أتسلى بمقدار ما أستطيع فوق حطام كثير من أيام الآحاد

بول فاليري

الترجمة والتقديم: كوليت مرشليان

مع بداية الموسم الثقافي والأدبي في خريف باريس، أطلقت مجلة “الماغازين ليتيرير” وضمن عدد خاص و”خارج المجموعة” نصوصاً ورسائل غير منشورة للشاعر الفرنسي الراحل بول فاليري (1871 1945) تعيد إلى الصدارة مؤلفاته وقصائده التي أربكت النقاد بجمالياتها وتعقيداتها. قصائد غير سهلة كتبها فاليري بلغته المصقولة وصوره الشعرية الغنية تجعل صورته تعود مع كل التصنيفات والتشبيهات والألقاب التي أنزلت عليه وعلى شعره: انه فاليري “الذي أكمل المسيرة الشعرية التي بدأها مالارميه”، “إنه العبقرية التي لا حدود لها كالتي برقت في رأس ليونارد دافنتشي..”، “إنه الأستاذ المحاضر في “كولدج دو فرانس” والاكاديمي، و”الكاتب الرسمي للجمهورية الثالثة”.. الذي رافقته جنازة رسمية حتى مثواه الأخير..
كل هذا قد لا يقول شيئاً عن بول فاليري أو ربما قال القليل من هذا الصرح الأدبي الذي لم نكتشفه بعد، حتى كتب ذات مرة أحد النقاد: “قراءة فاليري تترك انطباعاً بأنه يتحدث مع القارئ من فوق ومن بعيد، مع انه هنا فوق كتفنا وينتظر أن ننظر إليه بحركة صغيرة من الرأس”.
كل شعر فاليري كان أشبه بالتحدي، ذلك التحدي الذي أطلقه عبر رمزيته الشعرية التي أرادها في قصيدة جديدة تعبّر عن ما في النفس من رغبات فكتب: “سهرة مع السيد تيست” و”أشعار قديمة” و”بارك الشابة” و”اوبالينوس” و”المقبرة البحرية” و”روح الرقص” و”فاوست” و”محاورة الشجرة” و”نرسيس”.
في عدد هذه المجلة من خارج المجموعة يكتشف القارئ أيضاً فاليري الرسام الملهم عبر رسوم ولوحات زيتية أقل ما تقوله عبقرية ذلك الشاعر الذي أبدع بالخط واللون كما إبداعه بالكلمة: رسوم ذاتية وطبيعة ميتة ولوحات ترقى إلى الاحتراف. ننقل من الرسائل غير المنشورة بعضاً منها كذلك بعضاً من رسومه:

[ رسالة غير موقّعة
السبت
وها أنا هنا
في ليلة أحد حزينة، أجلس
فوق حطام غدٍ جميل…
من ذهب
وغد آخر جميل،
ولوحة تمثل روحي
وفيها تصميم رائع
عن حرّيات حميمة..

ـ آه.. الهاتف… آلو…
كلا، يا سيدي!
آه… ظننت أن!… يا لكَ من أحمق
يا أنا المعدم!
لنعد. فأنا أتسلّى بمقدار
ما أستطيع.
(ومن يعلم كيف أحوالكِ، وهذا
التنقّل في الباص؟)
… أتسلّى بمقدار ما استطيع
فوق حطام كثير من أيام الآحاد
(حتى أنه لا أحد يكنّس!)
ـ أيتها الشمس النبيلة، يا سيّدة الأزمنة،
يا ذهب الأرياف البعيدة،
أنتِ يا مَن تحرقني أيامي الناقصة
يا نار وحدتي التي ستغوص
بعد لحظات أكيدة لتجعل يوم
السبت الميت هذا أحداً قاتلاً،
أكرهكِ!… أيتها الشمس السوداء!
ـ هيا، أيّها الدماغ الغبي، كفاكَ وتوقف
عن الشكوى! أنتَ تزعجني بأمواج
هيّا! أريد أمراً بالنسيان!
وحاول أن تجد من جديد
فضيلة أن تحب بسلام
ظلّ عشيقتك
من دون أن تجادل وتناقش
مصير يوم الأحد الفاشل
(الليل يكتمل)
انظري. ألا تحبين هذه الكومة المقرفة
هذا الكنز من الفوضى المجموع على الطاولة
التي غالباً تأتني علz وشك البكاء
فأشهق بين يديكِ، وأنتظر، وأبقى
مثل حيوان؟
إنها مثل مقبرة غريبة للحظات!
هنا، هذه البقايا المبهمة بعظامها
تخبّى تحتها الرسالة الحنونة التي وضعت فيها كل ما أحب!
وها هنا التالي: هنا يرقد رماد قصيدة!
لقد ولد من قلبي ومن قلب الليل الأسود
وكان الحب يدعوه إلى شكله النهائي والعظيم
حين مات من العطش، ومن الغياب، ومن الملل…
طاولة، رأس، مصائر الأفكار، آه يا أنا!
تنوّع قديم وجيّد من أجل كفن
تعدّد في الأغراض يجعلني وحيداً أكثر فأكثر
لا تهمني العطاءات، ولا النشوة، ولا النصر، بل قلق على أن يبقى شيئاً من الذكريات،
وأن أمتلك فوق ياقتي ميداليات مشرّفة،
وأن أترك “نصوصاً” للطلاب الشاحبي اللون
حين، وبعد يوم من الحب، تكونين فرحة
آه يا يوم أحد الحياة!
(منتصف الليل)
[ رسالة غير مؤرخة
من “قصر دو مونتروزييه، آفييرون”

الجمعة
سنكون بخير هنا، وحيدين وكما يحلو لنا.
وإلى مَن يجعلني أقترب بقوّة هذا الزمن المخيف؟
“دائماً” و”كل شيء” يعيد إليّ أنفاسي
“دائماً” هو أنتم و”كل شيء” هو أنتِ وحدكِ
هذه الأسرّة الكبيرة، هذا الصمت، وتلك المشاعر بالعزلة الكاملة.
وحده الحب يمكن أن يشغلنا بأفعال حنونة وبكلمات قريبة من الإنسان، قريبة بالحجم وبالزمن أيضاً.
ليس بيننا سوى بضعة ايام، في هذه الظروف، لكنها قد تجعل الحياة.. لا تُطاق.
مجرّد أن أتذكّر تلك السنوات من قبل (أي منذ أن تعارفنا) وتلك الفراغات.. كانت تخترقني.
سنمضي، وأنا أحبكِ.
تعالي فوراً وقبّليني.

[ رسالة موّجهة
من “قصر مونتال”
بتاريخ 20 آب 1941

حب،
أستيقظ وفوق راسي تلك القبّة الشرقية المطرّزة بالقماش الدمشقي الأصفر، وأجد نفسي في هذا السرير الضخم حيث حوالى الدزينة من الـ”أنا” و”أنتِ” المنتشرين فيه بالطول والعرض نتقارب، نفعل الحب ونرقص تلك الرقصة التي تؤدي إلى “شيء ما”.
وكأنني أستيقظ في متحف! لم أجرؤ بالأمس على النوم وحدي في السرير عند المساء.
كنت بانتظار أشباح من التاريخ. كان دولان (مخرج صديق يدعى شارل دولان) في مكان ما. (وذلك لأن القصة تقوم على فكرة رأس يضجّ بدولان وبعض الموظفين في متحف “الفنون الجميلة”)
أجل، لكن الشبح الحقيقي، الوحيد، المخيف، المسلح بخنجر قاتل، ذاك الذي لا يتركني بسلام على الاطلاق، ذاك الذي تذكر فيه كل التفاصيل ولا شيء يبعده ذاك الذي يدعوه الجميع باسمه “الصغير” وهذا ما لا يحصل معي، لأنني أنا ايضاً لم أعد أمتلك اسماً، إنه ذاك “الشخص”، ذاك الوحش، ذاك الغرض، الغرض الوحيد، والمسيطر، ذاك الألم الحاد، ذاك الكل، ذاك العطش، ذاك العنقود، ذاك النبع في الحياة وذاك السم في القلب الذي والذي.. الفكرة الأولى والأخيرة عند المساء،
إنه… أنتِ!
ثم، وفي ديكورات المسرح تلك أشعر كأنني “أميل” عند “الأميرة”.
أعيش من جديد تلك اللحظات الناعمة التي عشناها سوية فوق الكنبات المجموعة قرب بعضها حين كنّا نبحث عن كلمات، وذاك الحيوان الاسطوري الذي نشكله سوية من نبعين، ومن مصدرين للكلمات، ومن وقت إلى آخر يحاكي نفسه، يمارس العشق والحب مع نفسه..
هل من شيء أجمل وأرقّ من تلك المبادلات؟
أنا، قد أعطي أي شيء لأستعيد ذلك!
أنتِ تعرفين ما تعني لي كلمة “حب” العتيقة.
الأمر سهل. يجدر بنا أن نعمل المستحيل للتقارب مع مَن نحب إلى حدّ نعرف بعدها الألم الفظيع الذي قد يحدثه البعاد والانفصال.
الانفصال بشر قاتل. والغياب حالة ضدّ الطبيعة، ومجرّد التفكير ان الآخر الذي نحبه لا يفكر في هذا الآخر الذي و نحن وبأنه يستطيع أن يتنفّس بحرية من دوننا أمر قاتل، وهو أسوأ أنواع المشاعر.
… أنظر إلى أبراج سان سيري المغطاة بالضباب. إنها الثامنة. من دون شك انها لا زالت نائمة. لو تعلمون كم أفكر بها!
ـ الخادم العجوز يحضر طبق الطعام. يذهب من بعدها فوراً نحو المدينة. يا له من رجل شجاع!
وسأعطيه هذا (حرف س) (والذي يعني سانتور وهو يعني كثيراً لفاليري، فهو رمز من الرموز التي آمن بها افلاطون).

[ رسالة بتاريخ
28 كانون الثاني 1944
الجمعة
إنه يوم الجمعة! ومنذ متى أصل إلى هذه النقطة بأن لا أملك شيئاً فيكِ ولا مخابرة تلفونية -؟ ولا حتى كلمة، أو إشارة أو علامة، لا شيء! ولا شيء وأنا أمضي هنا أياماً صعبة، وفي ظروف هي الأصعب حتى الآن!..
لا أستطيع أن أصدق هذا، لا أستطيع أن أتخيّل أنكِ لم تتخيلي على الأقل لحظة من هذه الأيام الصعبة: هذا ما أفكّر به وأتساءل عنكِ في قلبي.
كتبت بقلم الرصاص لأنني تأمّلت بإجابة منكِ هذا الصباح. وأخيراً اتصلت، وكنتِ خرجت للتسوّق. لا يمكن أن تتخيّلي ما حالة دماغي في هذه المرحلة. في البداية، بالتأكيد، شعرت بالمحاصرة ومن ثم بالخوف الشديد. ثم قمت بقراءات طويلة ومن دون نوم وهذا السرير الذي يؤلمني، وهذه الأفكار التي تشغلني، وأطلق على نفسي أحكاماً من البعيد ومن فوق… مع أنني كنت أمتلك “اوبالينوس”. وها أنا أعجب بنفسي وعلى طريقتي وتساءلت بفخر: مَن، في هذه الايام، يستطيع أن يكتب هذا الحوار حول الذكاء المترفّع؟ حيث ليس من مكان لأي طلب مساعدة من الفلسفة أو من الامور المتعلقة بالإيمان.. كل شيء مني أنا.
ستُفهم هذه الامور بعد فترة ولكنني لا أمتلك الثقة بمستقبل الفكر في نهاية المطاف، لا يهمني هذا الأمر. لا أعرف لماذا أقول لكِ كل هذا إنها ريشة قلمي! أو أنها المرارة، أو هو التعب الذي يتكلم نيابةً عني. لقد ناديتكِ طويلاً لكنكِ لم تأتِ. كل هذه الأمور لا تهمكِ.