أنا وأنت ورولان بارت

د.مصطفى عطية جمعة

      تمثل السيميائية قمة نتاج التطور في مسيرة رولان بارت النقدية، ففيها يتحرر من قيود النقد البنيوي الشكلي المنحصر في النصّ وحده، ويغلق الأبواب والمنافذ على النّص، فتبنّى المنهج السيميائي، الذي يوفّر له حرية أكبر في تفسير ما وراء الدّال والمدلول والدلالة ويجعل‏ النّص أكثر انفتاحا على اللغة والعالم، ويرى فيه تحوّلاً لامحدوداً للمدلولات، من خلال تحرّك الدّال الذي ينطلق بطاقة غير محدودة، ولذلك فهو غير قابل للانغلاق أو التمركز، وفيه تحقّق النّص حدّاً غير قابل للتحجيم من الدلالات الكليّة، لأنه مبنى على الاقتباسات المتداخلة مع النصوص الأخرى، ومن الإرجاعات والأصداء، ومن اللغات الثقافية، ولذلك فإن النّص يستجيب للانتشار والتوسع. وهنا لايعود المؤلف رمزاً لأبوّة النّص، ولايعود البداية ولا الغاية، وإنما يعود المؤلف إلى نصّه كضيف فقط، لأن النّص أصبح مفتوحاً على الدلالات، وأصبح كل قارئ ينتج نصّه الذي يبنيه على النّص الماثل. بيد أن بارت حين وجد المنهج السيميائي ([1]).

     في رؤيته السيميولوجية، يؤكد بارت أن كثيرا مما حولنا يمكن أن يكون نصوصا سيميولوجية، بمعنى أن كل ما نراه في مجتمعاتنا في الملابس والميديا وسائر الإنتاج المرئي ( في التلفزيون والسينما والصحف والإعلانات )، فكلها نصوص قابلة للتأويل، والتعبير عن المجتمع وتوجهاته وآرائه ومقاييسه، وبهذا نستطيع قراءة المجتمعات من خلال ما يتبدى منها من علامات مرئية رائجة، بل يمكن النظر في أوجه التشابه والاختلاف بين المجتمعات من خلال السيميائيات المشتركة، فيما يسمى الهوية “Identification ” التي تتيح لنا قراءة المجتمعات المعاصرة من خلال أمثلة الميديا ([2])، وبذلك يقدم بارت أفقا جديدا في قراءة العلامات البصرية، واعتبارها نصوصا ينبغي قراءتها في أطرها المجتمعية والنفسية الجمعية. تلك الرؤية التي نجدها في مرحلته البنيوية، وهو ينظر إلى القصص ويجدها متحققة في مواد مختلفة: شفاهية أو مكتوبة، ويمكن أن تعتمد على الصورة الثابتة أو المتحركة، أو تعتمد على الحركة، وعلى الاختلاط المنظم لكل هذه المواد، وهي حاضرة في التاريخ والأسطورة والخرافة وحكايا الحيوان، مثلما هي حاضرة في مرئيات كثيرة معبرة مثل اللوحة التشكيلية والمسرح الإيمائي والصورة الملونة، وفي كل واجهة عرض زجاجية..، في كل الأزمنة والأمكنة ([3]).

   مما يعني إدراكه المبكر أن العلامات جزء أساس من منهج الإنسان في التعبير، أيا كانت الرسالة المتوخاة منه، ولكن تظل المرئيات سبيلا لفهم المجتمع ككل، والوقوف على كثير من ثقافته ومدركاته، وهذا لب ما بعد البنيوية، وإن كان بارت لم يستخدم المصطلح نهائيا في أعماله، ولكنه حاضر في كتاباته المتطورة، مما يجعله ليس ناقدا ومنظّرا للأدب وحده، وإنما للمجتمع أيضا، وهما حقلان متمايزان إلى حد ما، ولكن بارت أدرجهما ضمن لائحته السيميولوجية العامة، مما يجعلنا نصف أعمال بارت منذ فترة مبكرة بأنها ذات طبيعة سوسيولوجية نوعية ([4]).

   أيضا، فقد نظر إلى اللغة على أنها تصبح في خدمة سلطة بعينها، بل تكوّن أحيانا نظاما لغويا فاشيا، لأن الفاشية ببساطة ليست هي الحيلولة دون الكلام، وإنما هي الإرغام عليه. وأن اللغة لابد أن ترتسم في خانتين: إما في خانة نفوذ القول الجازم، أو في خانة التكرار والجزم، بكل ما فيها من سلطة تقريرية تنطق بالحقائق والمؤكدات، مع مفردات النفي والشك وتعليق الحكم وغير ذلك. وتكمن المأساة في أن الفرد / الأديب مجبر أن يلوك / يتكلم وفق المتعارف عليه لغويا في المجتمع، فيما يسميه بارت ” عبودية الدلائل “، ومن هنا يعود إلى مفهومه الواسع للحرية، ليشمل الانفلات من قهر اللغة وسلطويتها، وعدم الخضوع لمنطقها الدلالي، وأنه لا مكان للحرية إلا خارج اللغة، مع الاعتراف أنه لا معنى للخارج عن اللغة، فلا يمكن الاستغناء عنها نطقا وكتابة، فهي في النهاية انغلاق ([5]).

   لقد أدرك بارت مبكرا انغلاق اللغة وسلطوية نظامها الدلالي، وظل على هذه القناعة منذ نهجه البنيوي حتى وصوله لما بعد البنيوية، وكان هذا دافعا له للنظر إلى جوانب أخرى ناقلة للدلالة، تتبدى في سائر العلامات المنتجة من الإنسان.

   وإذا كان قد عاد إلى الإقرار والتسليم بأنه لا مناص من اللغة، فإنه يقدم رؤية تقدمية للأدب، محورها أن الأدب هو: الخدش الذي تخلفه آثار ممارسةٍ هي ممارسة الكتابة. أما النص فهو: نسيج العلامات والدلائل التي تشكل العمل الأدبي. ومادام النص هو ما تثمره اللغة، وما دامت اللغة ينبغي أن تحارب داخل اللغة، بفعل الدور الذي تقوم به الكلمات، من أجل خلخلة اللغة، وتقديم علامات ودلالات جديدة ([6])، مما يعني أن دور الأديب لغويا ونصيا – بجانب أدواره الأخرى – التحرر من هيمنة الدلالات السلطوية الشائعة، ومن ثم تحطيمها وتقديم دلالات جديدة، تحرر اللغة من سيطرة سابقة مفروضة عليها، وتنتج نظاما دلاليا جديدا، قوامه الحرية، التي مارسها المبدع من خلال لغته وفكره، وأشرك قارئه في هذه الممارسة عندما منحه جديدا في منظومته اللغوية ليتحرر من المتوارث.

    علينا هنا أن نتوقف عند نقاط عديدة تعد ملامح في مسيرة بارت النقدية والتي يمكن أن نفهم توجهاته ما بعد البنيوية، والتي تكونت من خلال تأملاته الطويلة في اللغة والنصوص والمجتمعات والثقافات، الهادفة لمزيد من المعاني العميقة:

أولا: انفتاح رؤية بارت اجتماعيا وثقافيا، متجاوزة الأطر النصية المدونة من ناحية، وتخطيها المؤلف الفرد من ناحية أخرى، لتقرأ ما وراء الفرد وهو المجتمع الإنساني الذي ينتج ويستقبل العلامات من قبل أفراده.

ثانيا: تخطي بارت لفكرة النص المكتوب إلى ما هو مرئي ومتداول فرديا كان أو جماعيا، والتعامل مع سائر الأيقونات والعلامات المنتجة بوصفها نصوصا معبرة عن أفكار ورؤى ومشاعر واتجاهات وتوجهات سوسيوثقافية.

   وعلى حد قوله: فإن كل صورة  بمعنى ما هي حكاية، ويستطيع درس السيميولوجيا أن يكون عونا لكثير من الميادين والمجالات المعرفية، معترفا أن السيميولوجيا منهج لإدراك الواقع، ولكنه ليس إدراكا مباشرا ([7])، وإنما إدراك عبر علامات يتم تفسيرها ومن ثم تحليلها وفهم شبكة علاقاتها المتداخلة.

ثالثا: أنه تبنّى بحماس – ومنذ كتاباته المبكرة – فكرة الأسطورة، التي تعني دراسة المضامين الإيديولوجية لمختلف الأنشطة الإنسانية التي تحفز النقد الاجتماعي عندما يلتقي بطروحات سوسير اللغوية عن العلامات، ومقولات سارتر، وأعمال بريخت ومفاهيمه المسرحية، وأيضا فلسفة ماركس، ومن ثم تحول هذه الأنشطة إلى سلسلة من اللغات، تساهم في فهم أعمق للمجتمع الإنساني ([8]).

    وهذا ما دفع البعض إلى النظر إلى ما بعد البنيوية عند بارت بأنها تنظر إلى ما هو جماعي مجتمعي، في إطار بحوثه السيميولوجية، فهي أشبه بالقنبلة النيوترونية التي تقتل الأشخاص وتترك المنشآت سليمة ([9])، بمعنى أن النص – في تعريفه السيميولوجي – لا يفهم إلا في إطار اجتماعي ثقافي، ولا يتوقف عند الكاتب فحسب، وما استخدام القنبلة النيوترونية إلا بدلالة إيجابية على قدرة ” بارت ” على إعادة قراءة البشر نصيا، أو قراءة النص في إطار بشري واسع، وليس بمعناه السلبي بأنه نسف لما هو بشري، وإبقاء المادي، بل نسف التصورات المعهودة عن جماعة بشرية ما، وإعادة قراءتها سيميولوجيا، وتشريح السيميولوجيا دلاليا.

   وهو يركز في هذا الشأن على ” اجتماعية الأدب “، الذي يعني الطابع الخصوصي والمكاني للأدب، فالأدب له لغته الكونية، وفي نفس الوقت لغة خاصة، لها جذورها الاجتماعية / المكانية ([10])، التي لابد من دراستها. ونفس الأمر ينطبق بالتبعية على العلامات الاجتماعية والثقافية في المجتمع.

على نحو ما نجده في كتابه المعنون بـ ” نسق الموضة Fashion System “، وفيه تحليل واف لأبعاد الموضة في حياتنا وكيف أنها تعبر عن المجتمع الذي يستقبلها، ويتفاعل معها بالارتداء والاستخدام ويساهم بشكل مباشر في انتشارها. فالموضة هنا في النهاية علامات منتجة من قبل أفراد / مصممين، يدركون توجهات المجتمع وثقافته، والجديد فيه. وقد استخدم في هذا الكتاب ملابس النساء وقام بتقديم تحليل واف عنها، شمل الوصف الدقيق لها، ومن ثم تبيان علاقتها بالمعاني في حياتنا على مستوى رسائلها التواصلية والتغيرات التي تطرأ عليها، وتطرق في كتابه إلى علاقة الكلمة بالأشياء، وتوقف بالتحليل عند الكتابات المدونة على الملابس، وقرأها بوصفها نسقا تكامليا يعبر عن ثقافة المجتمع، بل رصد أبعاد البلاغة في الكتابات المدونة وغيرها من الإشارات ([11]).

    وبالطبع فإن تحليل ” بارت ” للموضة، يكون في المجتمعات المتمتعة بالخصوصية الثقافية، بمعنى أنها تحافظ على خصوصياتها الثقافية ضد التغلغل الثقافي والاستلاب الفكري والحضاري، مثل تحليله للمجتمعات المعاصرة: الحداثية والتي لا زالت تقليدية، بما فيها من أزياء. أما الآن، فإن كثيرا من الموضات تصنع في العواصم الغربية، وفق فلسفاتها ورؤاها، ومن ثم يتم تصديرها واستيرادها من قبل الشعوب الأخرى، التي تكاد تمحى فيها الخصوصية الثقافية نتيجة طوفان العولمة. خاصة أن الحدود تلاشت، والمسافات تقاربت، وتشابهت المدن والعادات والمباني بشكل كبير، وأضحى إنسان العولمة يكاد يكون متلاشي الجذور والهوية.

وبعبارة أوجز: لن نستطيع تحليل علامات مجتمع ما، يعاني من الاستلاب الحضاري. وتلك رسالة عكسية، لنلتفت إلى جذورنا التي تميزنا حتما.

   وبذلك يكون بارت قد توصل إلى ما بعد البنيوية ضمن أطر علمية قوامها السيميولوجيا، واجتماعية الأدب، والفهم المكاني / الثقافي /  الإنساني للعلامات.

ويمكن القول إن رولان بارت لم يكن ناقدا فحسب، بل كان مبدعا من خلال كتاباته النثرية والبلاغية التي قدمها للقراء، تاركا طبيعة التصنيف للقارئ ذاته، كما في كتابه شذرات من خطاب العشق، ذي النهج البلاغي المتميز في إعادة اكتشاف نصوص عن العشق والعشاق، لم يجمع بينها إلا مشاعر سامية، وبلاغة راقية. ومارس أكبر درجات الحرية مع القارئ حيث تركه يحاور النصوص ويستنطقها دون تدخل منه أو إرشاد نقدي.

وقد تجلى قمة إبداعه فيما انتهجه في السيميوطيقا، واتساع مفهومها ونصوصها لديه، فقد تخطى المدون إلى المرئي، والمسطور إلى المنطوق، وبنى على طروحات دي سوسير وماركس وسارتر وبريخت ولاكان حول النقد الاجتماعي والنفساني من أجل فهم أعمق للمجتمع والإنسان.

………………….

[1] ) النقد الحر عند بارت، النقد الحر عند رولان بارت، محمد عزّام، مجلة الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، العدد ( 350 )، يونيو 2000م، ص104

[2] ) Analysis of the Concept of Identification in Nowadays Media, Laura Krasovska, 05.12.2006.P2-4

[3] ) المدخل إلى التحليل البنيوي للقصص، رولان بارت، ترجمة: منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري،بيروت، 1993م، ص25

[4] ) رولان بارت، بقلم: أنيت لافرس، ترجمة: حسام نايل، ضمن موسوعة كمبريدج في النقد الأدبي، من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية، تحرير: رامان سلدن، المجلس الأعلى للثقافة، مرجع سابق، المجلد الثاني، ص217.

[5] ) درس السيميولوجيا، درس السيميولوجيا، رولان بارت، ترجمة: عبد السلام بن عبد العالي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط3، 1993م، ص13

[6] ) المرجع السابق، ص14

[7] ) درس السيميولوجيا، مرجع سابق، ص25

[8] ) رولان بارت: مقدمة قصيرة جدا، جوناثان كولر، ترجمة: سامح سمير فرج، مؤسسة هنداوي للنشر، القاهرة، ط1، 2016م.، ص64

[9] ) السابق، ص224. وكتاب نسق الموضة نشر في فرنسا عام 1967م .

[10] ) درس السيميولوجيا، مرجع سابق، ص36

[11])The Fashion system , Rolan Barths , Translated by: Mathew Ward and Richard Howard, University of California Press Ltd. London England.1990. PP 27-55