أرخبيل الفزع: أو الرجل الذي لا يأبه لاجتياز الخرائب

عبد النبي فرج

   يشيد أنيس الرافعي جدارية سردية تمتح من السيرة الذاتية، ومن ترسانة هائلة من المعرفة العلمية والتاريخية والفنية، فضلا عن التخييل، والوقائع القصصية، والموسيقي، والغناء، والفانتازيات، والكرنفالات، سواء المصنوعة أو التلقائية، لنشيد ذات تواجه مصير العطب والموت والفناء الإنساني.

  في كتابة الجديد “أرخبيل الفزع: كراسة محكيات المعزل”، الصادر حديثا عن” دار خطوط للنشر والتوزيع” بالأردن (2020)، ثمة رغبة عميقة في الذود عن الذات  بهذا البناء الحمائي، التي يمثل ذروة الكتابة عبر النوعية، من خلال  فسيفساء  معقد وتضفير سردي، وظف فيه المؤلف أجناس أدبية عديدة.

  إذ نجده، يحتوي على اللوحة، والصورة الفوتوغرافية، وأفيشات الأفلام، والقصة، والمقال، والمعلومة الموسوعية، والفلسفة، والتاريخ، واليوميات، والتحليل الأدبي، والتخييل الذاتي، والنقد الفني المتبصر، والخبر، والأساطير، والسياحة الخاطفة في أروقة ودهاليز المتصوفة.

  فهذه الكراسة ابن مزدوج للسرد العربي ممثلا في الجاحظ وأبي حيان التوحيدي، علاوة على ما تضمه من تقنيات حداثية، و من تناص مع لوحات فنية، ومن استفادة من النقد الحداثي أو الميتافكشن، ومن حكي قريب روحيا من فضاءات بورخيس وتوهماته  وخيالاته وهذيانه. فهي بمثابة الابن المخلص للكوابيس والأحلام المبتورة والشطحات الليلة الفانتازية. الابن ذاته الغارق الأبدي في بحيرة الاغتراب.

  ومن هنا أظن أن أنيس الرافعي لم يمكنه أن  يستجيب لهذا الحدث الصادم/ جائحة كرونا/ الشهيرة بكوفيد 19 بهذه السرعة، لولا أن في قاع روحه ما هو مؤهل لهذا الحدث، فسرد الرافعي يقوم في الجوهر منه على ثيمات رئيسية، عمادها العزلة، الإقصاء، الاغتراب الروحي، الشخوص الضائعة المتوحدة، موضوعات وأماكن غريبة غير مطروقة في السرد العربي عموما.

  إنه خياط الهيئات، الذي يضع عينه وروحه في الإبرة والقماش ليعيد صنع الدمي المحاصرة بتاريخ عنيف وقاس وملتبس، والتي تمثل الروح الشيطانية في المخيال الشعبي، لدى السيكوباتيين والمرتجفين والمعذبين بالخوف من البشر والأشياء، ولدى المرضي النفسيين و الأشرار والأوغاد و العميان و المانيكانات.

  وكأن هذه الجائحة جاءت له كلقية لتثير المخيلة والذهن، وليتدفق سيل من الكتابات الموزعة بعناية وحرفية في فصول على رأسها لوحة، و لأن  أنيس الرافعي مجرب بارع ومغامر من طراز رفيع، فهو لا يأبه بخرائب يجتازها أو عمارات مفخخة يقتحمها، أو يكترث لمصطلحات علمية تحتاج لنحت، أو لمعطيات معلوماتية تحتاج لتسييل سردي كي يضبط الإيقاع، ولأنه كذلك جاد ومثابر وناسك للفن القصصي، فهو يبني متتالية سردية وفق بناء موسيقي صارم، لأن له ذهنا متوقدا يشيد العوالم في وحدة بنائية متماسكة أقرب  إلي المتوالية القصصية، وفي الغالب الأعم يكون البناء وفق ثلاثة أجزاء يضاهي الكونشرتو.
  وستجد مفهومه للكتابة في زمن الوباء  ودور الكاتب في مرحلة الجائحة بين ثنايا اليومية رقم (31)، المعنونة ب: ” عندما نهشت أسماك ” البيرانا” الضاريّة لغة الجائحة الهشيم”.  إذ يقول: ” ترى لم انفجر فجأة ينبوع هذا البوح الفيّاض، وصبّ في اتجاه نهر غواية القص و الإنباء، جرّاء وقع هذه الآفة الطارئة مجهولة المآليّة ؟ وهل هو بوح واع بتقنياته وعناصره و إوالياته و وظائفه الحكائيّة و التواصليّة و التقييميّة، أم هو كلام مرسل على عواهنه “،  ثم يجيب: ”  أنا من صنف الكتاب ابن الكارثة و المعزل. سليل فقاعته الأسمنتيّة الخاصّة، و نشيء السرداب التحتيّ للخلق الإبداعيّ، المنتميين بامتياز إلى المناخات العرفانيّة و البرزخيّة “.

  ليس هناك مجانية في اختيار العنوان لدي أنيس الرافعي،  سواء كان العنوان الجامع/ العتبة / الأرخبيل الذي حصره في الفزع، كي يؤهلنا نحن القراء لجانب أسود من هذه الجزر المنعزلة، فيما يخص سجن الذات، أو إقصاء السلطات القهرية للمتمردين، أو كحاجز كامبوند يفصل بين الطبقات الرأسمالية الشرهة التي بنت ثروتها باستثمار علاقتها الفاسدة مع سلطة مستبدة استحوذت على السلطة والثروة وبين طبقة المنبوذين، الضحايا/ الفقراء/ غير المتوائمين مع العالم الصناعي أو العصرالمعلوماتي، أو سجناء الرأي المنفيين والمغضوب عليهم من قبل السلطات، التي يمكن أن تحولهم إلى حيوانات في  حقل تجارب.

  ثم لامجانية أيضا في اختيار مقتبسات عميقة لكل من  كارلوس فوينتس  والدكتور شاكر عبدالحميد ورفائيل أرغولولو وأنطونيو بورتيشا. وهي مقتبسات  تضع إطارا  عاما جامعا للكتاب، مشيرة للوحدة والعزلة. والجملة الأهم فيها للدكتور شاكر عبدالحميد الذي يقول:

“إننا لا نعيش حالة من” انقطاعات الموت” كما في رواية سراماغو، بقدر ما نعيش حالة من انقطاع الحياة”. فالموت رغم أنه قدر تراجيدي لكنه مقبول، بيد أن انقطاع الحياة يولد قلقا روحيا عنيفا، يولد رغبات عمياء  سوداء شريرة، لا منجاة منها حسب أنيس الرافعي إلا  بصوفية اشراقية، من طائر إليا كازان إلى طائر السيمورغ لفريد الدين العطار ” قائد السالكين في “الزمان” الواسع والدهر غير المنقطع، ساكن الدوحة العظيمة، التي تحفظ كل البذور في المحيط، علي مقربة من سر الخلد المكين”. انقطاع الحياة، الذي يولد أطماعا وهواجس وظنون هستيرية بغيضة ومخاوف مرضية. إذ  إننا هنا فى جزيرة المعاقين نفسياً  وذهنيا وبدنيا. 

   يبدأ أول عنوان فرعي للكتاب،  وهو ” ديستوبيا  الحجر الصحي الغروتسكية”، كما أشرنا قبل ذلك، استهلالا موسيقيا يفرش فيه السرد عن الجائحة، فبدا كمقال يتكئ على  لوحة “الحجر الصحي” للفنان  العراقي سنان حسين. والدوستوبيا هو المكان الخبيث الذي تسوده الفوضى، يحكمه الشرالمطلق، يعمه القتل والقمع والفقر والمرض،عالم يتجرد فيه الإنسان من إنسانيته و يتحوّل فيه المجتمع إلى مجموعة من المسوخ الشريرة، و لقد ارتبط الغروتيسك  في التاريخ والسرود الحديثة بالمشوه  والغريب والمجنح والمسخ، والقبح والشذوذات النفسية والبدنية، حيث الكائن مزيج ما بين الحيوان والإنسان و الدعابة السوداء والسخرية المرة المازجة بين المضحك والكئيب.

 من خلال هذا القوس يقدم لنا عالم غرائبي، يصفه الرافعي كالآتي: ” وفوق سحابة هذا المشهد الجنائزي الجليدي، المعبر عن موت الجميل وصعود المريع بالمعنى “الأدورني” (نسبة إلى فيلسوف مدرسة فرانكفورت “تيودور أدورنو”)، يلوح الأفق المغبش المكتظ بهوام شائهة وبمخلوقات غروتيسكية ووحوش مائعة أنجبتها حداثتنا السائلة الطافحة بالباكتيريا الانتهازية والتجارب المخبرية الشاذة، تحيل جميعها على كل الخيفات الصغيرة والكبيرة، وعلى كافة الأشباح والطيوف، التي تلتهم روح وسويداء هذا الإنسان المتجبر المتغطرس الذي يغدو ضئيلا ورعديدا وثرثارا يلهج بالشكوى والأنين في مواجهة المنية  الشاحذة لنصلها البتار. وماذا عن الهيئة الواجمة الصامتة المريبة حد القلق، هاتيك التي تقتعد كرسيا على اليمين، وتضع قناعا عجائبيا أحمر من دون وجه مكشوف يومئ على ذاتها أو صفاتها أو نواياها الظاهرة أو المبيتة، كما لو كانت أحد آلهة مصر الفرعونية الطالعة لتوها من كتاب “الخروج في النهار”؟ أتراها شهيق الفيروس الذي صنع كل هذا الخراب و الهلع القياميين.. صنع جميع هذه “التراجيديا الرائعة” (نيتشه)، و”نزع القداسة عن العالم ” (ماكس فيبير ) “.

   يقدم الكاتب أنيس الرافعي على رأس كل يومية أو لوحة سردية لوحة فنية وإهداء لكاتب أو فنان يعتبره تعويذة ضد الجائحة. وهم يشكلون طائفة روحية  دون أية مجانية  أو تزيين، بل هم منغرسون في لحم  متن الكتاب. و بين تضاعيف هذا المتن يقدم   بنوراما للصورة وللوحات فنانين عرب وأجانب. يقدم كذلك استبصارات  تكشف إلي أي مدى هو متشبع بهذا الفن الساحر، ويقدم تخييلا موازيا يمزج فيه بين المعلومات حول هذا الكوفيد أو عن الرأسمالية السوداء في سحق الطبقات الفقيرة،  أو يعيد بناء سيرة ذاتية لفنان كما في لوحته ” زاحف الليل”، تعتبر هذه اليومية بالذات قطعة فنية فريدة بالفعل، تصف أهوال يوم القيامة في اللوحة وحياة الفنان الغريبة المحتشدة بالقلق والتمزق والمآسي الإنسانية الفادحة، لوحة كابوسية تذكرك بعوالم كافكا. ” هذه اللوحة الشنيعة المقززة، التي يتوسطها كائن شائه الخلقة، دباب دميم قد جينيا من بشر وصرصار وكلب. مقنع معمم بضمادة طبية بيضاء ملطخة بالدم تطمس معالم وجهه. وفي خلفيتها مدينة سرابية برتقالية مهدومة البنايات و مضرمة عن آخرها بألسنة النيران والسخام الأسود والأدخنة الكبريتية السامة كما لو أننا في نهاية العالم وقيامة البشرية. نهاية و قيامة يختزلهما بجدارة البيانو الموسيقي المشتعل في قلب اللوحة”.

 في اليومية (34) ” قاطع التّنفّس و دراماتولوجيّا الرحيل “، تطرق لظاهرة حديثة وهي التخلص من المريض بالقتل باعتباره عبئا على الدولة. كيف وظف أنيس الرافعي اللغة لتبيان مكر السلطة واللغة في آن واحد، فاللغة  خرجت من حضانة البشر والبشر بطبيعتهم كائنات كريهة خطرة، عنيفة لا تأبه بشيء في سبيل مصالحة  كائنات مجرمة بالفطرة. لذلك اللغة أيضا تتبع المربي أو الحاضن، إما تصبح وكرا للزواحف السامة أو بلسما شافيا، و قد عبر عن ما يريد من خلال شاب اسمه عبد الخالق الرحماني حاصل على الإجازة في الأدب الفرنسيّ بميزة مستحسن، و معطّل منذ عامين تقريبا قرأ إعلانا عن وظيفة في مستشفى. ولأنه  بدون مؤهلات اعتبرها فرصة وهو العاطل عن العمل وذهب هنالك ليتم الموافقة على شغل الوظيفة بسرعة فائقة وتوقيعه على العقد وعندما عاد وقرأ العقد في البيت وجد بندا مفاده  أن الموظف ملزم إجباريا  بشكل غير قابل للمراجعة على تولّي مهنة: ( قاطع تنفّس).

  وعندما ذهب للعمل في أول يوم قال له الموظف إن دورك يتمثل في  مساعدة مرضى الحالة الإنباتية المستدامة، وعندما أراد توضيحات أكثر  قالوا له: وقف كلّ من الدورة الدمويّة والتّنفّس للحالات الميؤوس منها بين صفوف المصابين ب ” كوفيد -19″. وحينما قابل ممرضة جميلة أخذت تشرح له القوانين الناظمة والإجراءات التقنيّة لعملية اجتثاث الهواء الاصطناعيّ من ” المنفاس. ن.95 “، بعد التّلف التامّ لأعصاب وعضلات الجهاز التّنفّسيّ. كما أعلمته بأنّه من مسؤولياته الأساسيّة هو الإخراج النهائيّ اللائق للحظة انفصال روح العليل “المفورس” عن جسده. وذلك ” بإسبال الستائر السوداء. بإخماد رنين جهاز الإنذار الزعّاق. بوضع مزهريّة زهور ” أبواق الملائكة ” الأرجوانيّة على ” الكومودينو ” الجانبيّ للسرير. ببثّ الموسيقى الصامتة المحبّبة لوشيك الرحيل داخل حجرة الموت. بحمل الهاتف الجوّال إلى آذان المرضى كي تصلهم الكلمات الأخيرة لأهلهم وأحبتهم وذويهم. ثمّ أخيرا الإمساك بأياديهم الباردة حتّى يتسرّب آخر نبض من أبدانهم، وإسدال أعينهم الضارعة الإسدال الختاميّ. بما يعني ” دراماتولوجيّا ” كاملة لطقوس الحتف و”سينوغرافّيا ” منظّمة لشعائر النحب”.

هذا في تقديري درس في مكر السلطة وطرقها الملتوية في استخدام اللغة. وقد عبر الرافعي عن كل هذا بذكاء مدهش نابه موصل للإشارة.
  هناك أيضا في “أرخبيل الفزع”  فصل رائع عن “كوفيد 19″، باعتباره قاتلا مجرما متسلسلا لا يأبه بمشاعر أو عاطفة، يدخل على ضحاياه، يمزق شملهم، ويؤدي بهم دون رحمة إلى الهلاك. إنه وباء إرهابي و مجرم.

 في هذه الكراسة يظل جهاد الكاتب الأهم هو بناء  نثر سردي ملتصق به، كجرح، كصورة محفورة على جدار معبد،  نتعرف من خلاله على وشم الكاتب المحفور في نسيج اللغة، أو الجملة الشعرية الخاصة، فمهما اختلفت أو تباينت الآراء حول سليم بركات، أو درويش، أو عفيفي مطر، أو نجيب محفوظ، يحيي حقي ويوسف إدريس، زكريا تامر، الماغوط، السياب، أو أدونيس. في النهاية لا يمكن أن تنكر أن لهم أسلوبا خاصا تتعرف عليه حتى لو لم يكن الاسم موجودا على الغلاف، هذا امتياز الكاتب الحقيقي وأنيس الرافعي من الكتاب الكبار، الذي بنى نثرا سرديا خاصا به. نثرا ممتعا رغم أن عوالم أنيس مناطق صعبة وجافة وصعب تشعيرها وتسييل مفرداتها الجامدة، أو مصطلحاتها الخشنة، أو الغريبة عن الأذن، ولكن كل هذه الكتلة المباشرة والجامدة  تتفاعل داخل ذهن متوقد حي ومتدفق، يجعلها غنية و متعددة الدلالات على نحو ساحر.