم بأن إنسانية جديدة بصدد التحقق. وفق أي سياق تختلف عن السابقة؟ ج-نعيش اهتزازا ثقافيا مرّ حسب ثلاثة وقائع ضخمة. تشير الأولى إلى اختفاء طبقة الفلاحين.خلال القرن التاسع عشرة،في بلدان تقارن بلداننا،شكَّلت الساكنة 90% من المزارعين، مقابل0.8% حاليا.تبلور عالم القرويين هذا منذ العصر الحجري الأخير.نعيش إذن نهاية هذه الحقبة.لم يعد هناك شيء أكثر أهمية بالنسبة للتاريخ الإنساني، لأن عالم الفلاحين اختلف كليا عن عالم أفراد المدن. الانقلاب الثاني،ديمغرافيا. حينما ولدت سنة 1930،قارب عدد سكان الأرض بالكاد ملياري نسمة. حاليا، أوشكنا على بلوغ ثمان مليارات.فهل علمتم،عبر التاريخ،حياة بشرية معينة،تضاعفت مرتين؟كانت الأرض فارغة؛بينما اليوم ممتلئة نتيجة ارتفاع مؤشر الأمل في البقاء.معدل لم يكن يتجاوز 32 سنة، حينما عقد قران  والدة ووالد جدّتكم،في منطقة دوبيغور(الفرنسية).لقد عاهدتْ على الإخلاص لمدة خمس سنوات ! بينما راهنا،عندما تتزوج ابنتي الصغيرة،فسيمتد وفاؤها لخمسة وستين سنة.إنها ليست نفس الزيجات،ولا ذات الحياة ! أخيرا،حدث انقلاب ثالث ابتداء من سنة 1995 مع ظهور تقنيات جديدة. فالقطيعة عامة وذاتية في الوقت نفسه،لأنها خلقت انقلابا على مستوى مِهَنِنا،وكذا طريقتنا في الحصول على المعلومة،ثم علاقتنا مع الطبيب وكذا المسؤولين السياسيين.  س- حددتم حقبتنا باعتبارها ''فترة ناعمة'' ماالذي يبرر تفاؤلكم هذا؟ ج-يعتبر تفاؤلي، تفاؤلا نضاليا.طبعا ليس كل شيء ورديا،ولا نعيش بالتأكيد حكايات السيدة تارتان، حيث كل شيء قشدة طرية ولوز محلى.ستصادفون دائما أجدادا يتأففون كي يخبروكم  أنّ الوضع كان أفضل سابقا.أنا عشت تلك الحقبة،أشرف على أمورنا خلالها شخصيات  من صنف هيتلر، ستالين، فرانكو، موسوليني، ماوتسي تونغ، تشاوتشيسكو،خلفوا ثمانين مليون قتيلا.بينما اليوم،نتمتع بحظ غير عادي يتمثل في كوننا نحيا غاية عمر الخامسة والثمانين وسط عالم هادئ؟وهذا ما ينطبق على حالتي! يتمثل المهم بالنسبة إلي، في توليد هذا العالم الجديد، والمجتمع المغاير الماثل أمامنا ونجابه كثيرا من الصعوبات في سبيل جعله يلد.هنا تتجلى مهنتي :فأنا المولِّدة.هكذا تعريفي للفلسفة.ينبغي على الفيلسوف الاشتغال ليس فقط من أجل خلق العقول الفردية،مثلما تصور سقراط،بل المجتمع المستقبلي.لذلك،لايحق للمرأة القَابِلة الاتصاف بالتشاؤم.بل حرصها  على أن تمر الولادات الجديدة في ظروف حسنة. س-ماهي مشاريعكم المعرفية مستقبلا؟هل أنتم على دأب التفلسف غاية النهاية؟ ج- حتما !فالاسكافي يستمر في صنع أحذية حتى اللحظة الأخيرة.أشتغل حاليا على فلسفة للتاريخ.فماذا يعني،بالنسبة لفيلسوف،أن يتقاعد؟والتوقف عن التفكير؟إن وجد شيء مذهل في مهنتي،فالأمر يتعلق بهيمنة واستمرار سعادة التأمل.ببساطة،هي إحدى مباهج الحياة الأكثر إثارة.      سؤال تقدم به باستيان بابيBabi،تلميذ يبلغ عمره ستة عشر سنة،يمارس الآن تدريبا داخل مقر مجلة العلوم الإنسانية : س- كنتُ شغوفا جدا بالتكنولوجيات الرقمية حد الاستلاب، ثم عاودت الرجوع إليها مؤخرا رويدا رويدا. ما العمل صحبة أفراد جيلي حتى لا تجرفنا كليا العوالم الافتراضية؟ ج-قبل الخوف من التقنية،يلزمنا التساؤل حول مبررات تفوقها. لماذا بلغت تقنيات الافتراضي هذا المستوى من النجاح؟الجواب في غاية البساطة : الإنسان نفسه كائن افتراضي. يقضي أهم وقته في الاستيهام، الحلم، التخيل. نستحضر مثلا إيما بوفاري (رواية مدام بوفاري )التي تمثلت الحب جل الأوقات خياليا أكثر من الواقع.كما الشأن بالنسبة لنا جميعا. لم تعمل التكنولوجيات الجديدة سوى على تبني هذا النزوع الطبيعي الرائع لدى الإنسان كي يحلم بعوالم أخرى ثم سعيه إلى تغيير عالمه.بالتالي،من غير المجدي توخي مقاومة ذلك. فالافتراضي ميزة الإنسان ومفتاح بقائه.  ..................... *مصدر الحوار : Sciences Humains : numéro 274.septembre-octobre ;2015.        [post_title] => حوار مع ميشيل سير: التفكير سعادة عميقة [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d9%85%d9%8a%d8%b4%d9%8a%d9%84-%d8%b3%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d9%83%d9%8a%d8%b1-%d8%b3%d8%b9%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%b9%d9%85%d9%8a%d9%82%d8%a9 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-03 18:59:35 [post_modified_gmt] => 2019-07-03 18:59:35 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31025 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [52] => WP_Post Object ( [ID] => 31022 [post_author] => 837 [post_date] => 2019-07-03 18:48:16 [post_date_gmt] => 2019-07-03 18:48:16 [post_content] => د.مصطفى عطية جمعة       تمثل السيميائية قمة نتاج التطور في مسيرة رولان بارت النقدية، ففيها يتحرر من قيود النقد البنيوي الشكلي المنحصر في النصّ وحده، ويغلق الأبواب والمنافذ على النّص، فتبنّى المنهج السيميائي، الذي يوفّر له حرية أكبر في تفسير ما وراء الدّال والمدلول والدلالة ويجعل‏ النّص أكثر انفتاحا على اللغة والعالم، ويرى فيه تحوّلاً لامحدوداً للمدلولات، من خلال تحرّك الدّال الذي ينطلق بطاقة غير محدودة، ولذلك فهو غير قابل للانغلاق أو التمركز، وفيه تحقّق النّص حدّاً غير قابل للتحجيم من الدلالات الكليّة، لأنه مبنى على الاقتباسات المتداخلة مع النصوص الأخرى، ومن الإرجاعات والأصداء، ومن اللغات الثقافية، ولذلك فإن النّص يستجيب للانتشار والتوسع. وهنا لايعود المؤلف رمزاً لأبوّة النّص، ولايعود البداية ولا الغاية، وإنما يعود المؤلف إلى نصّه كضيف فقط، لأن النّص أصبح مفتوحاً على الدلالات، وأصبح كل قارئ ينتج نصّه الذي يبنيه على النّص الماثل. بيد أن بارت حين وجد المنهج السيميائي ([1]).      في رؤيته السيميولوجية، يؤكد بارت أن كثيرا مما حولنا يمكن أن يكون نصوصا سيميولوجية، بمعنى أن كل ما نراه في مجتمعاتنا في الملابس والميديا وسائر الإنتاج المرئي ( في التلفزيون والسينما والصحف والإعلانات )، فكلها نصوص قابلة للتأويل، والتعبير عن المجتمع وتوجهاته وآرائه ومقاييسه، وبهذا نستطيع قراءة المجتمعات من خلال ما يتبدى منها من علامات مرئية رائجة، بل يمكن النظر في أوجه التشابه والاختلاف بين المجتمعات من خلال السيميائيات المشتركة، فيما يسمى الهوية “Identification " التي تتيح لنا قراءة المجتمعات المعاصرة من خلال أمثلة الميديا ([2])، وبذلك يقدم بارت أفقا جديدا في قراءة العلامات البصرية، واعتبارها نصوصا ينبغي قراءتها في أطرها المجتمعية والنفسية الجمعية. تلك الرؤية التي نجدها في مرحلته البنيوية، وهو ينظر إلى القصص ويجدها متحققة في مواد مختلفة: شفاهية أو مكتوبة، ويمكن أن تعتمد على الصورة الثابتة أو المتحركة، أو تعتمد على الحركة، وعلى الاختلاط المنظم لكل هذه المواد، وهي حاضرة في التاريخ والأسطورة والخرافة وحكايا الحيوان، مثلما هي حاضرة في مرئيات كثيرة معبرة مثل اللوحة التشكيلية والمسرح الإيمائي والصورة الملونة، وفي كل واجهة عرض زجاجية..، في كل الأزمنة والأمكنة ([3]).    مما يعني إدراكه المبكر أن العلامات جزء أساس من منهج الإنسان في التعبير، أيا كانت الرسالة المتوخاة منه، ولكن تظل المرئيات سبيلا لفهم المجتمع ككل، والوقوف على كثير من ثقافته ومدركاته، وهذا لب ما بعد البنيوية، وإن كان بارت لم يستخدم المصطلح نهائيا في أعماله، ولكنه حاضر في كتاباته المتطورة، مما يجعله ليس ناقدا ومنظّرا للأدب وحده، وإنما للمجتمع أيضا، وهما حقلان متمايزان إلى حد ما، ولكن بارت أدرجهما ضمن لائحته السيميولوجية العامة، مما يجعلنا نصف أعمال بارت منذ فترة مبكرة بأنها ذات طبيعة سوسيولوجية نوعية ([4]).    أيضا، فقد نظر إلى اللغة على أنها تصبح في خدمة سلطة بعينها، بل تكوّن أحيانا نظاما لغويا فاشيا، لأن الفاشية ببساطة ليست هي الحيلولة دون الكلام، وإنما هي الإرغام عليه. وأن اللغة لابد أن ترتسم في خانتين: إما في خانة نفوذ القول الجازم، أو في خانة التكرار والجزم، بكل ما فيها من سلطة تقريرية تنطق بالحقائق والمؤكدات، مع مفردات النفي والشك وتعليق الحكم وغير ذلك. وتكمن المأساة في أن الفرد / الأديب مجبر أن يلوك / يتكلم وفق المتعارف عليه لغويا في المجتمع، فيما يسميه بارت " عبودية الدلائل "، ومن هنا يعود إلى مفهومه الواسع للحرية، ليشمل الانفلات من قهر اللغة وسلطويتها، وعدم الخضوع لمنطقها الدلالي، وأنه لا مكان للحرية إلا خارج اللغة، مع الاعتراف أنه لا معنى للخارج عن اللغة، فلا يمكن الاستغناء عنها نطقا وكتابة، فهي في النهاية انغلاق ([5]).    لقد أدرك بارت مبكرا انغلاق اللغة وسلطوية نظامها الدلالي، وظل على هذه القناعة منذ نهجه البنيوي حتى وصوله لما بعد البنيوية، وكان هذا دافعا له للنظر إلى جوانب أخرى ناقلة للدلالة، تتبدى في سائر العلامات المنتجة من الإنسان.    وإذا كان قد عاد إلى الإقرار والتسليم بأنه لا مناص من اللغة، فإنه يقدم رؤية تقدمية للأدب، محورها أن الأدب هو: الخدش الذي تخلفه آثار ممارسةٍ هي ممارسة الكتابة. أما النص فهو: نسيج العلامات والدلائل التي تشكل العمل الأدبي. ومادام النص هو ما تثمره اللغة، وما دامت اللغة ينبغي أن تحارب داخل اللغة، بفعل الدور الذي تقوم به الكلمات، من أجل خلخلة اللغة، وتقديم علامات ودلالات جديدة ([6])، مما يعني أن دور الأديب لغويا ونصيا – بجانب أدواره الأخرى – التحرر من هيمنة الدلالات السلطوية الشائعة، ومن ثم تحطيمها وتقديم دلالات جديدة، تحرر اللغة من سيطرة سابقة مفروضة عليها، وتنتج نظاما دلاليا جديدا، قوامه الحرية، التي مارسها المبدع من خلال لغته وفكره، وأشرك قارئه في هذه الممارسة عندما منحه جديدا في منظومته اللغوية ليتحرر من المتوارث.     علينا هنا أن نتوقف عند نقاط عديدة تعد ملامح في مسيرة بارت النقدية والتي يمكن أن نفهم توجهاته ما بعد البنيوية، والتي تكونت من خلال تأملاته الطويلة في اللغة والنصوص والمجتمعات والثقافات، الهادفة لمزيد من المعاني العميقة: أولا: انفتاح رؤية بارت اجتماعيا وثقافيا، متجاوزة الأطر النصية المدونة من ناحية، وتخطيها المؤلف الفرد من ناحية أخرى، لتقرأ ما وراء الفرد وهو المجتمع الإنساني الذي ينتج ويستقبل العلامات من قبل أفراده. ثانيا: تخطي بارت لفكرة النص المكتوب إلى ما هو مرئي ومتداول فرديا كان أو جماعيا، والتعامل مع سائر الأيقونات والعلامات المنتجة بوصفها نصوصا معبرة عن أفكار ورؤى ومشاعر واتجاهات وتوجهات سوسيوثقافية.    وعلى حد قوله: فإن كل صورة  بمعنى ما هي حكاية، ويستطيع درس السيميولوجيا أن يكون عونا لكثير من الميادين والمجالات المعرفية، معترفا أن السيميولوجيا منهج لإدراك الواقع، ولكنه ليس إدراكا مباشرا ([7])، وإنما إدراك عبر علامات يتم تفسيرها ومن ثم تحليلها وفهم شبكة علاقاتها المتداخلة. ثالثا: أنه تبنّى بحماس - ومنذ كتاباته المبكرة - فكرة الأسطورة، التي تعني دراسة المضامين الإيديولوجية لمختلف الأنشطة الإنسانية التي تحفز النقد الاجتماعي عندما يلتقي بطروحات سوسير اللغوية عن العلامات، ومقولات سارتر، وأعمال بريخت ومفاهيمه المسرحية، وأيضا فلسفة ماركس، ومن ثم تحول هذه الأنشطة إلى سلسلة من اللغات، تساهم في فهم أعمق للمجتمع الإنساني ([8]).     وهذا ما دفع البعض إلى النظر إلى ما بعد البنيوية عند بارت بأنها تنظر إلى ما هو جماعي مجتمعي، في إطار بحوثه السيميولوجية، فهي أشبه بالقنبلة النيوترونية التي تقتل الأشخاص وتترك المنشآت سليمة ([9])، بمعنى أن النص – في تعريفه السيميولوجي - لا يفهم إلا في إطار اجتماعي ثقافي، ولا يتوقف عند الكاتب فحسب، وما استخدام القنبلة النيوترونية إلا بدلالة إيجابية على قدرة " بارت " على إعادة قراءة البشر نصيا، أو قراءة النص في إطار بشري واسع، وليس بمعناه السلبي بأنه نسف لما هو بشري، وإبقاء المادي، بل نسف التصورات المعهودة عن جماعة بشرية ما، وإعادة قراءتها سيميولوجيا، وتشريح السيميولوجيا دلاليا.    وهو يركز في هذا الشأن على " اجتماعية الأدب "، الذي يعني الطابع الخصوصي والمكاني للأدب، فالأدب له لغته الكونية، وفي نفس الوقت لغة خاصة، لها جذورها الاجتماعية / المكانية ([10])، التي لابد من دراستها. ونفس الأمر ينطبق بالتبعية على العلامات الاجتماعية والثقافية في المجتمع. على نحو ما نجده في كتابه المعنون بـ " نسق الموضة Fashion System "، وفيه تحليل واف لأبعاد الموضة في حياتنا وكيف أنها تعبر عن المجتمع الذي يستقبلها، ويتفاعل معها بالارتداء والاستخدام ويساهم بشكل مباشر في انتشارها. فالموضة هنا في النهاية علامات منتجة من قبل أفراد / مصممين، يدركون توجهات المجتمع وثقافته، والجديد فيه. وقد استخدم في هذا الكتاب ملابس النساء وقام بتقديم تحليل واف عنها، شمل الوصف الدقيق لها، ومن ثم تبيان علاقتها بالمعاني في حياتنا على مستوى رسائلها التواصلية والتغيرات التي تطرأ عليها، وتطرق في كتابه إلى علاقة الكلمة بالأشياء، وتوقف بالتحليل عند الكتابات المدونة على الملابس، وقرأها بوصفها نسقا تكامليا يعبر عن ثقافة المجتمع، بل رصد أبعاد البلاغة في الكتابات المدونة وغيرها من الإشارات ([11]).     وبالطبع فإن تحليل " بارت " للموضة، يكون في المجتمعات المتمتعة بالخصوصية الثقافية، بمعنى أنها تحافظ على خصوصياتها الثقافية ضد التغلغل الثقافي والاستلاب الفكري والحضاري، مثل تحليله للمجتمعات المعاصرة: الحداثية والتي لا زالت تقليدية، بما فيها من أزياء. أما الآن، فإن كثيرا من الموضات تصنع في العواصم الغربية، وفق فلسفاتها ورؤاها، ومن ثم يتم تصديرها واستيرادها من قبل الشعوب الأخرى، التي تكاد تمحى فيها الخصوصية الثقافية نتيجة طوفان العولمة. خاصة أن الحدود تلاشت، والمسافات تقاربت، وتشابهت المدن والعادات والمباني بشكل كبير، وأضحى إنسان العولمة يكاد يكون متلاشي الجذور والهوية. وبعبارة أوجز: لن نستطيع تحليل علامات مجتمع ما، يعاني من الاستلاب الحضاري. وتلك رسالة عكسية، لنلتفت إلى جذورنا التي تميزنا حتما.    وبذلك يكون بارت قد توصل إلى ما بعد البنيوية ضمن أطر علمية قوامها السيميولوجيا، واجتماعية الأدب، والفهم المكاني / الثقافي /  الإنساني للعلامات. ويمكن القول إن رولان بارت لم يكن ناقدا فحسب، بل كان مبدعا من خلال كتاباته النثرية والبلاغية التي قدمها للقراء، تاركا طبيعة التصنيف للقارئ ذاته، كما في كتابه شذرات من خطاب العشق، ذي النهج البلاغي المتميز في إعادة اكتشاف نصوص عن العشق والعشاق، لم يجمع بينها إلا مشاعر سامية، وبلاغة راقية. ومارس أكبر درجات الحرية مع القارئ حيث تركه يحاور النصوص ويستنطقها دون تدخل منه أو إرشاد نقدي. وقد تجلى قمة إبداعه فيما انتهجه في السيميوطيقا، واتساع مفهومها ونصوصها لديه، فقد تخطى المدون إلى المرئي، والمسطور إلى المنطوق، وبنى على طروحات دي سوسير وماركس وسارتر وبريخت ولاكان حول النقد الاجتماعي والنفساني من أجل فهم أعمق للمجتمع والإنسان. ...................... [1] ) النقد الحر عند بارت، النقد الحر عند رولان بارت، محمد عزّام، مجلة الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، العدد ( 350 )، يونيو 2000م، ص104 [2] ) Analysis of the Concept of Identification in Nowadays Media, Laura Krasovska, 05.12.2006.P2-4 [3] ) المدخل إلى التحليل البنيوي للقصص، رولان بارت، ترجمة: منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري،بيروت، 1993م، ص25 [4] ) رولان بارت، بقلم: أنيت لافرس، ترجمة: حسام نايل، ضمن موسوعة كمبريدج في النقد الأدبي، من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية، تحرير: رامان سلدن، المجلس الأعلى للثقافة، مرجع سابق، المجلد الثاني، ص217. [5] ) درس السيميولوجيا، درس السيميولوجيا، رولان بارت، ترجمة: عبد السلام بن عبد العالي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط3، 1993م، ص13 [6] ) المرجع السابق، ص14 [7] ) درس السيميولوجيا، مرجع سابق، ص25 [8] ) رولان بارت: مقدمة قصيرة جدا، جوناثان كولر، ترجمة: سامح سمير فرج، مؤسسة هنداوي للنشر، القاهرة، ط1، 2016م.، ص64 [9] ) السابق، ص224. وكتاب نسق الموضة نشر في فرنسا عام 1967م . [10] ) درس السيميولوجيا، مرجع سابق، ص36 [11])The Fashion system , Rolan Barths , Translated by: Mathew Ward and Richard Howard, University of California Press Ltd. London England.1990. PP 27-55 [post_title] => آفاق السيميولوجيا عند رولان بارت [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%a2%d9%81%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d9%85%d9%8a%d9%88%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%8a%d8%a7-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d8%b1%d9%88%d9%84%d8%a7%d9%86-%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d8%aa [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-03 18:49:31 [post_modified_gmt] => 2019-07-03 18:49:31 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31022 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [53] => WP_Post Object ( [ID] => 31019 [post_author] => 848 [post_date] => 2019-07-03 18:38:54 [post_date_gmt] => 2019-07-03 18:38:54 [post_content] => أو.هنري ترجمة: عبير الفقي الشخص الذي يقوم بكنس هذا المكتب، ويترجم المراسلات الدولية، ويجري الاتصالات، هو من خريجي كليات الأعمال، ويقوم بغالبية ـمور الكتابة لهذه الصحيفة ، وقد احتجز خلال الأسبوعين الماضيين أسفل غطاء كبير أحمر، مع تيبس في الاعضاء بسبب اصابته بالانفلونزا والحصبة. لقد تأخرنا عن إصدار عددين من ”الرولينج ستون”، والآن نحن في طريقنا للتعافي قليلاً، وهو ما يجعلنا نرغب في الاعتذار والتعبير عن أسفنا. لذا سيتم تمديد فترة الاشتراك للجميع بما فيه الكفاية لتغطية جميع الاعداد التي لم تصدر، ونأمل قريباً أن نبلغكم أننا مازلنا نمارس نشاطنا بشكل مناسب. فكل من حاولوا إدارة صحيفة فكاهية والترفيه عن طائفة كبيرة ممن أصابتهم الحصبة في ذات الوقت سيفهمون شيئا عن اللباقة، والجودة، و شاي "ساسا فراس" الساخن  وهي أشياء مطلوبة  للقيام باداء ذلك. إننا نتوقع إصدار هذه الصحيفة بانتظام ، لكننا مضطرون للحذر جداً، وذلك أن العلاج غير المناسب والآثار الضارة للحصبة، جنبا إلى جنب مع ارتفاع سعر الورق وصعوبة العمل الصحافي، من المعروف أنها اشياء تسبب الانتكاسة. لذا فإن أياً من الأشخاص الذين لا يحصلون على صحيفتهم بانتظام المرجو منهم الحضور لتفقدها ، محضرين معهم القليل من اللحم أو قليل من اللياقة التي يتذوقها المقعدين. ............. *عن الكاتب: أو.هنري هو الاسم الذي أطلقه على نفسه الكاتب الأمريكي وليام سيدني بورتر (11 سبتمر 1862 ـ 5 يونيو 1910) . اشتهرت قصص أو. هنري القصيرة بخفة الدم والسخرية، وإطلاق النكت ورسم ملامح لشخصياته بصورة دافئة ونهايات ملتوية بارعة. صور في قصصه القصيرة التي يختلط فيها الهزل بالجد حياة الناس العاديين في مدينة نيويورك، ومن هنا عدت وثائق اجتماعية هامة. من أعماله: “الملايين الأربعة ” “هدية المجوس” ” الكرنب والملوك ” ” المصباح المزركش” 1907 ” قلب الغرب ” 1907 ” صوت المدينة” 1908 ” طرق المقادير” 1909 ” العروض” 1909 ” عمل ليس إلا” 1910 ” أعاصير“ 1910 وبعد وفاته صدرت له ثلاث كتب : ” البستاني الرقيق “. ” الحجارة الدوارة “. ” أبناء السبيل “. [post_title] => اعتذار [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%a7%d8%b9%d8%aa%d8%b0%d8%a7%d8%b1 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-03 18:38:54 [post_modified_gmt] => 2019-07-03 18:38:54 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31019 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [54] => WP_Post Object ( [ID] => 31017 [post_author] => 847 [post_date] => 2019-07-03 09:17:56 [post_date_gmt] => 2019-07-03 09:17:56 [post_content] => حسني حسن (1) كان موت عمي، الوحيد، وأنا في سن السابعة عشر عاماً، أول لقاء جدي لي مع الموت. بالطبع كانت للموت زيارات، ثقيلة مزعجة، قبل مجيئه لفلك العائلة على ذاك النحو الجدي الصادم، لكنها، وفي مجملها، كانت زيارات مقبولة ومنطقية؛ فموت الجدود، وبرغم قسوته بأعين الأحفاد، يلوح للأخيرين طبيعياً وكأنهم ماضون في سفرة طويلة لشأن، غير معلوم، من شؤونهم الغريبة الكثيرة. أمَا موت عمي، أياماً معدودات قبل إعلان نتيجة الامتحان في الثانوية العامة، بحادث سيارة قرب مدينة "أبو حمص" على الطريق الزراعي للإسكندرية، فقد فتح عيني بقسوة، وللمرة الأولى بحياتي القصيرة، على ما يعنيه الموت حقاً من انقطاعٍ وتلاشٍ صادمين، مهما تعمق الإدراك النظري المُسبق بحتمية وقوعه. نتفٌ من صور وذكريات حزينة ترسخ بالشعور، لا تزال، حول تلك الأيام المشحونة باللوعة وبالبكاء. لكن الصورة، الأبقى والأبهى، تظل دائماً صورته وهو داخل علينا صباح كل يوم جمعة، على التاسعة تقريباً، لتناول إفطاره مع الأسرة، قبل توجهه إلى ورشته القريبة لدهان السيارات. سيلُ من الحكايات والنكات والتعليقات، الجادة والمعابثة على السواء، يتحدر من بين شفتيه، مضفياً على قتامة صبح الجمعة مسحةً من إشراقٍ وحيوية وشباب، عشت سنيناً بعدها أفتقدها. كان يصغر أبي بأقل من خمسة أعوام، وبالرغم من ذلك، فقد بدا لي، غالباً، كأخ ٍ أكبر، أكثر مما هو كعمٍ أصغر. وفي مواجهة صورة أبي، الصامت الرزين الوقور والمتألم، لاحت صورة العم أسطع وميضاً وأشد جاذبيةً، كشهاب حارق يمر، بالتوازي، مع مدار كوكبٍ ثقيلٍ منغلقٍ على طاقته المختزنة الرهيبة. بانتهاء الإفطار، ينهض الجميع ليقوم كلٌ بما هو مطلوب منه خلال يوم العطلة الأسبوعية، الذي يستحيل يوماً لعمل ما لا نقدر على عمله طول الأسبوع: الإعداد للأسبوع التالي. دقائق أتجهز فيها بشنطة التسوق القماشية، ومن ثم أركض لسوق "الجبان" بشارع "كفر عصام" القريب، لشراء طماطم وبطاطس وخضار الأسبوع، وهي المهمة التي أظهرت براعةً في إنجازها حتى صارت، ولليوم، من مسؤولياتي العائلية الجِسام. عقب العودة من السوق، أتشارك مع أخي الأصغر في أداء مهمة تلميع جميع أحذية أفراد الأسرة بالورنيش، وذلك بعد أن تكون جدتي لأبي قد انتهت من كشط أوحال الشتاء من عليها. باقتراب الساعة من منتصف النهار، وعقب انتهاء فقرة الغناء الديني المعتادة بإذاعة " البرنامج العام"، وبانتقال ميكروفون الإذاعة لأحد جوامع مصر الشهيرة لنقل شعائر صلاة الجمعة، يغدو لازماً القيام للوضوء قبيل التوجه للزاوية القريبة عند تقاطع "طه الحكيم" مع "سعد الدين". أقوم للصلاة فاقداً، في أغلب المرَات، الحماسة التي أسمع أنها تدفع المؤمنين، دفعاً، لحث خطوهم باتجاه المساجد، وأظل أتطلع بناظري، خاصة خلال الخطبة، إلى زخارف السقف وجدران الزاوية، محاولاً التفكر في معاني الآيات القرآنية المخطوطة فوقها، جاهداً في ابتعاث واستيلاد الأحاسيس والأفكار الروحية الخارقة التي أومن بوجودها الكامن بسهب منسي غائر بتضاعيف الكينونة، ومستسلماً، في نهاية المطاف، لواقعة فشلي المتكرر بتحقق وعد التصديق الإيماني في روحي. عقب العودة من الصلاة، وبانتظار انتهاء أمي من إعداد الغداء وتطويق بلاط الشقة، يتبقى خوض محنة أخذ حمام الأسبوع، بالليفة والصابون والماء المُسخَن جيداً على نار وابور الجاز. حين تجلس الأسرة أرضاً، بكامل هيأتها، متحلقة حول "الطبلية" الخشبية، المستديرة ناعمة الملمس بفعل مرور الزمن الجميل من فوقها، يقوم أخي الأكبر بضبط جهاز الراديو، الموضوع إلى جانبه وحده كامتياز لبكري الأسرة، على موجة "الشرق الأوسط" لنتابع، صامتين، ما يطلبه المستمعون من أغنيات "عبد الحليم" و"صباح". وفيما بين الثانية والثالثة من بعد ظهر الجمعة، وعلى إيقاعات احتكاك الملاعق بالصحون وحركات الأشداق وهي تمضغ وتلوك الوجبة الدسمة اللذيذة، تروح مقدمة البرنامج، بصوت مرحٍ لعوبٍ ومتغنجٍ قليلاً، بقراءة أسماء أصحاب الإهداءات. ساعةٌ للسحر المنسل عبر أثير حميمي دافئ، مشبع برطوبة بخار الحمام، وبهواجس وأحلام وانتظارات، وبشئ، غير قليلٍ، من شجنٍ وأحزانٍ غامضة لا تبين، ولا تلين.  (2) بكيفية ما، أغدو حارس قبور. لا ضير، لكن الخوف، كل الخوف، أن ينقلب حراس القبور لنابشي قبور. هل لي أن أسأل عن الدوافع والغايات؟ في رهان الفن على ابتعاث الماضي، عبر تصويره جمالياً، فإنه يستهدف كسب معركة الخلود، متوهماً أن الحق إلى جانب دعاويه. لكن، أليس هذا، وبالضبط، هو أيضاً رهان الدين؟ أعني الرهان الإنساني بمواجهة واقعة عرضية الوجود الإنساني وتناهيه المحتم؟ بطبيعة الحال. والسؤال هو ذات السؤال: كيف يتسنى للإنسان استعادة ما كان، في أفق حاضر لا نهائي، ومستقبل يتجاوز، بالطموح وبالجنوح، قدرية ومحدودية الزمن، مهما كان امتداده أو سعته؟ في زيارتي، قبل الأخيرة، له بمرقده في معهد أمراض الكبد "بشبين الكوم"، هالني انتفاخ بطنه بسبب الاستسقاء الذي كان قد بلغ مداه. ملت على رأسه وقبلته، شاعراً بالغم، ومحاولاً حبس دموعي. رحت أبتعث، من قبو ذاكرتي، نحو خمس وثلاثين سنة عرفته خلالها متأبياً، وبرغم اليأس العقلي، على الاستسلام للضعف وللتلاشي. أخذ يلح على ضرورة خروجه الفوري من المستشفى، ورجوعه للبيت ليموت هناك بسلام. سألته غير جادٍ: - ولماذا تعتقد أنك ستموت الآن؟ - لأني أحس بدبيبه في داخلي. زفر بهدوء وبتسليم لا شبهة فيه للإشفاق على الذات، قبل أن ينهرني لائماً: - لا تردد، كالحمقى، ما يقوله الحمقى، في مثل هذه المواقف الحمقاء. - ستخرج، وسنسافر للإسكندرية، وستعيش عشر سنوات أخرى على الأقل. أشاح بوجهه عني هذه المرة، وأدار لي ظهره، فأدركت، على الفور، أن المباراة قد انتهت، وأن الهزيمة قد نزلت، ولا عزاء لا للرثاء، ولا للبكاء، وطالبت نفسي بالتجهز لملاقاة المحتوم. كان قد سبق لي، قبلها بنحو ربع قرن، أن وقفت على رأس أبي المُحتَضر لثلاث ليالٍ طويلة. حقيقة الأمر، أن احتضار أبي كان متواصلاً قبلها بعشر سنوات، على الأقل. وحين أفلح، أخيراً، خليفة الشيخ البدوي في إرغامه على بيع ورشته له، بعد نجاحه في استصدار قرار إداري من المحافظ بالغلق، رأيت تهدم أبي العاجل بأم عيني. لم تكن جلطة المخ، ولا فقد القدرة على النطق والشلل النصفي،هي الأسوأ، بل رفض الحياة. ورويداً رويداً، وبالتعارض مع تحسن نسبي طفيف في حالته العضوية، راقبته وهو يرعى بداخله رغبته الاستعجالية في الذهاب. لم يكن قادراً على أن يقول لي بكلمات، ما قاله صديقي ومعلمي بعد خمس وعشرين سنة: - وما الذي تعدني به الحياة بعد؟ لكنه قالها، بأسلوبه وعلى طريقته الصامتة، وسمعتها. حقاً؛ ما الذي تعدنا به الحياة بعد؟.  (3) في المعرض السنوي للكتاب بأرض "كوته"، أمر، مسرعاً، على تلك الأجنحة التي تعرض الكتب الدينية وروايات الشباب، العاطفية والمرعبة، الأكثر مبيعاً. أقدر على تمييزها، من على بعدٍ، بسهولة؛ هي، عادةً، الأكثر ازدحاماً. لا أعرف سر توقفي، المفاجئ، اليوم أمام جناح مكتبة "دار الكتاب المقدس" التي تعرض نسخاً، مختلفة الأشكال والأحجام، بالغة الأناقة، شديدة الرخص، من الإنجيل. ربما ابتسامة الفتاة العشرينية، ذات البشرة الحنطية المعهودة، والشعر الأسود الثقيل الطويل المفرود على ظهرها. ربما رغبتي المنسية، التي ابتعثت بغتة في التحصل على نسخة جديدة من "الكتاب المقدس" لتعويض نسختي الأصلية التي أهديتها لصديق كان يبحث عن نسخة. أو ربما دافعٌ ما أعمق من ذلك بكثير، دافع مزوي وسري. مددت يدي لالتقاط نسخة، صغيرة الحجم، بذات الحجم، من كتاب "العهد الجديد والمزامير". سألت الفتاة عن ثمنه، فأجابت أنه بخمسة جنيهات. نقدتها الثمن، وأخذت الكتاب الذي طالما قرأنا بعض فقراته، معاً، من نسخة أخرى، قديمة ومماثلة، منذ أربعين سنة، أو أقل قليلاً. كانت نجوى، قد أهدتني، في نهاية رحلة الطلبة الفائقين الأوروبية، نسختها من الكتاب الذي تعلقت به، إلى حدٍ ما، طوال الأسابيع الثمانية التي أمضيناها بالتجوال عبر بلدان أوروبا الغربية في خريف العام 1980، ليرافقني الكتاب، ولأحتفظ به على رأس مكتبتي الكبيرة، حتى هدم البيت القديم، واضطراري لتكديس آلاف الكتب وخزنها في شكائر. - حتى تتذكرني كلما قرأت فيه. كانت صعيدية من أسيوط. تتحدر من أسرة ميسورة يعمل معظم أبناؤها، وبناتها، بالطب. وكانت هي، وقتها، آخر منتسبي تلك الأسرة من الداخلين لسلك العلاج والتطبيب. رأيتها، طوال الأسابيع الثمانية، في السروايل "الجينز" و"البلوزات" البسيطة المتقشفة التي تشبه "القمصان الولادي"، وفي شعرها الأسود، الفاحم الثقيل، المنسدل، بحرية، على كتفها، أو المعقوص، ببساطة، على هيئة ذيل الحصان. كانت ضحكتها صريحة، وعيناها مشروطتان، قليلاً، كالآسيويين. ولمَا رأتني لا أكف عن تدوين مذكراتي وانطباعاتي حول الأماكن التي نزورها، والبشر الذين نلتقيهم، سألتني: - وماذا تكتب عنَا؟ ماذا تكتب عني؟ - أكتب عن صبية صعيدية قبطية جميلة، تعجبني ولا أفهمها. بين الحين والآخر، وأثناء تجوالنا بالكاتدرائيات الضخمة والكنائس القديمة الشهيرة، كانت تحرص على أن تهمس لي، محذرة: - لا تصدق تماماً، فخلف تلك الفخامة والضخامة تواريخ من الشقاء والألم. وكنتُ أتحير لأقوالها، متسائلاً عما تعرف هذه المراهقة الصعيدية عن الشقاء والألم اللذين تهرف بهما. طبعاً قالت لي، ذات مرة، إنها إنجيلية، غير أني لم أعرف وقتها، حقيقة، ما الذي يعنيه ذلك بالضبط. كانت، بالنسبة لي، قبطية كأية قبطية أخرى، وما كنت قد اطلعت، بعد، على تاريخ الحروب الدينية والمذهبية، الدموي، في أوروبا. لكن، هل لذلك كله أهمية هنا؟. أتذكر أننا كنا راجعين، مساءً، من سفر بري شاق بالحافلة، بعد زيارتنا لعددٍ من القلاع والقصور التاريخية بوسط "فرنسا"، إلى "باريس". كان الظلام سائداً في الباص، وغلب النعاس معظم الزملاء والزميلات بسبب الإرهاق من التجوال. كنت أجلس، وحدي، بأحد المقاعد الخلفية، شاعراً، ولسبب ما لا أعلمه، بالانسحاق الشديد، حين لاحت لعيني المدينة العظيمة، بأنوارها ولؤلؤها، تتلوى بأسفل التلال التي تمضي فوقها سيارتنا، والتي تحيط بقلب العاصمة، وبأطرافها، كقدر تراجيدي لا فكاك منه. ومن دون مقدمات إضافية، لقيتني أبكي بصمت، وشرع جسدي في الارتعاد المتشنج الخفيف. أرحت رأسي على زجاج النافذة محاولاً استعادة سيطرتي على نفسي. فجأة، ومن دون صوت، أحسست بها على المقعد الشاغر جواري. أخذت تربت بيدها على يدي، ثم رفعت كفي إلى فمها، وطبعت عليها قبلة، سريعة وجلة، أحسست معها بلسعة دمعة ساخنة تساقطت من مقلتها، قبل أن تنهض، مجدداً، راجعةً لمقعدها. خلال الأيام القليلة التالية، والتي تبقت أمامنا قبل العودة لمصر، لم يجرؤ أينا على الإشارة، من قريب ولا من بعيد، لذلك المشهد الطقوسي الغريب، ولا حتى اجتراح محاولة بعثه إلى مستوى الوجود المُعاش. بطريقة ما، أدركنا، كلانا، أنها كانت واحدة من تلك اللحظات المتخارجة على طبيعة الإنسان الزمانية، وأن الاجتراء على ثلم قدسيتها بالكلام، أو حتى بالإشارة، لنوع من الكفر والجحود، ومن ثم فمن الأفضل أن يتم تصنيمها، أو دفنها، ولما كنا من بين الباحثين عن الإيمان، فقد اخترنا عقيدة الدفن، ربما آملين، بشكل مقلوب على ذاته، بشكل أشد التواءً وأعمق إيلاماً، أن تبعث من قبرها في يومٍ ثالث ما، وبحسب الوعد. وهكذا، لم يقيض لي أن أعرف شيئاً عن نجوى، طوال الأربعين عاماً الماضية، ربما لأن أيام القبر الثلاثة لمَا تنصرم بعد.  (4) تُصر زوجتي على القول إنها لا تكره تعبيراً، يُلح عليه الناس إلحاحاً غريباً، قدر كراهيتها لتعبير "الزمن الجميل"، فأوافقها وأشاركها الكراهية. واقع الحال، أني لا أفهم، جيداً، ما يعنونه بالإشارة إلى الزمن الجميل، ويلوح لي أنهم يشيرون إلى كل زمنٍ قد مضى، فقط لكونه قد مضى. على المستويين، العام والشخصي، أدرك، بجلاء كلي، أني قد عشت أزماناً لم يكن الجمال ديدنها، ولا وصفها، حين عشتها. كانت أزماناً لها ما لها، وعليها ما عليها. كانت أزماناً طبيعية. وفي أغلب الأوقات، كان ما عليها أكثر مما لها، وبما لا يقاس. الغريب أننا، وحين استعادتها، بالذكريات وبالتوهمات، نلقى أنفسنا متورطين في ارتكاب جريمة الحنين؛ أعني التكبير المجهري، الكاذب، لشعيرات الخيال الدموية الدقيقة. والعلة؟ ربما لا شئ أبعد من رعب التمزقات الذي يعصف بقواعد الوجود البشري، لا شئ أكثر من ارتجافة الطموح، والتوق للخلود، لدى ذاك السعدان العاري، الذي أدمن النظر إلى النجوم، والحلم بلا نهائيتها المرعبة المغوية. لم يكن أبي، ولا عمي، ولا صديقي، ولا نجوى، ولا حتى زوجتي أو أنا، إلا محض خيالات ترتسم، بتهكمٍ قدري، على صفحة وجود، هزلي عابر، يجهد ذاته لاختراع معنى ما. ولأنه لا معنى لأي معنى، فسيكون من الغباء ألا نلقى العابر بالعبور، ألا نجابه الهزلي بالهزل.  (5) على المقهى القديم الرابض عند قدمي الميناء الشرقي، جلست أطالع كتابي، وأرتشف شايي الساخن. إلى الطاولة الرخامية المقابلة، ارتكن شيخ خمسيني جسيم يهاتف، بصوت عالٍ، محاميه، غير ملتفتٍ لأمر أن الحضور، جلَه، يتنصت بشغف مثير على مكالمته. بصوته حرقة شديدة ومرارة، وفي كلماته إشفاق بالغ على الذات، ورغبة مسعورة في الانتقام والثأر. - ترجع لبيت أبيها، للجُحر الذي خرجت منه، بملابسها فقط، كما جاءت بملابسها. مضى الشيخ يهدر بكلمات الوعيد، واصفاً لمحدثه كيف أنها، وبعد أن انتشلها من براثن الفقر والجوع، ليسكنها في شقة بمليون، تهزأ به، وتسخر منه، تخرج من البيت بمزاجها، وترجع لتكدره وتوبخه، ولتخبط على "بنورة السفرة" بقبضة يدها، قائلة: - براحتي يا جدو، أنا أخذتك بعيبك، وأنت أخذتني بحالتي. ثم تدخل لحجرة نومهما، تعطيه ظهرها كما يقول، فيضطر لسحب باطنية والنوم على كنبة الأنتريه. وكما يُنتظَر من رجلٍ مطعونٍ، بقسوة، في كبريائه الجنسي، أخذ يضرب بقبضة يده رخام الطاولة، على نحو أثار شفقة وازدراء الجالسين، لاعناً الزمن الذي لم يعد فيه شئ جميل، قبل أن يختتم مكالمته بالقول: - تصرف، وإلا سأقتلها. [post_title] => الزمن الجميل! [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d9%8a%d9%84 [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-03 09:17:56 [post_modified_gmt] => 2019-07-03 09:17:56 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31017 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [55] => WP_Post Object ( [ID] => 31013 [post_author] => 828 [post_date] => 2019-07-03 08:48:26 [post_date_gmt] => 2019-07-03 08:48:26 [post_content] => د. صلاح فضل مي التلمسانی روائية وناقدة واعدة، منقوعة منذ طفولتها في دنيا الفن والإبداع والكتابة. صدرت لها رواية أخيرة بعنوان ضارب في جذور الأسطورة «دنیا زاد » تمارس فيها لعبة التسمية المزدوجة لمخلوقاتها المحببة المهددة بالفناء. وهي إذ تقرر امتلاك زمام السرد بطريقة محدثة وعفوية، تحفظ لصوتها مقعدا منظما مستمرا، ثم تمنح المقعد الثاني لمن يجلس بجوارها أو تنساه شاغرا. في مطلع الرواية شغله زوجها الذي لا تسميه وإن كانت تصفه، ليحكى الأحداث ذاتها من منظوره الخاص، كما شغلته إحدى صديقاتها المقربات «نورا» ووضعت عليه مرة ثالثة حلما سوداویا شفيفا. المهم أنها حرصت في معظم الرواية على تقديم أصوات عديدة، تتراوح بانتظام مع ضميرها الأنثوي البارز، کی تخفف عن روحها ثقل التجربة التي تبهظ وجدانها، وهي تجربة «ولادة» شاقة ومهيضة لبنت «توفيت داخل الرحم نتيجة انفصال تام في المشيمة» كما جاء في تقرير الطبيب. لكنها لا تعرف ذلك للتو، انتظروا عليها يومين حتى تقوى على تحمل النبأ، كانت تعتزم تسميتها «دنیا زاد» على طريقة الأمهات المثقفات في اختياراتهن المفعمة بالبواعث الأدبية. تنحفر التجربة بعمق أيضا في ذاكرة المتلقي لصعوبة تكوينها، يتعين عليه متابعة الانتقالات الحادة لأصوات الرواية بمساعدة نمط توزيع السطور على الصفحات. النمط الكلى المعتاد تشغله الراوية الملتبسة بالصوت الأول. ثم لا يلبث أن ينقطع فجأة وتتشكل السطور بهامش أبيض عريض إيذانا بدخول الصوت الآخر. يستقر الفصل الأول على التراوح بين الزوجين، حيث لا تكتفي الرواية بتقديم عالم الأنثى بكامل تفاصيله ولون حساسیته، بل تضع قناع الرجل أيضا لتختبر طريقه تلقيه للأحداث وممارساته فيها، عندئذ تبرز المفارقات الطريفة بينهما. كيف يخفى عنها طرفا من الحقيقة حفاظا عليها. هنا يتجلى أمامنا مشروع الكاتبة بأبعاده النصية. إنها لا تكتفي باسترداد حقها في وصف عالمها الأنثوي  الحميم، وتحديد طبيعة حساسيتها الجمالية بالكون، مما يتطلب تسمية الأشياء بلغتها الخاصة، بل تمد وعيها ليستوعب الرجل أيضا، تعيره كلماتها، ترسم له القناع الذي طالما صنع مثله لها. تأخذ زمام المبادرة بشكل يسمح ببروز الظلال بين التصورات والصور. تصبح ثنائية الصوت كاشفة عن هذا التماس والتقاطع بين العالمين. يتعين على القارئ حينئذ أن يبني وعيا مزدوجا ومجسدا لكلا الموقفين، هكذا تكتسب الكتابة كثافة خاصة وثقلا واضحا، وكلما تعددت الأصوات أصبحت اللعبة أكثر تركيبا وتشويقا، خاصة في غيبة الراوي الذي يقوم بتوزيع الأدوار والتمهيد للانتقالات. تصطنع الكتابة طرفا من إشاراتها المميزة لتفادي الخلط والارتباك، تأخذ أحيانا طابعا شبه مسرحي، كما يحدث عندما تقول مثلا: "الحلم: اليوم أتمت «دنیا زاد» ثلاثة أسابيع، أنير لها شمعة وأحملها إلى قبرها الساكن في ركن من أركان الغرفة. أفتح باب القبر وأتسلل إلى حيث الجسد الساجی أضع الشمعة إلى جواره، وأبکي مرة واحدة. في طقوس حب سرية أراها تطبع على جبيني قبلة حارة كحرارة القبر المغلق". تظل صورة "دنیا زاد" وتردادها العميق في وجدان الصوت الأول هي التي تبرز إيقاع الرواية، ومدى انتظامها حول محور أساسي، الفقد الموجع لجزء من مكونات الذات، بل تظل فيما يبدو المعيار الذي يتحكم في انتقاء الأحداث والتركيز عليها. بقية المشاهد والتجارب تكتسب درجة التحامها بالنسيج الروائی بمدى ارتباطها العميق بهذا الحبل السري الذي انقطع بيولوجيا فأخذ يجدل حياة الأم نفسيا ويصبغ رؤيتها اللوجود.   وعي الكتابة بذاتها: على أن هناك سمة جوهرية في « دنیا زاد » التلمساني هي أنها مفعمة بلون خاص من الشعرية الفاتنة، يتمثل في التنفس أمام المرآة، في قلب نموذج علاقة الكتابة بالحياة، بدلا من أن يكتب الفنان مفردات حياته يحيا كتابته، تصبح العملية الإبداعية هي الأصل. ولأن الإبداع خلق اقترن كثيرا بالولادة فإن طبيعة تجربة الرواية ذاتها تعطى فرصة مواتية لتوهج هذا الموقف المعكوس. يتماهی توق التخليق مع شوق الكتابة. يصبح الموت في الرحم صورة للإخفاق في الإبداع، وهذا منطق معقول، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه الفكرة هاجسا قائدا لاستراتيجية الكتابة ذاتها، فقد يؤدى الوعي الشديد بها إلى تلعثمها، كما تؤدي بنا بمراقبة طريقة تنفسنا أو مشينا، إلى ارتباكه وتعثره. تفقد الحياة موقعها الأصلي أمام المرآة الإبداعية التي تقوم بدور البطولة. كان هذا يحدث لشباب الشعراء عندما يحفظون بالليل أبيات الوداع الفاجع لحبيباتهم ويأخذون في إنشادها صباحا أمامهن بنشوة الشعر وحميا الكلمات السحرية فإذا بانتصار الشعر يتجسد في فقد الحب. تصدق الحبيبة الأبيات وتمسح دموعها وتنتهي القصة كما أمرت القصيدة. ولا يصل الأمر عند «مي» إلى هذا الحد، ولكن فتنة الكتابة تجعلها تجهض تجارب عديدة في سطور قليلة کی ترددها بتواتر شعری إذ تقول مثلا: "أكتب عن الانتظار، عن رهبة وجود كائن آخر ينمو هناك، وسط شعيرات دموية أليفة، تحتضن بقايا حيوانات منوية أليفة تشبهنا. أو أكتب عن ذاكرة خائبة، تحتفظ بوجه أزرق فوق صفحة سماء زرقاء تقوم مقام «الجنة» الآن. أين إذن هو صاحب العرش» وكم من الكيلو مترات تفصله عن وجه "دنیا زاد" المستدير. أو أكتب عن قهر الخوف بخوف آخر. كأن تخاف على ملابسك من الاتساخ وسط حشد من المتأنقين عديمي الفائدة، أو أن تخاف على صورتك في التليفزيون حين تسألك المذيعة ماذا كنت تقصد بعنوان "نحت متكرر" ثم تطالع صحف كل يوم خوفا من أن ينسوا ذكر اسمك في الصفحة الأدبية، وتتصل بإحدى الصديقات لتطمئن على صحة أولادها وعلى أنها شاهدتك على الشاشة ذلك المساء... إلخ". يقوم فعل الكتابة في هذا السيناريو السريع مقام فعل الحياة، مقام الممارسة. يصبح هو الهدف، تختزل مشاهد الحياة في حروف الكتابة. وبمقدار ما تلتصق الحروف بالواقع الحرفي تضيق رقعة المتخيل وتهبط السماء على الورق. لا شك أن إشارة «می» المحددة إلى «نحت متكرر» إلى جانب السياقات العديدة، تجعل الكتابة أشبه بالاعتراف، والقصة أقرب للسيرة الإبداعية، مما يتطلب شجاعة كبيرة في المشاهد الأخرى، خاصة الحميمة. لكن مستوى النضج والاكتمال في توصيف التجربة أدبيا يجعلها مستوفية للشرط الأخلاقي، أو عابئة به، ففعل الحب مشروع مثل فعل الكتابة، بل على العكس، دائما ما كان مصدرا للزهو، لولا الفقد ولذعته الحادة المسمومة التي تلفحنا بريح العدم في لعبة الموت. هنا نلاحظ أن القصة قد نسيت تقنيتها الأولى في توزيع السطور، اندمجت في السرد واستأثر به الصوت الأول. بل عندما بلغت لذة الكتابة درجتها القصوى، تستعين الآن بأدوات أخرى لتحقيق هذا التجسيد الذي يشبه «السينماسکوب»، تسلط أضواءها على ما يرف في الذاكرة من أوهام، أو يتمثل في المكان من حركة ومشاهد تغير قوانين اللعبة أثناء ممارستها. هل يخسر القارئ شيئا ؟ لا أحسب ذلك، بل يتفادى ارتباك الانتقالات المفاجئة، حيث يحقق توحيد المنظور في الكتابة تلقائيا انسجام التلقي دون مجهود كبير. تتكشف له حينئذ أسباب اختيار الأحداث ومنطق انتقائها. إذا كان قد تساءل في البداية عن جدوى الفصل الخاص ببيع الفيلا العائلية التي كانت تطل على الحقول ومدى علاقته بالولادة والفقد فإنه لا يلبث أن يرتاح لاستقرار الراوية في شقة المريوطية واستقبالها للزائرين فيها. يطل مع صاحبها ليرقب الحيوات المجاورة وينظم "جدول" حركة الأسرة الصغيرة بعاداتها وتقاليدها البسيطة، عندئذ يكون القارئ قد أصبح جديرا بالقيام بدور المخاطب الذي يسند إليه وتلتئم على صفحة ذاكرته التفاصيل المبعثرة في فضاء النص. يكون قادرا على إعادة إنتاج المشاعر والتصورات، ولاستقبال شيء آخر جوهري في الأدب هو معناه الكلى. إذ عندما تستقى الكتابة مادتها المباشرة من الحياة اليومية، كما يحدث في هذه القصة، تصبح مهددة بالإجهاض، بفقد دلالتها المركزية لأن المعاني تأخذ في التوزع المشتت على كل اللحظات المرصودة. لأن ما يجعل لشريحة ما من الحياة وجودا معنويا إنما هو كيفية اقتطاعها خاصية الحافة التي تقف عندها، أي النهاية، والعلاقة التی تربطها بما يجاورها من شرائح، ما يسمى «المونتاج» في لغة السينما. فإذا ما ضاع الكاتب وسط الاستطرادات فقد القارئ قدرته على اقتناص المعنى. كانت می التلمسانی مهددة بهذا الضياع عندما أخذت تسرد بتركيز شديد أحداث قصتها المكتوبة، مهما كان نصيبها من التخييل، قائلة: «بعد مضي شهور کنت قد كتبت كتابا جديدا، وقدمت استقالتي من عملي الحكومي، وخاصمت عددا من صديقاتي. وشربت السيجارة السادسة في حياتي، وقررت أن أنجب طفلا ثاليا يتحرك الآن في جوفي. كما أنني تشاجرت لأسباب تافهة وكدت أصدم رجلا بسيارتي في الطريق العام.. ثم إنني شاركت زوجي بيع بيت العائلة وشاركت شهاب الدين (طفلها الأول في الرابعة من عمره) تجربة الحب الأولى... إلخ». لا ننسى أن بعض هذه التفاصيل قد كتبت في القصة بحنو بالغ وشعرية فائقة، لكن سلسلة الوقائع في الحمل الجديد واختباراته ستفتح دائرة مختلفة لرواية أخرى لن تكون «دنيا زاد» عنوانا ملائما لها. عندئذ تقرر الراوية اصطناع نقطة تحول في الكتابة کی تختم قصتها قائلة «لحظة حداد أخيرة لكل هؤلاء الذين سقطوا في بئر التحول وماتوا» عندئذ يصبح بوسعها أن تتحدث نقديا عن الرواية باعتبارها تمثيلا للحياة المنبثقة من ظلمة النقد تستطيع هي وبقية النقاد أن تعثر على معنى كلى للأحداث لأنها اقتطعتها عند تلك النقطة وقاومت الاسترسال في امتداداتها الحيوية لتغلق منها دائرة خاصة لا تشفي فضول القارئ لمعرفة ما حدث مع الحمل الثالث. المهم أن القصة تكتمل وإن كانت الحياة لا زالت تتشكل. عندئذ يتخالف الفن مع الوجود بعد التحام شديد، وتتجلى إرادة الإبداع في هذا الصدق الذي ينبض في الكتابة بقدر ما يترقرق فيها من شعر يبدو الوعى المسنون بعجينة الحياة باعتبارها مادة للإبداع. تنهض اللغة والتقنيات الذكية لصناعة رغيف ساخن طازج منها يفوح بالطيبة والجمال الفتان. ............... *من كتاب "تحليل شعرية السرد" ـ مجموعة الأعمال الكاملة لصلاح فضل ـ دار الكتاب اللبناني  

عودة إلى الملف

[post_title] => "دنيا زاد" التلمساني [post_excerpt] => [post_status] => publish [comment_status] => closed [ping_status] => closed [post_password] => [post_name] => %d8%af%d9%86%d9%8a%d8%a7-%d8%b2%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a7%d9%86%d9%8a [to_ping] => [pinged] => [post_modified] => 2019-07-03 08:49:10 [post_modified_gmt] => 2019-07-03 08:49:10 [post_content_filtered] => [post_parent] => 0 [guid] => http://alketaba.com/?p=31013 [menu_order] => 0 [post_type] => post [post_mime_type] => [comment_count] => 0 [filter] => raw ) [56] => WP_Post Object ( [ID] => 31010 [post_author] => 835 [post_date] => 2019-07-03 04:48:40 [post_date_gmt] => 2019-07-03 04:48:40 [post_content] => د.خالد عاشور يُعد النظر فى مراحل الإبداع عند نجيب محفوظ من أهم ما واجه نقاده من إشكاليات، كما يعد قاسماً مشتركاً بين كل نقاد الكاتب على اختلاف اتجاهاتهم النقدية، ومناهجهم البحثية. فلا يوجد ناقد من نقاد الرجل لم يتحدث ولو عرضاً عن مراحل الإبداع، ولا يوجد ناقد لم يقدم رؤية ولو جزئية لتقسيم حياة الكاتب إلى مراحل إبداعية، ويدخل فى هؤلاء الرافضون أنفسهم لمبدأ التقسيم ذاته. بل إن كثيراً من الكتابات النقدية التى دارت حول نجيب محفوظ قامت فى أصل منهجها على