"آه يا شحاتة" قراءة في فيلم "يهود مصر- نهاية رحلة"
 ونحن أيضا كانت لنا بلاد، تقل الأشجار او تهرب الحيواناتولا يبقى لنا جار لطفولتنا سوى الشمس"عباس بيضون"يشعرك المخرج المصري أمير رمسيس في فيلمه "يهود مصر- نهاية رحلة" أننا امام طفلتين في السبعين من عمرهما (ماجدة ونادية شحاتة هارون) هما ابنتا المحامي والناشط الحقوقي الشيوعي وأحد رموز اليسار المصري خلال عقود الخمسينيات والستينيات "شحاتة هارون" ذلك المصري اليهودي الذي رفض أن يغادر مصر عقب حركة الجيش في يوليو 1952 وظل فيها إلى أن مات ودفن وبقيت بناته من بعده يمارسن "مصريتهن" كما تلقينها من أبيهن الراحل الباقي.

طفلتان يتيمتان ليس فقط لدواعي الفقد البيولوجي والحياتي المتمثلة في موت الأب منذ سنوات طويلة ولكنه ذلك اليتم المعنوي والاجتماعي والنفسي، أو لنَقُل ذلك اليتم الوطني، حين حدث الشرخ الرهيب في الشخصية المصرية فيما يخص العلاقة مع اليهود عقب حرب 1948 نتيجة إعلان دولة إسرائيل ومن بعدها حركة يوليو ثم حرب السويس 1956 وحدوث الخروج الثاني- والأخير- لليهود من مصر خلال سنوات قليلة، مختومة جوازات سفرهم المصرية بدائرة (خروج بلا عودة)، وكنتيجة لكل هذا فإن من تمسك بمصريته وحقوق المواطنة المكتسبة والطبيعية لمن عاش ونما على تراب أرض محددة أصبح يعاني من حالة يتم وطني أو قومي عام نتيجة لظرف سياسي ليس له يد فيه -وهو قيام دولة إسرائيل على أساس تحول الديانة إلى جنسية- وظرف أنثربولوجي نتيجة تحولات في الشخصية المصرية أدت إلى أن أصبح الآخر – في الدين والعرق وأحيانا الجنس- محط نفور واستهزاء ورفض، وهي التحولات التي بدأت بذرتها مع حركة الجيش في الخمسينيات وخلال سنوات القومية العربية في الستينيات ثم تبلورت أكثر لتتخذ شكلا أكثر تطرفا في السبعينيات مع تغلغل حركات الإسلام السياسي في السياقات المجتمعية وبدأت ذروتها خلال الثمانينيات مع اغتيال السادات على يد المتشددين الإسلاميين وعودة المصريين من العمل في الخليج محملين بالثقافة الوهابية الرافضة للحياة المدنية والحضارة الإنسانية شكلا ومضمونا.

قبل عامين تقريبا قدم رمسيس الجزء الأول من الفيلم “عن يهود مصر” حاول أن يستعرض فيه بعضا من التاريخ الشعوري والانفعالي والاجتماعي المسكوت عنه في علاقة اليهود بالمجتمع المصري خلال سنوات الليبرالية المصرية منذ قيام ثورة 1919 وحتى حركة 1952 ثم سافر خلف من سافروا خارج مصر متتبعا رحلتهم في المنفى الإجباري أو الاختياري محاولا أن يطرح سؤالا من باب المشاركة وليس الجزم – أي إشراك الجمهور وليس إملاء الإجابة عليه- يخص الهوية المصرية والشخصية التي تفتت وصارت مليئة بالتشوهات والعيوب الخلقية التي لم تكن أصيلة في جيناتها حيث ساق علامة استفهام ضخمة وواضحة مغزاها : كيف كنا ولماذا أصبحنا هكذا؟

 

نهاية رحلة ! لماذا؟

يقدم أمير عنوانا فرعيا للجزء الثاني من فيلمه هو(نهاية رحلة) والعنوان مكون من كلمتين نكرتين، والتنكير هنا يفيد بعض التجريد للتعميم، فربما المقصود هو نهاية رحلة البحث خلف سؤال الهوية من خلال التركيز على إحدى أعراق المجتمع المصري الذي كان يتسم برونق كوزموبوليتاني وليبرالي متحضر وراق خلال النصف الأول من القرن العشرين ثم تغير ليصبح مجتمعا منغلقا رافضا للآخر ولنفسه في بعض الأحيان، وهي ليست نهاية بالمعنى المباشر حيث يمكن اعتبارها نهاية مفتوحة بالسؤال الذي سبق وأشرنا إليه والتي يمكن أن يستكملها المخرج أو أيا من كان يريد السير خلف سؤال(الآخر والهوية) في رحلة جديدة.

 وربما المقصود هو نهاية إحدى رحلات اليتم الوطني الذي تسببت فيه أزمة سياسية واجتماعية عميقة واستثنائية بالنسبة لأسرة شحاتة هارون وبقية اليهود المصريين الذين رفضوا المغادرة وقرروا أن يمارسوا هويتهم الوطنية والاجتماعية بغض النظر عن الرفض والنفور والحساسية القومية والدينية، والذين قدمهم لنا المخرج في شكل المجموعة المتبقية من الطائفة اليهودية في مصر والمكونة من 12 سيدة مسنة أصغرهن نادية هارون التي غادرت الحياة عقب تصوير الفيلم بأسبوعين.

بل إن “نهاية رحلة” يمكن النظر إليه كعنوان له دلالات تخص رحيل نادية هارون هذه المرأة التي بقيت هي وأختها ماجدة وأمهن مع أبيهن شحاتة هارون ثم عقب وفاته، رغم ما عانينه من ملاحقة بوليسية إبان الخمسينيات والستينيات والتي وصلت إلى ذروتها عقب حرب يونيو 1967، وفي مشهد مشحون بالمشاعر والدلالات نرى نادية وهي تجلس بجانب قبر أبيها وتنظر له وكأنها تراه بداخل قبره أو وكأنها تعلم من داخلها أنها على وشك أن ترقد إلى جانبه بعد أيام قليلة من هذا التاريخ.

وبما أن المخرج لم يكن يعلم ولا أحد أن نادية سوف ترحل عقب أسبوعين فقط من التصوير فإنه بحساسيته البصرية والإخراجية التقط هذه الجلسة المنفردة لها وتلك النظرة الغريبة والعميقة التي حدجت بها القبر لتصبح تلك اللقطة هي إحدى ركائز الفيلم الشعورية وأحد عناصر الذرى الانفعالية والنفسية لمأساة هذه العائلة عقب وفاة هذه السيدة لينقص أعضاء الطائفة الاثنا عشر فردا ويستهلك أحد الاكفان التي كانت ماجدة هارون تسعى للحصول عليها من أجل سيدات الطائفة اللائي يوشكن جميعا على الرحيل بسبب الشيخوخة وكبر السن- مع الأخذ في الاعتبار دلالة الرقم اثني عشر في التراث اليهودي وهو رقم الأسباط الذين خرجوا من ظهر يعقوب/إسرائيل وهي دلالة تبدو دراماتيكية ومؤلفة ولكن بيد القدر.

كذلك يبدو “نهاية رحلة” منسجما مع فكرة الانقراض التي تتحدث عنها ماجدة هارون عندما تتمثل في ذهنها موت اخر اعضاء الطائفة في المستقبل وبالتالي نهاية الوجود اليهودي في مصر تماما ضاربة مثل بشعور أخر ديناصور على وجه الأرض قبل انقراض سلالته، وحجم الحزن الذي بلا شك كان يشعر به ويغلفه عندما ايقن هذه الحقيقة الرهيبة والتي لا مفر منها.

وقد بدا المثال الذي ساقته ماجدة هارون متسقا بصريا بشكل كبير مع تركيز المخرج على مجموعة السيدات الائي تبقين من الطائفة والائي يبدون في اعمارهن الشائخة وسنواتهن المديدة وحركتهن البطيئة اقرب للديناصورات الائي على وشك الانقراض بالفعل.

ومن هنا يمكن الوقوف على بعض ميزات البناء الدرامي والبصري للعمل ككل عندما نجد المخرج يتوقف امام دفتر أحوال الطائفة خلال سنوات الخروج في الخمسينيات صائغا دلالات كثيرة بالتوقف امام سجل المواليد التي كانت اخر”داية/مولدة”يهودية قد دونته عام 1956 واخر طفل ولد وسجل للطائفة وكان يدعى”شالوم”اي سلام وهي ايضا دلالة قدرية ساخرة جدا ان يكون اخر طفل يهودي يولد في مصر قبل الخروج الكبير اسمه سلام في حين كانت الحرب المصرية الأسرائيلية/اليهودية مشتعلة في السويس وسيناء.

عادة ما تعكس اختيارات المخرجين وجهات نظرهم في البناء الدرامي المفترض للعمل التسجيلي وفي تجربة”نهاية رحلة”ثمة ميزات درامية كثيرة تتجاوز التوثيق والتسجيل إلى تخوم المغزى والشعور الدرامي الخالص، والذي يبدو في ظاهرة مؤلف لكنه ليس كذلك، فصياغته جاءت عبر صراعات قدرية وسياسية واجتماعية وانسانية على مسرح الحياة، وما فعله المخرج هنا هو أنه تتبع حسه الدرامي في التقاط هذه الصراعات وتكثيفها وعرضها مستغلا الشكل التسجيلي والشهادات الحية والأرشيف المصور.

 

ديناصورات طيبة.. ومعابد مغلقة

اثنا عشر سيدة فقط هم كل من تبقى من الطائفة اليهودية في مصر خلال النصف قرن المنصرم لكن اين ابنائهن واحفادهن واحفاد احفادهن!! هذا السؤال قد يلح على ذهن المتلقي وهو يتابع هذه الديناصورات الطيبة وهي تحتفل بأعيادها الدينية ربما للمرة الاخيرة في حياة اي منهم.

لا يتطرق امير لهذه النقطة ولكنها تبدو حية تحت جلد الفيلم ويمكننا أن نستشعرها في تلك الجلسة الجماعية التي يفرد لها فصلا كاملا في العمل وهي جلسة اصدقاء ماجدة ونادية هارون الائي تربين معهن والائي يبدون ايضا نوع أخر من الديناصورات التي على وشك الانقراض فهم بقايا عصر ليبرالي وحر ومتفتح وأنساني جدا فلا حجاب قسري ولا تدين ظاهري ولا خشونة اجتماعية ولا تحفظ ديني ولا نفور عرقي، بل أن المخرج يصر على هذا المعني من خلال التعريف المقصود باسماء واحدة واحدة من شلة الأصدقاء للوقوف على خلفياتهن الدينية والأجتماعية المتفاوتة والمنسجمة في نفس الوقت، تماما كالزمن والمجتمع الائي تربين فيه وشكل وجدانهن واصالتهن الحقيقية، والتي استمرت طوال سنوات الحراك السياسي والأجتماعي والتراجع الحضاري المصري. ففيهن المسلمات والمسيحيات واليهوديات(ماجدة ونادية) وفيهن الذي من اصول تركية وارمينية وفيهن ابناء الطبقة الأرستقراطية التي تتضح من الأسماء الفخيمة وفيهن من الطبقة المتوسطة التي كانت ينتمي إليه شحاتة هارون وبناته.

وحين يتحدثن عن زمنهن ومجتمعهن نستشعر ساعتها لماذا لم نرى لاي من سيدات الطائفة اليهودية أبناء او احفاد في مصر، فليس من المعقول ان كلهن عقيمات او لم يتزوجن وينجبن، ولكن لأن المجتمع تغير كثيرا منذ ان كن شبابا وبالتالي لا شك أن ابنائهن واحفادهن قد غادروا مع من غادر.  فالصورة الارشيفية-التي لا تزال تدب فيها الروح-هي جلسة أصدقاء ماجدة ونادية تعكس المجتمع الذي كان من الممكن أن يبقى فيه ابناء الطائفة اليهودية ولا يجبرن على الخروج بلا عودة او منفى أختياري، اما الان فهو مجتمع المعابد المغلقة، رغم كل ما تحتويه من تراث مصري اصيل يهودي النوع، وهو التراث الذي يصبح هو الأبن أو الحفيد الذي تتمنى ماجدة هارون أن يبقى بعد رحيل كل اعضاء الطائفة بالموت والأنقراض.

يفرد أمير فصول كاملة من فيلمه لأستعراض اثنين من المعابد اليهودية التي لا تزال تحت إدارة الطائفة وليس وزارة الأثار، ويستعرضهم لا بنظرة السائح ولكن بعين ماجدة هارون رئيسة الطائفة التي تريد أن تتحول تلك المعابد إلى متاحف للتراث اليهودي في مصر ومراكز ثقافية تقلل من حجم الخسائر الحضارية التي تسببت فيها ثقافة النفور من الأخر.

لقد اصبحت تلك المعابد هي الابناء التي سوف تبقى عقب رحيل اخر ديناصوره/يهودية وهي كما تستعرضها كاميرا أمير اماكن شديدة التميز والرقي والأصالة بكل ما تحتويه من عناصر تخص التراث اليهودي المصري، الذي لا يشبه التراث اليهودي في أي مكان اخر في العالم، وفي خضم الأسئلة التي يطرحها الفيلم تتساءل ماجدة هارون( لماذا لا يحول احد هذه المعابد إلى معبد للتراث اليهودي كما للتراث القبطي والأسلامي من متاحف في طول البلاد وعرضها؟؟) اليس التراث اليهودي جزء من المكون الانثربيولجي للمجتمع المصري! مرة أخرى يعود أمير لسؤال لماذا يغادر الأخر وتطمس ذاكرته!

دعونا لا ننسى ايضا الأشارة إلى ان مكون الرحلة البصري الأساسي بالنسبة للقاءات المخرج مع ماجدة هارون الراوية الأساسية في الفيلم هو وجودها داخل سيارة تتحرك في شوارع القاهرة، وهو اختيار متسق شكلا ومضمونا مع فكرة الرحلة، فرغم اننا شاهدنا ماجدة ونادية هارون في مكتب والدهم وفي المعبد وفي المقابر وهي كلها اماكن ثابتة وسهلة ولكن امير يقرر أن يوازي ما بين فكرة الرحلة في المستوى المعنوي والحركة المادية لها، وذلك بجلوس ماجدة في سيارة تتحرك طوال الفيلم لا ندري من اين تأتي ولا إلى أين تذهب على المستوى الواقعي، ولكن على المستوى المجازي تبدو الرحلة واضحة الجهات والمعالم والتفاصيل وتدريجيا يدرك المتلقي من أين جاءت هذه المرأة وإلى اين ستذهب في النهاية!

 

آه يا شحاتة ..

يقول الشاعر اللبناني عباس بيضون في قصيدته نحن ايضا كانت لنا بلاد :

لم نملك بوصلة الغابة ولم نتراسل بالدم،

لذا ظهرت جلودهم وبلطاتهم على دفاترنا

ولم نعرف كيف نخرج من تاريخهم

هكذا يمكن ان نصف الحالة التي بدت عليها بنات شحاتة هارون خلال رحلتهم عبر فيلم أمير للحديث عن بقائهن في مصر. الصورة قد تبدو عادية ولكنها مشحونة بالدلالات، الاماكن التي اختارها المخرج سواء مكتب شحاتة هارون الذي يمثل ارثه الفكري والوجداني والمعابد التي لم يفكر احد في الولوج إليها من خلف حواجز البوليس بحجة التأمين، والمقابر التي تضم مصريين لكنهم يهود دفنوا في ارضهم على مدار عقود طويلة.

في جلستهم فوق قبر شحاتة هارون تصرخ احدى المرأتين اليتيمتين”اه يا شحاتة..اه من اللي عملتو فينا!!”ليبدو النداء هنا يحمل قدرا هائلا من العتاب لاصرار الأب على البقاء في مجتمع رافض وطارد ومتغير ولكن هذا النداء يكتسب دلالات اعمق عند وضع تفاصيل الرحلة او نهايتها جنبا إلى جنب عبر شهادات الأختين، فالعتاب لم يكن على البقاء ولكن على البصيرة، لقد تبصرت المرأتين وثبت لديهم اليقين بما فعله ابوهم، هذا الرجل الذي تحكي عنه ابنته انه رفض مغادرة مصر لعلاج أبنته الثالثة التي كانت تحتاج للسفر إلى فرنسا، لقد رفض أن يختم جواز سفره خروج بلا عودة لمجرد انه يهودي مصري، وأصر على البقاء وضحى بأبنته الصغيرة على أن يغادر دون أن يحق له العودة مرة أخرى.

ما فعله الأب هو أن غرس في ابنتيه اليقين بانهم ابناء هذا البلد ولهم حقوق في ترابه فبقوا هم ورحل هو عن الحياة، وفي زيارتهم له وهي افضل مشاهد الفيلم بصريا يبدو العتاب على هذه البصيرة المزروعة وذلك اليقين المغروس وكأنه شكر عميق في صورة لوم ظاهري.

قبل فصل المقابر تتحدث نادية وماجدة عن الاعتقالات العديدة التي تعرض لها شحاتة هارون وأهل الطائفة اليهودية خاصة أبان حرب 1967 بل أنه من قبيل السخرية العبثية ان شحاتة كان شيوعيا وعلى ما يبدو من سياق الفيلم فأنه لم يربي بناته تربية دينية يهودية، بل تربية مدنية يمكن اعتبارها انعكاس لمدينة المجتمع المصري خلال تلك السنوات، ويكفي ما اشارت إليه ماجدة وصديقاتها بخصوص واقعة ارتدائهن الميني جيب وتصوير احد الصحفين لهن ونشر الصورة في الأهرام بظهورهن واكتشاف شحاتة لابنته من ظهرها وساقيها لتجيبه في نهاية هذه الواقعة ذات الدلالات الكثيرة: مش أنت اللي اشتريت لي الجيبة دي!

ماجدة و نادية شحاتة هارون

تجلس نادية وماجدة كيتيمتين على قبر شحاتة هارون وتخرج ماجدة خطابا كان والدها قد ارسله لها من المعتقل، تبدو لغة الخطاب المجردة والشعرية اقرب لرسالة من العالم الأخر يوجهها شحاتة إلى ابنته، يتحدث فيها عن(هنا)حيث هو و(هناك)حيث بناته، يصبرها ويشد من عزيمتها الوجدانية ويطمئن على اليقين الذي غرسه في نفسها.

ان قراءة رسالة من ميت فوق قبره لهو احدى اكثر المشاهد الدراماتيكية تأثيرا لو أتسقت كلمات الرسالة ومعانيها مع واقع الأحياء في تلك اللحظة، رغم أنها مكتوبة منذ وقت طويل، فيما عدا ذلك قد تبدو لحظة ميلودرامية باهتة يمكن أن تهدم الزخم الدرامي للعمل ككل. وقد استطاع امير أن يوجه ماجدة ونادية هارون إلى اختيار الرسالة الصحيحة التي تصلح دراميا ووجدانيا للقراءة فوق قبر والدهم، وقد بدت الرسالة وكأنها ذلك الحجر الذي يضعه اليهود فوق قبور موتاهم تكريما لهم واشارة إلى أن واضع الحجر قد زار القبر ولا يزال يذكر صاحبه، وإشارة إلى نيته زيارة القبر مرة أخرىكما حدث مع نادية عقب ذلك بقليل عندما ماتت وذهبت لتقينم في القبر إلى جانب والدها- ومن تفسيرات مسألة وضع الحجر في التراث اليهودي بأنه بصفته مادة صلبة يدل على الأيمان العميق ببعث الموتي، حيث ورد في الاصحاح المائة والثامن عشر من سفر المزامير”الحَجَر الذي رَفضَه البناؤون قد صَار رأس الزاوية. من قبل الرب كان هذا. وهو عجيب في أَعْيُنِنَا”ومن هنا تبدو خاتمة الفيلم في المقابر حيث تضع نادية وماجدة احجارا صغيرا على قبر ابيهم تكريما له وتذكرا لما غرسه في نفوسهم وايمانا منهم بأنه حي فيهم وانهم يؤمنون بأن هذا الرجل بكل قيمه وعناده الوطني وصراعه من اجل حقه في تراب الارض التي ولد عليها سوف يبعث من جديد ذات يوم طالما ظل هناك من يتذكر شحاته هارون وبناته.

ومن ابرز ميزات الخاتمة أن المخرج لم يستغل وفاة نادية هارون بشكل ميلودرامي أو دعائي فج متباكيا عليها، بل الحقه بالتيترات كجزء من اكتمال المعنى الأشمل وهو نهاية رحلة، فها هي نهاية رحلة نادية هارون قد حلت، ولولا وجودها على الشريط الفيلمي لأمير رمسيس لعاشت وماتت دون أن يدري احد من الاجيال القادمة شئ عن هذه المرأة وابيها ذلك المسيح اليهودي المصري صاحب السيرة التي تجاوزت العمر وما بعد العمر.

 ان يهود مصر الجزء الثاني قد يكون نهاية رحلة بالنسبة لشخصياته أو صانعه ولكنه بلا شك بداية رحلة لمن يمكن أن يستهويه البحث خلف بوابات التراث المصري المسكوت عنه في محاولة لاستعادة ملامح مجتمع يبدو الان وكأنه مصر بعيدة لا تشبه مصر الأن وشعب أخر لا يشبه الشعب الحالي.

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:205. Generation time:3.879 sec. Memory consumption:44.26 mb