موقع الكتابة الثقافي uncategorized 19

د. مصطفى الضبع

         لم تقفز نعمات  البحيرى من القصة القصيرة إلى الرواية، وإنما بين المرحلتين كتبت المتوالية القصصية ” ضلع أعوج “1997 ومن قبلها مجموعاتها القصصية ” نصف امرأة “1984 و ” العاشقون   “1989 و”  ارتحالات اللؤلؤ   “1996وهى أعمال قاربت فيها عالما خاصا للمرأة، لا تنبع خصوصيته من كونه يمثل عالما خفيا لها ولكنها خصوصية الرؤية النسائية لعالم المرأة.

وقارئ روايتها الأولى ” أشجار قليلة عند المنحنى ” الصادرة مؤخرا عن دار الهلال لا يمكنه تجاوز ” ضلع أعوج ” حيث الرصد للعالم الداخلى / المحلى للمرأة المصرية، عالم المرأة وهى تجابه تراثها الشرقى على مستوى مجتمعها المحلى، وقد لا يتجاوز المتلقى – وهو يتابع الخيوط الصانعة للرموز – مستوى المرأة المصرية فى معاناتها فى ظل أسرتها ومجتمعها وأبيها الذى يمثل نموذجا لعنصرية الرجل الشرقى، ولكن الأمور لا تختلف كثيرا فى روايتها الجديدة، فأشجان بطلة الرواية اسم على مسمى، تحمل هذا التراث عابرة به حدود المكان والزمان منتقلة إلى بلد عربى يمثل مجتمعا يفتح آفاقا جديدة للشجن /الأشجان المتراكمة التى تبثها الرواية فى شهادتها على مجتمع آخذ فى الانهيار ، مصر عليه ولايجد غضاضة فى السعى إليه بقوة.

 تفتح الرواية زاوية الرؤية على عالم يبدو غير مألوف للمتلقى ولكنه فى حقيقة الأمر ليس بعيدا عن واقعنا العربى، ومهما حاولت الرواية أن تعيد صياغة عالمها فإنه سيظل وشيج الصلة بالواقع المتعين على مستويين :

  • الواقع المنفتح الدلالة من حيث قدرة النص على أن يشير إلى عالم مرموز إليه ليس خاصا بواقع محدد التضاريس بقدر ماهو يؤسس لرمز الوطن العربى بصورة عامة.
  • الواقع البينى ( الشبيه بالأعراف بين النقيضين أو المنطقتين المتمايزتين ) فحركة السرد تمتد زمنيا ومكانيا، والنص يفتح زاوية الرؤية المكانية منذ البداية ” طريق الأسفلت على الجانب الآخر أكثر لمعانا. ربما لتلك المفارقة التى تشبه مأساة أو ملهاة الشهور والأيام والأحلام والكوابيس  التى عشتها هناك. فى البيت الصغير الكائن فى نهاية الطريق “  ص 6.والمفارقة قائمة بين العالمين تماما كما هى قائمة بين جانبى الطريق اللذين لايفصل بينهما إلا مسافة قصيرة  هى الفاصل الوهمى بين عالمين يلتقيان بقدر مايبتعدان ويتنافران، ويتشابهان بقدر ما يختلفان، فالأنظمة فى اختلافها تتشابه والقوانين فى اختلافها الظاهر يكمن التطابق والتماثل.  

وأشجان تتحرك بين العالمين  حركة المحاول الحفاظ على عالمه بالاندماج – أو السعى نحو الاندماج  – فى الآخرين ومعهم،دون خسارة عالمه الأصيل الذى يمثل جذوره العريقة ( ويمكن التدليل على ذلك بحفاظها على منديلها الأبيض الذى تغمسه فى دم الجندى المصاب ).

     عندما يقف المتلقى على حافة التأويل محيلا سمات الوطن الجديد إلى بلد عربى بعينه ( العراق ) فإنه يقف عند حد حضارتين تتحاوران عبر مفرداتهما ( البشر: سلوكهم ووعيهم بعالمهم – المكان :طبيعته وما يشى به من سمات اللحظة التاريخية الراهنة – الزمان : تفاصيله ووعى الأفراد به  ). والصراع الذى يطرحه النص صراع متدرج، متعدد الزوايا لايتوقف عند إحساس أشجان بالغربة فى بلد ظنته وطنها الثانى أو البديل الزمنى والتاريخى لقهر الماضى ( سطوة الأب والمجتمع الذكورى ) فإذا بهذا البلد يشكل مع الزوج قوة أكثر طغيانا فأصبح البلد غير مفهوم والزوج الحبيب غير متفاهم  مما أضاف لأسئلتها التاريخية معضلات أكثر غموضا ”  كيف أجزم الآن بأنه يفهمنى، حين عمق فى نفسى هو وبلده ذلك  الإحساس المرير بالغربة…… صرت أواجه العديد من تناقضات ” عائد ” وغابات سوء الفهم والتقدير والمفارقات التى تجعل فهمى للحياة صعبا وربما أشد صعوبة، ثم تراودنى الأفكار.. كيف أطالبه  بالفهم وأنا لاأفهم نفسى حق الفهم ” صـ 51.

     هنا نحن إزاء مشكلة لها جانبها  النفسى الذى يكاد يكون عاما، متكررا رغم خصوصيته : السعى وراء حلم تكشفت وهميته وسراب لا يملك صاحبه إلا الندم على ما مضى دون عودة. وفلها جانبها الحضارى : مدنية بحضارتها السابقة تهرول نحو الزوال، ولها بعدها السياسى :حرب تدخلها الأمة العربية دون مبرر أو عائد ليس لها من نتيجته السياسية إلا كل سلبى وضار، ولها بعدها الاقتصادى الخالق لظروف إنسانية تكشف عن الأبعاد الإنسانية ( الأفراد المصريون العاملون فى البلد العربى والذين يمتهنون أقل الأعمال : بائع الروبابيكيا، السباك وغيرهم ممن يمثلون قطيعة مع حضارة عريقة تتشابه مع الحضارة المشار إليها سالفا فى كونهما يمثلان شكلا من أشكال ماوصلت إليه الشخصية العربية فى انحدارها الإنسانى نتيجة العوامل المختلفة.ومن جهة أخرى يحتفظ هؤلاء – رغم حالتهم – بالقدر الحضارى و الإنسانى الذى يجعل أشجان تتعاطف معهم أوتلتقى معهم إنسانيا بالقدر الذى يدفع (عائد) الزوج  لطردهم من بيته  وهو مايزيد من هوة الخلاف و يضيف إلى جبال الجليد التى راحت ترتفع بين” أشجان المصرية” و”عائد العراقى ” اللذين يمثلان حضارتين لاتلتقيان،وماكان بينهما من التقاء ظاهر لم يكن من العمق للدرجة التى  تجعله مثمرا، وأشجان بحكم تمثيلها للجانب الواعى أو ظهورها فى صورة الوعى الذى لاتعيقه ظروف اللحظة وهى تصرح بأن جسدها أكثر قدرة على المقاومة  ( يساندها فى ذلك مصريتها وأنوثتها وثقافتها أيضا) وتتكشف قدرة الجسد هذه فى رفضه أن يحمل مايعبر عن ثمرة الإلتقاء الحضارى رغم تأكيد الطب على انعدام الموانع: ” أكثر من طبيبة أكدت له بأنه ليس لدى أية موانع، وحين أحدثها على جانب تهمس لى وهى تتجنب أن يسمع “عائد”.. – جسمك رافض…. بتحبيه ؟ ” صـ 52.

إن التشابه  بين الحضارتين يأخذ بعدا جديدا يتساوى  فى ذلك  خروج ممثلى الحضارة الأولى( أشجان والعمال المصريين )  عن وطنهم وشعورهم بأن حضارتهم لم تستطع حمايتهم مما آلوا إليه من إحساس بالغربة، وهو ماتجسده تفسيرات الطبيبة لرفض جسد أشجان الحمل :” أسمعها تؤكد له :

  • ربما يكون شعورها الحاد بالغربة له تأثيره.. ” ص 52. يتساوى ذلك مع شعور عائد وبنى وطنه بالخوف وانتظار الموت الذى يحمله الصاروخ المنتظر دائما.

أشياء دالة عند المنحنى

تمثل الأشياء واقعا ما تحتاجه الراوية فى سعيها  لاستكشاف المكان أولا وإشباع حاجاتها من هذه الأشياء ثانيا. لقد جعلتنا الأشياء نرى الساردة وهى تتوافق مع أهل المدينة هؤلاء اللذين يمكن استكشافهم عبر تحليل الأشياء وملاحظة الحاضر والغائب وما هو صناعة محلية أو غير ذلك ولأن الساردة لا تنسي أنوثتها فإنها عندما تدرك الأشياء بعد تفحصها تروح تمارس عملية الانتقاء وتسلط الكاميرا على التفاصيل الأكثر وضوحا وتؤكد فى الوقت نفسه معنى إشباع الحاجات :

“راق لى طاقم فناجين قهوة “صينى” منقوش بصور روميو وجولييت ونظرات الحب بينهما” ص 41.

تتأكد ههنا قدرة الأشياء على أن تعبر عن الحالة النفسية للسارد وأن رؤية الأشياء جميعها تتم عبر عالم الباطن له، وفى عمق العلاقة الناشئة بين الساردة وطاقم الفناجين يمكننا بسهولة إدراك الإسقاط الذي تحدثه فى الخلفية فهى تعيش فى بلد غير بلدها انتقلت إليه مع زوجها الذي تحبه وهى عندما ترى روميو وجولييت فإنها تسعى إلى ترسيخ الحالة التى تعيشها أو تحلم بها وحالتها تشبه بدرجة ما قصة العاشقين الشهيرين فقد خالفتها أسرتها إلى حين عندما أعلنت رغبتها فى الزواج من رجل ليس مصريا ولا يقيم فى مصر أنها ترغب فى اقتناء الطاقم لاستخدامه بغرض إحداث التواصل مع الآخرين من جهة ومن جهة أخرى ترى نفسها فى النقوش على الطاقم مصرحة “بنظرات الحب بينهما” وهى تحل لنفسها ما فعلت من خلال اعلانها أنها ليست الحالة المتفردة الشاذة كما أن روميو وجولييت ليسا حالة واحدة فتكرار الحالة يجعلها القاعدة وغيرها الشاذ وليس العكس، لذا لم يكن إيراد كلمة (صور) الدالة على التعدد مجانيا والتعدد قائم على مستويين :

  • مستوي اعتبار الصورة واحدة متكررة على كل قطعة من الطاقم مما يؤكد الحالة ويرسخها لقدرتها على التكرار ومحاصرة الإدراك والتعدد أمام بصره ومن ثم أمام بصيرتها وتفكيره.
  • مستوى تغير الصورة وأنها ليست صورة واحدة متكررة وأن كل قطعة لها استقلاليتها مهما تشابهت، مما يجعل من الحالة نموذجا يحق له أن يتكرر ولو لم يكن تكرره بالسيمترية نفسها.

ويمكن للمؤول أن يغوص قليلا ليدرك اختزال الأشياء/ الطاقم لبيئات ثلاثة رئيسية اجتمعت إزاء القارئ :

  • الشرق الأقصى (الصين) الذي ينسب إليه المنتج ولو لم يكن مصنوعاً فيه الآن (وما زلت عقلية المستهلك العربى منحازة نحو المصنوع فى الصين بحثا عن الأصالة التى يفترض بوجودها توفر الجودة تماما كالسجاد القارس والصوف الانجليزي وغيرهما).
  • الغرب وفيه دارت أحداث قصة الحب الشهيرة.
  • البيئة العربية التى تضم بشكل فرعى مجتمعين : مصر بلد الساردة والعاصمة العربية التى انتقلت إليها.

لقد صنع الغرب القانون قانون الحب وخلد كتابه القصة ونقشها الشرق المفتقر للقانون الإنسانى واسقطت الساردة الحالمة بتكرار النموذج وتطبيق القانون ذلك على حالتها. فإذا ما عرفنا أن الساردة تراجعت عن الشراء تساءلنا معها :

“تراجعت فى شراء طاقم فناجين القهوة وأخبرت البائعة أن الشراء سيحدث فى نهاية اليوم حتى لا أحمل نفسى عبء التحرك به فى شوارع وسط المدينة. أحيانا تأخذنى اللهفة لاقتناء أشياء محببة إلى نفسى. ثم أتراجع عنها دون فهم سر التردد” ص 43.

ولكن اعتماد النظرة السابقة للساردة بإمكانه أن يكشف سر التردد فقد حققت ذاتها من خلال النقش / الأثر الثابت (فى لسان العرب النفس الأثر فى الأرض والنمنمة) وأشبعت حاجتها المفتقدة الممثلة فى:

1- إحداث التواصل مع الآخرين وهى الوحيدة فى مدينة تدخلها للمرة الأولى وتختبر الآخرين لإحداث علاقات معهم وهو ما يتم عبر استخدام الطاقم فى توثيق العلاقة الاجتماعية مع ضيوفها وزوجها، وقد تحقق التواصل مع البائعة التى ذهبت إليها لمعاينة الطاقم :

“وبعد أن منحت نفسها فرصة للارتياح راحت تثنى على ثوبى وتسألنى عن مكان شرائه. بش وجهها وكانت عابسة ثم دعتنى لكوب شاى، وهى تخبرنى أنها تحب مصر والمصريين. أخبرتها أننى أحب القهوة أكثر من الشاى، ربما لتلك المرارة المحببة فنادت عاملة البوفيه، كانت مصرية ورقص قلبى حين رأيتها حتى ظننت أننى أعرفها” ص42.

وكما أن هذا المقطع يكشف عن إسقاط جديد لسر العلاقة بين الساردة والقهوة التى تناسب مرارتها حالة المرأة التى تعيشها المرارة المحببة لغربتها عن أهلها ووطنها ولكنها تعيش مع حبيبها مما يجعلها بالفعل مرارة محببة، فإن المقطع نفسه يكشف بوضوح عن الجانب الآخر من سر التردد فقد تذوقت الساردة القهوة وحققت التواصل مع البائعة مواطنة بلد الغربة وعاملة البوفيه مواطنة الساردة المصرية لذا لم تعد فى حاجة لأن تشترى أو تقتنى أداة التواصل وقد تحقق أو أداة الإثبات وإشعار النفس بصحة المسلك وقد تحقق ذلك

صور منتشرة للسيد الرئيس

تصل أزمة أشجان مع الأشياء ذروتها عند صورة السيد الرئيس :

” التى ملأت الشوارع والمبانى وكل مكان فى المدينة، واجهات مستشفى القلب والصدر والأمراض المزمنة ومصحات الأمراض النفسية ومصانع الأسلحة ومعامل الطاقة الذرية والمحاكم والسجون، حتى جدران دورات المياه العامة، هذا غير واجهات الجرائد والمجلات. وقد بدت المسألة مثل مفارقة لاذعة السخرية حين أمسكت مرة بمجلة للطهى وثانية للحكاية وغيرها للتطريز لأجد صورة السيد الرئيس تتصدر اغلفتها وحين سبقتنى دهشتى تجاهل “عائد” الأمر بالدخول سريعا فى حديث آخر” ص 102.

إن صورة السيد الرئيس لا يتوقف دورها عند اختزال المظهر السلطوى الذي يمارسه على أهل البلاد وإنما يتعداه إلى كونه ممثلا لصورة اجتماعية مغيرة لم تألفها الساردة ولم يكن لها نظير فى مصر مما يجعلها تصاب بالدهشة ونحن معها كذلك، يضاف لذلك ما يمكن عقده من مقارنة بين الصورتين :

  • نقش روميو وجولييت وكونه نقشا يمثل أثرا محافظا عليه بطبيعته الفنية والجمالية ويشير إلى طبيعة عميقة للعلاقات الإنسانية والتواصل الإنسانى عبر الزمان والمكان (عبور القصة إلى بيئة أخرى واجتيازها حدود الزمان والمكان واللغة).
  • صورة السيد الرئيس المسطحة والموزعة بفعل ليس جماليا وإنما بفعل سياسى سلطوى ديكتاتورى يجعل من السيد الرئيس نموذجا للقهر والرواية تقدم – عبر مساحة واسعة – مشهدا لعملية التخلص من صورة السيد الرئيس التى وظفتها الساردة وظائف متعددة منها كشف حالة الاختلاف أشجان المصرية وعائد زوجها الذي أظهر حالة من الرعب لتورط زوجته فى إلقاء صحيفة تحمل صورة السيد الرئيس فى سلة المهملات :

كانت نظراته تنتفض بشرر لا تطفئه إجاباتى اللامبالية كما تبدو له، وكنت ما أزال أحتفظ ببعض من وداعتى فى استقبال هوس الآخرين، وولعهم بتفاصيل غريبة، أخبرنى بصوت مبحوح أن صورة السيد الرئيس تتصدر صفحة الجريدة.

– لم أقصد شيئا مما تخشاه.

مسح الزجاج بالجرائد طريقة أكثر شيوعا بين الناس فى بلدى، وبلاد أخرى.

بدا “عائد” وكأن حشدا من كوابيس اليقظة يداهمه.. صفوف من الخوف والرعب والفزع، فراح يفرد لى الصفحة لأرى صورة السيد الرئيس المبلولة والمخدوشة مثل وجه مكرمش ومشوه” ص 101.

لقد كانت سطوة الشئ / الصورة أكبر مما تتصور “أشجان” القادمة من بلد شأنها شأن الكثير من البلدان تملي عليها ثقافتها الشعبية أن تستخدم الصحف فى تنظيف الزجاج، وما يبدو عاديا فى غير المكان بات غريبا فى هذه البلد التى يجعلها رئيسها تحترم أشياءه أو تخاف أشياءه خوفها منه، فقد حلت الصورة / الشئ محل الذات صاحبة السلطة التى أكسبته نوعا من القدسية وقدرا من الإكراه على الاحترام:

“جرى كالممسوس إلى باب البيت، يفتحه وينظر يمينا ويسارا. ثم النافذة ليفتح خلفيتها ويتبصص فى كل الاتجاهات ثم يرفع سماعة التليفون، يحدق فيها ويضعها، حدث هذا أكثر من مرة وكأنه يرغب فى التأكد من شىء ما.

“بدا الخوف نابضا فوق ملامح وجه “عائد” وحركته المشدودة إلى كل أرجاء البيت لم أكن بحاجة لأن أستعطفه أن يهدأ ويرتد عن مخاوفه وكوابيسه هذه مكتفيا بإلقاء الورقة فى سلة قمامتنا أو قمامة الشارع، وليختتم هذا العرض الكابوس من مهزلة قاتمة” ص 101.

عائد – عبر تعامله مع أشياء المكان وخاصة صورة السيد الرئيس – يعد نموذجا لثقافة شعب بأكمله، شعب يخاف الأشياء قدر خوفه من أصحابها، وتبدو أدوات العصر كائنة فى بيته لا لاستخدامه لها ولكن لاستخدام الآخرين. فالتليفون يبدو وجوده – كما يراه عائد – وسيلة للتجسس عليه لا لاتصاله أو تواصله بالآخرين”.

لقد حركت صورة السيد الرئيس الصيغة السردية واستنهضت الأشياء للظهور والعمل (الباب – النافذة – سماعة التليفون – سلة القمامة – أعواد الكبريت – النار – الرماد) ولم يعد البشر فقط هم الذين يدورون فى فلك الشيء / الصورة وإنما أصبحت الأشياء أيضا يمكن تفسيرها أو استكشاف فاعليتها عبر التصور الجديد.

لقد عاينت أشجان واقعها داخليا وخارجيا  وحملت أشجانها وأشجان الآخرين تجاه حضارة متوحشة تنجح فى ارتداء أقنعة جميلة وناعمة – على حد تعبيرها – ص 130 وهو مايتسرب بالتأكيد إلى القارئ الذى  يجد نفسه مدفوعا للتداخل مع امرأة تحمل عالمها المفعم بالمشاكل هاربة إلى رجل أفقدته الحرب كل إمكانات الحياة.