موقع الكتابة الثقافي uncategorized 3
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn

أحمد ثروت

**صباح عادي..

استسلمتُ لدمعة هشة، هربتْ من عينيّ الذاهلة، حين تذكَرَتُ ليلة أمس. استمرت حتى الصباح، قبيل بداية عملي. كانت ليلة قاتمة، يبتعد فيها الأمل، ينتشر خلالها الوجع، تنوء بالعويل والعراك. بدأت المعركة أول الليل بين أخي الأكبر وأبي، كانت أسلحتهم سباباً ولعناتٍ، دعاء على الجميع – بمن فيهم الداعي على نفسه- بالهلاك والحريق المقيم. ذكّر الأب ابنه الأكبر بما أنفقه عليه، من لحظة وضعه في رحم أمه، حتى صار شاربه كَليلةٍ مظلمة. عدّد له حروبه، كي يصير هو وإخوته رجالاً، يسدون باب الرزق عنه.
– ليتني أنجبتُ خرافاً، لاستفدت من أصوافهم ولحومهم .

أخي الأكبر، لم يترك لأبيه فرصة التفرد بالعرض البدائي، كان صوته أعظم وأكثر شراسة، أمّا أُمنا، فعويلها خلفية دائمة للحدث المكرر. اتّسع الأمر. كل أخ أخذ جانباً ينصره ويستنصره، تطوّر الحدث لعراك بالأيدي والأرجل والأحزمة بين الأخوة، الوالد منتصب فوق منضدة وسط صالة المنزل، يعوي نادباً حظه، أمّا أنا، فوحدي. مختبئة تحت السرير في ظلام الغرفة الصامت، أبكي بدموع تحرق وجنتيّ وتنزلق حتى رقبتي، سائلة ساخنة حزينة، تورمت الرؤوس، وتقطّعت الأحزمة فوق الظهور والأيدي والأفخاذ، ثم أُرهقت الأجساد، سكن كل واحد في موضعه. تسحّبتُ من مكمني حين أيقنتُ أنهم انتهوا، كي لا تصيبني ضربة طائشة أو موجهة، تحيل جحيمي جحيماً أكثر قسوة. ثم هيأّت روحي ليوم جديد .

 

**صباح غير اعتيادي..

 أول عمل حقيقي، رغم ذلك لم أكن وحدي، ملتصقة في كتف زميلتي الأقدم. اليوم لن أتفرج كالسابق، سأمارس. سأختار هدفي وحدي، أحدد من اللافتة، وملابس الموظفين، وعدد السيارات المتوقفة حول المبنى، مدى احتمال نجاحي فيما أصبو إليه. سأتخذ القرارات بنفسي، ولن أخسر شيئاً، ففي كل الأحوال لم أتقاض أجراً طوال  فترة التدريب، ولأتخيلني ما زلت في تلك المهلة.

مثلما تتميز معدتي باكتفائها بالقليل، تتميز قدماي بتحمّل الوقوف والمشي كثيراً. سأخرج كل طاقتي، وسأعصر مخي عصراً، لأثبت كفائتي في هذه الوظيفة، فهي نافذة النجاة المواربة أمامي، كوني أستمتع بساعات من اليوم تتعدى نصفه في هذا العمل، فهذا يريحني تماماً، حتى لو تورمت قدماي وتناثرت فيها النتوءات و”عين السمكة”، كل هذا يهون مقابل الابتعاد عن مكمن العراك والسباب والصخب اللانهائي. انتقيت مصلحة حكومية رفيعة المستوى، يُعاَمل منتسبوها بتميّز فتُذلل لهم العقبات وتُزال من أمامهم الصعاب، هذا ما ينتج دخولاً مرتفعة بشكل مطمئن.

كان انسيابي داخل المبنى لا يعتمد على استعطافي لفردي الأمن، ولا على استخدام صوت غانج، أو نظرة داعية لمجهول جميل وفقط. لكنني اعتمدت أساساً على فطيرة ضخمة، يُغرقها السمن برائحته المميزة .
 لم أعتبر أبداً أن تعرضي لتحرش لفظي، أو محاولة احتكاك جسدي، سوى”أشياء تحدث خلال اليوم”، فمن الساعة الأولى التي برزت في جسدي علامات بلوغ وأنوثة، كأن جمهوراً كان ينتظر، أو قطيعاً من ضباع برية كان يتربص. كان الجار، الصاحب، الجار الجُنُب، الصاحب بالجَنْب، العم، والأخ. و لم يوقفني هذا لحظة عن محاولة النجاة، لم يُظهر الطرق أمامي ظلاماً، بل كان دليلاً لإيضاح نقاط بيضاء ضئيلة متناثرة في حياتي.

 

**صباح يبدو مختلفاً..

 كان اليوم مُعجزاً، تحققت كل الأحلام دفعة واحدة، بعد كل السنين العجاف، أن أصل الثلاثين دون زواج أو خطبة، لهو انذار نهائي، بيد أن يصلني الزوج والأمل يوم اتمامي الثلاثين، لهو معجزة حقيقية، شهدها كل من حولي. اليوم هو الواحد والثلاثون من الشهر الأخير من السنة، وهو يوم عيد ميلادي الثلاثين. يوم أن أمسكت بيدي أول عمولة حقيقية، عن عملاء استطعت الحصول على موافقتهم على التأمين عليهم لأول مرة، بعد ستة شهور جرداء، شهرين من التدريب العبثي، وأربعة شهور من المحاولات اليومية الصفرية، بلا أجر أو تشجيع .

اليوم احتضنت بيدي أول راتب في حياتي، في ذات اليوم أخبرني العميل الأخير أنه يريد خطبتي. للحظة ظننتني أتوهم ما قيل، لكنّه أعاده على مسامعي ثلاث مرات، ” أريدك زوجة لي” .. ياااه .. كم مرة حلمت بهذه العبارة، كم ألف مرة، موظف، وسيم، يكبرني بثلاثة أعوام فقط. ظهرت الدنيا وبان لبّها، السعادة تسعى نحوك يا حزينة، بعد الهم والفقر والخوف، ستبتعدين عن أبيك وإخوانك الذي يمارسون ذكوريتهم عليك كل لحظة، ستتحررين، سيكون هو زوجك وأخاك وأباك وصديقك، نعم أريد صديقاً، أحلم  بشخص أثق فيه وأروي له كل ما يدور في عقلي، حبي لأمي لا يجعلها صديقة لي، هي أم، عقلي يسبقها بمراحل، وأنا أريد عناقاً حقيقياً من رفيق للرحلة، تخيلت فرحة أمي، وذهول أبي وإخوتي، وأنا أقص عليهم خبر”العريس “، ثم أفرد كفي بمرتب الشهر، ستزغرد أمي، و سيتسمر إخوتي في أماكنهم غير مصدقين. لكن ظهور ” العريس” مع أمه وأبيه بعد العشاء، سيكون ضربة قاضية، سأُخرج علب الزينة وزجاجات العطور والماكياجات، التي طالما ادخرتها لهذه اللحظة، طالما ادخرت جنيهات قليلة من أمي ومن أعمالي الصغيرة، لتُشعرني بأنوثتي يوماً ما، وها قد جاء اليوم المرصود، سأرتدي فستاناً؛ فلا يليق أن أرتدي الجينز، يجب أن ترضى عن هيئتي الأولى أمه، فهي الأهم. هي المفتاح و طريق الرخاء، إن فزتُ بقلبها فزتُ بالمعركة قبل بدايتها. روعة الحدث والمفاجأة هي الرحيل عن هذا المنزل مكمن الشوارب والملابس الداخلية المتطابقة  .

 

**صباح.

لأول مرة– تستقل تاكسي، لو استطاعت لاستأجرت طائرة، أو صاروخاً، لتصل في لحظات وتُعلن انتصارها، أنزلها السائق قبل الشارع الضيق بشارعين، لتمشي دقائق قبل وصولها المدخل، يقع مسكنها في نهايته. صوت الصراخ والعويل مختلط بأغاني صاخبة، منبعثة من التكاتك، أو من جوار بائعي الخضار والفاكهة. كان الضجيج والنداء على البضائع وصخب الأغاني يمتزجون، كشراب مر مُسْكر، لا بد من تجرعه في محيطها، لكنها ميّزت صراخاً وعويلاً زائداً هذه المرة، كلما اقتربت ارتعش قلبها وانقبضت روحها، أيُخربون مفاجآتها؟ أيضربها أبوها– الذي لا يقوى على أفراخه الذكور–  ليضع همّه وغمّه فيها؟ أتلطم أمها، وتقّطع شعرها نادبة ورطتها، وخيبة أملها في رجالها؟ لن تسمح لأي قوة بإيقاف لحظتها، ستواجه أي شخص يحاول مسّ فرحتها الكبرى. وصولها النهى وبلوغها المرتقى .

في جزء من ثانية لمحت عيناها ساطوراً، ملتصقاً بيد ترتفع فوق رؤوس الجمع. كان يلمع حاداً فوق الرقاب، يتطوح في الأعلى، بين أصابع سمينة قصيرة كأصابع أبيها وإخوتها، كان الأب ينظر في ذهول، تبرق عيناه بجنون واضح نحو الأخ الأكبر، في اللحظة التي استطاع تحرير ذراعه، ليهوي بكل قوته فوق رقبة ابنه، قفَزَتْ.
 انطلقت في جزء غير واضح من الزمن نحو ذراع أبيها، كان جسدها مائلاً بزاوية حادة نحوه، مستعدة تماماً لسقوط ذراع أبيها فوق رقبتها. كان صوات أمها أسطورياً طغى على كل صوت .

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:766. Generation time:19.253 sec. Memory consumption:291.35 mb