موقع الكتابة الثقافي uncategorized 49
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

حسني حسن

لثلاثة أيامٍ بلياليها، كان البوذا راقداً يحتضر. وحول فراش موته، الخشن الفقير، تحلق أخلص تلاميذه، والتابعون، وقد بدت عليهم جميعاً إمارات التعب ودلائل الإجهاد، ربما لطول سهرهم وتقطُع ساعات نومهم، وربما لحرصهم البالغ على الانتباه واليقظة التامة، في تلك الساعات، الحاسمة الحرجة، مخافة أن تفوتهم كلمة، أو حتى حركة صغيرة، تصدر عن معلمهم المسجى بين عالمين قبل أن يودع، نهائيا، هذا العالم، أو ربما لطمعهم في أن يصبحوا شهوداً على معجزة ما، لا يدرون ما هي، ولا هم متيقنون فعلاً من إمكان حدوثها، لكن طالما أن المشرف على الرحيل هو البوذا نفسه، ولا أحد غيره، فمن الطبيعي جداً أن تحدث المعجزة لأنها إن لم تحدث في هذه المناسبة، فلن تحدث أبداً بعد ذلك، ومن ثم فهي لم يسبق لها وأن حدثت في يوم من الأيام!.
أخيراً، وقبيل انبلاج فجر اليوم الرابع بساعة، كان الوهن قد نال من الجميع، فاستسلموا لسلطان غفوٍ ثقيل الأنفاس، بالرغم من سهرهم المشحون بوقود الحرص والتشوف. استسلموا كلهم إلا واحداً ظل مستمسكاً بالرغبة في صحبة معلمه، حين يجئ الملاك، ليهيئه للانتقال. صحيحٌ أن المعلم لم يكن يؤمن لا بالملائكة، ولا بغيرها، إلا أن أناندا، الأثير إلى قلبه، القريب إلى نفسه، لم يجد بداخله ما يكفي من القبول والإيمان، في تلك اللحظات الأليمة، ليعيش أفكار معلمه عن العدم الساري في تضاعيف الوجود.
هل كان الحب هو السبب؟
أم لعله الإشفاق العظيم، على الذات وعلى كل الموجودات، هو ما يدفع التلميذ إلى خيانة تعاليم ووصايا الأستاذ؟
ألمْ يحذره البوذا، دائما،ً من مغبة الوقوع في شرك الانفعال؟
أوليس الحبُ والشفقة هما أصفى وأعمق بحار الرغبة والانفعال التي يمكن للمرء أن يغرق فيها، بكل الرضا وبكامل الاندفاع؟.
راحت الأسئلة تتدافع في عقله، بلا جواب يرضيه، فيما أخذت أجوبة المعلم المعهودة عنها تتراجع، مستخزية، بمواجهة غواية الانفعال وشراك الرغبة. وبينما هو في تلك الحيرة، وذاك التوزع، التقطت أذناه همسة خافتة لم يستبن معناها. قام من رقدته الصاحية في زاوية غرفة الاحتضار ليعبر، بهدوء وخفة، فوق أجساد كل الغافين حول فراش البوذا، ليقعي تحته مباشرة. أصاخ السمع جيداً هذه المرة، لتلتقط أذناه همسات المعلم على نحو أكثر وضوحاً الآن:
– ستكون أول من يُنكرني يا أناندا.
أتاه الصوت صريحاً ممتلئاً وقاطعاً. وبالرغم من كلماته التي تحمل معاني اللوم والتقريع، لم يتلون الصوت بأي من ألوان الانفعال، بل كان، وكما يجدر بالبوذا، هادئاً لا مبالٍ وشفافاً، كزجاج مغسولٍ بالغ النقاء. الأغرب من ذلك، أنه حين حدَق، بإمعانِ، في وجه المعلم الغافي، وجده، على حاله خلال الأيام السابقة الثلاثة، ساكناً تمامًا، ولم تعترِ شفتاه أدنى خلجة ولا ارتعاشة. سأل منزعجاً:
– أول من ينكرك؟ و لماذا أنا يا معلم؟
– لماذا أنتَ؟ ربما لأنك أحببتني كثيراً يا أناندا!
همس البوذا بشفتيه المزمومتين المتيبستين، وراح يصيخ السمع لعاصفة المطر الاستوائية التي تزمجر وترعد خارج كوخ الاحتضار. تابع الهمس:
– وربما، أيضاً، لأنك تُشبهني كثيرا يا أناندا. في يوم ما بعيد، كنتُ مثلك شاباً، وكنتُ شغوفاً بالتعلم، حريصاً على الجلوس، كما تفعل أنت الساعة، عند قدمي أستاذي. لكن شغفي الأكبر، والحقيقي، كان بذاتي، بحرية روحي الداخلية، وبكل ما يتناغم مع نداءات دمي واختلاجات قلبي، لذا فقد خُنتُ كلَ معلميَ ، وسرتُ في طريقي الخاص، وحتى النهاية، وها أنت ترى، فقد حذرتكم من شرك الانفعال، وها أنا أجدك منفعلاً، هل تعرف لماذا؟ لأنك لا تملك إلا أن تتمرد على الطريق الذي أخطه أنا لك، صحيح أنك تريده، لكن بشرط أن تختطه أنت لنفسك.
– عقوقٌ مني أيها المستنير؟
– وحتى أنا كنتُ يوماً ما عاقاً يا أناندا، ألمْ أعترف لك تواً؟!
ردَ البوذا وهو يهب صديقه الشاب واحدة من أصفى ابتساماته وأرقها وأكثرها حنواً.
– إذن، بما تنصحني اليوم يا معلمي؟
تمهل قليلاً، قبل أن يقرر المغامرة بالقول:
– لعلها نصيحتك الأخيرة لي.
ران الصمت بينهما لدقائق بدا فيها المستنير وكأنه يتفكر ملياً فيما سمعه من تلميذه، أو غالباً فيما سيقوله رداً على تلميذه. زفر أخيراً:
– نعم يا أناندا، لتكن نصيحتي الأخيرة، فما عدتُ قادرًا على، ولا معنيا،ً بإسداء النصح لأحد. أتذكر الآن، جيداً، جلستي الطويلة في ظلال شجرة الاستنارة، أتذكر كل تلك النداءات التي صمْمت السمع عنها، كل الغوايات التي هربت بنظري منها، وكل الدم الساخن الذي كان يُلهب عروقي، ضاجاً ومنادياً، برغبة العيش، لكني ما اخترتُ إلا العدم. نصيحتي لك اليوم ألَا تتبع خطواتي، أن تضرب بنصائحي وتعاليمي كلها عرض الحائط، وأن تنهض من فورك لتضيع على دربك الخاص، بعيداً عن البوذا المُحتضَر، عن غوايات النيرفانا وأوهامها، وعن كل تلك القبور الفاغرة أفواهها لالتهام يتامى الأبدية وخصيانها.
– أنت من يقول، أيها المستنير، أنت من يقول.
– بل دمك الذي يقول يا أناندا، وإن بلساني، فهل تُصغي لصوت دمك؟
بقي السؤال مُعلقاً ومتأرجحاً بينهما كمصباح نجمي قديم يتدلى من سقف يتعالى حتى الحدود الخارجية لمجرة تائهة في كون سديمي لا ينفك يتوسع من غير أن يتقاطع مع أكوان عديدة أخرى موازية قد يبتلعها جميعها ثقب أسود عملاق ليمررها من بعد لنظير أبيض افتراضي تماماً لا وجود له.
نهض الشاب من عند قدمي أستاذه، ليطبع قبلة صامتة على جبينه الميت، وليحمل قصعة الصدقات الخاصة به، وليحكم لف ردائه البرتقالي الخشن حول جسده النحيل، خارجاً ليواجه العاصفة، التي تواصل العواء، كقطيع ذئاب ضارٍ في ليلٍ شديد الحُلكة والبرودة. همس مُستحِثاً قلبه:
– هيا هيا، أيها العاشق أناندا، أيها التاجر أناندا، أيها القاتل أناندا، أيها القتيل أناندا، أو أي أناندا كنتَ يا أناندا، إلا أن تكون البوذا أناندا.