موقع الكتابة الثقافي uncategorized 51
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

قسطنطين كافافي

ترجمة: بشير السباعي

جان كانتاكوزين يسود

يتأمل هذه المروج التي لا تزال ملك يمينه

حيث الحنطة والماشية والأشجار ذات الثمر.

يتأملُ، وراء ذلك، بيت الآباء

العامر بالثياب، بالأثاث الفاخر، بالفضيات.

كل ذلك سوف يُحرم منه – وايسوعاه! – كل ذلك سوف يُحرم منه الآن.

أيكون صدفة أن يرحمه كانتاكوزين

لو سجد عند قدميه؟

يُقال إنه عفوٌ، عفوٌ غفور.

ولكن ماذا عن حاشيته؟ ماذا عن الجيش؟

أم ترى إن من الأحرى به أن يتوسل للسيدة إيرين وينتحب ضارعًا إليها؟

كم كان غبيًّا إذ ورط نفسه مع حزب آن

– تلك التي ماكان يليق قط بالسيد آندرونيك أن يتزوجها.

هل طلعت علينا بشيء يستحق الاستحسان؟

الفرنجة أنفسهم ماعادوا يقيمون لها اعتبارًا.

مضحكة كانت خططها، بلا طائل كانت استعداداتها.

وبينما كانوا، من القسطنطينية، يهددون الدنيا،

بدد شملهم كانتاكوزين، سحقهم السيد جان.

لو كان عَزَمَ على نصرة السيد جان،

لو كان فعل ذلك، كان يمكن أن يهنأ،

واليًا عظيمًا، راسخ القدمين أبدًا

لو لم ينجح الأسقف في إقناعه في اللحظة الأخيرة بصولته الكهنوتية،

بمعلوماته المغلوطة من أولها إلى آخرها،

بوعوده وحماقاته.

(عن ترجمة بانوس ستافرينوس الفرنسية)

 

المهالك

قال ميرتياس ( طالب سوري بالإسكندرية في عهد أغسطس كونستانس وأغسطس كونستانتينوس، شبه وثني، شبه مسيحي):

” متخذًا من العلم والدراسة عدةً لي،

لن أخشى، كالجبان، أهوائي.

جسدي، سوف أسلمه للشهوة،

للملذات التي يجرفني الشوق إليها،

للرغبات الجنسية الأكثر جموحًا،

لتحرقات دمي الشبقية،

دونما خوف.

لأنني متى شئت

– وساعتها سوف تواتيني الإرادة،

وقد تسلحت إلى هذا الحد

بالعلم وبالدراسة –

سوف يتسنَّى لي أن أجد من جديد،

في اللحظات المناسبة،

كما في السابق،

روحي الزاهدة”.

(عن ترجمة آي. كيرياكوبولو الفرنسية)

 

عن الدكان

يلفها حريصًا، بنظام،

في الحرير الأخضر النفيس.

ورودٌ من ياقوت، زنابق من لآلىء

وبنفسجاتٌ من جمشت.

هكذا حسبها، وأرادها وبدت له جميلة،

على غير حال الطبيعة.

أشار إليها وعلَّمها.

أودعها خزانته،

لتكون برهانًا على عمله العبقري والجسور.

وعندما يدخل مشتر الدكان،

يُخرج، من علب الجواهر، دررًا أخرى للبيع

– جد نفيسة –

سلاسلَ وأساورَ وعقودًا وخواتمَ.

 (عن ترجمة آي. كيرياكوبولو الفرنسية)

 

في الشارع

وجهه العذب، شاحبٌ قليلاً؛

عيناه الداكنتان، تحيطُ بهما زرقة؛

في الخامسة والعشرين، لكنه يبدو كما لو كان في العشرين؛

لثيابه مظهرٌ فنِّيٌ

– شيءٌ ما في ربطة العنق، في شكل الياقة –

يهيمُ على وجهه في الشارع،

وهو لا يزال منتشيًا باللذة المنحرفة،

باللذة جد المنحرفة، التي جرب مذاقها.

(عن ترجمة د. ميتروبولوس الفرنسية)

 

أَيْمان

يحلف كل نهار أن يبدأ حياةً عامرةً بالفضيلة،

ولكن عندما يحل الليل بإيحاءاته،

بغواياته، بوعوده،

ولكن عندما يحل الليل بقدرته على الإقناع،

يرتد، ولهانَ، إلى الاستمتاع الآسر نفسه

بالجسد الذي يشتهي ويهوى.

 (عن ترجمة أليكس إيمبريكوس الفرنسية)

 

بقــاء

لابد أنها كانت الواحدة أو الواحدة والنصف ليلاً،

في ركن حانة،

خلف ساترٍ خشبيٍّ.

فيما عدانا نحن الاثنين كانت الحانة مهجورة تمامًا.

كان سراجٌ يضيئها إضاءةً خافتة.

عند الباب،

كان الجرسون، الذي أضناه السهر، قد استسلم للنوم.

ماكان بوسع أحد أن يرانا.

لكننا كنا، أيضًا، جد مستثارين،

بحيث كان مستحيلاً علينا الاحتياط.

كانت الثياب مفتوحة الأزرار.

لم تكن كثيرة

بسبب ذلك الحر الشديد لشهر يوليو.

لذة شهوانية،

بين ثياب مفتوحة الأزرار

– تعرية سريعة للجسد–

اجتاز طيفها ستة وعشرين عامًا

ليبقى الآن

في هذه القصيدة.

 (عن ترجمة آي. كيرياكوبولو الفرنسية)

 

في شهر هاتور

أقرأ بصعوبة

على الحجر القديم،

” ر(بـ)ـنا يسوع – المسيح”

أميز كلمة “ر(و)ح”

وبعيدًا عن ذلك، “في شهـ(ر) هاتور”

“(ما) ت ليوكيو(س)”.

عند ذكر العمر،

“عا(ش)”

يشير الرقم 27

كم كان صغيرًا حين مات.

في مواضع متآكلة

أرى “هـ (و) …… إسكندراني”.

يجد المرء بعد ذلك ثلاثة سطور

أكثر تآكلاً

لكنني أفك كلمات

كـ “د(مـ) وع” و “أسف”،

ثم تحت ذلك مرة أخرى “دموع”

ثم “كرب لنا (نـ)حن خلا(نـ)ـه”.

يبدو لي أن ليوكيوس

كان محبوبًا جدًّا.

خلال شهر هاتور

مات ليوكيوس.

(عن ترجمة فرنسية صاحبها مجهول)

 

شمس الأصيل

كم أعرف هذه الغرفة جيدًا!

الآن جرى تأجيرها، مع تلك المجاورة لها، مكاتب.

ولم يعد المنزل غير مكاتب للوكلاء، للتجار، للشركات.

آه! كم هي مألوفة لي هذه الغرفة.

قرب الباب، هاهنا، كانت الكنبة وأمامها بساط تركي.

وهناك، غير بعيد، كان الرف وعليه مزهريتان صفراوان.

إلى اليمين – لا ، في الواجهة – كان دولاب له مرآة.

في الوسط، كانت منضدته حيث اعتاد العمل

وكراسي الخيزران الكبيرة الثلاثة المريحة.

وإلى جانب النافذة كان السرير

حيث مارسنا الحب كثيرًا.

ياللأشياء البائسة!

لابد إنها لا تزال موجودة في مكانٍ ما.

إلى جانب النافذة كان السرير،

كانت شمس الأصيل تصل إليه حتى المنتصف.

…ذات عصر، في الساعة الرابعة، افترقنا.

لأسبوع واحد فقط…

ياللحسرة،

لكن ذلك الأسبوع قد دام إلى الأبد.

 (عن ترجمة آي. كيرياكوبولو الفرنسية)

 

الخامس عشر من مارس

يجب أن تهابَ الأمجاد، آه ياروحي.

وحين لا تقوى على قهر طموحاتك،

اتبعها بتردد واحتياط.

وبقدر ما تتقدم

كن حريصًا،

وعندما تبلغ الأوج، وتصبح قيصرَ أخيرًا،

عندما تتخذ شكل شخص بهذه الرفعة،

عندئذ انتبه بشكلٍ خاص حين تكون في الشارع،

مهيمنًا جليلاً مع حاشيتك،

إن حدث واقترب منك أحدٌ من الجموع،

أرتميدور ما حاملاً مكتوبًا،

وقال لك في عجلة “اقرأ هذا حالاً

هذه أشياء خطيرة تهمك”،

سارع إلى التوقف،

سارع إلى إرجاء كل محادثة أو شأن،

سارع إلى تنحية أولئك الذين يحيون وينحنون عن طريقك

(سوف تراهم فيما بعد)،

دع مجلس الشيوخ نفسه ينتظر،

وتَعَرَّفْ بسرعةٍ على الأشياء الخطيرة في مكتوب أرتيميدور.

 (عن ترجمة م. الفرنسية)

 

ليلـة

كانت الغرفة فقيرةً وعادية،

منزويةً فوق حانةٍ مشبوهة.

من النافذة،

كان يمكن للمرء رؤية الحارة،

ضيقة وقذرة.

من تحت،

تتناهى أصوات عمال،

يلعبون الورق ويتسلون.

وعلى السرير البسيط والرخيص،

كنتُ أمتلك جسد المحبوب،

كنتُ أمتلك الشفتين،

شفتي النشوة الشهوانيتين والحمراوين،

الحمراوين من نشوة صارخة

بحيث إنني، حتى وأنا أكتب الآن،

بعد كل تلك السنين،

في بيتي المنزوي،

أنتشي بها من جديد.

 (عن ترجمة ج. ا. جورجوسي الفرنسية)

 

عن أمونيس

مات في التاسعة والعشرين، في عام 610

رافاييل،

نسألك أن تكتب أبياتًا تكون شاهدة قبر

للشاعر أمونيس،

شيئًا يتميز بحسن الذوق وبالرصانة.

أنت الذي تقوى

– أنت الأقدر –

على كتابة ما يليق

عن الشاعر أمونيس،

الذي كان منَّا.

لا ريب إنك سوف تتحدث عن قصائده –

لكن تحدث أيضًا عن جماله،

عن جماله الرقيق الذي أحببناه.

إغريقيتك جميلة وموسيقية دائمًا.

لكننا بحاجة الآن إلى كل مهارتك

ففي لغة أجنبية سوف ينتقل حزننا وحبنا،

اسكب عاطفتك المصرية في لغة أجنبية.

رافاييل،

اكتب أبياتك بحيث يكون فيها،

تدري،

شيءٌ من حياتنا،

بحيث يكشف الإيقاع وكل جملة

أن إسكندرانيًّا يكتب عن إسكندرانيّ.

(عن ترجمة هـ. بيرنو الفرنسية)

 

لتأتِ

شمعةٌ واحدةٌ تكفي

نورها الخافت أنسب ما يكون،

سيكون أكثر عذوبةً حين تجيءُ بالحب،

حين تجيءُ الأطياف.

شمعةٌ واحدةٌ تكفي

لا حاجة في الغرفة هذا المساء إلى نور باهر.

استغراق تام في الحلم والإيحاء،

وبالخافت من النور!

في الحلم كذلك

سأملك رؤى،

لتأتِ بالحب،

لتأتِ الأطياف.

(عن ترجمة ريكا سينجوبولو الفرنسية)

 

إيثاكا

عندما تتهيأُ للرحيل إلى إيثاكا،

تمنَّ أن يكون الطريقُ طويلاً،

حافلاً بالمغامرات، عامرًا بالمعرفة.

لا تخشَ الليستريجونات والسيكلوبات

ولا بوزايدون الهائج.

لن تجد أبدًا أيًّا من هؤلاء في طريقك،

إن بقيَ فكرك ساميًا، إن مسَّت عاطفةٌ نبيلةٌ روحكَ وجسدكَ.

لن تُقابل الليستريجونات والسيكلوبات

ولا بوزايدون العاتي،

إن لم تحملهم في روحك،

إن لم تستحضرهم روحُك قُدَّامَكَ.

تمنَّ أن يكون الطريق طويلاً،

أن تكون صباحاتُ الصيف عديدة،

فتدخل المرافىء التي ترى لأول مرة،

منشرحًا، جذلاً.

توقف بالأسواق الفينيقية،

واقْتَنِ السلع الجيدة،

أصدافًا ومرجانًا، كهرمانًا وأبنوسًا،

وعطورًا شهوانيةً من كل نوع،

قدر ما يمكن من العطور الشهوانية،

اذهب إلى كثيرٍ من المدن المصرية،

تعَلَّمْ ،وتَعَلَّمْ ثانيةً ، – من الحكماء.

لتكن إيثاكا في روحكَ دائمًا.

الوصول إليها قَدَرُك.

لكن لا تتعجل انتهاء الرحلة.

الأفضل أن تدوم سنواتٍ طويلة

وأن تكون شيخًا حين تبلغ الجزيرة،

ثريًّا بما كسبته في الطريق،

غير آملٍ أن تهبكَ إيثاكا ثراءً.

إيثاكا منحتك الرحلة الجميلة.

لولاها ما كنتَ شددتَ الرحال.

وليس لديها ما تمنحكَ إيَّاه أكثر من ذلك.

حتى وإن بدت لك إيثاكا فقيرة،

فإنها لم تخدعك.

ومادمت قد صرت حكيمًا، حائزًا كلَّ هذه الخبرة،

فلا ريب أنك قد فهمت ما تعنيه الإيثاكات.

 (عن ترجمة هـ. بيرنو الفرنسية)

 

تذَكَّرْ، أيها الجسد

تذَكَّرْ، أيها الجسد

ليس فقط كم كنتَ محبوبًا،

ليس فقط الأَسِرَّة التي استلقيت عليها،

بل أيضًا تلك الرغبات التي كانت تلمع واضحةً في العينين،

وترتجف في الصوت، اشتهاءً لك –

والتي بَدَّدَتْهَا عقبةٌ طارئة.

الآن إذ يتراجع كلُّ ذلك إلى الماضي،

يكاد يبدو كما لو أنك تهب نفسك لتلك الرغبات.

تذَكَّرْ، كم كانت تلمع في العينين اللتين كانتا تنظران إليك،

كم كانت ترتجف في الصوت،

اشتهاءً لك،

تذَكَّرْ، أيها الجسد.

(عن ترجمة هـ. بيرنو الفرنسية)

 

هيرود أتيكوس

أه، أيُّ مجد كمجد هيرود أتيكوس.

إذ وصل إلى أثينا للكلام

إسكندر السلوقي، أحد سفسطائيِّينا،

وجد المدينة مهجورة،

كان هيرود في الريف،

فتبعته الشبيبة كلُّها إلى هناك لسماعه.

عندئذ، كتب إسكندر السفسطائي رسالة إلى هيرود،

راجيًا إياه إعادة الإغريق.

فأجابه هيرود الأريب فورًا:

“مع الإغريق أجيء أيضًا”.

كم من فتية الآن في الإسكندرية،

في أنطاكية أو في بيروت،

(خطباء الغد هؤلاء الذين تُعِدُّهم الهيلينية)

خلال حفلات الصفوة،

حيث يتجمع الجميع،

يتحدثون تارة عن الجميل من المغالطات المنطقية

وتارة عن غرامياتهم اللذيذة،

فجأة، يسكتون تمامًا، شاردي الألباب،

كؤوسهم، يتركونها، قريبًا منهم، دون أن يمسوها.

ويفكرون في حظ هيرود السعيد.

– ( هل من سفسطائي آخر بلغ مجدًا مماثلاً؟) –

أيًّا كان ما يريد، أيًّا كان ما يفعل،

فسوف يتبعه الإغريق (الإغريق)،

دون إبداء رأي، دون نقاش،

دون روية. لمجرد أن يتبعوه.

(عن ترجمة آي. كيرياكوبولو الفرنسية)

 

حكماء الأمور الدانية

البشر يعرفون الحاضر.

المستقبل تعلمه الآلهة،

ذات الكمال والمالكة الوحيدة لجميع الأنوار.

من أمور المستقبل

يدرك الحكماء تلك التي تدنو.

يهيج سمعهم أحيانًا أثناء التأملات الملية.

يأتيهم الصخب السريُّ للأحداث التي تدنو.

وينصتون إليه في ورع.

بينما في الخارج، في الشارع،

لا يسمع الناس شيئًا.

(عن ترجمة م. الفرنسية)

 

في عام 1903

لم أصادفها مرة أخرى،

ما أسرع ضياعها:

العينان الشاعرتان –

الوجه الشاحب…

في سديم الشارع…

لم أصادفها مرة أخرى –

امتلكتها صدفة،

ثم ضيعتها بهذه السهولة؛

وفيما بعد بحثت عنها مبرحًا بالآلام.

العينان الشاعرتان، الوجه الشاحب، وتلكما الشفتان

لم أصادفها مرة أخرى.

(عن ترجمة ريكا سينجوبولو الفرنسية)

 

بعيدًا

.. لَكَم أود أن أحكي هذه الذكرى…

لكنها تذبل… لا يكاد يبقى منها شيء –

لأنها ترقد في البعيد –

في سنيِّ شبابي الأولى.

آه يا لون بشرة من ياسمين!

وتلك الأمسية من أغسطس..

– أكان ذلك في أغسطس حقًّا؟ –

بالكاد لا أزال أتذكر العينين،

كانتا، يخيل إليَّ، زرقاوين…

آه! أجل! زرقاوين … زرقة اللازورد.

(عن ترجمة ا. كترارو الفرنسية)

 

 

غَدْر

عندما زوجوا ثيتيس لبيليوس،

نهض أبوللو، في مأدبة الأعراس الرائعة،

وبارك الزوجين الشابين،

عن النبتة التي ستطلع من ارتباطهما،

قال: “لن يمسه المرض أبدًا،

وسيحيا حياةً مديدة”.

حين قال ذلك،

اهتزت ثيتيس حبورًا،

لأن أقوال أبوللو،

البارع في النبوءات،

بدت لها ضمانةً لطفلها.

وبينما كان أخيل يكبر،

وكان جماله فخر ثيسالي،

كانت ثيتيس تتذكر أقوال الرب.

لكن، ذات يوم، جاء شيوخ معهم أخبار،

وتحدثوا عن موت أخيل في طروادة.

فمزقت ثيتيس ثيابها الأرجوانية،

ونزعت عن جسمها أساورها وخواتمها

ورمتها على الأرض.

وفي انتحاباتها تذكرت الماضي،

وسألت أين إذًا كان الحكيم أبوللو،

أين إذًا كان الشاعر الذي تكلم بهذه الروعة في المآدب،

أين كان، النبيُّ، حين قتلوا ولدها في أول شبابه.

فأجابها الشيوخ بأن أبوللو كان حاضرًا بشخصه في طروادة

وبأنه، مع الطرواديين، قَتَلَ أخيل.

(عن ترجمة أثينا ج. بابا الفرنسية)

 

شموع

الأيام الآتية ترتسم أمامي

مثلما يرتسم صفٌّ متوهجٌ من الشموع

من الشموع الصغيرة البراقة، المضيئة والحية.

الأيام التي راحت تبقى في الخلف

صفًّا كئيبًا من شموعٍ صغيرةٍ مطفأة

ينبعث الدخان لا يزال من أقربها

شموعٌ باردة، خامدة ومحنية تمامًا.

لا أريد تأملها، منظرها يحزنني

ويشجيني أن أفكر في بريقها الأول

فأنظر إلى الشموع الصغيرة التي تضيء أمامي.

لا أريد أن ألتفت إلى الوراء

فأكتشف مذعورًا

السرعة التي يستطيل بها الصف المعتم

السرعة التي تتراكم بها الشموع المطفأة.

(عن ترجمة أثينا ج. بابا الفرنسية)

 

المدينة

تقول: “سأذهب إلى أرضٍ أخرى،

          سأذهب إلى بحرٍ آخر

يجب أن أجد مدينةً أقضل من هذه.

مكتوبٌ أن تُمنى كل جهودي بالخسران

وأن يرقد قلبي مدفونًا – كميِّت.

فإلى متى سوف تبقى روحي في هذا الضوى؟

إن تركتُ نظرةً تَنَدُّ مِنِّي حواليَّ

لن أرى هنا غير أطلال عمري الكئيبة-

في هذه الأماكن التي عشتُ فيها،

وضيعتُ وبددتُ كل هذه السنين.

– لن تجد بلدًا جديدًا ولا بحارًا أخرى.

المدينة سوف تلاحقك!

سوف تتسكع في الشوارع ذاتها

وتشيخ في الأحياء ذاتها

وتشيب في ظل البيوت ذاتها.

سترجع إلى هذه المدينة…

فَطَلِّقْ حلم الذهاب إلى مكانٍ آخر.

ما من سفينةٍ لك.

ما من سبيل.

حياتك التي بددتها في هذا الركن الصغير –

مبددةً تجدها من جديد في كلِّ مكان.

(عن ترجمة ا. كترارو الفرنسية)

 

أغنية إيونية

مع أننا حطمنا تماثيلهم،

مع أننا طردناهم من معابدهم،

لم يمت الأرباب مع ذلك.

آه يا أرض إيونيا،

إنهم مازالوا يحبونك،

تتذكركِ أرواحهم لا تزال.

عندما يرف عليك صباح من أغسطس،

تعبر جَوَّكِ رعشة من حياتهم،

وأحيانًا يمرُّ على روابيكِ

شكلٌ أثيريٌّ لفتىً جميل،

غامض، مسرع.

(عن ترجمة هـ. بيرنو الفرنسية)

 

مانويل كومنين

قيصر بيزنطة السيد مانويل كومنين،

ذات يوم حزين من سبتمبر،

استشعر دنوَّ أجله.

أكد منجمو البلاط (المأجورون)

إنه مازال موعودًا بطول العمر.

لكنه، بينما كانوا يقولون هذا الكلام،

إذ تَذَكَّرَ الأعراف الدينية القديمة،

أمر بأن يُحضروا له من صوامع الرهبان

ملابسَ كهنوتية

لبسها، وسره أن يبدو

في صورة الكاهن أو الراهب المتواضعة.

طوبى للذين يؤمنون

ويستقبلون الموت، كقيصر بيزنطة السيد مانويل،

مفعمين بإيمانهم جد متواضعين.

(عن ترجمة ج. ا. بابوتساكيس الفرنسية)

 

في انتظار البرابرة

– لماذا ننتظر هكذا، محتشدين في الساحة؟ –

– البرابرة يصلون اليوم.

– ما معنى هذه اللامبالاة من جانب مجلس الشيوخ؟

ما الذي ينتظره إذًا الشيوخ حتى يصوتوا على مشاريع القوانين؟

– البرابرة يصلون اليوم.

فما أهمية قوانين الشيوخ إذًا؟

عندما يصل البرابرة سيسنُّون قوانينهم.

– لماذا إذًا يجلس إمبراطورنا

أمام باب المدينة الرئيسيِّ؟

لقد ارتدى ثوبه الملكيَّ ولبس تاجه.

– لأن البرابرة يصلون اليوم

والإمبراطور يود لقاء زعيمهم بنفسه

بل إنه قد أعد رَقًّا لهذا البربريِّ الشهير

كَتَبَ عليه ألقابًا وأسماء.

– لماذا إذًا خرج قنصلانا

مرتديين أجمل ثيابهما الرسمية الفضفاضة

ولابسين في الأصابع خواتم براقة؟

لماذ يمسكان اليوم صولجانين مرصعين بالذهب وباللآلىء؟

– لأن البرابرة يصلون اليوم

ولأن هذه الأشياء من شأنها إبهار البرابرة.

– ولماذا إذًا لا يحضر خطباؤنا هم أيضًا،

لإلقاء الخطب التي تناسب الحدث؟

– لأن البرابرة يصلون اليوم

ولأنهم لا يحبون البلاغة.

– لماذا هذا الانزعاج المفاجئ؟

– ما سبب هذا الاضطراب بين الجموع؟

إلى أيِّ حد أصبحت الوجوه متجهمة!

ما سبب هذا المزاج القلق؟

لماذا تخلو الشوارع الآن بسرعة؟

ولماذا يرجع كلّ واحد مهمومًا إلى بيته؟

– لأن الليل قد حل ولم يصل البرابرة.

بل إن أناسًا ذهبوا إلى الحدود ويعلنون أنه لم يعد هناك برابرة.

– والآن ماذا سيكون مصيرنا في غياب البرابرة؟!

هؤلاء كانوا على الأقل حَلاًّ من نوع ما.

(عن ترجمة جان ميشيل الفرنسية)

 

الرب يتخلى عن أنطونيو

عندما تمر، فجأة، قرب منتصف الليل،

فرقة عازفة لامرئية

آسرة الألحان، عذبة الصوت…

لا تَبْكِ عبثًا، على حظك العاثر،

على مراميك التي لم تتحقق،

على مشاريع حياتك

التي تَكَشَّفَ زيغها.

وكرجل شجاعٍ ومُهَيَّأٍ لكل شيء منذ زمن بعيد،

وَدِّع الإسكندرية التي تنأى عنك.

والأهم، ألاَّ تخدع نَفسك وألاَّ تقل البتة

إنك بإزاء حلم، إن سمعك قد خانك.

ومثلما يليق بك، أنت الذي كنت تملك مدينة كهذه،

اقترب من النافذة، ثابت الجنان؛

و، متأثرًا، لكن دون أن ترثي لحالك،

ودون أن ترتعد كالجبان،

انصت، يالها من غبطة سامية، إلى الألحان،

إلى الأصوات العذبة للفرقة الموسيقية اللامرئية.

وَوَدِّع الإسكندرية التي تفقدها.

 (عن ترجمة س. بيير بيتريديس الفرنسية)

 

طرواديون

جهودنا كجهود غيرنا ممن خانهم الحظ،

جهودنا شبيهة بجهود الطرواديين.

نكابد قليلاً؛

نصل إلى نتيجة ما؛

بل نشرع في استلهام شجاعة أكبر،

وفي التسلح بالآمال الجميلة.

لكننا، كل مرة،

يقف شيء ما في طريقنا

ويوقفنا.

يظهر أخيل على حافة الخندق

ويروعنا بصيحاته المجلجلة.

جهودنا،

جهودنا، شبيهة بجهود الطرواديين.

نحسب أننا بشيء من الجسارة والحزم

سيتسنى لنا تحويل مسار القَدَر؛

ونخرج من المدينة، لخوض المعركة.

لكن اللحظة الحرجة تأتي،

وتتلاشى جسارتنا وحزمنا

تضطرب أرواحنا وتخوننا،

عندئذ نسارع كلنا إلى الاحتماء بالأسوار

باحثين في الهرب عن خلاصنا.

لكن هزيمتنا مؤكدة.

وقد بدأ النحيب بالفعل عند الأسوار:

هناك تنتحب بالفعل ذكرياتنا وأشواقنا.

هيكوبا وبريام يبكياننا مُرَّ البكاء.

(عن ترجمة س. بيير بيتريديس الفرنسية)

 

أرواح الشائخين

في الأجساد الشائخة المنهكة

ترقد أرواح الشائخين.

حزينةٌ هي ومستاءة

مكروبةٌ، محزونة!

بالرغم من ضجرها من حياتها التي تنوء بحملها

إلاَّ أنها تهاب ضياعها مع ذلك

فهي تحبها أكثر من أي شيءٍ آخر!

يالحيرتها! يالثبات عنادها!

هذه الأرواح ذات الآلام الهزلية

تتشبث بتلك الأجساد الشائخة المأساوية!

(عن ترجمة آري – رونيه ديفيرمون الفرنسية)

 

حوائط

طيشًا، دون حياء أو شفقة

شيَّدوا حولي حوائطَ عالية.

والآن أرقد هناك، يائسًا، مهانًا.

خَاطِرُ حَظِّيَ العَاثِرِ وحدهُ يعذبني.

فقد كان عليّ عمل أشياء كثيرة خارجها.

آه لماذا لم أحترس

عند بناء الحوائط!

لكنني، بالفعل، لم أسمع شيئًا

لا صخب البنائين ولا الأصوات الهادرة

دون وعيٍ مِنِّي عزلوني عن العالم.

(عن ترجمة جان ميشيل الفرنسية)

 

جياد أخيل

عندما رأت باتروكلَ جثةً ممدةً،

هو الذي كان بالغ الشجاعة والقوة والفتوة،

أخذت جيادُ أخيل في البكاء؛

انتاب الغضبُ طبعها الخالد

من فعل الموت الذي رأت.

هزت رؤوسها وأعرافها،

خبطت الأرض بحوافرها،

وبكت باتروكل الذي أحست به هامدًا، ميتًا،

ليس أكثر من لحمٍ زائل، فارقته الروح،

بلا حيلة، بلا أنفاس،

طريحًا في العدم اللانهائي.

رأى زيوس دموع الجياد

الخالدة والمفعمة بالحزن.

قال: ” في عرس بيليوس،

ما كان يجب أن أتصرف بمثل هذه الرعونة؛

لم يكن من المناسب أبدًا أن أَمْنَحَكِ للبشر،

أيتها الجياد البائسة!

ما الذي كان يمكنك عمله هناك،

في ذلك العالم الشقي، ألعوبة القدر؟

أنتِ التي لا تترصدك المَنِيَّةُ ولا الشيخوخة

تعذبين نفسك بمكابداتٍ عابرة،

تشاطرين البشر مآسيهم”.

لكن الدموع كانت تفرُّ أبدًا

من أعين الجياد النبيلة

أسفًا من محنة الموت

التي ما لها من نهاية.

(عن ترجمة س. بيير بيتريديس الفرنسية)

 

أريستوبول

دموع في القصر؛ الملك يبكي،

الملك هيرود ينتحب إذ ما من شيء يمكن أن يكون عزاءً له؛

في المدينة كلها ينتحب الناس أسفًا على أريستوبول

الذي، من جراء صدفةٍ ظالمةٍ تمامًا، غَرَقَ،

وهو يلهو مع رفاقه في الماء.

وعندما يصبح الخبر معروفًا في بلادٍ أخرى،

عندما ينتشر في سوريا،

سيحزن هيلينيون عديدون له؛

عديدون من الشعراء والنحاتين بينهم سوف يصيبهم الكرب من جرائه

فقد كانوا عليمين بمنزلة أريستوبول،

ولو أن تلك الفكرة من أفكارهم عمن هو الفتى الجميل

لم تَرْقَ البتة إلى مستوى جمال ذلك الفتى؛

أيُّ تمثال للإله في أنطاكية

يساوي هذا الابن من أبناء إسرائيل؟

تبكي وتنتحب، الأميرة الأولى،

أمه، اليهودية الأمجد،

تبكي وتنتحب، أليكسندرا، على الكارثة.

لكنها عندما تخلو إلى نفسها، يتبدل شكل حزنها.

تئن؛ تزمجر غضبًا؛ تشتم؛ تلعن.

يالخداعهم لها! يالغدرهم بها!

أخيرًا وصلوا إلى غايتهم!

لقد دمروا بيت آل آسمون.

وصل إلى هدفه، الملك المجرم،

الغادر، الدنئ، الآثم.

خرج بريئًا من الذنب؛ ياللخديعة! ياللدهاء:

ماريان نفسها لم تلحظ ذلك.

لو كانت ماريان قد ارتابت في الأمر، لو كانت قد شَكَّت في شيءٍ ما

لوجدت وسيلةً لإنقاذ أخيها؛

هي ملكةٌ على أية حال؛ وكان بوسعها عمل شيءٍ ما.

لابد أنهما تشعران الآن بالفوز وتشعران سرًّا بالفرح

هاتان المرأتان، الكريهتان، كيبروس وسالومي؛

إذ هي بلا حيلة، ومرغمة

على التظاهر بتصديق أكاذيبهما؛

ولا تملك الالتجاء إلى الشعب،

لا تملك أن تعلن لليهود،

أن تعلن كيف جرى تدبير الجريمة.

(عن ترجمة ج. ك. بابوتساكيس الفرنسية)

ـــــــــــــــــــــ

هيرود الأول الأكبر (73 -4 قبل الميلاد)، ملك يهودا. في عام 35 قبل الميلاد، أمر بإغراق أريستوبول، أخ زوجته ماريان. كيبروس وسالومي – أم وأخت هيرود. أليكساندرا – أم أريستوبول وماريان.

 

ملوكٌ إسكندرانيون

تجمع الإسكندرانيون

لكي يروا أبناء كليوباترا،

قيصرون وأخويه الأصغر

ألكسندر وبطليموس.

لأول مرة يجري الخروج بهم إلى ساحة المعهد الرياضي،

وسط صفوف الجنود الرائعة،

للمناداة بهم ملوكًا.

ألكسندر – نودي به ملكًا

لأرمينيا ولميديا وللبارثيين،

بطليموس – ملكًا

لقيليقيا ولسوريا ولفينيقيا.

أما قيصرون فقد وقف أمامهما.

كان يرتدي ثوبًا من حريرٍ ورديٍّ،

ويضم إلى صدره باقة من أزهار الياقوت،

وسط صفين من اللازورد والجمشت،

أما صندله،

فقد كان مشدودًا إلى قدميه بأربطةٍ بيضاء موشاة بلآلىء وردية.

هذا الأخير نودي به ملكًا أكبر من أخويه الأصغر

نودي به ملكًا للملوك.

واضح أن الإسكندرانيين قد أحسوا

أن هذا كله ليس أكثر من كلام وتمثيل

لكن اليوم كان عذبًا

ومفعمًا بالشعر.

كانت السماء لازوردية صافية،

أما معهد الإسكندرية الرياضي

فقد تحول إلى ساحة عيدٍ رائع.

كانت بهارج رجال البلاط غير عادية؛

وكان قيصرون بالغ الوسامة والجمال

(هو ابن كليوباترا، سليل اللاجيين).

وهاهم الإسكندرانيون يسارعون كلهم إلى الاحتفال،

يتحمسون، يهتفون

بالإغريقية، بالمصرية وبعضهم بالعبرية،

مفتونين بهذا المشهد

بالرغم من أنهم يعرفون جيدًا حقيقة كل هذا الأمر،

وأن هذه الممالك مجرد كلام فارغ.

(عن ترجمة أ. كيرياكوبولو الفرنسية)

ـــــــــــــــــــــ

إن مارك أنطونيو، الذي كان واليًا على الولايات الشرقية للإمبراطورية الرومانية، قد تقارب مع الملكة المصرية كليوباترا ومنحها ومنح أبناءها ممتلكاتٍ شاسعة. وتدور أحداث القصيدة في عام 34 قبل الميلاد، وسرعان ما يعلن مجلس الشيوخ الروماني الحرب على كليوباترا، وبعد الهزيمة في معركة أكتيوم (عام 31) ودخول قوات أوكتافيوس مصر (عام 30)، ينتحر أنطونيو وكليوباترا، ويجري قتل قيصرون، بينما يجري ترحيل ولدي كليوباترا الآخرين إلى روما أسيرين.

 

أحد آلهتهم

عندما اجتاز أحدهم الساحة العامة لسلوقيا،

ساعة الغروب،

فتىً جميلاً ممشوق القوام،

بهجة الخلود في عينيه،

شعره أسود معطر،

تأمله العابرون

وتساءلوا ما إذا كانوا يعرفونه،

ما إذا كان يونانيًّا أم سوريًّا أم أجنبيًّا.

لكن بعض من دققوا النظر

فهموا وانحنوا؛

وبينما كان يختفي تحت الأروقة

في ظلال المساء وأنواره،

متجهًا نحو الحي الذي لا يحيا

غير ليل العربدة والمجون

وكل ضروب النشوة والشهوة،

كانوا يتساءلون، متفكرين، أَيُّ واحدٍ هو منهم؟

ومستسلمًا لأية متعة مبهمة

يهبط إلى شوارع سلوقيا

من مقامه الجليل؟

(عن ترجمة فرنسية صاحبها مجهول)

 

الشيخ

في عمق القهوة التي تعمّها الضوضاء

يجلسُ شيخٌ منحنيًا على المنضدة؛

 أمامه صحيفة: فليست له صحبة.

وفي عمق شيخوخته البائسة

 يفكر في مدى ضآلة استمتاعه بسنيِّ عمره

عندما كان فتيًّا، صداحًا، وسيمًا.

يعرف أنه شاخ كثيرًا؛ يحس بذلك، يرصده؛

ومع ذلك يبدو له الزمن الذي كان لا يزال فيه شابًّا كما لو أنه كان البارحة.

 أمَّا أن المسافة قصيرة، فيا لها ما أطولها!

يرى أن الحكمة قد خدعته.

أنه وثق بها. يا للحماقة!

الكذابة قالت له: “غدًا، سيكون أمامك كل متسع من الوقت”.

يتذكر رغباتٍ كَبَحَ جماحها وكم من المسرات ضحَّى بها لأجلها.

وهو الآن يسخر من غباوته.

لكن الشيخ يدوخ من التفكير والتذكر

وينتهي به الأمر إلى النعاس

 منحنيًا على منضدة القهوة.

(عن ترجمة ج. ل. آرفانيتاكي الفرنسية)

 

رتابـة

يومٌ رتيبٌ آخر يتلو هذا اليوم الرتيب، من دون أي فارق.

من جديد، تتكرر الأشياء نفسها – وسوف تتكرر من جديد.

اللحظات نفسها تلقانا – اللحظات نفسها سوف تفارقنا.

شهر ينقضي، ويجر وراءه شهرًا آخر.

وكل ماسوف يحدث – نعرفه سلفًا:

إنه ما حدث، بالفعل، أمس.

هكذا ينتهي الغد بالكف عن أن يكون غدًا.

(عن ترجمة س. بيير بيتريديس الفرنسية)

 

شبانٌ من صيدا (عام 400 بعد يسوع المسيح)(*)

الممثل الذي طلبوا حضوره كي يُسَرِّيَ عنهم،

أَلقى أيضًا مقطوعاتٍ شعرية مؤثرة.

كانت القاعةُ تطل مباشرةً على الحديقة؛

مُفعَمَةً كانت بأريج الأزهار الزكي

الذي امتزج بعطور

أولئك الشبان الصيداويين الخمسة

المضمخين بالعطر.

قرأ الممثل عليهم ميلياجر وكريناجور وريانوس.

إلاَّ أنه عندما قرأ:

“هنا يرقد إسخيل الأثيني، ابن يوفوريون”(**)

(مشدِّدًا، ربما أكثر من اللازم، على عبارة

“ذو البسالة المشهودة ” و “غابة ماراثون”)

قَفَزَ من فورهِ شابٌ محتدمٌ مهووس كل الهوس بالأدب وصاح:

– آه، كلا! هذه الرباعية لا تروقني.

يمكن القول إن مثل هذه التعبيرات تشبه

غشيانات الخَوَر.

أقول إنك يجب أن تضفي على عملك كل قوَّتك

كل عنايتك، وأن تتذكر هذا العمل

في المحنة، أو عندما تحين ساعتك أخيرًا.

هذا ما أنتظره، هذا ما أطلبه منك

وليس البتة أن تمحو من ذهنك تمامًا كلام

التراجيديا الجليل

– أيُّ أجاممنون، أيُّ برمثيوسٍ رائع،  أيُّ أوريست، أيُّ نبوءات لكاسندرا والسبعة ضد طيبة –

 

وألاَّ تتذكر لأجل تأكيد ذكراك

إلاَّ أنك بين صفوف الجنود المجهولين، حشدهم، حَاربت، أنتَ أيضًا، داتيس وآرتافيرن!

 (عن ترجمة س. بيير بيتريديس الفرنسية)

ـــــــــــــــــــــ

(*) لابد لتاريخ عام 400 بعد يسوع المسيح أن يكون مفتاحًا لتأويل هذه القصيدة، فهذا العام يشكل لحظة أعمق أزمة من أزمات الإمبراطورية الرومانية، التي يضغط عليها بالفعل القوطيون والهون. والحال أن الأمزجة الفردية لذلك العصر ومتطلباته الجمالية، لم يلبِّها إسخيل، شاعر المثل الأعلى المدني الرفيع، والمعبر المتحمس – القوي عن نهضة المدينة القديمة، بل شعراء العصر الهيلينيستي، مثل الشعراء الذين يذكرهم كافافي: ميلياجر (140-70 قبل الميلاد) وكريناجور (القرن الأول قبل الميلاد) وريانوس (ولد عام 276 قبل الميلاد).

(**) يقال إن إسخيل طلب ألاَّ يُكتب على قبره إلاَّ أنه لم يكن سوى جندي، مع عدم الإشارة إلى منجزه الأدبي.

 

قَدْرَ استطاعتك

حتى وإن كنت لا تستطيع صوغ حياتك بالشكل الذي تريد

حاول، على الأقل، قدر استطاعتك

ألاَّ تحط من شأنها

بالانغماس أكثر من اللازم في العالم

بالنشاط والكلام أكثر من اللازم

لا تحط من شأنها بجرجرتها

والتسكع بها والإفراط في تعريضها

لسخف العلاقات الاجتماعية والحفلات اليومي

إلى أن تصبح كما لو كانت عبئًا مملاًّ لا لزوم له.

(عن ترجمة إدموند كيلي وفيليب شيرارد الإنجليزية)


في الميناء

رَكَبَ إيميسُ البحرَ

متجهًا إلى سوريا

عُمرهُ ثمانية وعشرون عامًا

بالكادِ يبدأُ حياته

يَأملُ في أن يعمل

صبيًّا لدى عَطَّار.

خَذَلَهُ هواءُ البحرِ العليل

سَقَطَ المسكينُ مريضًا

وفي أَوَّلِ ميناءٍ في طريقهم

أنزلوه إلى الشاطئ

وهناك،

محمومًا، حيال الموت،

فَكَّرَ كثيرًا

في كُلِّ شيءٍ

في البيت والأهل.

النوتيةُ المُراعون للأصول

حاولوا البحث عن ذويه

ولكن أين يجدونهم

والإغريق في كلِّ مكان

على ألفِ جزيرةٍ منتشرون

عندئذٍ قالوا من يدري

أليس الأفضل أنَّه مات

في بلدٍ غريبٍ وبعيد

هكذا قد يحسب أهله على الدوام

أنه مازال حيًّا

لم يَمُت!

 (عن ترجمة ر. دوبروفكين الروسية)

يهوديٌّ

(عام 50)

إيانتيس أنطونيو

الفنانُ والشاعرُ، العدَّاءُ ورامي القرص،

الجميلُ كإنديميون

كان من أسرة أياديها بيضاء على الكنيس.

كثيرًا ماكان يقول: “مُباركٌ الوقتُ الذي،

إذ أتخلَّى فيه عن نشدان الجميل

كما عن الهيلينية الصارمة

بخشوعها الأرعن

للصور البيضاء – اللَّبَنية التي صاغتها الأيدي،

أُصبحُ ما حلُمتُ دائمًا بأن أَظَلَّه – ابنًا لليهود،

ابنًا وفيًّا لليهود الأطهار والحكماء”.

كان لكلامه رنينٌ حماسيٌّ: “إلى الأبدِ

أَظَلُّ ابنًا وفيًّا لليهود”.

لكن هذه لم تكن سوى كلمات –

فللفنِّ والهناءِ الآسرِ

واصلَ الخشوعَ ، ابنُ الإسكندرية.

(عن ترجمة دوبروفكين الروسية)

في عِزِّ النهار

كنت جالسًا ذات مساء بعد العشاء في كازينو سان ستيفانو بالرمل. وكان صاحبي ألكسندر أ.، الذي أقام في الكازينو، قد دعاني وشابًّا آخر، صديقًا لكلينا، إلى تناول العشاء معه. ولمَّا لم تكن الأمسية أمسية موسيقية، فقد كان الرواد جد قليلين، وهكذا أصبح المكان خاليًا لثلاثتنا.

تحدثنا عن أشياء متباينة. وبما أن أيًّا منا لم يكن ثريًّا جدًّا، فقد تحول الحديث بشكل طبيعي بما يكفي إلى المال، إلى الاستقلال والمسرات التالية التي تترتب عليه.

قال صديقنا الشاب إنه يود لو كان معه ثلاثة ملايين من الفرنكات وأخذ يصف ما سوف يفعله، وخاصة ما سوف يكف عن فعله، لو توفـر لديه مثل هذا المبلغ الضخم.

أمَّا أنا فقد رأيتُ، بشكل أكثر اعتدالاً، أن بوسعي القناعة بعشرين ألف فرنك في السنة.

عندئذ قال ألكسندر أ. : “لو كنت قد شئت، لأصبحت اليوم مليارديرًا – لكنني لم أجرؤ”.

أحسسنا أن هذا كلامٌ غريب. فقد كنا نعرف حياة صاحبنا أ. جيدًا، ولم يكن بوسعنا أن نتذكر أنه قد أتيحت له في أي وقت من الأوقات فرصة لكي يصبح مليارديرًا. ولذا فقد تصورنا أنه كان يستخف بنا، وأنه سوف يُثَنِّي بنكتة. لكن وجه صاحبنا كان ممتقعًا، فطلبنا إليه أن يوضح كلامه الغامض.

تردد للحظة – ثم قال: “في صحبةٍ أخرى – لو كنت وسط أناس يسمون أنفسهم “متطورين” مثلاً – لما أوضحت كلامي، لأنهم سوف يسخرون مني ويهزءون بي. لكننا نعتبر أنفسنا أرقى قليلاً من هؤلاء الناس “المتطورين” المزعومين. أعني أن تطورنا الروحي الكامل قد ردنا إلى البساطة مرة أخرى، لكنها بساطة دون جهل. لقد أكملنا دورتنا. وعدنا من ثم، بالطبع، إلى نقطة انطلاقنا. لكن الآخرين لم يتجاوزوا منتصف الطريق. وليس بوسعهم أن يعرفوا أو أن يتخيلوا إلى أين تفضي بهم السبل”.

لم يذهلنا البتة هذا الكلام. فكل واحد منا كانت فكرته سامية عن نفسه وعن الإثنين الآخرين أيضًا.

كرر ألكسندر: “أجل، لو كنت قد جرؤت، لأصبحت مليارديرًا – لكنني كنت خائفًا.

“ترجع الحكاية إلى عشر سنوات خلت. لم أكن أملك مالاً كثيرًا – فحالي بالأمس كحالي اليوم – أو بالأحرى لم أكن أملك مالاً بالمرة؛ على أنني، بشكل أو بآخر، كنت أشق طريقي وأواصل العيش بشكل معقول بما يكفي عمومًا. كنت أقيم بشارع شريف باشا. وكان البيت يخص أرملة إيطالية. كانت شقتي تتألف من ثلاث غرف مؤثثة بأثاث جميل، وكانت عندي خادمة، ناهيك عن صاحبة العقار التي كانت مستعدة لعمل أي شيء من أجل راحتي وهنائي.

“كنت قد ذهبت ذات مساء إلى روسيني. ولما كنت قد سمعت هناك ما يكفي من الهراء، فقد قررت مغادرة المكان والعودة إلى البيت لأنام. كان عليَّ أن أستيقظ مبكرًا في الصباح التالي، لأنني كنت مدعوًّا إلى رحلة إلى أبو قير.

“عندما دخلت غرفتي، رحت كالعادة أتحرك فيها، مستعيدًا أحداث اليوم. لكنها لم تكن مهمة، وسرعان ما استولى عليَّ الخدر، فرقدت مستسلمًا للنوم.

“لابد أنني نمتُ ساعة ونصفًا أو ساعتين دون حلم، إذ أذكر أنني استيقظتُ ربما بعد ساعة من منتصف الليل بسبب جلبة في الشارع، وبوسعي أن أتذكر أنني لم أحلم. استلقيت للنوم مرة أخرى نحو الواحدة والنصف، وبدا لي عندئذ أن رجلاً قد دخل غرفتي – متوسط القامة، في نحو الأربعين من عمره. كان يرتدي نوعًا ما ثيابًا سوداء وقبعة من القش. وقد بان من يده اليسرى خاتم تزينه زمردة جد كبيرة. صدمني ذلك لكونه لا يتماشى مع بقية ملابسه. كانت له لحية سوداء تتخللها شعرات بيضاء، وكان في نظرته شيء خاص، فهي نظرة ساخرة وسوداوية في آن واحد. لكنه، بشكل عام، كان يبدو شخصًا عاديًّا تمامًا، كأي واحد نصادفه مرارًا وتكرارًا. سألته ماذا يريد مني. لم يجب على الفور، بل رمقني بنظرة فاحصة لدقيقة طويلة كما لو كان مرتابًا، أو كما لو كان لكي يتأكد من أنه لم يخطئ ضالته. ثم تكلم بنبرة متوسلة، ذليلة:

” ” أنت فقير. أعرفُ ذلك. ولذلك جئت إليك لكي أدلك على طريق يمكن أن تصبح عبره ثريًّا. أعرفُ موضعًا قرب عمود السواري يرقد مدفونًا تحته كنز ضخم. لا أريد شيئًا من هذا الكنز لنفسي – سآخذ صندوقًا صغيرًا من الحديد، يوجد أسفل الكنز. وما عدا ذلك، كل ذلك الكنز، سوف يكون من نصيبك”.

“سألته: “ومم يتكون هذا الكنز الضخم؟”

“قال: “من عملات ذهبية، لكنه يتكون أساسًا من أحجار كريمة. هناك عشرة أو اثني عشر حُقًّا ذهبيًّا تمتلئ كلها بالماس واللؤلؤ وأظن ” – كما لو كان يحاول التذكر – ” أن بها ياقوتًا أزرق”.

“عجبت لماذا لم يذهب وحده لأخذ ما يريد، ولماذا يحتاجني. وقبل أن يتسنى لي طرح السؤال أجاب: “بوسعي رؤية ما يجول بخاطرك. أنت تتساءل، لماذا لا أذهب أنا وآخذ ما أريده بنفسي؟ هناك سبب لا يمكنني ذكره لك، ويمنعني من عمل ذلك. بعض الأشياء لا يمكنني القيام بها حتى أنا نفسي”. عندما قال “حتى أنا نفسي”، أشرق شيءٌ من اللمعان من نظرته، ولثانيةٍ قَلَبَ كيانَه شعورٌ بالعظمة المريعة. لكنه استعاد على الفور مسلكه المتواضع. “هكذا سوف تسدي لي معروفًا جليلاً بالمجيء معي. فأنا بحاجةٍ ماسة إلى أحدٍ ما، وقد اخترتك لأنني أتمنى لك الخير. قابلني غدًا. سوف أنتظرك منذ الظهيرة حتى الرابعة بعد الظهر، في الميدان الصغير، في القهوة المتاخمة لدكاكين الحدادين”.

“وما إن قال ذلك اختفى.

“وعندما استيقظت في الصباح التالي، كان الحلم قد تلاشى تمامًا من ذهني. لكنه بعد أن غسلت وجهي وجلست لتناول طعام الإفطار، عاد، وبدا لي غريبًا تمامًا. قلت لنفسي “آه لو كان ذلك صحيحًا”، ثم نسيته مرة أخرى.

“انضممتُ إلى الرحلة إلى الريف وقضيت وقتًا جد ممتع. كنا مجموعة كبيرة – نحو ثلاثين رجلاً وامرأة، كانوا كلهم في حالة معنوية مرتفعة بشكل غير عادي. لن أروي لكما تفصيلات الرحلة، فهي لا تتصل بموضوعنا”.

هنا قال صديقي د. : “ولا ضرورة لها. لأنني أنا على الأقل أعرفها. فقد اشتركت في تلك الرحلة، إن لم أكن مخطئًا”.

“هل كنتَ معنا؟ لا أذكر أنك قد جئت”.

“ألم تكن تلك هي الرحلة التي أعد لها ماركوس ج. ، قبل رحيله النهائي مباشرة إلى انجلترا؟”

“بلى، تلك هي. تتذكر إذًا مزاحنا. لقد كانت أزمنةً رائعة. أو بالأحرى، أزمنة ولت منذ زمن بعيد. والأمر سيان. ولكن لنعد إلى حكايتي – عدت من رحلتنا مجهدًا تمامًا وفي وقتٍ جد متأخرٍ من المساء. كان من الصعب عليَّ أن أجد متسعًا لأغير ملابسي ولأتناول العشاء، قبل أن أتجه إلى منزل بعض الأصدقاء حيث كانت أمسية عائلية للعب الورق على قدم وساق، حيث بقيت، مواصلاً اللعب حتى الثانية والنصف ليلاً. ربحت ليلتها مائة وخمسين فرنكًا وعدت إلى البيت، أكثر من مسرور. وتمددت على فراشي مرتاح القلب ثم استولى عليَّ النومُ فورًا، إذ كنت مُجهَدًا جراء يوم طويل حافل.

“لكنني ما كدت أنام حتى حدث شيء غريب. رأيتُ نورًا في الغرفة، وعجبت لماذا لم أطفئه قبل الذهاب إلى الفراش، وعندئذ رأيت قادمًا من عمق الباب – كانت غرفتي جد واسعة – رجلاً تعرفت عليه فورًا. كان يرتدي الملابس السوداء نفسها، وقبعة القش العتيقة نفسها. لكنه بدا مستاءً، وقال لي: “انتظرتك منذ الظهيرة وحتى الرابعة في القهوة. لماذا لم تأتِ؟ أدلك على سبيل الثراء، ولا تقفز إليه؟ سأنتظرك مرة أخرى في القهوة بعد ظهر اليوم، من الظهيرة إلى الرابعة. لا تتأخر عن المجيء”. وعندئذٍ، كما في الليلة السابقة، اختفى.

“لكنني هذه المرة استيقظت وقد استولى عليَّ الرعب. كانت الغرفة مظلمة. أضأت اللمبة. كان الحلم حقيقيًّا وحَيًّا إلى حدٍ مثير، بحيث إنني وجدت نفسي معه في حالة من الذهول والهلع. لم يكن بوسعي مقاومة النهوض للتأكد من أن الباب كان مغلقًا. فوجدته مغلقًا، كالعادة. نظرت إلى الساعة، كانت الثالثة ونصفًا، وكنت قد ذهبت إلى الفراش في الثالثة.

“لا أخفي عليكما، ولا أخجل البتة من الاعتراف بأنني كنت مرتاعًا جدًّا. لقد خفت أن أغمض عينيَّ حتى لا أرى مرةً أخرى زائري الخيالي، إنْ استولى عليَّ النوم. جلست على مقعد، وكل أعصابي مستثارة. ونحو الخامسة، بدأ النهار يطلع. فتحتُ النافذة وراقبتُ الشارع وهو يستيقظ تدريجيًّا. كانت أبواب قليلة قد فُتحت، وكان أوائل بائعي اللبن القلائل يمرون، وكانت تمر عربات أوائل بائعي الخبز. أدخل ضوء النهار السكينة إلى نفسي نوعًا ما، وتمددت على الفراش مرة أخرى، ونمتُ حتى التاسعة.

“عندما استيقظت، وتذكرت الأرق الذي انتابني خلال الليل، أخذت صورهُ تفقد الكثير من قوتها. بل إنني قد تعجبت لاستسلامي لمكابدات تلك الحالة. فكل إنسان يحلم بالكوابيس – وقد حلمت بكثيرٍ منها في حياتي. ثم إن هذا الحلم يصعب أن يكون كابوسًا على الإطلاق. صحيح أنني قد حلمت الحلم نفسه مرتين. فعلى أي شيء يدل ذلك؟ وبادئ ذي بدء، هل حلمته مرتين فعلاً ؟ أليس من المحتمل أنني حلمت أنني رأيت الرجل نفسه مرة ثانية ؟ وبعد أن راجعت ذاكرتي جيدًا، استبعدت هذه الفكرة. لاشك في أنني حلمت بالحلم قبل ذلك بليلتين. وحتى لو كان الأمر كذلك، فلماذا يجب أن أعتبر ذلك غريبًا؟ يبدو أن الحلم الأول كان جد قوي، وأن أثره عليَّ كان من القوة بحيث إنني قد حلمته مرة أخرى. لكن منطقي، هنا، كان هشًّا إلى حدٍ ما. لأنني لا أذكر أن الحلم الأول قد أثر عليَّ بهذه الدرجة. فعلى مدار اليوم التالي له، لم أفكر فيه للحظة. وفي الرحلة، وفي لقاء ذلك المساء، مر بخاطري كل شيءٍ يمكن تخيله، إلاَّ ذلك الحلم. فما الذي يدل عليه ذلك أيضًا ؟ ألا نحلم كثيرًا بأشخاصٍ لم نرهم ولم نفكر فيهم لسنواتٍ طويلة ؟ يبدو أن صورتهم تظل منقوشة في مكانٍ ما داخل الروح، لتعاود الظهور فجأة في حلم. فما الغرابة في أن أحلم الحلم نفسه خلال أربع وعشرين ساعة، حتى وإن لم أكن قد تذكرته خلال النهار ؟ ثم قلت لنفسي لعلني قرأت في مكان ما عن كنزٍ مستتر، شغل ذاكرتي؛ لكن أيَّ إمعانٍ في التأمل لم يذكرني بأنني قرأت أي شيءعن ذلك.

“أخيرًا، إذ أرهقني التفكير، أخذت في ارتداء ملابسي. كان عليَّ أن أحضر عرسًا، وسرعان ما أدت عجلتي ومسألة أي ثياب ألبس إلى إبعاد الحلم كليةً عن ذهني. عندئذ جلست لتناول طعام الإفطار، و، لتمضية الوقت، انهمكت في قراءة دورية صادرة في ألمانيا، أظن أنها دورية هيسبيروس.

“ذهبت إلى العرس، حيث التقيت كل شخصيات المجتمع الراقي الموجودة في المدينة. في تلك الأيام، كانت لي صلات كثيرة، ولذا كنت مضطرًّا، بعد الحفل، إلى أن أكرر مراتٍ لا حصر لها أن العروس جميلة، ولو أنها شاحبة إلى حدٍ ما، وأن العريس شاب وسيم، كما أنه ثري، وما إلى ذلك. ونحو الحادية عشرة ونصفًا، كان الحفل قد انتهى، فخرجت إلى محطة بولكلي لأتفقد بيتًا كنت قد سمعت عنه، لاحتمال استئجاره لأسرة ألمانية من القاهرة، كانت تعتزم قضاء الصيف في الإسكندرية. والواقع أن البيت كان يتمتع بحسن التهوية وكان رائع التنسيق، لكنه كان أصغر مما قيل لي. ومع ذلك، وعدتُ المالكة بأن أقول إنه مناسب. وبعد أن أغدقت عليّ هذه السيدةُ الشكرَ، وأملاً في أن تكسب تعاطفي معها، أخذت تحدثني عن كل عذاباتها، وكيف ومتى مات المرحوم زوجها، بل وكيف أنها زارت أوروبا وأنها ليست أصلاً ذلك النوع من النساء اللاتي يؤجرن بيوتهن، وأن والدها كان طبيبًا خاصًّا لباشا لا أذكر الآن اسمه، إلخ، إلخ. وبعد أن أديت هذه المهمة، عدت إلى المدينة. وصلت إلى شقتي حوالي الواحدة وتناولت غداءً طيبًا. وبعد أن تناولت القهوة، خرجت لزيارة صديق كان نزله قريبًا من قهوة باراديزو، آملاً أن نرتب شيئًا للمساء. كان ذلك في شهر أغسطس، وكانت الشمس حارقة. هبطت إلى شارع شريف باشا ببطء لأتفادى رشح العرق. وكما هو معتاد في مثل هذا الوقت، كان الشارع مهجورًا. لم أقابل غير محام طلبت إليه إعداد الوثائق المتصلة ببيع قطعة أرض صغيرة في محرم بك. كانت القطعة الأخيرة من أرضٍ كبيرةٍ تمامًا كنت أبيعها قطعةً قطعة على فترات لكي أغطي جانبًا من نفقاتي. والحال أن المحامي، وهو رجل نزيه – وهذا مبرر اختياري له – كان أيضًا ثرثارًا عظيمًا. وكان الأفضل عندي أن يحتال عليَّ قليلاً من أن يدفعني إلى الضجر إلى حد الخروج عن طوري بسبب هرائه. لقد كان يتذرع بأتفه الذرائع لكي ينطلق في ثرثرة لا تنتهي – فهو يتحدث عن القانون التجاري والقانون الروماني ويستدعي جوستنيان ويستشهد بقضايا قديمة كان قد ترافع فيها في أزمير، ويمتدح نفسه، ويكشف النقاب عن آلاف التوافه، بل ويمسك بطية صدر سترتك، وهو شيء لا يمكنني تحمله. وكان عليَّ أن أصبر على ثرثرة هذا الأحمق لأنه كلما كانت قدرته على الكلام تخونه، كان بوسعي أن أطرح سؤالاً عن الصفقة التي كنت في أَمَسِّ الحاجة إليها. وقد أخرجتني هذه المحاولات عن طوري، لكنني تحملته. وبعد السير على رصيف البورصة في ساحة القناصل، دخلنا إلى الشارع الصغير، المتصل بالميدان الصغير، حيث، حال وصولنا إلى مركزه أخيرًا، كنت قد حصلت على كل المعلومات التي تهمني، ثم تركني المحامي ما إن تذكر عميلاً قريبًا كان عليه أن يزوره. وقفت لحظة أراقبه وهو ينسحب، ولعنت هراءه الذي ضلل خطواتي في مثل هذه الحرارة والشمس الحارقة.

“كنت على وشك أن أعود في اتجاه قهوة باراديزو. عندما زلزلني فجأة أن أجد نفسي هنا في الميدان الصغير. قلت لنفسي “هنا حدَّدَ موعدَ لقائِنا صاحبُ الكنزِ الشهير” ، وابتسمت وأدرت رأسي تلقائيًّا إلى تلك الوجهة حيث توجد دكاكين الحدادين.

“ياللهول! لقد كانت هناك بالفعل قهوة صغيرة، وكان هو جالسًا هناك بالفعل. كان رد فعلي الأول نوعًا من الدوار، وقد أحسست أنني على وشك السقوط. استندت إلى كشك تاجر، وعاودت النظر. إنها الثياب السوداء نفسها، والقبعة القش نفسها، والملامح نفسها، والنظرة نفسها. أما هو، فقد كان يراقبني، دون أن يطرف له رمش. توترت أعصابي كما لو أن توترها ناشيء عن نقل حديد سائل إليها. أصابني بالشلل خاطر أننا في عز الظهيرة – أن الناس يواصلون السير غير عابئين بشيء، كما لو أن شيئًا غير عادي لا وجود له، بينما أنا، أنا وحدي، أعرف أن أكثر الأشياء إثارةً للرعب ماثل: أنه يجلس هناك شبح يملك ما لا أحد يدري من القدرات ويجيء من أي عالم لا نعرف عنه شيئًا، من أي جحيم، من أي ظلام سحيق. رحت أرتعد. لم تحد قط نظرةُ الشبح عني. فاستولى عليَّ الرعب من أن ينهض من مكانه ويدنو مني – ويتحدَّث إليَّ – ويأخذني معه! فلو حدث ذلك، ما العون الذي يمكن أن تقدمه لي أية قوة بشرية؟ قفزت في عربة حنطور، طالبًا من الحوذي أن يسرع بي إلى ناحية نائية لا أتذكرها الآن.

“وعندما تمالكت نفسي قليلاً، انتبهت إلى أننا قد وصلنا تقريبًا إلى سيدي جابر. وإذ أصبحت أكثر هدوءًا، بدأتُ في تأمل ما جرى. طلبت من الحوذي أن يرجع بنا إلى المدينة. قلت لنفسي “إنني مجنون، لقد خدعت نفسي. لقد كان شخصًا شبيهًا بالرجل الذي رأيته في الحلم. يجب أن أرجع لأتأكد من ذلك. والأرجح أنه سيكون قد غادر المكان، وهو ما سوف يثبت أنه ليس الرجل نفسه – لأنه كان قد وعد بأن ينتظر حتى الرابعة”.

“عندما اكتملت هذه الأفكار في رأسي، كنتُ قد وصلت إلى مسرح زيزينيا؛ وهنا، مستجمعًا كل شجاعتي، طلبت من الحوذي أن يتوقف، شادًّا يده بعنف بحيث إنه كان على وشك السقوط عن مقعده، فقد كنا نقترب جدًّا – جدًّا – من القهوة؛ ولأنه كان هناك، هناك كان الشبح جالسًا لا يزال.

“قررت أن أفحصه بإمعان نظر، آملاً في أن أجد اختلافًا ما بينه وبين الرجل الذي رأيته في الحلم، وكأن هناك حاجة إلى برهان أكثر من واقع جلوسي في عربة حنطور وتحديقي فيه بنظرة تخترق صميمه بحيث إن أي شخص سواه كان من الطبيعي أن يعتبر ذلك شيئًا غريبًا وأن يسأل عن سببه. وهو ما لم يحدث بالمرة، فقد ردَّ على نظرتي بنظرةٍ نافذةٍ مثلها، وكان تعبير وجهه يدل تمامًا على أن الخيار الذي يواجهني يستبد بفكره. وبدا أنه يقرأ أفكاري، مثلما قرأها في حلمي، ولكي يريحني من أي شكٍ حول شخصه، حَوَّلَ يده اليسرى نحوي كاشفًا – بشكل جد ملحوظ بحيث إنني خشيت أن يلحظ ذلك الحوذي – عن خاتم الزمرد الذي كان قد صدمني به في حلمي الأول.

“صرخت رعبًا وطلبت إلى الحوذي، الذي كان آنذاك قد أصبح قلقًا على صحة زبونه، أن يأخذني إلى ميدان الرمل. كان هدفي الوحيد هو الابتعاد بعيدًا جدًّا. وعندما وصلنا إلى ميدان الرمل طلبت إليه أن يتجه إلى سان ستيفانو، ولكنني عندما رأيت الحوذي مترددًا، يكلم نفسه، نزلت من العربة ودفعت له أجرته. أوقفت عربة أخرى وطلبت إلى حوذيها أن يتجه بي إلى سان ستيفانو.

“وصلتُ في حالة مريعة. وعندما دخلت قاعة الكازينو الرئيسية، هالني منظر وجهي في المرآة – لقد كان شاحبًا شحوب جثة. ومن حسن الحظ أن القاعة كانت خالية. ارتميت على كنبة وحاولت التفكير في خطوتي التالية. كانت العودة إلى البيت مستحيلة. فمن غير الوارد أن أعاود الدخول إلى تلك الغرفة التي تسلل إليها، ليلاً، كخيالٍ غيبيٍّ، ذلك الذي رأيته الآن  لتويِّ جالسًا في قهوة عادية تحت مظهر إنسان عادي. لكن هذا منطق فاسد من جانبي، لأنه، بطبيعة الحال، يملك القدرة على أن يصل إليَّ في أي مكان على الأرض. لكنني ساعتها كنت لوقت معين فاقدًا رشدي.

“وبعد لأي قررت العثور على صاحبي ج. ف. في محرم بك”.

سألتُ: ” أي ج. ف. ؟ غريب الأطوار الذي اعتاد قضاء وقته في دراسة السحر؟”

“هو بعينه – وقد لعب ذلك دورًا في اختياري له. أمَّا كيف ركبت القطار، كيف وصلت إلى محرم بك، متلفتًا يمينًا ويسارًا كمجنون في رعب من أن يظهر لي الشبح مرة أخرى إلى جواري، وكيف وصلتُ إلى غرفة ج. ف. ، كل هذا لا يمكنني تذكره إلاَّ بشكلٍ غائم ومشوش. كل ما أذكره هو أنني وقد وجدت نفسي معه أخيرًا أخذتُ أبكي بشكلٍ هستيري، مرتعدًا من قمة رأسي إلى أخمص قدمي، وأنا أحكي له محنتي المريعة. تمكن ج. ف. من تهدئتي، وقال لي، شبه جاد، شبه مازح، ألاَّ أخاف؛ وأن الشبح لن يجرؤ أبدًا على دخول بيته، وأنه لو دخل، فسوف يطرده فورًا. قال إنه يعرف هذا النوع من الأشباح الغيبية، كما أنه يعرف سبل طردها. ثم توسل إليَّ أن أصدق أنني لم يعد لديَّ أيّ مبرر للخوف، لأن الشبح كان قد جاء إليَّ من أجل هدف محدد، هو الحصول على “الصندوق الحديدي الصغير”، والذي يبدو أنه كان عاجزًا عن تحقيقه دون وجودِ ومساعدةِ إنسان. وقد فشلت هذه الخطة؛ ولابد أن الشبح قد أدرك الآن، من هلعي، أنه لم يعد أمامه أي أملٍ في النجاح. ولاشك في أنه سوف يحاول إقناع شخص آخر. وكل ما أعرب ف. عن أسفه بشأنه هو عدم اتصالي به في الوقت المناسب حتى يتسنى له الذهاب ورؤية الشبح والتحدث معه، لأنه، كما أوضح، تَرِدُ إشارةٌ في كتاب تاريخ الأشباح إلى أن ظهور هذه الأرواح أو الشياطين في عزِّ النهار غير عادي إلى حد بعيد. لكن كل هذا الكلام لم يفلح في تهدئة خاطري. قضيتُ ليلة جد قلقة واستيقظتُ في الصباح التالي مصابًا بالحمى. والحال أن جهل الطبيب وتوتر جهازي العصبي قد تسببا في إصابتي بحمى دماغية، كنت على وشك الموت بسببها. وعندما تماثلت للشفاء إلى حدٍ ما، سألت عن تاريخ اليوم. كنت قد رقدت على فراش المرض في الثالث من أغسطس، وتصورت أننا في السابع أو الثامن منه. لكنه كان الثاني من سبتمبر.

“لكن رحلة قصيرة إلى جزيرة في بحر إيجه، عجلت وأكملت شفائي. قضيت فترة مرضي كلها عند ف. الذي اعتنى بي بكل ما تعرفانه عنه من لطف ورقة. كان مستاءً من نفسه لأنه لم يكن لديه من قوة الشخصية ما يكفي لأن يطرد الطبيب، ولأن يتولى معالجتي بالسحر وحده، الذي أعتقدُ أنه كان بوسعه أن يشفيني، في هذه الحالة على الأقل، بالسرعة نفسها التي شفيت بها على يد الطبيب.

“هاكما، صديقاي : فرصتي في أن أصبح مليونيرًا – وكل ما في الأمر هو أنني لم أجرؤ. لم أجرؤ ولست نادمًا على ذلك”.

هنا توقف ألكسندر عن الكلام. كانت الثقة التامة والبساطة التامة اللتان روى بهما ما حدث له كافيتين لاستبعاد أي تعليق قد يعنُّ لنا. ثم إن الساعة كانت سبعًا وعشرين دقيقة بعد منتصف الليل. وبما أن القطار الأخير المتجه إلى المدينة يتحرك في الثانية عشرة ونصفًا، فقد كنا مضطرين إلى توديعه والخروج مهرولين إلى الشارع.

(عن ترجمة جيمس ميريل الإنجليزية)

*****

مَرايا كافـافي

*****

آثاناس بوليتيس

قسطنطين كافافي

[ مقتطف من الجزء الثاني من كتاب “الهيلينية ومصر الحديثة” نُشر في مجلة “لاسومين إيجيبسيان” – 25 أبريل 1929 – قبل صدور الجزء المذكور. ]

وُلد الشاعر قسطنطين كافافي في الإسكندرية، لكن أصول عائلته البعيدة ترجع إلى القسطنطينية. وقد قضى في حداثته عدة سنوات في انجلترا، ثم ذهب إلى القسطنطينية حيث قضى نحو عامين. وعاد إلى انجلترا وهو يافعٌ بالفعل وزار فرنسا حيث قضى فترة جد قصيرة. وهو يسكن، في الإسكندرية، منذ أكثر من عشرين عامًا في البيت رقم 10، شارع ليبسيوس. وقد عمل لآخر مرة في مكتب تابع لوزارة الأشغال العمومية المصرية، ثم تركه، منذ بضع سنوات، ليتمكن من التفرغ للشعر.

وعلى الرغم من أن كافافي يُعَد متقدمًا في العمر إلى حدٍّ ما، فإن سيرته الأدبية قصيرة نسبيًّا. فمنذ نحو 15 عامًا لا أكثر كان لا يزال غير متمتع بمكانة متميزة في الحركة الهيلينية الجديدة الحديثة، بل إن بالإمكان القول إنه كان شبه مجهول من جانب الجمهور الواسع، على الرغم من وقوف عدد محدود من الأدباء على عمله. والحال أن جريجوار زينوبولوس هو أول من جعل قصائده معروفةً في اليونان.

وقد يبدو الأمر غريبًا للوهلة الأولى، خاصةً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن كافافي كان قد بدأ نشر قصائده منذ 1896-1897. فآنذاك رأت النور قصيدته “شموع” والتي يبدو فيها كافافي متمكنًا بالفعل من فنه. وحتى قبل ذلك التاريخ، كان كافافي قد نشر خمس عشرة قصيدة، تنصل منها بعد ذلك. وهو ما يعني أن مسيرته الأدبية تبدأ بالفعل منذ 1896-1897.

إلاَّ أنه لا تتوافر، حتى منذ ذلك التاريخ، أية مجموعة كاملة لقصائد كافافي. ففي عام 1904، نشر مجموعة أولى، تضم 14 قصيدة، وفي عام 1910 نشر مجموعة ثانية تضم 21 قصيدة. وكانت هاتان المجموعتان، حيث صدرت الأولى في 150 نسخة بينما صدرت الثانية في 200 نسخة، خارج التوزيع التجاري ومخصصتين للتوزيع على أصدقاء الشاعر.

وفي عام 1915، ظهرت مجموعة من قصائد كافافي أكثر أهمية، لا تحمل غير عنوان: “قصائد 1907-1915“.

والحال أن الطابع الذي كانت تُطبع عنده صحيفتا “نيا زوي” و “جراماتا” كان قد نَشَرَ في كراسٍ مستقل من ثلاثين نسخة قصائد منشورة في هاتين الصحيفتين وأتاح بذلك الفرصة لتكوين هذه المجموعة. وقد دخلت أيضًا في هذه المجموعة ثلاث أو أربع قصائد كُتبت بين عامي 1897 و1907.

ويواصل كافافي نشر قصائده في أوراق منفصلة حتى عندما تُوقف هاتان الصحيفتان نشرها مؤقتًا. وبعد ذلك يجري جمع هذه الأوراق في مجموعة يوزعها الشاعر على أصدقائه.

وشأنها في ذلك شأن أسلوب نشرها، تتميز قصائد كافافي بأصالتها. وهو أول ما يثير الانتباه عند قراءة هذه القصائد. فهي لا تشبه قصائد أي شاعرٍ آخر يوناني أو أجنبي.

وهو ما يجعل تحليلها صعبًا.

وقبل تحليل هذا الشعر لننظر مم يتكون. بالإمكان تصنيف قصائد كافافي في ثلاث مجموعات:

أ‌)        القصائد التأملية،

ب‌)    القصائد التاريخية.

ج‌)      القصائد الحسية أو الجمالية.

في قصائد المجموعة الأولى، يدعونا كافافي، بمناسبة حدث يرويه، إلى التأمل. وقد أسماها البعض بالقصائد الفلسفية. ووفقًا لكافافي نفسه، فإن من الخطأ تسميتها بهذا الإسم. فالواقع أن الفلسفة تستوعب العمومية وتقدم، بمناسبة حقيقةٍ جزئية ما، القاعدة العامة، في حين أن هدف كافافي محدود أكثر. فالشاعر يتحدث عما يمكن أن يحدث في حالات معينة لكنه لا يزعم أن ذلك سوف يحدث بالضرورة. ومن ثم فغالبية قصائده، على الرغم من دعوتها إيانا إلى التأمل، ليست قصائد فلسفية بالمعنى المحدد للمصطلح.

وعندما نلقي نظرة على قصيدتي كافافي “إيثاكا” و “المدينة“، فإننا نرصد بسهولة أسلوبه الإجرائي جد المميز للشاعر.

والمجموعة الثانية من قصائد كافافي هي القصائد التاريخية. وأحيانًا ما لا يكون هذا الشعر تاريخيًّا بالمعنى الضيق. فالشاعر لا يفعل سوى اختيار عصر تاريخي لوضع شخصياته فيه وأغلب هذه الشخصيات، من جهة أخرى، غير حقيقية. فما هو ذلك العصر؟ لقد فكر كافافي في بداية مسيرته الشعرية في العصر البيزنطي. والحال أن التراث الهيليني ووطنيته وربما أصله قد اجتذبته إلى ذلك العصر. لكنه، كما صرح لنا بذلك بنفسه، ترك هذا المشروع، حيث إن ذلك العصر لم يكن ملائمًا كإطار لشخصياته.

والواقع أن هناك عصرًا يعتبر ملائمًا يشكلٍ خاص كسياق لقصائده. هذا العصر هو العصر الهيلينستي. وهو العصر الذي يمتد من فتوحات الإسكندر إلى الفترة البيزنطية. ويضم إليه كافافي جزءًا من التاريخ الروماني، ليس هو المائة سنة السابقة على يسوع المسيح، حيث كانت روما لا تزال إيطالية، بل الجزء الذي يتلو يسوع المسيح عندما تحسست روما بشكل كامل آثار الهيلينية. ومن ثم فإن كافافي يستلهم – ولنستخدم هذه الكلمة على الرغم من أن الشاعر لا يحبها – الفترة الهيلينستية أو الإسكندرانية شرط أن نأخذ هذه الكلمة بمعنى عام، أي دون أن نقصد حضارة مدينة الإسكندرية. وقليلون هم العلماء الذين يعرفون هذه الفترة معرفة أفضل من معرفة كافافي بها.

إن أيًّا من التفاصيل لا يغيب عن بال الشاعر، بل ويمكن القول إن الشاعر يبدو أحيانًا وكأنه يحيا في تلك الأزمنة القديمة، فوصفه مفعمٌ بالحيوية إلى أقصى حد.

ومن ثم فإن كافافي هو شاعر إسكندرية اللاجيين كما أنه شاعر البلاد التي أضفى عليها فتح الإسكندرية حضارة هيلينية. كما أن الشاعر يتواصل مع سلالة السلوقيين تلك التي أحرزت الحضارة الهيلينية في ظل حكمها تقدمًا أسرع مما في مصر، ربما لأنه لم يكن عليها أن تناضل في سوريا ضد حضارة محلية جد قديمة بالفعل كما في وادي النيل.

وبوسعنا أن نتساءل عن الأسباب التي تجتذب الشاعر إلى العصر الهيلينستي. وهي تكمن في أن هذه الفترة التاريخية هي التي تعتبر ملائمة بشكلٍ خاص كإطار للشخصيات التي يريد بعثها إلى الحياة من جديد. ففي الإسكندرية وفي مصر آنذاك، كما في الإسكندرية ومصر الآن من جهة أخرى، كان هناك أجانب إلى جانب المصريين. ومن بين هؤلاء الأجانب كان كثيرون يتكلمون باليونانية، على الرغم من أنهم لم يكونوا جميعًا هيلينيين. لقد كانوا ناطقين بالهيلينية. وكانوا عديدين. وكانت الحضارة الهيلينية قد صهرت في قالب واحد أناسًا من قوميات مختلفة أسهم السلام الروماني في إضفاء خصائص متماثلة عليها، إلى درجة أن العالم اليوناني – الروماني آنذاك يمكن أن يقارن من هذه الزاوية بقرنينا التاسع عشر والعشرين. والخلاصة أن ما يميز هذا العصر إنما يكمن بشكلٍ خاص في غياب وطنٍ خاص وفي غياب نزعة قومية ضيقة وفي غياب تراث كابح وفي سهولة الاتصالات وأخيرًا في حرية السلوك وفي أخلاق جنسية مشابهة لحرية السلوك وللأخلاق الجنسية للقرنين التاسع عشر والعشرين. وهذه الأسباب وخاصة الأخير إنما تحددان بشكلٍ خاص ذلك العصر كإطارٍ لقصائد كافافي.(1)

أما المجموعة الثالثة من قصائد كافافي فهي، أخيرًا، المجموعة التي سميناها بالحسية أو بالجمالية.

ومن جهة أخرى، فإن عدة قصائد يمكن أن تندرج في هذه المجموعة أو تلك من المجموعتين الأخيرتين ويمكن اعتبارها إما قصائد تاريخية أو قصائد جمالية.

وقد وُجِّهَتْ انتقادات كثيرة إلى كافافي بصدد هذه القصائد الأخيرة، حيث يأخذ عليه البعض أخلاقه المتساهلة وافتقاره إلى السمو العاطفي. على أن هذا النقد الأخير لا يبدو مشروعًا. لأن كافافي، على الرغم من كونه حسيًّا، بعيد عن أن يكون مبتذلاً. واللقاءات التي يصفها ليست وقتية بل دائمة: فهي تفترض عاطفة نبيلة ما، وإِلاَّ فسوف يكون من الصعب فهم دوام لقاء تحت تأثير الجنس وحده.

إن قصيدة واحدة من قصائد كافافي، وهي قصيدة “شروعهما“، تشير إلى لقاء عابر. لكن العاطفة، هنا أيضًا، ليست غائبة، لأن هذا اللقاء الوقتي، كما تشير إلى ذلك الأبيات الأخيرة من القصيدة، قد ساعد فيما بعد على إلهام الفنان. ومن ثم فإن العاطفة هنا مترتبة على الفعل.

ذلك إذًا هو شعر كافافي. إنه شعر فكريٌّ تمامًا. وما يميزه هو أصالته التي لا حد لها. وسواء شئنا أم أبينا، فإن ما يجب الاعتراف به – وهو مالم يتخلف جميع النقاد عن إبرازه – هو أن هذا الشعر أصيل تمامًا وأنه لا مثيل له في أية لغة. كما أنه لا غرابة في أن كافافي يجد، إلى جانب المعجبين المتحمسين، شاجبين حاسمين. بل إن البعض يذهب إلى حد نفي الطابع الشعري لقصائد كافافي. وهناك من يأخذ عليه لغته المختلطة وخاصة أسلوبه الشعري والذي غالبًا ما تختفي منه القافية.

وفيما يتعلق بالشكوى الأولى، سوف يتذكر القارئ ما قلناه في بداية هذا الفصل، بشأن مسألة اللغة في اليونان. فحتى عام 1885، كانت اللغة الأدبية الوحيدة المستخدمة هي “الكاثارفوسا” أو اللغة الصفائية. على أن هناك عددًا من الشعراء، مثل فالاوريتيس وآخرين، كتبوا بعضًا من أعمالهم باللغة الشعبية (الديموطيقية) لكنهم استخدموا هذه اللغة مثلما يستخدم بعض الشعراء الأجانب لهجة محلية، والدليل على ذلك هو أن فالاوريتيس قد كتب مقدمات لجميع أعماله باللغة الصفائية. ومن جهة أخرى، فإنه فيما عدا هذه الاستثناءات – القليلة جدًّا من جهةٍ أخرى –  لأن شعراء عديدين كتبوا قصائدهم نفسها باللغة الصفائية – فإن الكاثارفوسا كانت واسعة الاستخدام. كما استخدمت في اللغة المكتوبة كلمات مختلفة عن الكلمات المستخدمة في اللغة المنطوقة.

بل إن هناك من ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فقد جرى إجبار بعض كلمات الديموطيقية المستخدمة في الكتابة على الخضوع لقواعد الكاثارفوسا. وهو إجبار يطال النحو من ثم. وكما رأينا، فإن البناء المترتب على ذلك إنما يتميز بطابع مصطنع.

ذلك هو ما كان عليه الوضع حتى عام 1885 عندما قام بسيكاري بالثورة الأدبية المتمثلة في الدعوة إلى الكتابة بالديموطيقية. وقد وصفنا بالفعل النجاح الذي أحرزته هذه الحركة. ومما يؤسف له أنه، كما هي الحال في هذه الأنواع من ردود الفعل، جرى قطع شوط أبعد من المأمول. فبما أن الديموطيقية تعوزها الكلمات المناسبة للتعبير عن أفكار معينة فقد جرى أخذ كلمات من اليونانية القديمة ومن لغات أجنبية وجرى الإعراب عن رغبة في إخضاعها لقواعد اللغة الشعبية.

وفي هذه الحالة، فإنه يجري أيضًا ارتكاب ما يؤخذ على أنصار الكاثارفوسا، أي الانكباب على عمل نُحاة، وهو عمل مفتعل، ويشوه ديموطيقية اللغة المنطوقة التي تستخدم في آن واحد – فيما يتعلق بالأشخاص الحائزين لقدر معين من التعليم على الأقل – أنماطًا لغوية تنتمي على حدٍّ سواء إلى الكاثارفوسا وإلى الديموطيقية.

وقد حاول كافافي على وجه التحديد عدم اقتراف هذا الخطأ، وهو يستخدم في شعره لغة مختلطة تجمع في آن واحد بين اللغة الصفائية واللغة الشعبية وتوجد فيها جنبًا إلى جنب أشكال نحوية مستمدة من اللغتين.

على أن الشاعر الإسكندراني قد أراد بشكل خاص استخدام اللغة المنطوقة في شعره. وبما أنه ليس هناك اعتياد بوجه عام على اعتبار هذه اللغة معبرة عن الشعر – ففي النثر ، على سبيل المثال، تستخدمها الصحف – فإن هذا الواقع يسبب صدمة لدى الوهلة الأولى وربما كان ذلك نفسه يشكل أصالة إضافية لشعر كافافي.

لكن النقطة التي تعرض الشاعر بشأنها إلى أقسى نقد، هي تلك المتصلة بأسلوبه الشعري.

إن الانطباع الذي يكونه المرء من قراءة شعره هو أن شعر كافافي شعر حر. والواقع أن هذا بنسبة 50 في المائة. إنه شعر حر أو “شعر متحرر”. على أن هذا الشعر يخضع أيضًا لقواعد، والقاعدة الأساسية هي قاعدة الإيقاع الإيامبي. فما هي هذه القاعدة؟ إنها تتمثل في أن مقطعًا غير مشدَّد النطق أو مشدَّد النطق بطريقة جد خفيفة يتلوه مقطع مشدَّد النطق بدرجة قوية.

وعندما ترد أربعة أو حتى خمسة مقاطع غير مشدَّدة النطق، فإنها تتلو بطبيعة الحال الإيقاع الإيامبي للمقاطع السابقة والتي يبرز فيها الإيقاع الإيامبي.

تلك هي قواعد الإيقاع التي يتبعها كافافي. ويمكن الاعتراض بأن هذه التقنية الشعرية تعتبر رتيبة أحيانًا. ويعالج الشاعر ذلك بالترقيم الذي يدخل تنوعًا في الشعر بمساعدته على نقل الشعر من الإيقاع الإيامبي إلى الإيقاع التفعيلي. ويبحث الشاعر أحيانًا عن قصائد ترتب فيها أصوات الكلمات بشكل يساعد على إنتاج تناغم محاكٍ للأصوات الطبيعية. لكن هذه القصائد قليلة للغاية.

وفيما يتعلق أخيرًا بالمأخذ الموجه إلى كافافي والذي يتمثل في أن القافية غالبًا ما تكون غائبة عن قصائده، فإننا لا يجب أن ننسى أن كافافي، كما يشير إلى ذلك الشاعر نفسه، هو شاعر هيليني وأن القافية لم تشكل قط عنصرًا ضروريًّا في الشعر اليوناني.

وتغيب القافية عن كل ما لدينا من وفرة رائعة مزدهرة من القصائد والأغاني الشعبية (اليونانية). والشيء نفسه حاصل في بعض الآداب الأجنبية. وهكذا فإن القافية ليست عنصرًا ضروريًّا في الشعر الإنجليزي. وإذا كنا نقابلها في الشعر الفرنسي في أغلب الأحيان، فإن بعض الشعراء الفرنسيين الحديثين قد هجروها، دون أن يتذرع النقد الأدبي مع ذلك بهذا لنفي صفة الشعراء عنهم. ثم إن كافافي لا يفهم البتة كيف لا يكون شعره، أو أي شعر آخر، شعرًا لمجرد غياب القافية عنه أحيانًا.

ذلك هو شعر كافافي في خطوطه العريضة. إن هذا الشعر، الذي يذمه البعض ويعجب به البعض الآخر بحماس، لم يكن له في البداية، كما ذكرنا بالفعل، أي تأثير على الأدب الهيليني الجديد أو على الأدب الأجنبي. لكن هذا الشعر، الذي أصبح معروفًا معرفة أفضل منذ بضع سنوات، قد حاز نجاحًا بالغ الاتساع، إلى درجة أنه لا يكاد يمر شهر، سواءٌ كان ذلك في اليونان أم في فرنسا، أم في انجلترا، إلاَّ وتنشر قصيدة مكتوبة وفقًا لأسلوب كافافي.(2)

وقد بدا هذا النجاح للبعض جد هائل بحيث إنهم أخذوا يتساءلون عما إذا كان يمكن له أن يكون دائمًا وما إذا لم يكن بالإمكان رده إلى موضة عابرة، إلى نزوة. هذا وارد. إلا أنه بما أن كل شيء، في شعر كافافي، يتعارض مع القواعد المقررة، فمن المحتمل لاستثناءٍ، في هذه النقطة أيضًا، أن يؤكد القاعدة العامة. ومن جهة أخرى، فإن الكثير من قصائد كافافي لا تُفهم إلاًّ من خلال الصلات التي تربط بعضها بالبعض الآخر.

(ترجمة عن الأصل الفرنسي)

ـــــــــــــــ

(1)   لا بد من الإشارة إلى اتجاه كافافي مؤخرًا إلى العودة إلى الفترة البيزنطية ومن الواضح أن ذلك ليس من أجل وضع أساطيره في سياق هذه الفترة الذي لا يعتبر ملائمًا لها، وإنما من أجل وصف هذه الفترة بالطريقة التي يتخيلها بها.

(2)   لا بد من الإشارة مع ذلك إلى أنه على الرغم من أن الكثير من هذه القصائد مع كونها كافافية من حيث الشكل فإنها ليست كذلك من حيث الموضوع. ولا يجب أن ننسى ما قلناه عن الإطار الذي يضع كافافي فيه قصائده: الفترة الهيلينستية.

****

بونامي دوبريه

قسطنطين كافافي

الإسكندراني

لعل من المخاطرة، لا بل إن من المخاطرة بالفعل، أن يحاول المرء الكتابة عن رجل استنادًا إلى التعرف على عددٍ قليلٍ من قصائده، وإلى إجراء عددٍ قليلٍ من الأحاديث معه. لكن ما حفزنا إلى مثل هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر ليس مجرد رغبة في إزجاء تحية سريعة. فما حفزنا إلى ذلك هو إحساس بأن هناك بالتأكيد ما يستحق الكتابة عنه، على الرغم من قلة المادة المتاحة: لقد قابلتُ إسكندرانيًّا، بكل ما ينطوي عليه ذلك من معنى.

المعنى، هذه الكلمة مهمة عند التفكير في السيد كافافي، فقصائده كحديثه وحديثه كالإسكندرية والإسكندرية كلها معنى. وهذا واضح بما يكفي من الناحية الظاهرية ذاتها؛ البحر الأزرق الرائق، البيوت ذات اللون الرملي الصافي، الميناء، محطة السكك الحديدية؛ لقد بدت دائمًا هكذا، أو شيئًا مساويًا لذلك، شيئًا بسيطًا تمامًا؛ ولكن ما الذي لا تعنيه؟ القمح أم القطن أم البيض المكشوف على الأرصفة، أم احتفالات عيد الجلوس الملكي؟ ولكن خلف كل ذلك، تحته، مستترًا في أحجارها وترابها، وإن كان موجودًا مع ذلك بالنسبة لمن يمكنهم السماح له بالتسلل إليهم، يكمن العقل المتسائل عن الأشياء، المتسائل عن الرب، ولكن الميال إلى الشك العميق في نفسه، أو في قيمة الأشياء التي يتوصل إليها منتشيًا بالانتصار. ما الذي لا يخطر ببالك عندما تفكر في الإسكندرية؟ إنك لا تفكر فقط في الإسكندر، أو في الولاة الرومان العظام، أو في كليوباترا، أو في عمرو، بل إنك تفكر أيضًا في رياضيات إقليدس، في الشعر وكاليماخوس وثيوكريتوس، في الأفلاطونية الجديدة وأفلوطين وهيباتيا. إسكندرانيًّا كان أول من قاس العالم، إسكندرانيًّا كان من استنبط اللوغوس (وما أكثر ما ينطوي عليه ذلك من المعاني !)؛ وبين جنباتها، ضمت الإسكندرية عوام بسطاء مثل فيزيولوغوس، الذي اكتشف أن عادات إحدى الرخويات أو عادات فرس بحري، أو أي كائن آخر، إنما تذكر على نحو مفعم بالحيوية بشخص المسيح، كما ضمت أشخاصًا على درجة قصوى من الرهافة. وقد ضمت بالدرجة الأولى آلافًا مؤلفة من الأساقفة، الذين ابتدعوا كل الهرطقات الرائعة، العرفانية والآريوسية ومذهب وحدة طبيعة المسيح ومذهب وحدة مشيئته؛ وهناك أقامت هيلين بينما كانت امرأة أخرى جد شبيهة بها محاصرة في طروادة؛ وهناك قصت ملكة شعرها الذي سبح بعد ذلك في الفضاء ليصبح مجموعة من الكواكب. ولكن ما علاقة ذلك كله بالسيد كافافي؟

ليس من الصعب إدراك الصلة، ففي إحدى قصائده المنشورة بالإنجليزية، يناشد السيد كافافي شاعرًا أن يكتب أبياتًا قليلة عن شاعرٍ آخر مات لتوه، وهو يقول له:

رافاييل،

اكتب أبياتك بحيث يكون فيها،

تدري،

شيءٌ من حياتنا،

بحيث يكشف الإيقاع وكل جملة

أن إسكندرانيًّا يكتب عن إسكندرانيٍّ

وهو، علاوة على ذلك، إسكندرانيٌّ مات في عام 610. وسرعان ما تدرك أن السيد كافافي هو أيضًا إسكندرانيٌّ، ليس إسكندرانيًّا معاصرًا فقط (فلا أحد يشك في حداثته) بل إنه إسكندرانيٌّ ينتمي إلى الإسكندرية القديمة، المركبة، جد المرهفة، وربما المتحضرة أكثر من اللازم. إنه، من الناحية الظاهرية، يبدو بسيطًا كالبحـر الأزرق الرائق أو محطة السكك الحديدية، وقصائده تتحدث عن شاهدة قبر أو حفل تتويج أو عن إنسان من المفترض أنه ميت؛ لكنه يختبر القِيَمَ دائمًا، قيم الموضوعي وقيم الذاتي، القيمة الذاتية للموضوعي. وهو إلى بهجة ثيوكريتوس يضيف ريبية لوكيانوس، الذي يجد غرامًا في الاستشهاد به. كما أنه إسكندرانيٌّ يكتب للإسكندرانيِّين، ولذا فإنه سوف يلجأ إلى التلميح لا إلى التصريح، وهو على يقين من أشياء متناقضة كثيرة، لكنه لا يتمسك بهذا اليقين في الوقت الواحد إلاَّ فيما يتعلق بشيءٍ واحدٍ من هذه الأشياء. ولذا فإنه يدعو أنطونيو إلى التحلي بالشجاعة عندما يسمع في منتصف الليل موسيقى الرب الذي يتخلى عنه:

اقتَرِب من النافذة ثابت الجنان

وانصت وأنت مفعمٌ بالعاطفة الجياشة

لا بتوسلات وضراعات الجبان

(آه، ياللغبطة السامية!)

انصت إلى النغمات،

إلى الآلات الموسيقية الرائعة للجوقة الخفية، وودعها،

ودع الإسكندرية التي تفقدها.

أو أنه يرى قيمة الحذر، كما في حالة أحد الوثنيين القلائل الذين كانوا لايزالون هناك:

في العلن، كان يتظاهر بأنه مسيحي

وكان يذهب إلى الكنيسة

فقد كان ذلك هو زمن حكم جوستين العجوز

المستند إلى إفراط في التقوى؛

وكانت الإسكندرية،

المدينة الخائفة من الرب،

تمقت الوثنيين المكروهين.

فما دام العقل يحتفظ برجاحته، فإن الإهاب الذي يرتدي ثيابًا يمكن أن يتصرف كما يجب. وهكذا، فمع أن قصائده قد تبدو بسيطة، فإن في داخلها دائمًا شيءٌ مُرَكَّبٌ إلى حدٍ بعيد، شيءٌ معقد تَعَقُّدَ مدينته، التي لا يبرحها أبدًا. إنه شبيهٌ بشاهدة القبر التي كتب عنها، والتي لا يمكنه أن يفك مما كُتب عليها من كلمات غير كلماتٍ قليلة، بينما تبقى بقية الكلمات موضوعًا لفعاليات التخيل. لكنه، بطبيعة الحال، يترك هذه البقية لفعاليات تخيلٍ مرهفٍ ولا ينسى تزويد هذه الفعاليات بشارةٍ هاديةٍ بارعة.

وبما أنني أجهل “الديموطيقية المعتدلة” التي يكتب بها، فإنني لا أستطيع الحديث عن لغة قصائده. ولا مفر بالطبع من أن تفقد شيئًا في الترجمة، حتى عندما يقوم بها على نحوٍ رائع مترجم كالسيد ج. فالاسوبولو. ولكن حتى مع بساطة أسلوبها الواضحة فإنها تشهد على أصالة عميقة. إنها لا تذهلك بأنها بسيطة، فقصائد السيد كافافي لا تذهلك. بل تتسرب برقة إلى نفسك، دون ادعاء، لكن بثقة ودون أن تواجه مقاومة بالمرة. إنها كحديثه من حيث إنها تبدو وكأنها تدور عن شتى أنواع الأمور. وهو قد يتحدث عن ترام الإسكندرية أو عن البطالمة أو عن استعمال كلمة ما في إنجليزية القرن السابع عشر: فنادرًا ما يعرف المرء عن أي شيءٍ تَحَدَّثَ مع السيد كافافي. وطبيعي أن القصائد أكثر تركيزًا، فمن المؤكد أنها أعمال فنية، لا حياة، وهي تنفذ إلى صميم الأشياء، متخليةً عن تشعبات وتفرعات الحديث، لكنك في كل من حديثه وقصائده تحس أنك لا تناقش بالفعل الموضوع الظاهري بل الشيء الذي ينطوي عليه ذلك الموضوع، سواءٌ كان ذلك الموضوع هو الترام أم تتويج قيصرون، فهذه الموضوعات ليست غير رموز لشيء آخر. وهكذا فإن كلاًّ من حديثه وقصائده يخلف لديك نكهة ما، شيئًا لم تصادفه قط من قبل، صوتًا معلقًا في الهواء، جملة تتدفق في الوعي، مع ما يصاحب كل ذلك من إحساس بشيء قديم إلى درجة لا تصدق وإن كان يظل مع ذلك فتيًّا، بشيء جرت معايشته على نطاق واسع وإن كان حيًّا بشكل متدفق، بشيء سخيٍّ لكنه لا يعرف المساومة، بشيءٍ عليمٍ بالإنسانية يجعلك تشعر بالإمتنان لواقع أنه مع أن السيد كافافي قد يكون إسكندرانيًّا يكتب للإسكندرانيِّين، فإنه أيضًا شاعر يمكنه التحدث، أحيانًا،  للأغراب.

(ترجمة عن الأصل الإنجليزي المنشور في مجلة “لا سومين إيجيبسيان” الفرانكوفونية اليونانية المصرية، عدد 25 أبريل 1929)

*****

أحمد راسم

قسطنطين كافافي

ها هو ذا واحد آخر يرحل عنا! بكل بساطة… كالآخرين. ملمحٌ جميل من أزمنة ولَّت كان يضفي شيئًا من الرونق على مدينة الإسكندرية. أما بيته الحافل بالأسرار، في شارع ليبسيوس، حيث كانت بضع شموع تعكس على الجدران ظلالاً غريبة، فقد كان يشيع حوله موجاتٍ مفعمةٍ بالشعر وباللغز. لقد كان يحب الأشكال الجميلة والأفكار الجميلة وكان يتجول على امتداد الأرصفة كظل. بينما كان حيًّا، كان شبحًا بالفعل، وبموته، يبدو أنه قد أصبح أكثر حياة.

لم ألتقِ بالرجل في حياتي ولا مرةً واحدة، لكن ما أكثر أصدقائي الذين كانوا جد معجبين بشعره.

ذات يوم قال لي بيتريدس:

–   هذا الشاعر ليس البتة ذلك النبع الصافي الذي ينشد في الفجر كل صباح؛ ولا هو أيضًا النافورة التي تروي ظمأ من به كرب؛ إنه شراب محبة، شراب محبة رائق الماء وعذب الغناء. لم يكتب غير عدد قليل من القصائد، يرسلها إلى أصدقائه عندما يطبعها على أوراق منفصلة.

كما قال لي بيتريدس:

–       قرأتُ ذات مرة لكافافي المثل العربي التالي، الذي كنت قد عثرت عليه للتوِّ في مجلة أدبية:

” تضع أنثى النسر ثلاث بيضات. ومن الثلاث، تهمل واحدة وترقد على البيضتين الأخريين. ومن فرخيها، لا تطعم غير واحد.

–       أيها الشاعر، لتحذُ حذْو أنثى النسر؛ وإن كتبت ثلاث قصائد، فلتكن لديك الجسارة على إعدام اثنتين منها “.

عندئذ مسح كافافي صدره بيده مسح من به شهوة وقال:

” لَكَمْ أفهمُ أنثى النسر! إنني أفهم هذا المثل. إنني أحب هذا المثل وأحسه “.

*

لم أقرأ لكافافي غير بضع قصائد مترجمة أحسستُ بقوة جمالها . لكن المرء لا يمكنه، في حالةٍ كهذه، أن يجيز لنفسه الحديث عن شاعرٍ عظيم.

لكن (ستافروس) ستافرينوس (رئيس تحرير مجلة “لاسومين ايجيبسيان” . – المترجم) ، وهو رجل عنيد، يطلب إليَّ، مهما يكن، بضعة سطور عن كافافي.

من رسالةٍ  تلقيتها أخيرًا من الرسام ماكريس ، يسعدني أن أعيد نسخ هذه الفقرة وفي ذهني الأب ستافرينوس…  وروح كافافي الرومانسية الرقيقة:

“لكن الديك الذي يقف على الإفريز، جد قريب من غرفتي، لم يصِحْ البتة عندما دقت ساعة المحطة الجديدة في الواحدة أو الثانية أو الثالثة فجرًا. إنه لا يصيح إلاَّ في الواحدة ونصفًا أو الثانية ونصفًا أو الثالثة ونصفًا.”

ليسمح لي صديقي وشاعري الكبير بأن أذكره بهذا المثل الذي سمعناه صغارًا:

“الديك لا يصيح إلاَّ في ساعة صياحه في موطنه الأصلي”.

والحال أن كل من أتيح له امتياز قراءة شعرك لابد من أن تكون روحه روحًا مُعَذَّبة حتى يتسنى له فهمك.

(1933)

(ترجمة عن الأصل الفرنسي)

 

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:213. Generation time:13.773 sec. Memory consumption:44.77 mb